الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 218

حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد الله! ما تقول في هذا الحديث الّذي يروى أنّ عليّاً قال: أنا قسيم النّار؟ فقال أحمد: وما تنكرون من ذا؟ - وفي كفاية الطّالب: من هذا الحديث؟ - أليس روينا أنّ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ: «لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق»؟ قلنا: بلى، قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنّة، قال: وأين المنافق؟ قلنا: في النّار، قال: فعليّ قسيم النّار. (1)

وقبل أحمد بن حنبل، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وهو الّذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى: «يا علي، إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله، وأخذت أنت بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذت شيعة ولدك بحجزتهم، فترى أين يؤمر بنا؟» (2) إن الحديث صريح في أنّ الصّراط المستقيم هو صراط رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وعليّ والأئمّة من ولده عليهم‌السلام. وفي الحديث ردّ على المفتري الّذي حكم على الشّيعة بالضّلال وأنّهم موضع غضب الله تعالى؛ وإنّما هم على صراطٍ مستقيم، محشرهم ومقرّهم حيث يكون أئمّتهم، فترى أين يكونون؟!

وأخرج الحاكم عن شريك، عن قيس بن مسلم، عن أبي عبد الله الجدليّ، عن أبي ذرّ قال: ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ بتكذيبهم الله ورسوله والتخلّف عن الصلوات والبغض لعليّ بن أبي طالب. (المستدرك على الصحيحين 3: 139 / 43. وأخرج ابن مردويه بسنده عن أبي موسى الأشعريّ قال: أشهد أنّ الحقّ مع عليّ، ولكن مالت الدّنيا بأهلها! ولقد سمعت النبيّ يقول: «يا عليّ أنت مع الحقّ، والحقّ بعدي معك، لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق» وإنّا لنحبّه، ولكنّ الدّنيا تغرّ بأهلها. (فضائل عليّ: لابن مردويه: 115 ح 138، والأربعون حديثاً لابن بابويه: 42).

وأبو سعيد الخدريّ قال: ما كنّا نعرف منافقي هذه الأمّة إلاّ ببغضهم عليّاً. (الترمذيّ في المناقب: 3800، والذهبي في تاريخ الإسلام 3: 434). وأبو الزبير عن جابر بن عبد الله

____________________

(1) طبقات الحنابلة 1: 320؛ للقاضي ابن أبي يعلى؛ كفاية الطّالب 72.

(2) المناقب للخوارزميّ: 296 حديث 289. والحجزة: معقد الإزار. ومجازاً: الاعتصام بالشيء والتّمسّك به.

 


الصفحة 219

الأنصاريّ. ولفظه نفس حديث أبي سعيد. (الاستيعاب 3: 46 و 47؛ وتاريخ الإسلام 3: 634، ومختصر تاريخ دمشق 18: 15).

 

عليّ قسيم الجنّة

عن محمّد بن الحنفيّة رضى الله عنه، قال: سمعت امير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام يقول: «دخلت يوماً منزلي فإذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله جالس، والحسن عن يمينه والحسين عن يساره وفاطمة بين يديه، وهو يقول: يا حسن يا حسين، أنتما كفّتا الميزان وفاطمة لسانه، ولا تعدل الكفّتان إلاّ باللّسان، ولا يقوم اللّسان إلاّ على الكفّتين. أنتما الإمامان، ولأمّكما الشّفاعة. ثمّ التفت إليّ وقال: يا أبا الحسن أنت توفي أجورهم وتقسم الجنّة بين أهلها يوم القيامة» (1). وليس من له هذا الشأن الخطير إلاّ أن يكون صراطه هو الصراط المستقيم من سلكه دخل الجنّة، ومن حاد عنه تردّى!

ومجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إذا كان يوم القيامة، أقام الله عزّ وجلّ جبرئيل ومحمّداً على الصّراط، فلا يجوزه أحد إلاّ من كان معه براءة من عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام.(2)

فهل كان مع معاوية براءة من عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام حتّى يجوز الصّراط؟! فلأمير المؤمنين عليه‌السلام أن يسقط حقّه الخاصّ في خروج معاوية عليه، ولكن كيف يسقط حقوق تلك الألوف من المؤمنين الّذين تضرّجوا بدمائهم في صفّين وغير صفّين على يد معاوية وولاته؟! وكيف يغفر لمعاوية فسقه وتطاوله على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله، والرّسالة؟! يعرب عن ذلك جوابه للمغيرة بن شعبة - وقد ذكرنا الخبر بطوله في مكان آخر قبل هذا الموضع - جاء فيه: إنّ أخا بني هاشم! يصاح به في كلّ يوم خمس مرّات: أشهد أنّ محمّداً رسول الله! فأيّ عمل يبقى بعد هذا، لا أمّ لك؟ إلاّ دفناً دفناً!!

____________________

(1) المناقب الثلاثة لمحمّد بن يوسف البلخيّ الشافعيّ: 125 - 126.

(2) المناقب للخوارزميّ: 320 حديث 324؛ ذخائر العقبى: 71؛ فرائد السمطين للجوينيّ 1: 289؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 131.

 


الصفحة 220

وبذا يكون قد فتح باب الزندقة واسعاً ليجترئ السّلف والخلف على الحذو حذوه عن عمدٍ لا اجتهادٍ أخطأ فيه المجتهد! ذكر المدائنيّ، عن شريك، عن محمّد بن إسحاق، عن عمر بن عليّ قال: «قال: مروان لعليّ بن الحسين: ما كان أحد أكفّ عن صاحبنا من صاحبكم. قال: فلم تشتمونه على المنابر؟! قال: لا يستقيم لنا هذا إلاّ بهذا». (1)

وقد علمت أن سبّ عليّ عليه‌السلام، سب لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ للقرابة القريبة والسّابقة بالإيمان وأنّه نفس رسول الله بنصّ القرآن. بسندٍ عن يعقوب بن جعفر بن سليمان بن عليّ، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: كنت مع عبد الله بن العبّاس وسعيد بن جبير يقوده، فمرّ على ضفّة زمزم فإذا بقوم من أهل الشّام يسبّون عليّاً عليه‌السلام، فقال لسعيد: ردّني إليهم، فوقف عليهم فقال: أيّكم السّابّ لله عزّوجلّ؟! قالوا: سبحان الله، ما فينا أحد يسبّ الله عزّ وجلّ! قال: فأيّكم السّابّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟! قالوا: أمّا هذا فكان. قال: فأشهد على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سمعته أذناي ووعاه قلبي يقول لعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام: يا عليّ! من سبّك فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله عزّ وجلّ، ومن سبّ الله عزّ وجلّ كبّه الله على منخريه في النّار. ثمّ ولّى عنهم، ثمّ قال: يا بنيّ ماذا رأيتهم صنعوا؟ فقلت له: يا أيه:

نظروا   إليك   بأعين  iiمحمرّة      نظر التّيوس إلى شفار الجازر

فقال: زدني فداك أبوك! فقلت:

خزر العيون نواكس أبصارهم      نظر  الذّليل إلى العزيز القاهر

قال: زدني فداك أبوك! قلت: ليس عندي مزيد، فقال: ولكن عندي فداك أبوك:

أحياؤهم عار على أمواتهم      والميّتون مسبّة للغابر(ii(2

____________________

(1) أنساب الأشراف 2: 184 حديث 220. ورواه ابن عساكر، كما في الحديث 1149 بطريق شريك، عن محمّد بن إسحاق، عن عمر بن عليّ بن الحسين، عن عليّ بن الحسين، قال: قال مروان بن الحكم: ما كان في القوم أحد أدفع عن صاحبنا من صاحبكم - يعنى عليّاً عن عثمان!! - قال قلت له: فما لكم تسبّونه على المنابر؟ قال: لا يستقيم الأمر إلاّ بذلك.

(2) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 394 - 395 حديث 48؛ كفاية الطّالب: 82 - 83 (الباب العاشر: في كفر من سبّ عليّاً)؛ نور الأبصار: 220؛ ونثر الدرّ للآبي 1: 412 - 413.

 


الصفحة 221

وذكر العبديّ (1) الحادثة ضمن قصيدة له تعرب عن ولائه وعقيدته في أهل البيت عليهم‌السلام:

وقد    روى   عكرمة   في   iiخبر      ما شكّ    فيه    أحد   ولا   iiامترى
مرّ   ابن   عبّاس  على  قوم  iiوقد      سبّوا    عليّاً،    فاستراع    iiوبكى
وقال      مغتاظاً      لهم:     iiأيّكم      سبّ   إله   الخلق   جلّ   iiوعلا؟!
قالوا:    معاذ    الله!    قال:   iiأيّكم      سبّ  رسول  الله  ظلماً  iiواجترا؟!
قالوا:    معاذ    الله!    قال:   iiأيّكم      سبّ عليّاً خير من وطئ الحصا؟!
قالوا:  نعم  قد  كان  ذا!  فقال:  iiقد      سمعت    والله    النّبيّ    iiالمجتبى
يقول:    من    سبّ   عليّاً   iiسبّني      وسبّتي     سبّ    الإله،    واكتفى

وعن أبي عبد الله الجدليّ، قال: دخلت على أمّ سلمة فقالت: يا أبا عبد الله! أيسبّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيكم وأنتم أحياء؟! قلت: معاذ الله! قالت: أليس يسبّون عليّاً ومن أحبّه؟! قلت: بلى (2).

وعن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن ابن أخي زيد بن أرقم، قال: دخلت على أمّ سلمة زوج النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقالت: ممّن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قالت: من الذين يسبّ فيهم رسول الله؟! قلت: لا والله يا أمّه، ما سمعت أحداً يسبّ رسول الله. قالت: بلى والله! إنّهم يقولون: فعل الله بليّ ومن يحبّه! وقد كان والله رسول الله يحبّه (3).

____________________

(1) في رجال البرقيّ: 41 (أصحاب الصادق عليه‌السلام): سفيان بن مصعب، أبو محمّد، الشّاعر العبديّ، من أهل همدان. وممّا يشير إلى حسن حاله، واستقامة طريقته ما رواه الكشّيّ في رجاله 254 بإسناده عن سماعة قال قال الصادق: يا معشر الشّيعة علّموا أولادكم شعر العبديّ فإنّه على دين الله.

(2) أنساب الأشراف 2: 182 حديث 216؛ كنز العمّال 15: 128. وذكره الطبرانيّ في المعجم الصغير 2: 21، باختلاف يسير في اللفظ، قال: عون عن ابن سلام عن عيسى بن عبد الرّحمن السلميّ عن السدّيّ عن أبي عبد الله الجدليّ، قال: قالت لي أمّ سلمة: أيُسبّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيكم على رؤوس النّاس؟! فقلت: سبحان الله! وأنّى يسبّ رسول الله؟! فقالت: أليس يسبّ عليّ بن أبي طالب ومن يحبّه؟ فأشهد أنّ رسول الله كان يحبّه.

(3) ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 2: 171 حديث 664. ونفس المصدر، صفحة 172 حديث 665، بسندٍ آخر أيضاً عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن ابن أخي زيد، مع اختلاف يسير في اللفظ، وفيه: أنتم الّذين تشتمون النّبيّ؟! وقولها أليس يلعنون عليّاً ويلعنون من يحبّه؟!

 


الصفحة 222

ويبدو لنا أنّ أمّ سلمة رضي الله عنها، كانت تلقي هذه الأحاديث على مسامع هذا وذاك، محاولةً منها لفضح معاوية وكشف فساد سيرته، وانتصاراً منها لحقّ امير المؤمنين عليه‌السلام. وقد كتبت رضي الله عنها إلى معاوية كتاباً في هذا الشأن، جاء فيه: «إنّكم تلعنون الله ورسوله على منابركم، وذلك أنّكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومن أحبّه، وأنا أشهد أنّ الله أحبّه ورسوله» (1).

وبسند عن عليّ امير المؤمنين عليه‌السلام، قال: «حسبي حسب النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وديني دين النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، ومن نال منّي شيئاً فإنّما يناله من النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله» (2).

والسّبّ لا يأتي إلاّ عن بعضٍ متأصّل ومستحكم بالنّفوس، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ عليه‌السلام: «يا عليّ، لا يبغضك من العرب إلاّ دعيّ، ولا من الأنصار إلاّ يهوديّ، ولا من سائر النّاس إلاّ شقيّ» (3).

وعن عمّار بن ياسر قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لعليّ بن أبي طالب: «يا عليّ، إنّ الله قد زيّنك بزينةٍ لم يتزيّن العباد بزينةٍ أحبّ إليه منها: الزّهد في الدّنيا، فجعلك لا تنال من الدّنيا شيئاً، ولا تنال الدّنيا منك شيئاً. ووهب لك حبّ المساكين، ورضوا بك إماماً، ورضيت بهم أتباعاً، فطوبى لمن أحبّك وصدّق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب عليك. فأمّا الذين أحبّوك وصدقوا فيك، فهم جيرانك في دارك، ورفقاؤك في قصرك. وأمّا الّذين أبغضوك وكذبوا عليك، فحقّ على الله أن يوقفهم موقف الكذّابين يوم القيامة» (4).

ومن طرق كثيرة، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، قال: «من آذى عليّاً فقد آذاني» (5).

____________________

(1) العقد الفريد لابن عبد ربّه 2: 301 (ط).

(2) ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 3: 294 حديث 1323؛ أمالي الصدوق: 197؛ أمالي المفيد: 60 حديث 3؛ كنز العمّال 15: 146 حديث 418 باب فضائل عليّ عليه‌السلام.

(3) المناقب، للخوارزميّ 323 حديث 330.

(4) أسد الغابة 4: 101.

(5) ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 1: 424 - 420 (الأحاديث 494 - 497، 500، 502)؛ كفاية الطّالب 676 باب تخصيص عليّ عليه‌السلام بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من آذى عليّاً فقد آذاني»؛ ذخائر العقبى: 65؛ الرّياض النّضرة 2: 167؛ المستدرك على الصحيحين 3: 121؛ أنساب الأشراف 2: 146 حديث 147....

 


الصفحة 223

وعن أبي الأسود، عن عروة: أنّ رجلاً وقع في عليّ بن أبي طالب بمحضر من عمر بن الخطّاب، فقال عمر: تعرف صاحب هذا القبر؟! هو محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب. وعليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب، لا تذكر عليّاً إلاّ بخير، فإنّك إن آذيته آذيت هذا في قبره (1).

وعن العبّاس بن عبد المطّلب، قال: سمعت عمر بن الخطّاب وهو يقول: كفّوا عن ذكر عليّ بن أبي طالب إلاّ بخير، فإنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «في عليّ ثلاث خصال وددت لو أنّ لي واحدة منهنّ. كلّ واحدة منهنّ أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشّمس. وذاك أنّي كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجرّاح، ونفر من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، إذ ضرب النّبيّ على كفّ عليّ بن أبي طالب، وقال: «يا عليّ، أنت أوّل المسلمين إسلاماً، وأنت أوّل المؤمنين إيماناً، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى. كذب من زعم أنّه يحبّني وهو يبغضك. يا عليّ، من أحبّك فقد أحبّني، ومن أحبّني أحبّه الله تعالى، ومن أحبّه الله تعالى أدخله الله الجنّة. ومن أبغضك فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغضه الله تعالى، وأدخله النّار» (2).

وبسند عن محمّد بن اللّيث الجوهريّ، قال: حدّثنا محمّد بن الطّفيل، قال: حدّثنا شريك بن عبد الله، قال: كنت عند الأعمش، وهو عليل، فدخل عليه أبو حنيفة، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، فقالوا: يا أبا محمّد، إنّك في آخر أيّام الدّنيا وأوّل أيّام الآخرة، وقد كنت تحدّث في عليّ بن أبي طالب بأحاديث، فتب إلى الله منها! قال: أسندوني، أسندوني، فأسند، فقال: حدّثنا أبو المتوكّل النّاجيّ عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إذا كان يوم القيامة قال الله تبارك وتعالى لي ولعليّ: ألقيا في النّار من أبغضكما، وأدخلا في الجنّة من أحبّكما، فذلك قوله تعالى: (أَلْقِيَا فِي جَهَنّمَ كُلّ كَفّارٍ عَنِيدٍ ). - ق 23، قال: فقال أبو حنيفة للقوم: قوموا لا يجئ بشيء أشدّ من هذا (3)!

____________________

(1) ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب من تاريخ دمشق 3: 295 حديث 1324.

(2) المناقب الثلاثة لمحمّد بن يوسف البلخيّ الشافعيّ: 107.

(3) مسند الكلابيّ، حديث رقم 3.

 


الصفحة 224

وروى ابن عبد البرّ، قال: قال صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من أحبّ عليّاً فقد أحبّني، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني، ومن آذى عليّاً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله» (1).

وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ: «من آذاك فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله(2).

ولسعد بن أبي وقّاص جواب أسكت به معاوية، إذ قال له هذا: ما منعك أن تسبّ أباتراب؟ قال: أمّا ما ذكرت فلثلاث قالهنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فلن أسبّه لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النّعم، سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لعليّ وقد خلفه في بعض مغازيه - فقال عليّ: يا رسول الله، تخلفني مع النّساء والصّبيان؟! فقال رسول الله: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟» وسمعته يقول يوم خيبر: «لأعطينّ الرّاية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله». فتطاولنا لها، فقال: «ادعوا لي عليّاً». فأتى به أرمد، فبصق في عينيه فبرئ، ودفع إليه الرّاية ففتح الله على يديه. ولما نزلت هذه الآية: (قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ). دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: «اللّهمّ هؤلاء أهلي» (3).

 

حرب وسلم أهل البيت حرب وسلم رسول الله

لقد سرت بغيضة قوم لعليّ عليه‌السلام وحسدهم إيّاه إلى بضعة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأهل بيته عليهم‌السلام؛ فمن تمكّنوا من غصب حقّه فعلوه، ومن أمكنهم حربه وقتله عمدوا إليه. وقد أخرج

____________________

(1) الاستيعاب 3: 37.

(2) ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب من تاريخ دمشق 1: 425 حديث 501. وفي المسلسلات: 17 حديث 30، ذكر ابن الجوزيّ عن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام أنّه قال: حدّثني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو آخذ بشعره قال: «من آذى شعرة منّي فقد آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله لعنه الله مِلْءَ السماوات ومِلْءَ الأرض، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً».

(3) سنن الترمذيّ 5: 301 - 302؛ المناقب الثلاثة للبلخيّ 107 - 108؛ مختصر تاريخ دمشق - ابن منظور 17: 332.

 


الصفحة 225

الطبرانيّ بسند عن السدّيّ، عن صبيح مولى أمّ سلمة، عن زيد بن أرقم: أنّ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ وفاطمة وحسن وحسين عليهم‌السلام: «أنا حرب لمن حاربكم، سلم لمن سالمكم» (1).

وعن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: أبصر النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً وحسناً وحسيناً، فقال: «أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم» (2).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: «الويل لظالمي أهل بيتي، عذابهم مع المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار» (3).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّ قاتل الحسين في تابوت من نار، عليه نصف عذاب أهل النّار، وقد شدّ يداه ورجلاه بسلاسل من نار، منكّس في النّار، حتّى يقع في قعر جهنّم، وله ريح يتعوّذ أهل النّار إلى ربّهم عزّ وجلّ من شدّة ريح نتنه، وفيها خالد ذائق العذاب، لا يفتّر عنهم ساعة ويسقى من حميم الويل لهم من عذاب الله عزّ وجلّ» (4).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّ موسى بن عمران سأل ربّه عزّ وجلّ فقال: يا ربّ، إنّ أخي هارون قد مات فاغفر له. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا موسى! لو سألتني في الأوّلين والآخرين لأجبتك، ما خلا قاتل الحسين بن عليّ؛ فإنّي أنتقم له من قاتله» (5).

ووجه ذلك: أن الحسين عليه‌السلام ريحانة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وهو وأخوه الحسن عليهما‌السلام سبطا رسول الله، وهما وأمّهما وأبوهما أهل بيت النّبيّ المطهّرون من أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله من كلّ رجس، وهم خير البريّة. والحسنان اللّؤلؤ والمرجان بنصّ القرآن، وسيأتي هذا وغيره في

____________________

(1) المعجم الصغير للطبرانيّ 2: 3؛ صحيح الترمذيّ 2: 319؛ المستدرك على الصحيحين 3: 149؛ مسند أحمد بن حنبل 2: 442؛ تاريخ بغداد 7: 136؛ ذخائر العقبى: 25؛ الرياض النّضرة 2: 199؛ الصواعق المحرقة: 112؛ كنز العمّال 6: 216؛ صحيح ابن ماجة: 14؛ مجمع الزوائد 9: 169.

(2) مسند أحمد بن حنبل 2: 442؛ تاريخ بغداد 7: 136؛ البداية والنهاية 8: 205؛ المستدرك على الصحيحين 3: 149؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 64؛ كفاية الطالب: 331؛ ينابيع المودّة 261.

(3) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 66؛ ينابيع المودّة 261.

(4) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 67؛ مقتل الحسين للخوارزميّ 2: 83؛ ينابيع المودّة: 261؛ المقاصد الحسنة للسخاويّ: 302.

(5) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 69؛ مقتل الحسين للخوارزميّ 2: 85.

 


الصفحة 226

الحديث عن أهل البيت في القرآن.

و «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة» (1). مرويّ عن عليّ عليه‌السلام، وأبي سعيد الخدري، وحذيفة بن اليمان، وابن عبّاس... كلّ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

والحسين عليه‌السلام من معجزة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، أعجز النّبيّ به وبأخيه: الحسن، وأمّهما وأبيهما، وفد نصارى نجران يوم المباهلة؛ فالعدوان على واحد منهم عدوان على القرآن عدلهم والصادح بمنزلتهم، وعدوان على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ومن ثمّ على الله تعالى. ومن كان كذلك، فالله خصمه: (مَنْ كَانَ عَدُوّا للّهِ‏ِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنّ اللّهَ عَدُوّ لِلْكَافِرِينَ ) (2). وكان في جهنّم خالداً فيها: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنّ لَهُ نَارَ جَهَنّمَ خَالِداً فِيهَا) (3)؟

 

كفر النّاصبيّ

جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن أبيه، عن أبي ذرّ الغفاريّ، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من ناصب عليّاً الخلافة بعدي فهو كافر، وقد حارب الله ورسوله ومن شكّ في عليٍّ فهو كافر» (4). وفي ينابيع المودّة: «من قاتل عليّاً على الخلافة فاقتلوه كائناً من كان» (5). وفي كفاية الطّالب: عن سالم، عن جابر، قال: سئل عن عليٍّ، فقال: «ذاك

____________________

(1) مسند أحمد بن حنبل 3: 3 و 62؛ أنساب الأشراف للبلاذريّ 3: 7؛ مجمع الزوائد 9: 18؛ سنن ابن ماجة 1: 42؛ كتاب معرفة الصّحابة لأبي نعيم: 144؛ معجم الصّحابة للبغويّ 22: 42؛ فرائد السمطين حديث 414 و 415؛ تاريخ بغداد 2: 185؛ 1: 140، 4: 207، 6: 371، 9: 231 ن 11: 290، 12: 4؛ أسد الغابة 2: 19؛ نور الأبصار: 231؛ الترمذيّ: حديث 3768؛ الاستيعاب 1: 376؛ تهذيب الكمال للمزّيّ 6: 229؛ مستدرك الصحيحين 3: 429؛ تفسير الطبريّ 22: 67؛ المعجم الكبير 3: 47 - 48؛ صحيح مسلم حديث 2424؛ الإبانة لابن بطّة 62؛ مختصر تاريخ دمشق 7: 118 - 119؛ سير أعلام النبلاء 3: 282.

(2) البقرة / 98.

(3) التوبة / 63.

(4) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 46.

(5) نفس المصدر، 181.

 


الصفحة 227

خير البريّة، لا يبغضه إلاّ كافر» (1).

وعطا، قال: سألت عائشة عن عليّ، فقالت: ذاك خير البشر لا يشكّ فيه إلاّ كافر. (2)

وسفيان الثوريّ، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «عليّ خير البشر، فمن امترى فقد كفر» (3).

وعن حذيفة قال: سمعت النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «عليّ خير البشر، من أبى فقد كفر» (4).

والأعمش، عن عديّ بن ثابت، عن زرّ، عن عبد الله، عن عليّ، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من لم يقل: عليّ خير النّاس، فقد كفر» (5).

 

ابن عبّاس يفحم معاوية

عن ربعيّ بن حراش، قال: استأذن عبد الله بن عبّاس على معاوية، وقد علقت عنده بطون قريش، وسعيد بن  العاص جالس عن يمينه فلمّا رآه معاوية مقبلاً، قال: يا سعيد، والله لألقينّ على ابن عبّاس مسائل يعيا بجوابها. فقال له سعيد: ليس مثل ابن عبّاس يعيا بمسائلك.

فلمّا جلس، قال له معاوية: ما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: رحم الله أبا الحسن، كان والله علم الهدى، وكهف التّقى، ومحلّ الحجى، وطود النّهى، ونور السّرى في ظلم الدّجى (6)، داعياً إلى المحجّة العظمى، عالماً بما في الصّحف الأولى، وعالماً بالتأويل

____________________

(1) ينابيع الموده: 246؛ تفسير ابن جرير الطّبريّ 30: 171؛ نور الأبصار للشبلنجيّ: 70.

(2) كفاية الطّالب: 246.

(3) تاريخ بغداد 7: 421، وامترى: أي شكّ وارتاب.

(4) كفاية الطّالب: 245؛ كنوز الحقائق: 92؛ الرّياض النّضرة 2: 220.

(5) تاريخ بغداد 3: 192؛ تهذيب التهذيب 9: 419. وكان أصحابُ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أقبل عليّ عليه‌السلام يقولون: قد جاء خير البريّة نعرض له عند حديثنا عمّا نزل في عليّ من القرآن، إن شاء الله.

(6) العلم: الجبل، والمنارة، وسيّد القوم، وكلّ ما يهتدى به. والحجى: العقل والفطنة. والطود: الجبل العظيم. والنّهى: العقل، سمّي به لأنّه ينهى عن كلّ ما ينافي العقل، فكنّى بذلك عن عصمة عليٍّ عليه‌السلام. السّرى: سيرُ اللّيل مع المشقّة.

 


الصفحة 228

والذّكرى، ومتعلّقاً بأسباب الهدى، وتاركا للجور والأذى، وحائداً عن طرقات الرّدى، وخير من آمن واتّقى، وسيّد من تقمّص (1) وارتدى، وأفضل من حجّ وسعى، وأسمح من عدل وسوّى، وأخطب أهل الدّنيا إلاّ الأنبياء والنّبيّ المصطفى؛ فهل يوازيه موحّد؟! وزوج خير النّساء وأبو السّبطين، لم تر عيني مثله ولا ترى إلى يوم القيامة واللِّقا. من لعنه، فعليه لعنة الله والعباد إلى يوم القيامة (2).

 

الاستدلال بتبليغ براءة

لما كان امير المؤمنين عليه‌السلام ألصق الجميع - بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله - بالقرآن، وإنّما هو القرآن النّاطق، والمتحمّل للقرآن حقّ تحمّله، فلم يكن غير عليٍّ أهلاً للتبليغ عن الله عزّ وجلّ، وعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فعليّ هو الصّراط المستقيم.

ولقد جرى هذا في عهد رسول الله، فلا بدّ أن يمضي بعده، إذ لم ينسخه قرآن ولا سنّة وما زال الوحي والنّبيّ يقرّران وجوب طاعة عليٍّ وموالاته. وكان من توسّد الحاكميّة بعد النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يعرفون له هذه المنزلة، فكانوا يرجعون إليه كلّما أشكل عليهم أمر، ولبس عليهم شيء من القرآن.

وكان السّلف الأوّل من الصّحابة كلّما رجعوا إلى أنفسهم، تهيّبوا شخص عليٍّ وتمنّى الواحد منهم أن تكون له خصلة خصيصة من روائع آيات خصال عليّ، فهي عندهم خير من حمر النّعم، وأفضل ممّا طلعت عليه الشّمس وما غربت!

وواحدة من تلكم الخصائص: ائتمان الله عزّ وجلّ عليّاً عليه‌السلام على سورة «براءة» ليبلّغها أهل مكّة، فكانت من الخصائص الّتي استدلّوا بها على خلافة عليّ عليه‌السلام، وأنّه الصّراط المستقيم.

____________________

(1) تقمّص: لبس القميص. وعلى الاستعارة يقال: تقمّص لباس العزّ وتقمّص الإمارة كما يلبس القميص. فأراد ابن عبّاس منه. يا معاوية! لست ولا غيرك أهلاً لها، إنّما هي لعليّ. وأردف بلعن من لعن عليّاً؛ وهو تعريض بمعاوية الّذي سنّ لعن عليٍّ على المنابر.

(2) مجمع الزوائد للهيتميّ 9: 158.

 


الصفحة 229

عن ابن عبّاس، قال: «بينا أنا مع عمر بن الخطّاب في بعض طرق المدينة، يده في يدي، إذ قال: يا ابن عبّاس، ما أحسب صاحبك إلاّ مظلوماً! فقلت: فردّ عليه ظلامته يا أمير المؤمنين. قال: فانتزع يده من يدي وتقدّمني يهمهم، ثمّ وقف حتّى لحقته، فقال لي: يا ابن عبّاس، ما أحسب القوم إلاّ استصغروا صاحبك. قال: قلت: والله ما استصغره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حين أرسله وأمره أن يأخذ «براءة» من أبي بكر، فيقرؤها على النّاس، فسكت» (1).

عيسى بن أزهر، عن عبد الرزّاق بن همام، بسنده إلى ابن عبّاس، قال: مشيت وعمر بن الخطّاب في بعض أزقّة المدينة، فقال لي: يا ابن عبّاس، أظنّ القوم استصغروا صاحبكم إذ لم يولّوه أموركم! فقلت: والله ما استصغره الله إذ اختاره لسورة براءة يقرؤها على أهل مكّة. فقال لي: الصّواب تقول، والله لسمعت رسول الله يقول لعليّ بن أبي طالب: «من أحبّك أحبّني، ومن أحبّني أحبّ الله، ومن أحبّ الله أدخله الجنّة مدلاًّ» (2).

وعن نبيط (3) بن شريط الأشجعيّ، قال: خرجت مع عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ومعنا عبد الله بن عبّاس، فلمّا صرنا إلى بعض حيطان الأنصار، وجدنا عمر جالساً ينكت في الأرض، فقال له عليّ بن أبي طالب: ما الّذي أجلسك وحدك هاهنا؟ فقال: لأمر همّني. قال عليّ: أفتريد أحدنا؟ فقال عمر: إن كان عبد الله. قال: فتخلّف معه عبد الله بن عبّاس، ومضيت مع عليّ. وأبطأ علينا ابن عبّاس، ثمّ لحق بنا، فقال له عليّ عليه‌السلام: ما وراءك؟ قال: يا أبا الحسن! أعجوبة من عجائب عمر أخبرك بها واكتم عليّ. قال: فهلمّ. قال: لما أن ولّيتَ، قال عمر وهو ينظر إلى أثرك: آه آه آه! فقلت: ممّ تأوّه؟ قال: من أجل صاحبك يا ابن عبّاس

____________________

(1) مختصر تاريخ مدينة دمشق، محمّد بن مكرّم المعروف بابن منظور 18: 7، وفي شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 11: 46، والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك.

(2) مختصر تاريخ دمشق 20: 68 - 69؛ كنز العمّال 13: 109.

(3) نبيط بن شريط الأشجعيّ الكوفيّ، أبو سلمة، له صحبة وبقي بعد النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله زماناً. روى عنه ابنه سلمة، ونعيم بن أبي هند. روى له أبو داود، والتّرمذيّ، والنّسائيّ، وابن ماجة قال عنه يحيى بن معين: «ثقة». طبقات ابن سعد 6: 29؛ طبقات خليفة 47؛ مسند أحمد 4: 305؛ تهذيب الكمال 29: 316؛ الاستيعاب 3: 564؛ الإصابة 3: 551.

 


الصفحة 230

وقد أعطي ما لم يعطه أحد من آل النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله! ولو ثلاث هنّ فيه ما كان لهذا الأمر من أحد سواه! قلت: ما هنّ؟ قال: كثرة دعابته، وبغض قريش له، وصغر سنّه! قال: فما رددت عليه؟ قال: داخلني ما يدخل ابن العمّ لابن عمّه، فقلت: أمّا كثرة دعابته فقد كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يداعب ولا يقول إلاّ حقّاً، وأين أنت حيث كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول ونحن حوله صبيان وكهول وشيوخ وشبّان ويقول للصّبيّ: «سنافاً سنافاً» (1). وأمّا بغض قريش له، فو الله ما يبالي ببغضهم له بعد أن جاهدهم في الله حين أظهر الله دينه فقصم أقرانها وكسر آلهتها وأثكل نساءها في الله. وأمّا صغر سنّه، فقد علمت أنّ الله تعالى حيث أنزل: «براءة» فوجّه النّبيّ صاحبه ليبلّغ عنه، فأمره الله أن لا يبلّغ عنه إلاّ رجل من أهله فوجّهه به، فهل استصغر الله سنّه؟! قال: فقال عمر لا، يا ابن عبّاس: أمسك عليّ واكتم، فإن سمعتها من غيرك لم أنم بين لابتيها (2)!

____________________

(1) سنافاً ك سنف سنفاً البعير: شدّه بالسّناف. وأسنف الأمر: أحكمه. والسّنف: الجماعة، والصّنف والمسنفات: المتقدّمات في سيرها. لسان العرب «سنف». وأيّ معنىً أخذنا به، فهو يشير إلى حسن خلق النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأنّ به دعابة!

(2) فرائد السّمطين لإبراهيم بن محمّد الجوينيّ 1: 334 - 336 حديث 258.

ولابتيها، يعني بهما لابتي المدينة المنوّرة. وفي لسان الميزان 1: 734، قال: «إنّ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله حرّم ما بين لابتي المدينة، وهما حرّتان تكتنفانها. قال ابن الأثير: المدينة بين حرّتين عظيمتين، قال الأصمعيّ: هي الأرض الّتي قد ألبستها حجارة سود، وجمعها لابات».

وفي الحديث، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّ الله حرّم على لساني ما بين لابتيها». تاريخ بغداد 4: 112. وعن أبي هريرة أيضاً أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «إنّ الله حرّم على لساني ما بين لابتي المدينة». تاريخ بغداد 7: 196.

والعجب الشّديد وقوع الكلام الآنف من عمر، ولم يقلع عن أن يعيده في أكثر من مناسبة، وحتّى من غير مناسبة! إذ كان يثيره مندفعاً متحمّساً له ومناضلاً، مع ابن عبّاس ومع غير ابن عبّاس، وكأنّ الدّين لا يعرف ولا يعرف به مزحة ولا فكاهة، وليس هو إلاّ الصّرامة والغلظة والدّرّة في كلّ آن وعلى كلّ حال! ولذا: فإنّ عليّاً - وإن لم يكن سواه جديراً بأمر الخلافة، كما صرّح به عمر - مأخوذٌ عليه ما كان فيه من خلق النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، أي الدعابة. وكذلك: فإنّ عليّاً أقلّ في السنّ من بعض القوم! ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد بعث وفي القوم من هم أسنّ منه. وعيسى بن مريم عليه‌السلام كان نبيّاً وهو لما يزل في المهد! هذا وعمر يقرّر أنّ عليّاً أفضل منه ومن أبي بكر! عن ابن =

 


الصفحة 231

____________________

= عبّاس، قال: «كنت أسير مع عمر بن الخطّاب في ليلةٍ، وعمر على بغل وأنا على فرس، فقرأ آية فيها ذكر عليّ، فقال: أما والله يا بني عبد المطّلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر منّي ومن أبي بكر! فقلت في نفسي: لا أقالني الله إن أقلته. فقلت: أنت تقول ذلك، وأنت وصاحبك وثبتما وأفرغتما الأمر منّا دون النّاس؟! فقال: إليكم يا بني عبد المطّلب! أما إنّكم أصحاب عمر بن الخطّاب! فتأخّرت وتقدّم هنيهةً، فقال: سر لا سرت! وقال: أعد عليّ كلامك، فقلت: إنّما ذكرت شيئاً فرددت عليه جوابه ولو سكتّ سكتنا. فقال: إنّا والله ما فعلنا الّذي فعلنا عن عداوة، ولكن استصغرناه وخشينا أن لا يجتمع العرب وقريش لما قد وترها! قال: فأردت أن أقول كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يبعثه فينطح كبشها فلم يستصغره افتستصغره أنت وصاحبك؟! فقال: لا جرم، فكيف ترى؟ والله ما نقطع أمراً دونه ولا نعمل شيئاً حتّى نستأذنه». محاضرات الأدباء للراغب الأصبهانيّ حسين بن محمّد (ت 425 هـ) 4: 464.

وفي محاورة بين عمر بن الخطّاب وابن عبّاس، تناول عمر العشرة المبشّرة بالجنّة، فنال منهم ولم يثبت منهم أحداً في صلاحه للخلافة واستقامة صراطه إلاّ عليّاً! لكنّه عاد إلى التعلّل بحداثة السّنّ والدّعابة. في تاريخ اليعقوبيّ 2: 158 - 159: «روي عن ابن عبّاس قال: طرقني عمر بن الخطّاب بعد هدأة اللّيل، فقال: اخرج بنا نحرس نواحي المدينة! فخرج وعلى عنقه درّته؟ حتّى أتى بقيع الغرقد، فاستلقى على ظهره، وجعل يضرب أخمص قدميه بيده وتأوّه صعداً، فقلت له: ما أخرجك إلى هذا الأمر؟ قال: أمر الله يا ابن عبّاس. قال: إن شئت أخبرتك بما في نفسك. قال: غص غوّاص، إن كنت لتقول فتحسن. قال: ذكرت هذا الأمر وإلى من تصيّره. قال: صدقت. قال فقلت له: أين أنت عن عبدالرّحمن بن عوف؟ فقال: ذاك رجل ممسك - أي بخيل محبّ للمال - وهذا الأمر لا يصلح إلاّ لمعطٍ من غير سرف ومانع من غير إقتار. قال: فقلت: سعد بن أبي وقّاص؟ قال: ذاك مؤمن ضعيف. فقلت: طلحة بن عبيد الله؟ قال: ذاك رجل يناول للشّرف - أي السّمعة والشّهرة - والمديح، يعطي ماله حتّى يصل إلى مال غيره وفيه بأو - أي عجب وتفاخر - وكبر. قال: فقلت: فالزّبير بن العوّام، فهو فارس الإسلام؟ قال: ذاك يوم غنسان ويوم شيطان، إن كان ليكادح على المكيلة من بكرة إلى الظّهر حتّى تفوته الصّلاة. قال: فقلت: عثمان بن عفّان؟ قال: إن ولي حمل ابن أبي معيط وبني أميّة على رقاب النّاس، وأعطاهم مال الله، ولئن ولي ليفعلنّ والله، ولئن فعل لتسيرنّ العرب إليه حتّى تقتله في بيته. ثمّ سكت. قال: فقال: أمضها يا ابن عبّاس! أترى صاحبكم لها موضعاً؟! قال: فقلت: وأين يتبعّد من ذلك مع فضله وسابقته وقرابته وعلمه؟ قال: هو والله كما ذكرت، ولو وليهم تحمّلهم على منهج الطريق، فأخذ المحجّة الواضحة، إلاّ أنّ فيه خصالاً: الدعابة في المجلس، واستبداد الرأي ن والتبكيت للنّاس مع حداثة السّنّ! قال: قلت: هلاّ استحدثتم سنّه يوم الخندق إذ خرج عمرو بن عبدودّ، وقد كعم - أي جبن - عنه الأبطال، وتأخّرت عنه الشّيوخ؟! ويوم بدر إذ كان يقطّ الأقران =

 


الصفحة 232

____________________

= قطّا؟! ولا سبقتموه بالإسلام. فقال: إليك يا ابن عبّاس! أتريد أن تفعل بي كما فعل أبوك وعليّ بأبي بكر يوم دخلا عليه؟ قال: فكرهت أن أغضبه فسكتّ. فقال: والله يا ابن عبّاس إنّ عليّاً ابن عمّك لأحقّ النّاس بها! ولكنّ قريشاً لا تحتمله. ولئن وليهم ليأخذنّهم بمرّ الحقّ لا يجدون عنده رخصة، ولئن فعل لينكثنّ بيعته ثمّ ليتحاربنّ».

وفي شرح نهج البلاغة 12: 51، ذكره ابن أبي الحديد المعتزليّ موجزاً مع اختلاف في بعض الألفاظ، قال: قال ابن عبّاس: كنت عند عمر، فتنفّس نفساً ظننت أن أضلاعه قد انفرجت، فقلت: ما أخرج هذا النّفس منك إلاّ همّ شديد! قال: إي والله يا ابن عبّاس، إنّي فكّرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الأمر بعدي، ثمّ قال: لعلّك ترى صاحبك لها أهلاً! قلت: وما يمنعه من ذلك مع جهاده وسابقته وقرابته وعلمه؟! قال: صدقت، ولكنّه امرؤ فيه دعابة! قلت: فأين أنت عن طلحة؟ قال: ذو البأو، وبإصبعه المقطوعة؟! قلت: فعبد الرّحمن؟ قال: رجل ضعيف لو صار الأمر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته. قلت: فالزّبير؟ قال: شكس لقس - أي سيّىء الخلق - يلاطم في النّقيع في صاع من برّ. قلت: فسعد بن أبي وقّاص؟ قال: صاحب سلاح ومقنب - أي جماعة الخيل - قلت: فعثمان؟ قال: أوّه! ثلاثاً، والله لئن وليها ليحملنّ بني معيط على رقاب النّاس، ثمّ لتنهضنّ إليه العرب. قال: ثمّ أقبل عليّ بعد أن سكت هنيهةً، وقال: أجرؤهم - والله - غن وليها أن يحملهم على كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم لصاحبك! أما إن ولي أمرهم حملهم على المحجّة البيضاء والصّراط المستقيم.

ومساجلات ابن عبّاس وعمر كثيرة، وكلّها تنبئ عن طول باع ابن عبّاس في الحوار، وأنّه بحر لا يساجل ولا يبلغ قراره، وطود لا تنال ذروته، إذ هو تلميذ عليّ عليه‌السلام وتابعه. وقد كان عمر يقرّ له بذلك كما أقرّ من قبله لعليٍّ بما له.

في شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 12: 52 - 54: عن عبد الله بن عمر، قال: كنت عند أبي يوماً، وعنده نفر من النّاس، فجرى ذكر الشّعر، فقال: من أشعر العرب ظ فقالوا: فلان وفلان، فطلع عبد الله بن عبّاس، فسلّم وجلس، فقال عمر: قد جاءكم الخبير! من أشعر النّاس يا عبد الله؟ قال: زهير بن أبي سلمى. قال: فأنشدني ممّا تستجيده له. فقال: إنّه مدح بني سنان، فقال:

لو كان يقعد فوق الشّمس من iiكرم      وم    بأوّلهم   أو   مجدهم   قعدوا
قوم   أبوهم   سنان  حين  تنسبهم      طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
إنس  إذا  أمنوا،  جنّ  إذا  فزعوا      مرزءون    بهاليل    إذا   iiجهدوا
محسّدون  على  ما  كان  من iiنعم      لا  ينزع  الله  منهم  ما له iiحسدوا

فقال عمر: والله لقد أحسن، وما أرى هذا المدح يصلح إلاّ لهذا البيت من هاشم لقرابتهم من رسول الله: فقال ابن عبّاس: وفّقك الله، فلم تزل موفّقاً. فقال يا ابن عبّاس، أتدري ما منع النّاس منكم؟ قال: لا، قال: لكنّي أدري =

 


الصفحة 233

حديث براءة

ومن أمرها: لما نزلت عشر آيات من «براءة» على النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، دعا أبابكر ليقرأها على أهل مكّة، ثمّ دعا عليّاً فقال له: «أدرك أبابكر، فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه، فاذهب به

____________________

= قال: ما هو؟ قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة فتجخفوا جخفاً - أي تتكبّروا - فنظرت قريش لنفسها، فاختارت ووفّقت فأصابت! فقال ابن عبّاس: أيميط امير المؤمنين عنّي غضبه فيسمع؟! قال: قل ما تشاء. قال: أمّا قولك: إنّ قريشاً كرهت، فإنّ الله تعالى قال لقوم: (ذلِكَ بِأَنّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) [ سورة محمّد 9 ]. وأمّا قولك: «إنّا كنّا نجخف»، فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة، ولكنّا قوم أخلاقنا مشتقّة من خلق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الّذي قال الله تعالى [ فيه ]: (وَإِنّكَ لَعَلَى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) [ سورة القلم 4 ]، وقال له: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، [سورة الشعراء 215 ]. وأمّا قولك: «فإنّ قريشاً اختارت»، فإنّ الله تعالى يقول: ( وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) [ سورة القصص 68 ]، وقد علمت أنّ الله اختار من خلقه لذلك من اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفّقت وأصابت قريش.

فقال عمر: على رسلك يا ابن عبّاس، أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ غشّاً في أمر قريش لا يزول، وحقداً عليها لا يحول! فقال ابن عبّاس: مهلا! لا تنسب هاشماً إلى الغشّ، فإنّ قلوبهم من قلب رسول الله الّذي طهّره الله وزكّاه، وهم أهل البيت الّذي قال الله تعالى لهم: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) [ سورة الأحزاب 33 ]. وأمّا قولك: «حقداً» فكيف لا يحقد من غصب شيئه، ويراه في يد غيره؟!

قال عمر: بلغني أنّك لا تزال تقول: أخذ هذا الأمر منك حسداً وظلماً. فقال: أمّا قولك: «حسداً» فقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنّة، فنحن بنو آدم المحسود. وأمّا قولك: «ظلماً» فأنت تعلم صاحب الحقّ من هو! ثمّ قال: ألم تحتجّ العرب على العجم بحقّ رسول الله، واحتجّت قريش على سائر العرب بحقّ رسول الله؟! فنحن أحقّ برسول الله من سائر قريش. فقال له عمر: قم الآن فارجع إلى منزلك. فقام، فلمّا ولّى هتف به عمر: أيّها المنصرف إنّي - على ما كان منك - لراعٍ حقّك! فالتفت ابن عبّاس فقال: إنّ لي عليك وعلى كلّ المسلمين حقّاً برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فمن حفظه فحقّ نفسه حفظ، ومن أضاعه فحقّ نفسه أضاع ثمّ مضى. فقال عمر لجلسائه: «واها لابن عبّاس! ما رأيته لاحى أحداً قطّ إلاّ خصمه»!

وممّا يجري هذا المجرى ما ذكره الشريف الرضيّ في كتابه «خصائص امير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام صفحة 48، قال: بإسناد مرفوع إلى الأعمش، عن ابن عطيّة، قال: لما خرج عمر بن الخطّاب إلى الشّام، وكان العبّاس بن عبد المطّلب معه يسايره، وكان من يستقبله ينزل فيبدأ بالعبّاس فيسلّم عليه يقدّر النّاس أنّه الخليفة لجماله وبهائه وهيبته، فقال عمر: لعلّك تقدّر أنّك أحقّ بهذا الأمر منّي؟! فقال له العبّاس: أحقّ به منّي ومنك من خلّفناه بالمدينة! فقال عمر: من ذلك؟ قال: من ضربنا بسيفه حتّى قادنا بالإسلام، يعني امير المؤمنين عليه‌السلام.

 


الصفحة 234

إلى أهل مكّة، فاقرأه عليهم». فلحقه بالجحفة، وأخذ الكتاب منه، ورجع أبوبكر فقال: يا رسول الله! نزل فيّ شيء؟ قال: «لا. ولكنّ جبريل جاءني فقال: لن يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك». وفي لفظٍ: «ولكن أمرت أن لا يبلّغها إلاّ أنا أو رجل منّي». و «لا يذهب بها إلاّ رجل هو منّي وأنا منه». و «لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو عليّ». و «إنّما يؤدّي عنّي أنا أو رجل من أهل بيتي، وإنّ عليّاً رجل من أهل بيتي»... وبألفاظ أخرى لا تبعد عن هذه.

والحديث ينتهي إلى الصّحابة الأوّلين، منهم:

عليّ بن أبي طالب، وأبو بكر، وعبد الله بن عبّاس، وأبو ذرّ الغفاريّ، وأبو سعيد الخدريّ، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وأبو رافع مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وحبشيّ (1) بن جنادة، وزيد بن يثيع (2)، وسعد (3) بن

____________________

(1) في طبقات خليفةبن خيّاط 109: «حبشي». وفي أسد الغابة 1: 439: «حبشيّ بن جنادة السّلوليّ. يكنّى أبا الجنوب. روى عنه الشعبيّ، وأبو إسحاق السّبيعيّ». وفي تهذيب الكمال للمزّيّ 5: 349: «له صحبة. قال: سمعت رسول الله يقول: (عليّ منّي وأنا من عليّ ولا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو هو).

(2) في طبقات ابن سعد 6: 222؛ تاريخ البخاريّ الكبير ج 3 ترجمة 1356؛ ميزان الاعتدال ج 2 ترجمة 3032؛ جامع الترمذيّ 3: 213؛ تهذيب التهذيب 3: 427؛ تهذيب الكمال 10: 115؛ الجرح والتعديل ج 3 ترجمة 2598: «زيد بن يثيع، ويقال: ابن أثيع، الهمدانيّ الكوفيّ. روى عن عليّ بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان وأبي بكر، وابي ذرّ الغفاريّ. روى عن أبو إسحاق السّبيعيّ. عن زيد، قال: سألنا عليّاً: بأيّ شيء بعثت؟ قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنّة إلاّ نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم ومشرك في الحجّ، ومن كان بينه وبين النّبيّ عهد فعهده إلى مدّته، ومن لم يكن له عهد فهي أربعة أشهر». رواه الترمذيّ في الحجّ، باب سورة التوبة. ولزيد أحاديث أربع أخرى عن عليٍّ، بألفاظ أخرى.

(3) عن عبد الله بن شريك، عن الحارث بن مالك، قال: أتيت مكّة فلقيت سعد بن أبي وقّاص، فقلت: هل سمعت لعليّ منقبة؟ قال: لقد شهدت له أربعاً لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من الدّنيا أعمّر فيها مثل عمر نوح عليه‌السلام: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعث أبا بكر ببراءة إلى مشركي قريش، فسار بها يوما وليلةً، ثمّ قال: لعليّ: إتبع أبا بكر فخذها وبلّغها وردّ عليّ أبا بكر. فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله! أنزل فيّ شيء؟ قال: لا إلاّ خيراً، إلاّ أنّه ليس يبلّغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي، أو قال: من أهل بيتي» قال سعد: وكنّا...» الحديث. ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 1: 234. وعن جابر بن الحرّ النّخعيّ، عن عبد الله بن شريك، عن الحارث بن ثعلبة، قال: سمعت سعد بن أبي وقّاص يقول: لقد كانت لعليّ خصال لأن تكون لي واحدة منها أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها: «...، =

 


الصفحة 235

أبي وقّاص.

وقد روت الحديث أمّة من أئمّة الحديث والحفّاظ، معتنيةً بمتنه وسنده، هذه طائفة منهم: إسماعيل السّدّيّ، المتوفّى سنة 128 هـ، محمّد بن إسحاق (صاحب السّيرة)، المتوفّى سنة 152 هـ، محمّد بن عمر الواقديّ (صاحب المغازي والسّير)، المتوفّى سنة 207 هـ، عبد الملك بن هشام، المتوفّى سنة 218 هـ (وهو الّذي انتهت إليه سيرة ابن إسحاق فهذّبها وباتت تعرف باسمه)، محمّد بن سعد الزّهريّ كاتب الواقديّ، المتوفّى سنة 230 هـ وله (الطبقات الكبرى)، أبو بكر ابن أبي شيبة العبسيّ، المتوفّى سنة 235 هـ، أحمد بن حنبل، المتوفّى سنة 241 هـ، عبد الله بن عبد الرّحمن الدّارميّ، المتوفّى سنة 255 هـ، محمّد بن إسماعيل البخاريّ (صاحب الصّحيح، والتاريخ الكبير)، المتوفّى سنة 256 هـ، محمّد بن يزيد القزوينيّ «ابن ماجة»، المتوفّى سنة 273 هـ، محمّد بن عيسى الترمذيّ المتوفّى سنة 279 هـ، أحمد بن يحيى البلاذريّ، من أعلام القرن الثالث الهجريّ، أحمد بن أبي عاصم المتوفّى سنة 287 هـ، الحسين بن الحكم الحبريّ، المتوفّى سنة 286 هـ، محمّد بن مسعود العيّاشيّ القرن الثالث الهجريّ، أحمد بن عليّ النّسائيّ، المتوفّى سنة 303 هـ، محمّد بن جرير الطّبريّ، المتوفّى سنة 310 هـ، يعقوب بن إسحاق الأسفرائنيّ (صاحب المسند)، المتوفّى سنة 316 هـ، ابن حبّان التميميّ، المتوفّى سنة 354 هـ، سليمان بن أحمد الطّبرانيّ، المتوفّى سنة 360 هـ، الدّار قطنيّ، المتوفّى سنة 385 هـ، سليمان بن أحمد الطّبرانيّ، المتوفّى سنة 360 هـ، الدّار قطنيّ، المتوفّى سنة 385 هـ، فرات بن إبراهيم الكوفيّ، من أعلام القرن الرّابع الهجريّ، الحاكم النّيسابوريّ، المتوفّى سنة 405 هـ، ابن مردويه، المتوفّى سنة 416 هـ أحمد بن محمّد الثّعلبيّ (المفسّر)، المتوفّى سنة 426هـ، أبو نعيم الأصبهانيّ، المتوفّى سنة 430 هـ، أبو الحسن عليّ بن محمّد الماورديّ، المتوفّى سنة 450 هـ، أحمد بن الحسين البيهقيّ، المتوفّى سنة 458 هـ، ابن المغازليّ عليّ بن محمّد الشّافعيّ، المتوفّى سنة 483 هـ، عبيد الله بن عبد الله الحسكانيّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 471 هـ، نجم الدين النّسفيّ

____________________

= والرّابعة أنّه أرسل أبابكر ببراءة فأرسل عليّاً على أثره، فأخذ منه براءة فقرأها على أهل مكّة، فلأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها نفس المصدر 239.

 


الصفحة 236

الحنفيّ، المتوفّى سنة 537 هـ محمود بن عمر الزمخشريّ، المتوفّى سنة 537 هـ، محمّد بن أحمد القرطبيّ، المتوفّى سنة 567 هـ، أخطب خوارزم الحنفيّ، المتوفّى سنة 568 هـ، ابن عساكر الدّمشقيّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 571 هـ، عبد الرحمن الخثعميّ السّهيليّ، المتوفّى سنة 581 هـ، فخر الدين الرّازيّ، المتوفّى سنة 606 هـ، عليّ بن محمّد الجزريّ، المتوفّى سنة 630 هـ، سبط ابن الجوزيّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 654 هـ، ابن أبي الحديد المعتزليّ، المتوفّى سنة 655 هـ، محمّد بن يوسف الگنجي الشّافعيّ، المقتول سنة 658 هـ، القاضي البيضاويّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 685 هـ، محبّ الدّين أحمد بن عبد الله الطّبريّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 694 هـ، محمّد بن مكرّم بن منظور (صاحب مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر)، المتوفّى سنة 711 هـ، إبراهيم بن محمّد الجوينيّ، المتوفّى سنة 730 هـ، محمّد بن عبد الواحد الحنفيّ، المتوفّى سنة 681 هـ، عليّ بن محمّد الخازن، المتوفّى سنة 741 هـ، محمّد بن أحمد الذّهبيّ، المتوفّى سنة 748 هـ، ابن كثير الدّمشقيّ الحنبليّ المتوفّى سنة 774 هـ، تقي الدّين المقريزيّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 845 هـ، ابن حجر العسقلانيّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 852 هـ ابن الصّبّاغ المالكيّ، المتوفّى سنة 855 هـ، محمّد بن أحمد العينيّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 855 هـ، جلال الدين السّيوطيّ الشّافعيّ المتوفّى سنة 911 هـ، أحمد ابن محمّد القسطلانيّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 923 هـ، ابن حجر الهيتميّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 974 هـ، المتّقيّ الهنديّ، المتوفّى سنة 975 هـ، محمّد الزرقانيّ المالكيّ، المتوفّى سنة 1122 هـ، الشوكانيّ، المتوفّى سنة 1250 هـ، القندوزيّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 1293 هـ.

ولو ذكرنا ما وقع لنا من أسماء الرّواة والحفّاظ الّذين عنوا بتبليغ براءة لطال المقام ولعنّينا القارئ الكريم، علماً أنّا قد أبعدنا محدّثي الشّيعة ورواتهم - على جلالتهم - لتكون الحجّة أبلغ على من ركب طريق الجدل العقيم.

 

مصادر حديث براءة

- كتاب التسهيل لعلوم التنزيل: محمّد بن أحمد بن جزيّ الكلبيّ.

تفسير البغويّ، المسمّى «معالم التنزيل»: الحسين بن مسعود الفرّاء البغويّ الشافعيّ،

 


الصفحة 237

المتوفّى سنة 516 هـ.

تفسير البيضاويّ، وعليه حاشية محيي الدّين زاده.

تفسير الثعالبيّ، الموسوم بـ «جواهر الحسان في تفسير القرآن»: عبد الرحمن أبو زيد الثعالبيّ، المتوفّى سنة 857 هـ.

تفسير الطّبريّ: أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ، المتوفّى سنة 310 هـ وبهامشه تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان لنظام الدّين الحسن بن محمّد النّيسابوريّ.

تفسير العيّاشي، الموسوم بـ «التنزيل»: محمّد بن مسعود بن محمّد بن عيّاش السّمرقنديّ، من علماء القرن الثالث الهجريّ.

تفسير القرآن العظيم: أبو الفداء إسماعيل بن كثير، المتوفّى سنة 774 هـ.

التفسير الكبير: فخر الدّين الرّازيّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 606 هـ.

تفسير الماورديّ، الموسوم بـ «النّكت والعيون» أبو الحسن عليّ بن محمّد الماورديّ البصريّ، المتوفّى سنة 450 هـ.

تنوير المقباس في تفسير ابن عبّاس.

الجامع لأحكام القرآن: محمّد بن أحمد القرطبيّ، المتوفّى سنة 671 هـ.

الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدّين السّيوطيّ، المتوفّى سنة 911 هـ.

شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: عبيد الله بن عبد الله الحسكانيّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 471 هـ.

قصص الأنبياء المسمّى «عرائس المجالس»: أحمد بن محمّد الثّعلبيّ، المتوفّى سنة 426 هـ وبهامشه كتاب روض الرّياحين في حكايات الصّالحين لليافعيّ.

الكشّاف: محمود بن عمر الزمخشريّ، المتوفّى سنة 528 هـ.

تفسير الحبريّ: الحسين بن الحكم بن مسلم الحبريّ، المتوفّى سنة 286 هـ.

تفسير الكوفيّ: فرات بن إبراهيم الكوفيّ، من أعلام القرن الرّابع الهجريّ.

تفسير الخازن «لباب التأويل في معاني التّنزيل»: عليّ بن محمّد المعروف بالخازن، المتوفّى سنة 725 هـ وبهامشه «مدارك التنزيل وحقائق التّأويل» لعبد الله بن محمود

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة