الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 199

خير البريّة محمّد رسول الله. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «بارك الله عليكما، وبارك فيكما، وأسعدكما، وأخرج منكما الكثير الطّيب».

رواه أنس، وقال: فو الله لقد أخرج منهما الكثير الطيّب. (1)

 

طعام العرس

ثمّ دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بلالاً، فقال: «يا بلال، إنّي زوّجت ابنتي ابن عمّي، وأنا أحبّ أن يكون من سنّتي الطعام عند النّكاح، فأت الغنم فخذ شاة وخمسة أمداد شعيراً، فاجعل لي قصعة فلعلّي أجمع عليها المهاجرين والأنصار، فإذا فرغت منها فأذنّي بها. ففعل ذلك، وأتاه حين فرغ ووضعها بين يديه، فبرّك عليها ثمّ قال: أدخل النّاس عليّ زفّة زفّة (2). فجعل النّاس يزفّون، حتّى إذا فرغوا، برّك عليها، ثمّ قال: يا بلال، احملها إلى أمّهاتك، فقل لهنّ: كلن وأطعمن من غشيكنّ، ففعل ذلك بلال. (3)

 

زفاف فاطمة

ولما كان اللّيل، أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بقطيفة فثناها على بغلته الشّهباء، وحمل عليها فاطمة عليها‌السلام، فكان رسول الله أمامها، وسلمان يقود البغلة، وبلال يسوق البغلة، وجبرائيل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها، والملائكة من ورائها يسبّحون الله ويقدّسونه، فكبّر جبرائيل وكبّر ميكائيل وكبّرت الملائكة وكبّر رسول الله، فوقع التكبير على العرائس من تلك اللّيلة. (4) رواه جابر بن عبد الله.

ثمّ أدخلها صلى‌الله‌عليه‌وآله على عليّ، ودعا بماء فمجّ فيه ونضح منه على فاطمة، وقال: «اللّهمّ إنّي أعيذها بك وذرّيّتها من الشّيطان الرّجيم». ثمّ صبّ منه على عليّ وقال: «اللّهمّ إنّي أعيذه

____________________

(1) المناقب للخوارزميّ: 336 - 337؛ كفاية الطّالب: 298.

(2) الزفّة: الزمرة.

(3) المناقب للخوارزميّ: 339؛ كفاية الطّالب: 305.

(4) مناقب الإمام علي لابن المغازليّ: 344؛ كفاية الطّالب: 303؛ المناقب للخوارزميّ: 342.

 


الصفحة 200

بك وذرّيّته من الشّيطان الرّجيم». ثمّ قال: «ادخل بأهلك بسم الله والبركة» (1). ودنا منهما، وأمكن عليّاً من كفّها، ثمّ قال: «اللّهمّ إنّهما منّي وأنا منهما، اللّهمّ فكما أذهبت عنّي الرّجس وطهّرتني تطهيراً فطهّرهما». ثمّ أغلق عليهما الباب، وانطلق (2).

وفي خبر طويل عن أمّ سلمة إنّ جبرائيل عقد عقدة النّكاح، وأشهد عليه الملائكة، وكتب الشّهادة في حريرة بيضاء، عرضها على النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وختمها بخاتم مسك، ودفعها إلى رضوان خازن الجنان (3).

إنّ الناية الربّانيّة لعليّ وهو في بطن أمّه، ثمّ من المهد إلى اللّحد، وانتقاء الباري تعالى عليّاً لفاطمة وفاطمة لعليّ لهو أصدق أمارة على استقامة صراط عليّ، ولأجله لم يكن غيره كفواً لفاطمة.

 

عليّ وآله صراط الله المستقيم

هدت الأدلّة المنطقيّة إلى أنّ عليّاً وآله عليهم‌السلام، هم الهداة إلى الحقّ، وأنّ مشايعتهم واجب وصراطهم مستقيم، وتواتر ذلك في كتب السّيرة والتفسير والسّنن.

عن وكيع بن الجرّاح، عن سفيان الثوريّ، عن السّدّيّ، عن أسباط ومجاهد، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، قال: يقول: قولوا معاشر العباد: اهدنا إلى حبّ النّبيّ وأهل بيته. (4)

مسلم بن حنان (5)، عن أبي بريدة، في قول الله تعالى: (اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )، قال: صراط محمّد وآله. (6)

____________________

(1) المناقب لابن المغازليّ: 349؛ كنز العمّال 5: 99؛ الرّياض النّضرة 2: 180.

(2) حلية الأولياء 2: 75؛ كفاية الطّالب: 307؛ مجمع الزوائد 9: 207.

(3) المناقب للخوارزميّ: 346 - 347.

(4) شواهد التنزيل، للحسكانيّ الحنفيّ 1: 75 حديث 78؛ اللّوامع النّورانيّة، هاشم البحرانيّ: 8؛ تفسير البرهان له أيضاً 1: 52، وفي المناقب لابن شهر آشوب 3: 271: «أرشدنا إلى حبّ محمّد وأهل بيته».

(5) يرد في المصادر: حنان، وحيّان - بياء مشدّدة - وحبان، والأظهر حيّان.

(6) شواهد التنزيل 1: 74 حديث 86؛ مناقب ابن شهر آشوب 3: 271 عن تفسير الثعلبيّ؛ وعن كتاب =

 


الصفحة 201

وعن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّ الله جعل عليّاً وزوجته وأبناءه حجج الله على خلقه، وهم أبواب العلم في أمّتي، من اهتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم» (1).

عن حذيفة بن اليمان، قال: «قالوا: يا رسول الله ألا تستخلف عليّاً؟ قال: إن تولّوا عليّاً تجدوه هادياً مهديّاً، يسلك بكم الطّريق المستقيم» (2).

وعن عبد الله بن مسعود، قال: كنّا مع النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، ليلة وفد (3) الجنّ، قال: فتنفّس، فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: نعيت إليّ نفسي. قلت: فاستخلف. قال: من؟ قلت: أبو بكر. قال: فسكت ثمّ مضى ساعة، ثمّ تنفّس. قال: قلت: ما شأنك؟ قال: نعيت إليّ نفسي يا ابن مسعود. قال: قلت: فاستخلف. قال: من؟ قلت: عليّ بن أبي طالب. قال: أما والّذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلنّ الجنّة أجمعين أكتعين. (4)

____________________

= ابن شاهين عن رجاله عن مسلم بن حيّان عن أبي بريدة؛ خصائص الوحي المبين لابن البطريق: 104؛ البرهان للبحرانيّ 1: 52؛ اللّوامع النورانيّة له أيضاً: 8.

(1) شواهد التنزيل 1: 76 حديث 89.

(2) كفاية الطّالب: 163. قال: هذا حديث حسن عال. حلية الأولياء 1: 64.

(3) لما مات أبو طالب حامي رسول الله وناصره نالت قريش من النّبيّ من الأذى ما لم تكن تناله في حياة عمّه أبي طالب، فخرج رسول الله إلى الطّائف يلتمس النّصرة من ثقيف، ورجاء أن يقبلوا الإسلام، إلاّ أنّهم أبوا عليه ذلك، وحرّضوا عليه جهّالهم، فآذوه. حتّى إذا يئس من خيرهم انصرف راجعاً إلى مكّة، حتّى إذا كان بنخلة - أحد واديين على ليلة من مكّة، يقال لأحدهما نخلة الشّاميّة، وللآخر نخلة اليمانيّة - قام من جوف اللّيل يصلّي، فمرّ به نفر من جنّ نصيبين، فاستمعوا له، فلمّا فرغ آمنوا، ثمّ ولّوا إلى قومهم منذرين. السّيرة النّبويّة لابن هشام 2: 60 - 63. وانظر قصّتهم في سورة الأحقاف: 29 - 32، وسورة الجنّ: 1 - 20.

(4) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور 18: 32؛ ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 3: 95 رقم 1124. وأكتع مصدر كتعاء: كلمة توكيد تلحق «أجمعين»، ولا تقدّم عليها ولا تستعمل إلاّ معها، فيفيد معنى الكلّ، يقال: رأيتهم أجمعين أكتعين، أي رأيتهم كلّهم. لسان العرب (كتع).

 


الصفحة 202

وعن ابن مسعود قال: استتبعني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ليلة الجنّ، فانطلقت معه حتّى بلغنا أعلى مكّة، فخطّ عليّ خطّاً وقال: لا تبرح حتّى آتيك. ثمّ انصاع في جبال فرأيت الرّجال ينحدرون عليه من رؤوس الجبال، حتّى حالوا بيني وبينه. فاخترطت السّيف وقلت لأضربن حتّى أستنقذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ثمّ ذكرت قوله: «لا تبرح حتّى آتيك»، فلم أزل كذلك حتّى أضاء الفجر. فجاء النبيّ، وأنا قائم فقال: ما زلت على حالك؟ قلت: لو مكثت شهراً ما برحت حتّى تأتيني. ثمّ شبك أصابعه في أصابعي، وقال: إنّي وعدت أن يؤمن بي الجنّ والإنس، فأمّا الإنس فقد آمنت بي، وأمّا الجنّ فقد رأيت. قال: وما أظنّ أجلي إلاّ قد اقترب. قلت: يا رسول الله ألا تستخلف أبا بكر؟ فأعرض عنّي؛ فرأيت أنّه لم يوافقه، فقلت: يا رسول الله ألا تستخلف عمر؟ فأعرض عنّي فرأيت أنّه لم يوافقه، فقلت: يا رسول الله ألا تستخلف عمر؟ فأعرض عنّي فرأيت أنّه لم يوافقه، فقلت: يا رسول الله ألا تستخلف عليّاً؟ قال: ذاك - والّذي لا إله غيره - لو بايعتموه وأطعتموه أدخلكم الجنّة أجمعين. (1)

وعن زيد بن أرقم، قال: كنّا جلوساً بين يدي النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقال: ألا أدلّكم على من إذا استرشدتموه لن تضلّوا ولن تهلكوا؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو هذا - وأشار إلى عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام - ثمّ قال: واخوه وآزروه واصدقوه وانصحوه، فإنّ جبريل عليه‌السلام أخبرني بما قلت لكم. (2)

وعن أبي ليلى الغفاريّ، قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «ستكون من بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب، فإنّه أوّلُ من يراني، وأوّل من يصافحني يوم القيامة، وهو معي في السّماء الأعلى، وهو الفاروق بين الحقّ والباطل» (3).

عبد الرزّاق عن معمر عن محمّد بن عبد الله بن عبد الرحمن القاري عن أبيه: أنّ عمر بن

____________________

(1) أخرجه السيوطيّ في اللآلئ المصنوعة 1: 325 - 326.

(2) مناقب الإمام علي، لابن المغازليّ: 245 حديث 292.

(3) ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 3: 157 حديث 1174؛ والاستيعاب 4: 170 وزاد فيه: «وهو الصدّيق الأكبر، وهو فاروق الأمّة يفرق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب المنافقين»، وفي الإصابة 4: 171 مثله، إلاّ أنّه قال: «فإنّه أوّل من آمن بي...»؛ وأسد الغابة 6: 270. ويعسوب النّحل: مقدّمها وسيّدها، يقول: إنّه يلوذ به المؤمنون كما تلوذ النّحل بيعسوبها.

 


الصفحة 203

الخطّاب قال لأنصاريّ: من ترى النّاس يقولون الخليفة من بعدي؟ فعدّد رجالاً من المهاجرين ولم يسمّ عليّاً فقال عمر: فما لهم من أبي الحسن؟ لأحراهم إن كان عليهم أن يقيمهم على طريقة من الحقّ. (المصنّف لعبد الرزّاق ت 211 هـ 5/308 ح 9824).

ابن أبي شيبة (ت 235 هـ): حدّثنا عبدة بن سليمان عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: قلت لعطاء: كان في أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أحد أعلم من عليّ؟ قال: لا والله ما أعلم. (المصنّف لابن أبي شيبة 7: 502 حديث 46 من فضائل عليّ).

وعن عمرو بن ميمون، قال: شهدت عمر بن الخطّاب يوم طعن، قال: ادعو الي عليّاً، وعثمان، وطلحة، والزّبير، وابن عوف، وسعد بن أبي وقّاص. فلم يكلّم أحداً منهم غير عليٍّ وعثمان. ثمّ قال: ادعوا لي صهيباً. فدعي له، فقال: صلّ بالنّاس، ثلاثاً، وليحلّ هؤلاء القوم في بيت، فإذا اجتمعوا على رجل، فمن خالف فاضربوا رقبته. فلمّا خرجوا من عنده قال: غن يولّوها الأجيلح (1) يسلك بهم الطريق، فقال له ابنه ابن عمر: فما يمنعك؟ قال: أكره أن أتحمّلها حيّاً وميّتاً (2).

وعن ابن عمر قال: قال عمر لأصحاب الشّورى: لله درّهم! إن ولّوها الأصلع كيف يحملهم على الحقّ، وإن حملاً على عنقه بالسّيف؟ قال: فقلت: أتعلمُ ذلك منه ولا تولّه؟! فقال: إن استخلف فقد استخلف من هو خير منّي، وإن أترك فقد ترك من هو خير منّي (3)!

وعن أسلم مولى عمر حين وقف عمر ولم يولّ أحداً، قال: ألا تصنع كما صنع أبوبكر؟ قال: ويحك! لو كنت أنت غلاماً، وكان معك غلمان أتراب نشأتم حتّى بلغتم رجالاً، أليس كان بعضكم يعرف بعضاً؟ قال: بلى. قال: فإنّي والله وهؤلاء نشأنا جميعاً، فلا أعرف مكان

____________________

(1) الجلح: ذهاب الشّعر من مقدّم الرّأس.

(2) مختصر تاريخ ابن عساكر 18: 35. وقول عمر: «أكره أن أتحمّلها حيّاً وميّتاً» غريب. فما وجه التبعة في ذلك بعد ما قال: يسلك بهم الطريق، أي الصحيح والمستقيم؟!

وذكره عبد الرزّاق قال: قال معمر: أخبرني أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون الأوديّ، وذكر الخبر و لفظه: «لئن ولّوها الأجيلح ليركبن بهم الطريق، يريد عليّاً». (المصنّف لعبد الرزّاق 5: 309 ح 9825).

(3) مختصر تاريخ ابن عساكر 18: 35. وهذا مثل الّذي قبله في معرفة الخليفة بموضع عليّ وأنّه مع الحقّ، فلم يتركه؟! وإذا كان أبو بكر قد استخلف أفليس الله تعالى ورسوله أولى بالعناية بالخلافة، وقد فعلا؟!

 


الصفحة 204

أحد أخصّه بهذا الأمر، ولكنّي جاعلها في نفر رأيت رسول الله يحبّهم (1).

____________________

(1) نفس المصدر. ولا ندري أيّها أعجب! وبأيٍّ تشتدّ دهشتنا من أقوال الخليفة: أباعترافه أنّ عليّاً أحقّ الجميع بالخلافة؛ لأنّه إن وليها سلك بهم الطّريق وحملهم على الحقّ، ومع ذلك لا يريد الخليفة أن يتحمّلها حيّاً وميّتاً؟! فما الّذي وجده منها كيما يتحرّز منها؟! فإن كات قد انتقلت بشكل سليم فليس أسلم من أن تنتهي غلى عليّ الّذي انتهت دعوة إبراهيم عليه‌السلام، إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، كما مرّ بنا ذلك في حديث مينا. وقد تحمّلها حيّاً، فلم جعلها بعده في ستّة ينتخبون واحداً منهم ن ولم يترك كما ترك النّبيّ كما قال هو؟! وقوله بأنّه لا يعرف مكان أحد يخصّه بأمر الخلافة، فلعلّ شدّة علّته ممّا أصابه من طعنة أبي لؤلؤة جعله ينسى يوم المباهلة إذ غلب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وفد نجران الّذي جاء يغالب ويعاجز، فخرج النّبيّ بعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام وأقامهم معجزة وحجّة على صحّة نبوّته فانتصر، وكان عليّ في هذه الحلبة من الصّراع بين الحقّ والباطل نفس النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فأيّ خصوصيّة بعد هذه؟! وأيّ خصوصيّة ترتقي بصاحبها ليليق بالخلافة وتليق به، ويزيّنها بحسن التدبير والعلم بالقرآن وأحكام الشريعة؟ ولقد كان عليّ مفزع عمر في الملمّات والحاضر له عند المعضلات، حتّى اشتهر قوله: «لو لا عليّ لهلك عمر»، وقوله: «أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن»، وبألفاظ أخرى. المستدرك على الصحيحين 1: 457؛ عمدة القاري شرح صحيح البخاري 4: 606؛ شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 3: 122؛ المناقب للخوارزميّ 81، 96 - 97؛ كفاية الطّالب 217، 219، تذكرة الخواصّ 137 - 138؛ نور الأبصار 161؛ فضائل الخمسة 2: 273 - 300؛ الصواعق المحرقة 76؛ فيض القدير 4: 357 ح الاستيعاب 3: 39؛ الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 102؛ أسد الغابة 4: 100. أمّا حديث «أنا مدينة العلم، وعليّ بابها» فليس هنا محل ذكر سجّل مصادره الحافل.

والشجاعة من مقوّمات الشخصيّة اللائقة بمقام الخليفة ليذود عن حياض الإسلام، وهل عليّ إلاّ حليف السيف وجديل الرّمح الّذي تكبكب الفرسان في حومة وغاه؟

وحديث المنزلة: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» يقتضي أنّ عليّاً هو أفضل أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله طرّاً، إذ لو كان غير هارون من هو أفضل منه لاستخلفه موسى عليه‌السلام، فأوجب ذلك لعليّ من الخلافة ما أوجبته خلافة هارون في أمّته.

وحديث غدير خمّ، ممّا حدت به الرّكبان، وحفلت به الصّحاح والمسانيد. ويومها قال عمر لعليّ: بخ بخ أصبحت وليّي...!

أمّا قوله ك «ولكنّي جاعلها في نفرٍ رأيت رسول الله يحبّهم» وفيهم طلحة والزّبير اللّذان نكثا بيعتهما لعليّ فكانت حرب الجمل، وما أدراك ما الجمل! وأين الصحابة الأبرار من سيّدي شباب أهل الجنّة: الحسن والحسين عليهما‌السلام، وسلمان وصحبه؟! عن بريدة، قال: قال رسول الله: «إنّ الله عزّ وجلّ أمرني بحبّ أربعة وأخبرني أنّه يحبّهم، إنّ عليّاً منهم وأبا ذرّ وسلمان والمقداد». ابن المغازليّ 290 - 292، كفاية الطّالب 94 - 96، =

 


الصفحة 205

الباقر عليه‌السلام، في قوله تعالى: (فَضَلّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ) (1) إلى ولاية عليّ سبيلاً، وهو على السّبيل.

وجعفر، وأبو جعفر عليهما‌السلام في قوله: (إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَصَدّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ) (2): إنّ الّذين كفروا يعني: بني أميّة. وصدّوا عن سبيل الله: عن ولاية عليّ بن أبي طالب. (3)

حمّاد (4) عن الصادق، في قوله: (الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، قال: هو امير المؤمنين ومعرفته. والدليل على أنّه امير المؤمنين: قوله (وَإِنّهُ فِي أُمّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيّ حَكِيمٌ) (5)، وهو امير المؤمنين في أمّ الكتاب في قوله: (الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ). (6)

وعن الباقرين: محمّد الباقر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وابنه جعفر

____________________

=وفيه أنّ الثلاثة الآخرين هم: فاطمة والحسن والحسين، مسند أحمد بن حنبل 5: 351، 356؛ المستدرك على الصحيحين 3: 130؛ حلية الأولياء 1: 172.

وفي شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 12: 20 - 21: روى ابن عبّاس، قال: دخلت على عمر في أوّل خلافته، فقال: يا عبد الله نصّ عليه؟ قلت؟ قلت: نعم، وأزيدك: سألت أبي عمّا يدّعيه، فقال: صدق. فقال عمر: لقد كان من رسول الله في أمره ذرو - ذرو أي طرف ت من قول لا يثبت حجّة، ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام. لا وربّ هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً!» لعلم عمر بنصّ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على خلافة عليّ عليه‌السلام، فقد ابتدأ ابن عبّاس بالسؤال إن كان عليّ ما يزال يحتجّ بها؟! وبعد الّذي سمعه من ابن عبّاس؛ أطرى عليّاً، ثمّ اعترف بحقيقةٍ خطيرة! ذلك أن النّبيّ لما أراد في مرضه الّذي توفّي فيه أن يكتب عهداً بخلافة عليٍّ قاطعه عمر وأبى عليه!

ولم يقدّم عمر ذريعة إلاّ إشفاقه وحيطته على الإسلام، وهو ما غاب عن النّبيّ ولم يلتفت إليه!! إلاّ أنّ عمر عاد إلى الذريعة الّتي تمسّك بها كثيراً في مثل هذا الأمر: قريش!

(1) الإسراء / 48؛ الفرقان / 9.

(2) النّساء / 167.

(3) مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب: 72.

(4) عدّة من أصحاب الصّادق عليه‌السلام، ممّن وصف بالوثاقة، واسم كلٍّ منهم حمّاد، رجال ابن داود: 130 - 132؛ رجال البرقيّ: 21.

(5) الزّخرف / 4.

(6) اللّوامع النّورانيّة: 7.

 


الصفحة 206

الصّادق بن محمّد الباقر عليهما‌السلام، في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) قالا: دين الله الّذي نزل به جبرئيل على محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله، (صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، فهديتهم بالإسلام وبولاية عليّ بن أبي طالب، ولم تغضب عليهم ولم يضلّوا. ( الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ): اليهود والنّصارى الشكّاك الذين لا يعرفون إمامة امير المؤمنين، و(الضّآلّينَ) عن إمامته (1).

 

حديث الفراقد

بسند عن مكحول، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «اهتدوا بالشّمس، فإذا غابت الشّمس فاهتدوا بالقمر، فإذا غاب القمر فاهتدوا بالزّهرة، فإذا غابت الزّهرة فاهتدوا بالفرقدين». فقيل: يا رسول الله، ما الشّمس، وما القمر، وما الفرقدان؟. قال: الشّمس أنا، والقمر عليّ، والزّهرة فاطمة، والفرقان الحسن والحسين» (2).

ورواه الجوينيّ بسند آخر، ولفظ آخر. فبسند عن: عمرو بن مرزوق، عن شعبة بن الحجّاج، عن الأعمش، عن أبي عبد الرّحمن السّلميّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «اطلبوا الشمس فإذا غابت فاطلبوا القمر، فإذا غاب فاطلبوا الزّهرة، فإذا غابت فاطلبوا الفرقدين». قلنا: يا رسول الله، ومن الشّمس؟ قال: أنا. قلت: ومن القمر؟ قال: عليّ قلنا: ومن الزّهرة؟ قال فاطمة. قلنا: فمن الفرقدان؟ قال: الحسن والحسين» (3).

وأورده الطوسيّ في أماليه، بسند عن: موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ عليهم‌السلام، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: صلّى بنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوماً صلاة الفجر، ثمّ انفتل وأقبل علينا يحدّثنا، فقال: أيّها النّاس، من فقد الشّمس فليتمسّك بالقمر، ومن فقد القمر فليتمسّك بالفرقدين. قال: فقمت أنا وأبو أيّوب الأنصاريّ، ومعنا أنس بن مالك، فقلنا: يا رسول الله، ومن الشّمس؟ قال: أنا، فإذا هو صلى‌الله‌عليه‌وآله ضرب لنا مثلاً،

____________________

(1) مناقب آل أبي طالب 3: 73.

(2) شواهد التنزيل 1: 77 حديث 91. ورواه الصدوق في معاني الأخبار 114.

(3) فرائد السمطين للجوينيّ 2: 16 - 17.

 


الصفحة 207

فقال: إنّ الله تعالى خلقنا وجعلنا بمنزلة نجوم السّماء، كلّما غاب نجم طلع نجم، فأنا الشّمس فإذا ذهب. بي فتمسّكوا بالقمر. قلنا: فمن القمر؟ قال: أخي ووزيري وقاضي ديني وأبو ولدي في أهلي: عليّ بن أبي طالب. قلنا: فمن الفرقدان؟ قال: الحسن والحسين. ثمّ مكث مليّاً، وقال: فاطمة هي الزّهرة، وعترتي أهل بيتي هم مع القرآن والقرآن معهم لا يفترقان، حتّى يردا عليّ الحوض» (1).

وهي أحاديث صريحة في وجوب طاعة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وطاعة عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام، فصراطهم واحد هو الصّراط المستقيم، فمن حاد عنهم ضلّ السبيل فغوى، ومن تخلّف عن هداهم تردّى؛ إذ هم سفينة النّجاة. عن عبد الله بن عبد القدّوس، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن حنش بن المعتمر أنّه سمع أبا ذرّ الغفاريّ يقول: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح في قوم نوح: من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك. ومثل باب حطّة في بني إسرائيل» (2). فنجا الّذين اتّبعوا نوحاً عليه‌السلام، وهلك الّذين خالفوه فكانوا من المغرقين. وكذلك بنو إسرائيل إذ أمروا أن يدخلوا الباب سجّداً، وأن يقولوا حطّة، من أجل أن يغفر الله تعالى خطاياهم، فبدّل الذين ظلموا غير الّذي قيل لهم فكانوا من الهالكين. ومثل أهل البيت عليهم‌السلام في أمّة الإسلام مثل سفينة نوح، وباب حطّة.. فأين ينتهي الذين يشايعونهم فيتبعونهم، وأين يمضي المخالفون؟!

وعن عليّ بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن أبيّ ذرّ، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح: من ركب فيها نجا، ومن تخلّف عنها غرق، ومن قاتلنا في آخر الزّمان فكأنّما قاتل مع الدّجّال» (3). فكأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يستقري التاريخ ويستطلع المستقبل، ولا عجب! وهو المخبر من السّماء بما هو كائن على الأرض، فسعى حثيثاً لدفع الأمّة صوب القيادة الإلهيّة الرشيدة المتمثّلة بالأئمّة الطّاهرين من أهل بيت العصمة، إلاّ أنّها سنّة

____________________

(1) أمالي الطّوسيّ: 516 - 517.

(2) المعجم الصغير، للطبرانيّ 1: 22. وذكر ابن المغازليّ حديث ابن المعتمر عن أبي ذرّ، في مناقبه: 133 حديث 175، ولفظه «إنّما مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح: من ركب فيها نجا ومن تخلّف عنها غرق»، كتاب سليم ابن قيس: 66.

(3) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 134 حديث 177؛ ميزان الاعتدال، حديث رقم 1826.

 


الصفحة 208

التاريخ في الّذين سبقوا! فكان ما كان، ووقعت حروب وظهر أكثر من دجّالٍ، وسيكون آخرهم الدجّال الأعور الّذي يقاتل المهديّ الموعود عليه‌السلام، فيقتله مهديّ آل محمّد عليهم‌السلام ويقيم حكم الله تعالى العادل.

وعن أبي سلمة الصّائغ، عن عطيّة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق. وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل: من دخله غفر له» (1).

ثابت (2) الثّماليّ، عن سيّد العابدين عليّ بن الحسين عليهما‌السلام، قال: نحن أبواب الله، ونحن الصّراط المستقيم، ونحن عيبة علمه، ونحن تراجمة وحيه، ونحن أركان توحيده، ونحن موضع سرّه (3).

وذكر القاضي عياض في «الشفا: 31»: وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: «معرفة آل محمّد براءة من النّار، وحبّ آل محمّد جوازٌ على الصراط، والولاية لآل محمّد أمان من العذاب». قال القاضي:

____________________

(1) المعجم الصغير، للطبرانيّ 2: 22. ويرد حديث سفينة نوح من مصادر كثيرة وطرق عديدة، ففي تاريخ بغداد 12: 91 عن حمّاد بن زيد، وعيسى بن واقد، عن أبان بن أبي عيّاش، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّما مثلي ومثل أهل بيتي كسفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق».

وعن بشر بن المفضّل، قال: سمعت الرّشيد يقول: سمعت المهديّ يقول: سمعت المنصور يقول: حدّثني أبي عن أبيه عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك». ذكره ابن المغازليّ في مناقبه: 132 حديث 173.

وذكر حديث ابن عبّاس من طريق آخر: عن أبي الصّهباء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح...، ومن تخلّف عنها غرق». نفس المصدر: 134 حديث 176. ونفس المصدر: 132 - 133 حديث 174 عن عمر بن ثابت، عن موسى بن عبيدة، عن إياس بن سلمة ابن الأكوع، عن أبيه، عن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وممّن أثبت الحديث: أبو نعيم في حلية الأولياء 4: 306؛ ابن قتيبة في المعارف: 86؛ عيون الأخبار 1: 211؛ والسيوطيّ في الخصائص الكبرى 2: 266؛ تاريخ الخلفاء 573؛ وابن حجر في الصواعق المحرقة: 184، 234؛ والقندوزيّ من طرق كثيرة في ينابيع المودّة 28؛ كتاب سليم بن قيس: 230.

(2) أبو حمزة ثابت بن دينار الثّماليّ، من أصحاب عليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ بن الحسين عليهم‌السلام. ثقة، له كتاب. رجال البرقيّ: 8 - 9؛ ابن داود: 77.

(3) اللّوامع النّورانيّة: 6.

 


الصفحة 209

قال بعض العلماء: معرفتهم هي معرفة مكانتهم من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وإذا عرفهم بذلك عرف وجوب حقّهم وحرمتهم بسببه.

 

حديث الثّقلين

ولما كان أهل البيت عليهم‌السلام أحد الثّقلين اللّذين نصّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على أنّهما تركته في أمّته، وأنّهما متلازمان لا يفترق أحدهما عن عدله حتّى قيام السّاعة: كتاب الله العزيز، والعتّرة الطّاهرة.. فإنّ أهل البيت عليهم‌السلام هم باب علم الله الّذي يؤتى منه لمعرفة أحكام الله وترجمة كتابه، وهم وليس سواهم صراط الله المستقيم!

عن أبي الضّحى، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّي تاركٌ فيكم الثّقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» (1).

وأخرج ابن بابويه الصدوق (ت 381 هـ) في عيون أخبار الرضا: 57، بسنده عن الصادق جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين ابن عليّ عليهم‌السلام قال: سئل امير المؤمنين عن معنى قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّي مخلّفٌ فيكم الثّقلين كتاب الله وعترتي، من العترة؟ فقال: أنا والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديّهم وقائمهم لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتّى يردوا على رسول الله حوضه».

قال: حدّثنا عليّ بن الفضل البغداديّ، قال: سمعت أبا عمر صاحب أبي العبّاس تغلب يسأل عن معنى «إنّي تارك فيكم الثّقلين» لم سمّيا بالثّقلين؟ قال: لأنّ التمسّك بهما ثقيل. «نفس المصدر».

وعن يزيد بن حيّان، قال: سمعت زيد بن أرقم يقول: قام فينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فخطبنا فقال: أمّا بعد أيّها النّاس، إنّما أنا بشر يوشك أن أدعى فأجيب، وإنّي تارك فيكم الثّقلين وهما كتاب الله فيه الهدى والنّور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به - فحثّ على كتاب

____________________

(1) الجامع الصحيح، للترمذيّ 5: 328؛ المستدرك على الصحيحين 3: 148؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 234.

 


الصفحة 210

الله ورغّب فيه - ثمّ قال: وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي، قالها ثلاث مرّات (1).

وفي مشكل الآثار 4 / 254 / 3797، ذكر الطحاويّ حديث يزيد بن حيان، ثمّ قال: وطلبنا من روى عن يزيد بن حيان التيميّ قد حدّث عنه سوى أبي حيان من هو كأبي حيان في العدل فيكون قد حدّث عنه عدلان. فوجدنا الأعمش قد روى عنه كما قد «وذكر حديث 3797 و 3799» قال أبو جعفر: فاحتمل في الرواية عنه الأعمش وابن حيان، فمن أخرج عترة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وسلّم وعليهم من المكان الذي جعلهم الله به على لسان نبيّه ممّا قد ذكرنا في هذه الآثار، فجعلهم كسواهم ممّن ليس من أهل بيته وعترته، كان به ملعوناً إذ كان قد خالف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيما فعل من ذلك.

وعن محمّد بن طلحة، عن الأعمش، عن عطيّة بن سعيد، عن أبي سعيد الخدريّ: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «إنّي أوشك أن أدعى فأجيب، وإنّي قد تركت فيكم الثّقلين: كتاب الله حبل ممدود من السّماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي. وإنّ اللّطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا ماذا تخلفوني فيهما» (2).

وعن زيد (3) بن ثابت: قال النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السّماء والأرض، وعترتي أهل بيتي. وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» (4).

وأخرج ابن بابويه الصدوق (ت 381 هـ) في عيون أخبار الرضا: 457 بسنده عن الصادق جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين بن عليّ عليهم‌السلام قال: سئل أمير المؤمنين عن معنى قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّي مخلّف فيكم

____________________

(1) مناقب الإمام عليّ ابن المغازليّ: 236؛ سنن البيهقيّ 2: 148؛ مسند أحمد بن حنبل 4: 367؛ سنن الدارميّ 2: 431؛ كنز العمّال 13: 641 بلفظين، وسمّاه يزيد بن حبان، بنقطة واحدة.

(2) الطبقات الكبرى، لابن سعد 2: 194؛ مسند أحمد بن حنبل 3: 17؛ مناقب الإمام عليّ ابن المغازليّ 236.

(3) في أسد الغابة 4: 279 «وكان زيد عثمانيّاً، ولم يشهد مع علي شيئاً من حروبه، وكان يظهر فضل عليّ وتعظيمه».

(4) مسند أحمد بن حنبل 3: 14 و 17 و 26 و 59؛ الجامع الصغير للطبرانيّ 1: 131، 135.

 


الصفحة 211

الثّقلين كتاب الله وعترتي، من العترة؟ فقال: أنا والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديّهم وقائمهم لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتّى يردوا على رسول الله حوضه».

وعن أبي سعيد التيميّ، عن أبي ثابت، قال: كنت مع عليّ عليه‌السلام يوم الجمل، فلمّا رأيت عائشة واقفة، دخلني بعض ما يدخل النّاس! فكشف الله عنّي عند صلاة الظهر، فقاتلت مع امير المؤمنين، فلمّا فرغ ذهبت إلى المدينة، فأتيت أمّ سلمة، فقلت: إنّي ما جئت أسأل طعاماً ولا شراباً، ولكنّي مولىً لأبي ذرّ فقالت: مرحباً. فقصصت عليها قصّتي، فقالت: أي كنت حين طارت القلوب مطائرها؟ قلت: إلى حيث كشف الله ذلك عنّي عند زوال الشّمس. قالت: أحسنت، سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» (1).

وأيضاً، عن أمّ سلمة، قالت: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في مرضه الّذي قبض فيه، وقد امتلأت الحجرة من أصحابه: «أيّها النّاس يوشك أن اُقبض قبضاً سريعاً، وقد قدّمت إليكم القول معذرةً إليكم، ألا إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله عزّ وجلّ، وعترتي أهل بيتي ثمّ أخذ بيد عليٍّ، فقال: هذا عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض فأسألهما: ما أخلفتم فيهما؟!» (2).

إنّ معيّة عليٍّ عليه‌السلام للقرآن، ومعيّة القرآن لعليٍّ نطق بهما الوحي في شواهد كثيرة من تنزيله المبين. ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الّذي لا تجنح به عاطفة ولا ينطق إلاّ عن الوحي قد رفع بها صوته في أكثر من مناسبة ومشهد: إنّ عليّاً مع القرآن، والقرآن مع عليّ، وإنّه مع الحقّ والحقّ معه يدور معه حيثما دار، وختمها باليوم الخاتم لعمره الشّريف.

وسرّ ذلك أنّ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أقرب النّاس إلى عليّ عليه‌السلام، وأعرفهم به وبمواهبه، وأعلمهم بمنزلته؛ فقد طلبه من والده لما أصابت قريشاً أزمة، فأخذه عنده وربّاه في حجره صبيّاً.

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 124؛ المعجم الصغير للطبرانيّ 1: 255؛ سنن الترمذيّ 12: 126؛ المعيار والموازنة 35؛ فرائد السمطين 1: 176؛ غاية المرام 39.

(2) الصواعق المحرقة: 75.

 


الصفحة 212

ولم يزل معه حتّى بعث صلى‌الله‌عليه‌وآله نبيّاً، فكان أوّل من آمن به وصدّقه، ومضت سنين لا ترفع صلاة إلاّ منهما عليهما‌السلام، زوّجه سيّدة نساء العالمين فاطمة الزّهراء، وما زال معه أخاً فادياً له بنفسه وصاحباً صادقاً مجاهداً مقتحماً الأهوال ومتورّطاً الشّدائد. وخلال تلك السنين كان النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يطلع عليّاً عليه‌السلام على الوحي، ويعلّمه القرآن أوّلاً بأوّل. وبحكم ما وهبه الله تعالى من نعمة العقل الرّاجح، ولأنّه عليه‌السلام لم يكن ليترك فرصة إلاّ واغتنمها في سؤال النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ لذا فما من آية إلاّ وعليّ أعلم فيم وأين نزلت، وما تفسيرها وتأويلها... قال عليه‌السلام: «والله، ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيم أنزلت، وأين أنزلت. إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سؤُولاً» (1).

وقام عليه‌السلام خطيباً على المنبر، قال: «سلوني، فو الله لا تسألوني عن شيء إلاّ أخبرتكم، سلوني عن كتاب الله؛ فو الله ما من آية إلاّ وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل» (2).

وعن سعيد بن المسيّب قال: لم يكن أحد من الصّحابة يقول: سلوني إلاّ عليّ. (تاريخ الإسلام 3: 638، والاستيعاب 3: 40 و 41، وتاريخ الخلفاء 171. وفي العقد الفريد 2: 86: ما كان أحد غير عليّ يقول: سلوني، وما قالها غيره إلاّ افتضح وما ادّعى العلم إلاّ وقع. قال قتادة: ما سمعت شيئاً قطّ ولا حفظت شيئاً قطّ فنسيته. ثمّ قال: يا غلام، هات نعلي. فقال الغلام: هما في رجليك. ففضحه الله. وقال قتادة: حفظت ما لم يحفظه أحد، وانسيت ما لم ينس أحد: حفظت القرآن في سبعة أشهر، وقبضت على لحيتي اُريد قطع ما تحت يدي فقطعت ما فوقها. (العقد الفريد 2: 86).

وفي تاريخ يحيى بن معين 2: 106 / 601: عن سعيد بن المسيّب قال: ما كان أحد في أصحاب النبيّ يقول: سلُوني، غير عليّ بن أبي طالب.

____________________

(1) الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 338؛ شواهد التنزيل 1: 33؛ حلية الأولياء 1: 68؛ الصواعق المحرقة: 76؛ الاستيعاب 3: 43؛ كفاية الطّالب: 208؛ المناقب للخوارزميّ: 90؛ ينابيع المودّة: 70.

(2) شواهد التنزيل 1: 30 - 31؛ المناقب للخوارزميّ: 91 مع زيادة في ص 94؛ الرّياض النّضرة 2: 262؛ تهذيب التهذيب 7: 338؛ فتح الباري شرح صحيح البخاري 8: 485؛ تاريخ الخلفاء: 185؛ الاستيعاب 3: 40؛ ينابيع المودّة: 70.

 


الصفحة 213

وقال عليه‌السلام: «ما نزلت على رسول الله آية من القرآن، إلاّ أقرأنيها أو أملاها عليّ فأكتبها بخطّي، وعلّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، ودعا الله لي أن يعلّمني فهمها وحفظها، فلم أنس منه حرفاً واحداً» (1).

وقد أقرّ الجميع أنّ عليّاً عليه‌السلام أعلم النّاس بالقرآن بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. عن عمر بن الخطّاب، قال: عليّ أعلم النّاس بما أنزل على محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله (2). وعن عبد الله بن مسعود، قال: إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلاّ له ظهر وبطن، وإنّ عليّ بن أبي طالب عنده علم الظّاهر والباطن (3). عامر الشّعبيّ: ما أحد أعلم بما بين اللّوحين من كتاب الله - بعد نبيّ الله - من عليّ بن أبي طالب (4).

وكيف لا يكون كذلك وهو والقرآن رضيعا لبان؟! فقد تربّى في حجر نزل القرآن فيه، فيأخذه من فم رسول الله غضّاً. فما علم عليّ عليه‌السلام إلاّ من علم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ابن عبّاس: علم النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من علم الله، وعلم عليٍّ من علم النّبيّ، وعلمي من علم عليّ؛ وما علمي وعلم الصّحابة في علم عليّ إلاّ كقطرة في سبعة أبحر (5)!

كان عليه‌السلام يسمع صوت الوحي ويراه، ورسول الله يبيّن له تفصيله وتأويله.

سعيد بن جبير، قال: ذكر عند ابن عبّاس عليّ بن أبي طالب، فقال: إنّكم تذكرون رجلاً كان يسمع وطء جبرئيل فوق بيته (6).

وقد ذكر عليه‌السلام هذه الخصوصيّة العظيمة في خطبته «القاصعة»، قال: «وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة. وضعني في حجره وأنا

____________________

(1) شواهد التنزيل 1: 35. وفي مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 253: عن أمّ سلمة قالت: كان جبريل يمل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ورسول الله يمل على عليّ.

(2) شواهد التنزيل 1: 30.

(3) حلية الأولياء 1: 65؛ كفاية الطّالب: 292؛ ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 3: 32 حديث 1057؛ ينابيع المودّة: 70.

(4) شواهد التنزيل 1: 36.

(5) ينابيع المودّة: 70.

(6) ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 2: 315.

 


الصفحة 214

ولد يضمّني إلى صدره. ويكنفني إلى فراشه، ويمسّني جسده ويشمّني عرفه (1). وكان يمضغ الشّيء ثمّ يلقمنيه. وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة (2) في فعل. ولقد قرن الله به صلى‌الله‌عليه‌وآله من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق علما، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء (4)، فأراه ولا يراه غيري. ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرّسالة، وأشمّ ريح النّبوّة. وقد قال لي: إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلاّ إنّك لست بنبيّ، ولكنّك وزير وإنّك لعلى خير»(5).

إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أوّل من شافهه الوحي بالقرآن، ليضطلع بوظيفة تبليغ رسالة الإسلام واقتحام حصون الجاهليّة، وعليّ أوّل من أسلم وآزره في جهاده. فعليّ عليه‌السلام أعلم الجميع بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالقرآن وأحكامه، فهو متحمّل للقرآن حقّ التّحمّل، ذائد عنه يد التحريف وباذل غاية المجهود لتطبيق أحكامه ودفع الشّبهات عنه، والمحافظة على نصّه.

وعلى الرّغم من عظم الخطب الّذي تركه فقد النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وما حلّ بساحة المسلمين من الاضطراب فما أن أتمّ تغسيل النّبيّ ودفنه، حتّى انصرف معتكفاً في داره يجمع القرآن على النحو الّذي نزل به الوحي الأمين. عن عبد خير، عن عليٍّ عليه‌السلام «أنّه رأى من النّاس طيرة عند وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فأقسم أن لا يضع على ظهره رداءً حتّى يجمع القرآن، فجلس في بيته حتّى جمع القرآن، فهو أوّل مصحف جمع فيه القرآن، جمعه من قلبه» (6).

____________________

(1) عرفه: رائحته الذكيّة.

(2) الخطلة: خطأ ينشأ من عدم الرويّة، جمعها: خطل.

(3) الفصيل: ولد النّاقة.

(4) حراء - بكسر الحاء وفتح الرّاء - جبل على القرب من مكّة.

(5) نهج البلاغة، الخطبة المعروفة بـ «القاصعة» في ذمّ إبليس والتّحذير منه.

(6) الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 338؛ حلية الأولياء 1: 67؛ شواهد التنزيل 1: 26؛ الصواعق المحرقة: 76؛ المناقب للخوارزميّ: 94. ويرد الحديث بألفاظ متباينة قليلاً.=

 


الصفحة 215

هذه هي معيّة عليٍّ للقرآن: في مسيرته مع القرآن، وفي فهمه بالقرآن ممّا سارت به الركبان وأخبت له به الأقران، وفي صونه من أن تمتدّ أيادي العابثين لتثلم منه أو تزيد فيه ما ليس فيه، فجمعه. ومعيّته للقرآن تتجلّى في الأحاديث التي تعني أنّه يقاتل دفاعاً عن تطبيق القرآن، كما قاتل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المشركين من أجل نزوله والتصديق به.

وحديث قتال عليٍّ على تأويل القرآن، له طرق كثيرة، فعن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله». قال: فقام أبو بكر وعمر، فقال: لا، ولكن خاصف النّعل». وعليّ يخصف نعله، فجئنا نبشّره فلم يرفع به رأساً كأنّه قد سمعه. (1)

والمعنى الآخر الّذي نستجليه من الحديث الشريف في معيّة عليٍّ للقرآن، هو أنّ عليّاً مع القرآن لتحقيق الهدف الّذي نشده النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، إذ استودعهما خليفتين في أمّته، إن تمسّكت بهما سلكت سبيل الهداية والنجاة، فالقرآن كتاب الله الصّامت، وعليّ هو النّاطق بالقرآن المفسّر لما تشابه منه. وقد أشار عليه‌السلام إلى ذلك، قال: «النّور المقتدى به، ذلك القرآن، فاستنطقوه! ولن ينطق! ولكن أخبركم عنه: ألا إنّ فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم ما بينكم» (2).

عن أنس، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «يا أنس، اسكب لي وضوءاً، ثمّ قام فصلّى ركعتين، ثمّ قال: يا أنس أوّل من يدخل عليك من هذا الباب امير المؤمنين وسيّد المسلمين وقائدُ

____________________

= قال محمّد بن سيرين: لما توفّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، أبطأ عليّ عن بيعة أبي بكر، فلقيه أبو بكر فقال: أكرهت إمارتي؟ فقال: لا، ولكن آليت ألا أرتدي بردائي إلاّ إلى الصلاة، حتّى أجمع القرآن. فزعموا أنّه كتبه على تنزيله. فقال محمّد: لو أصبت ذلك الكتاب كان فيه العلم. (الاستيعاب 3: 36 و 37؛ طبقات ابن سعد 2: 338؛ تاريخ الإسلام 3: 637؛ حلية الأولياء 1: 67؛ نهاية الأرب 20: 8 و 9).

(1) مسند أحمد بن حنبل 3: 82؛ الخصائص للنسائيّ: 40؛ حلية الأولياء 1: 67؛ المستدرك على الصحيحين 3: 122 و 123؛ أسد الغابة 4: 114؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 298؛ المسند (مسند دمشق) للكلابيّ المتوفّى 396 هـ: 438؛ ذيل مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 438 حديث 23.

(2) نهج البلاغة، خطبة 156.

 


الصفحة 216

الغرّ المحجّلين وخاتم الوصيّين»، قال أنس: قلت: اللّهمّ اجعله رجلا من الأنصار - وكتمته! - إذ جاء عليّ، فقال: من هذا يا أنس؟ فقلت: عليّ. فقام مستبشراً، فاعتنقه ثمّ جعل يمسح عن وجهه بوجهه ويمسح عرق عليٍّ بوجهه، فقال: يا رسول الله! لقد رأيتك صنعت شيئاً ما صنعت بي قبل! قال: وما يمنعني وأنت تؤدّي عنّي، وتسمعهم صوتي، وتبيّن لهم ما اختلفوا فيه بعدي (1)؟!

أمّا معيّة القرآن مع عليٍّ، فلا تخرج عن المعاني المتحصّلة من الفقرة الأولى، فهما ثقلان لا يفترقان، وقد أخبر صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ أهل بيته سفينة النّجاة الّتي تأخذ بأصحابها إلى شاطئ الأمان، ومن تخلّف عنهم فقد ضلّ السبيل وغرق في الجهل وفارق القرآن، فالقرآن مع عليٍّ في مسير الهداية. والقرآن مع عليٍّ في الإعلان بفضله وسابقته وعظيم منزلته عند الله تعالى وعند رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله  والهتاف بوجوب طاعته وأنّه الأذن الواعية، والأمر بردّ الأمور إليه، فهو بعد صراط الله المستقيم.

حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ ابن أبي طالب: «أنت الطّريق الواضح، وأنت الصّراط المستقيم، وأنت يعسوب المؤمنين» (2). وعن أبي جعفر الباقر، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من سرّه أن يجوز على الصّراط كالرّيح العاصف ويلج الجنّة بغير حساب (3)، فليتولّ وليّي ووصيّي وصاحبي وخليفتي على أهلي عليّ بن أبي طالب. ومن سرّه أن يلج النّار فليترك ولايته، فو عزّة ربّي وجلاله: إنّه لباب الله الّذي لا يؤتى إلاّ منه، وإنّه الصّراط المستقيم وإنّه الّذي يسأل الله عن ولايته يوم القيامة» (4). وعن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله - الصّادق - قال: «اهدنا الصّراط المستقيم» يعني امير المؤمنين عليه‌السلام (5). وعن عبيد الله

____________________

(1) ترجمة الإمام عليّ من تاريخ ابن عساكر 2: 487 حديث 1014؛ حلية الأولياء 1: 63؛ اللآلئ المصنوعة 1: 186؛ المناقب للخوارزميّ: 51.

(2) شواهد التنزيل 1: 76.

(3) ذلك أنّ مشايعته عليه‌السلام لا يقود إلاّ إلى حقّ ولا يصدّ إلاّ عن باظل.

(4) شواهد التنزيل 1: 76.

(5) اللّوامع النّورانيّة: 8.

 


الصفحة 217

الحلبيّ (1)، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال: الصّراط المستقيم امير المؤمنين عليه‌السلام (2). وعن المفضّل بن عمر، قال: سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الصّراط المستقيم، فقال: هو الطريق إلى معرفة الله عزّ وجلّ؛ وهما صراطان: صراط في الدّنيا، وصراط في الآخرة؛ فأمّا الصّراط في الدّنيا فهو الإمام المفترض الطّاعة، من عرفه في الدّنيا واقتدى بهداه مرّ على الصّراط الذي هو جسر جهنّم في الآخرة. (3)

الحسن بن أبي الحسن البصريّ، عن أنس بن مالك، عن أبي بكر، قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «إنّ على الصّراط لعقبة لا يجوزها أحد إلاّ بجواز من عليّ بن أبي طالب» (4).

العبّاس بن بكّار، عن عبد الله بن المثنّى، عن عمّه ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إذا كان يوم القيامة ونصب الصّراط على شفير جهنّم، لم يجز إلاّ من معه كتاب ولاية علي بن أبي طالب» (5).

والأحاديث في هذا الباب من الكثرة بمكان فمن بلغه ذلك ثمّ جفاه وعاداه، كان حقّاً أن تزلّ به القدم فيتردّى في جهنّم؛ لأنّ مفارقته عليّاً مفارقة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ومعاداته معاداة للنّبيّ، وسنعرض لهذا إن شاء الله.

 

كلام أحمد بن حنبل في الحديث:

قال القاضي ابن أبي يعلى الحنفيّ: سمعت محمّد بن منصور يقول: كنّا عند أحمد بن

____________________

(1) كوفيّ، وكان متجره إلى حلب فغلب عليه هذا اللّقب. من أصحاب الصادق عليه‌السلام. له كتاب، وهو أوّل كتاب صنّفه الشّيعة، مولى ثقة صحيح. رجال البرقيّ: 23، وابن داود: 217.

(2) اللّوامع النّورانيّة: 8.

(3) نفس المصدر.

(4) تاريخ بغداد 10: 357.

(5) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 242؛ ميزان الاعتدال 1: 28 حديث 75؛ لسان الميزان 1: 51؛ حلية الأولياء 1: 241؛ ينابيع المودّة 113 - 114؛ ولفظه: «إذا كان يوم القيامة ونصب الصّراط على جهنّم لم يجز إلاّ من معه جواز فيه ولاية عليّ بن أبي طالب، وذلك قوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنّهُم مّسْؤُولُونَ) عن ولاية عليّ».

 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة