الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 179

لا يعرف. (1)

وعن قصّة عتق أبي العالية، قال ابن سعد: «أبو العالية الرّياحيّ، واسمه رفيع اعتقته امرأة من بني رياح سائبةً.

قال أبو العالية: اشترتني امرأة فأرادت أن تعتقني، فقال لها بنو عمّها: تعتقينه فيذهب إلى الكوفة فينقطع! قال: فأتت بي مكاناً في المسجد فقالت: أنت سائبة.

قال: والسّائبة يضع نفسه حيث يشاء. (2)

ثمّ ذكر جملة روايات تؤشّر على شخصيّة أبي العالية وتضعه موضع التهمة: عن أبي العالية قال: قرأت المحكم بعد وفاة نبيّكم بعشر سنين، فقد أنعم الله عليّ بنعمتين لا أدري أيّتهما أفضل: أن هداني للإسلام، أم لم يجعلني حروريّاً (3)؟! وعن يحيى بن خليف قال: حدّثنا أبو خلدة قال: قال أبو العالية: لما كان زمن عليّ، ومعاوية، وإنّي لشابّ القتال أحبّ إليّ من الطّعام الطيّب، فتجهّزت بجهاز حسن حتّى أتيتهم؛ فإذا صفّان لا يرى طرفاهما، إذا كبّر هؤلاء كبّر هؤلاء وإذا هلك هؤلاء هلك هؤلاء. قال فراجعت نفسي فقلت: أيّ الفريقين أنزله كافراً؟! وأيّ الفريقين أنزله مؤمناً؟! أومن أكرهني على هذا؟ فما أمسيت حتّى رجعت وتركتهم» (4).

إنّ أبا العالية لم يصرّح مع من كان يريد أن يقاتل، مع امير المؤمنين عليّ عليه‌السلام، أم مع معاوية؟ إلاّ أنّ مجموع القرائن تشير إلى أنّه كان في صفّ معاوية لقوله: «... أم لم يجعلني حروريّاً» أي من الخوارج الّذين انحازوا إلى حروراء. وهو إن لم يكن مع معاوية فهو ليس مع عليّ. ولكن لم تعبّأ للحرب إذن؟!

وهل غاب عنه من هو على حقّ ومن على باطل؟! فإن لم يبلغه مئات الأحاديث الناصّة على أنّ عليّاً عليه‌السلام مع الحقّ وأنّ الحقّ معه، والداعية إلى نصرته... فهلاّ بلغه الحديث

____________________

(1) لسان الميزان لابن حجر العسقلانيّ 7: 70.

(2) الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 112.

(3) نفس المصدر: 113؛ تهذيب الكمال للمزّيّ 9: 216.

(4) الطبقات الكبرى 7: 114.

 


الصفحة 180

المشهور أنّ عمّاراً تقتله الفئة الباغية، وقد قتل عمّار شهيداً يوم صفّين في صفّ عليّ عليه‌السلام!.

وإضافة إلى تلك الأخبار في أبي العالية، ذكر ابن سعد، قال: «قال حجّاج، قال شعبة: قد أدرك رفيع عليّاً ولم يسمع منه» (1). وفي هذا أمارة على مباعدته لعليّ عليه‌السلام. أم يقول قائل: ليس من ضرورات هذا الإدراك السّماع! فإنّ أبا العالية قد لبس لأمة حربه وتوجّه صوب صفّين مدّعياً أنّه أشكل عليه: أعليّ عليه‌السلام على حقّ، أم ابن حرب؟!

وإذا خفي على أبي العالية حال كلّ من عليّ عليه‌السلام، ومعاوية فما باله يأتمّ بالحجّاج الثّقفيّ الّذي ما خفي حاله على صغير ولا كبير، ولم يتوقّف عن لعنه أحد؛ لعظيم ما جناه من قتله الصّالحين وعدوانه على بيت الله تعالى، وضربه الكعبة بالمنجنيق، واستخفافه بالنّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وتفضيله عبد الملك بن مروان على رسول الله، وقوله لما رأى النّاس يطوفون بقبره الشريف: إنّما يطوفون بأعوادٍ ورمّة بالية هلاّ طافوا بقصر امير المؤمنين عبد الملك بن مروان! ألا يعلمون أنّ خليفة المرء خير من رسوله؟! وهو ممّا كفّر به الفقهاء الحجّاج. (2)

بيد أنّ أبا العالية هائم حيران! يأتمّ بالحجّاج في الصّلاة حتّى يخاف الله تعالى، ويترك الصّلاة خلفه فيخاف الله لهذا التّرك!. عن أبي العالية قال: «صلّيت أوّل يوم فعلة الحجّاج يعني بآخر صلاة الجمعة قاعداً تلقاء وجهه، فعمّاه الله عنّي. ولقد صلّيت خلفه حتّى لقد خفت الله، ولقد تركت الصّلاة خلفه حتّى لقد خفت الله» (3). ما أشدّه من تناقض! فإنّه إذا ترك الصلاة خلفه خوفاً من الله ولما كان يرى من أفعال الحجّاج، فلم يخاف الله لهذا التّرك؟! أم هو خوف من الحجّاج؟!

____________________

(1) الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 117.

(2) الفتوح لابن أعثم 6: 275 - 279؛ الإمامة والسياسة، لابن قتيبة 2: 24؛ تاريخ الخلفاء للسيوطيّ 215؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد 15: 243؛ الكامل في الأدب للمبرّد 1: 130؛ تاريخ اليعقوبيّ 2: 266.

(3) الطبقات الكبرى، لابن سعد 7: 115.

 


الصفحة 181

أقوال العلماء في الصّراط

بعد أن وقفنا على قول ابن القيّم في معنى «الصّراط» الوارد في سورة «الفاتحة»، واستدلاله به على أنّ الرّافضة هم المعنيّون في السورة بقول الله تعالى: «المغضوب عليهم» و «الضّالين»، ومن ثمّ فهم ليسوا من أهل الصراط المستقيم... فقد حان أن نطّلع على أقوال العلماء في معنى الصّراط، ومن هم أهل صراط الله سبحانه.

الصّراط المستقيم لغةً هو: الطريق الواضح. ومن ذلك قول جرير:

امير المؤمنين على صراطٍ      إذا  اعوجّ  المواردُ iiمستقيم

وقد ذكر علماء المسلمين معاني عدّة للصّراط هنا، متقاربه غير متنافرة. أمّا تسمية أشخاص على أنّهم الصراط، فقد وجدنا بعض العلماء يذكر الرواية في ذلك ثمّ يقول: إنّ في ذلك تجوّزاً.

قال الخازن عليّ بن محمّد البغداديّ: (اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ). قال أي أرشدنا، وقيل ثبّتنا. وهذا الدّعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية، بمعنى سؤال التثبيت وطلب مزيد الهداية؛ لأنّ الألطاف والهدايات من الله لا تتناهى. وهذا مذهب أهل السّنّة.

قال ابن عبّاس: هو دين الإسلام، وقيل هو القرآن، وقيل: اهدنا صراط المستحقّين للجنّة. (صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) هذا بدل من الأوّل، أي الّذين مننت عليهم بالهداية والتوفيق، وهم الأنبياء والمؤمنون الّذين ذكرهم الله تعالى في قوله: (فَأُولئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَاءِ وَالصّالِحِينَ ) (1).

وقال ابن عبّاس: هم قوم موسى وعيسى الّذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا. وقيل: هم أصحاب محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته. «غير المغضوب عليهم» يعني غير صراط الّذين غضبت عليهم، وغضب الله لا يلحق عصاة المؤمنين وإنّما يلحق الكافرين. «ولا الضّالّين» أي وغير الضّالّين عن الهدى. وقيل: غير المغضوب عليهم هم اليهود، والضّالّين هم النّصارى. عن عديّ بن حاتم، عن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «اليهود مغضوب عليهم والنّصارى ضلاّل»

____________________

(1) النّساء / 69.

 


الصفحة 182

(أخرجه الترمذيّ)؛ وذلك لأنّ الله تعالى حكم على اليهود بالغضب فقال: ( مَن لَعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) [المائدة 60] وحكم على النّصارى بالضَّلال فقال: (وَلاَ تَتّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلّوا مِن قَبْلُ) - المائدة 77» (1).

وقال البغويّ في تفسيره: «اهدنا» أرشدنا. وقال عليّ وأبيّ بن كعب: ثبّتنا، كما يقال للقائم: قم حتّى أعود إليك، أي: دم على ما أنت عليه. و «الصراط المستقيم» قال ابن عبّاس وجابر: هو الإسلام، وهو قول مقاتل. وقال ابن مسعود: هو القرآن. وروي عن عليّ مرفوعاً: الصّراط المستقيم كتاب الله. وقال سعيد بن جبير: طريق الجنّة. وقال سهلبن عبد الله: طريق السّنّة والجماعة. وقال بكر بن عبد الله المزنيّ: طريق رسول الله. وقال أبو العالية: رسول الله، وصاحباه. (2) وقال الثعالبيّ: الصراط في اللغة: الطريق الواضح.

واختلف المفسّرون في المعنى الّذي استعير له الصراط في هذا الموضع، فقال عليّ بن أبي طالب: الطريق المستقيم هنا القرآن. وقال جابر: هو الإسلام يعني الحنيفيّة. وقال محمّد بن الحنفيّة: هو دين الله الّذي لا يقبل من العباد غيره. وقال أبو العالية: هو رسول الله وصاحباه أبوبكر وعمر، وهذا قويّ في المعنى، إلاّ أنّ تسمية أشخاصهم طريقاً فيه تجوّز.

وهذا الدعاء انّما أمر به المؤمنون وعندهم المعتقدات وعند كلّ واحد بعض الأعمال. فمعنى قوله: «اهدنا» فيما هو حاصل عندهم: التثبيت والدوام، وفيما ليس بحاصل إمّا من جهة الجهل به أو التقصير في المحافظة عليه طلب الإرشاد إليه، فكلّ داعٍ به إنّما يريد الصّراط بكماله في أقواله وأفعاله ومعتقداته.

واختلف في المشار إليهم بأنّه سبحانه أنعم عليهم. وقول ابن عبّاس وجمهور من المفسّرين إنّه صراط النّبيّين والصّدّيقين والشهداء والصالحين. (3)

وقال ابن كثير: (اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، قال: أكمل أحوال السّائل أن يمدح مسؤوله

____________________

(1) تفسير الخازن «لباب التأويل في معاني التنزيل 1: 17 - 18»، وبهامشه مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفيّ.

(2) معالم التنزيل للبغويّ الشّافعيّ 1: 41.

(3) تفسير الثعالبيّ الموسوم «جواهر الحسان في تفسير القرآن» 1: 25.

 


الصفحة 183

ثمّ يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين؛ لأنّه أنجح للحاجة وأنجح للإجابة، فهنا تقدّم الثّناء، وأعقبه السؤال. والصراط المستقيم: كتاب الله، أو الإسلام (اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ). قال: هم النّبيّون والصّدّيقون والشّهداء والصّالحون، وهو مفسّر لـ (الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )، والغضوب عليهم هم اليهود، والضّالّون هم النّصارى. (1)

حبر الأمّة ابن عبّاس: قال في تفسيره: (اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال: أرشدنا للدّين القائم الّذي ترضاه، وهو الإسلام، ويقال: ثبّتنا عليه؛ ويقال: هو كتاب الله، يقول: اهدنا إلى حلاله وحرامه وبيان ما فيه.

(صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ): دين الّذين مننت عليهم بالدّين وهم أصحاب موسى من قبل أن تغيّر عليهم نعم الله، بأن أظلّ عليهم الغمام وأنزل عليهم المنّ والسّلوى في التّيه. ويقال: هم النّبيّون. ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ): غير دين اليهود الّذين غضبت عليهم وخذلتهم ولم تحفظ قلوبهم حتّى تهوّدوا. (وَلاَ الضّآلّينَ): ولا دين النّصارى الّذين ضلّوا عن الإسلام. (2)

الكلبيّ: وفي تفسيره، قال ابن جزيّ الكلبيّ: الصراط في اللّغة الطريق الّذي يمشى، ثمّ استعير للطريق الّذي يكون الإنسان عليها من الخير والشّر. ومعنى المستقيم: الّذي لا عوج فيه، فالصّراط المستقيم: الإسلام، وقيل: القرآن، والمعنيان متقاربان؛ لأنّ القرآن يضمن شرائع الإسلام، وكلاهما مرويّ عن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله. (الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ): قال ابن عبّاس: هم النّبيّون والصّدّيقون والشّهداء والصّالحون. وقيل: الصّحابة؛ وقيل قوم موسى وعيسى قبل أن يغيّروا والأوّل أرجح لعمومه، ولقوله: (مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَاءِ وَالصّالِحِينَ)(3).

قال: (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ): اليهود، و (الضّآلّينَ): النّصارى، قاله ابن عبّاس وابن

____________________

(1) مختصر تفسير ابن كثير 1: 10.

(2) تنوير المقباس من تفسير ابن عبّاس 2، وتفسير ابن عبّاس بحاشية الدرّ المنثور للسيوطيّ 1: 4. ولابن عبّاس أقوال في الصّراط وأنّه صراط محمّد وآله، ستجيء لاحقاً.

(3) النساء / 69.

 


الصفحة 184

مسعود وغيرهما، وقد روى ذلك عن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وقيل ذلك عامّ في كلّ مغضوب عليه، وكل ضالّ؛ والأوّل أرجح لأربعة أوجه:

روايته عن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وجلالة قائله، وذكر (وَلاَ) في قوله: (وَلاَ الضّآلّينَ) دليل على تغاير الطّائفتين وأنّ الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن: كقوله «فباؤُوا بغضبٍ» (1) والضّلال صفة النّصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى بن مريم عليه‌السلام، ولقول الله (قَدْ ضَلّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلّوا كَثِيراً وَضَلّوا عَن سَوَاءِ السّبِيلِ ) (2). (3)

تفسير الماورديّ: قوله عزّ وجلّ: (اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) إلى آخرها. أمّا قوله: (اهدنا) ففيه تأويلان: أحدهما: معناه أرشدنا ودلّنا.

والثاني: معناه وفّقنا، وهذا قول ابن عبّاس. وأمّا الصّراط ففيه تأويلان، أحدهما: أنّه السبيل المستقيم، ومنه قول جرير:

أمير المؤمنين على صراط = إذا اعوجّ الموارد مستقيم (4)

والثاني: أنّه الطريق الواضح ومنه قوله تعالى: (وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ) (5). وهو مشتقّ من مسترط الطّعام، وهو ممرّه في الحلق.

وفي الدّعاء بهذه الهداية، ثلاثة تأويلات، أحدها: أنّهم دعوا باستدامة الهداية، وإن كانوا قد هدوا. والثاني: معناه زدنا هدايةً. والثالث: أنّهم دعوا بها إخلاصاً للرغبة، ورجاءً لثواب الدّعاء.

واختلفوا في المراد بالصّراط المستقيم، على أربعة أقاويل:

أحدها: أنّه كتاب الله تعالى، وهو قول عليّ، وعبد الله؛ ويروى نحوه عن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

والثاني: أنّه الإسلام، وهو قول جابر بن عبد الله، ومحمّد بن الحنفيّة. والثالث: أنّه الطريق الهادي إلى دين الله تعالى، الّذي لاعوج فيه، وهو قول ابن عبّاس.

____________________

(1) البقرة / 90.

(2) المائدة / 77.

(3) كتاب التّسهيل لعلوم التنزيل، لمحمّد بن أحمد بن جزيّ الكلبيّ 34.

(4) ديوان جرير 507.

(5) الأعراف / 86.

 


الصفحة 185

والرابع: هو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأخيار أهل بيته، وأصحابه. وهو قول الحسن البصريّ، وأبي العالية الرّياحيّ. (1)

وفي قوله تعالى: (الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) خمسة أقاويل:

أحدها: أنّهم الملائكة. والثاني: أنّهم الأنبياء. والثالث: أنّهم المؤمنون بالكتب السّالفة. والرابع: أنّهم المسلمون، وهو قول وكيع. والخامس: هم النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، ومن معه من أصحابه، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد. وقرأ عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن الزّبير: «صراط من أنعمت عليهم».

وأمّا قوله: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّآلّينَ) فقد روى عن عديّ بن حاتم، قال: سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، عن المغضوب عليهم فقال: «هم اليهود»، وعن الضّالّين فقال: «هم النّصارى». وهو قول جميع المفسّرين.

والضّلال ضدّ الهدى، وخصّ الله تعالى اليهود بالغضب، لأنّهم أشدّ عداوة. (2) وقرأ عمر بن الخطّاب غير المغضوب عليهم وغير الضّالّين. (3)

أبو السعود: وأوجز القول أبو السّعود في مفردات الآيات ومصاديقها، قال: الصراط: الطريق والسبيل. والمستقيم: السويّ؛ والمراد به طريق الحقّ، وهي الملّة الحنيفيّة السمحة المتوسّطة بين الإفراط والتفريط.

(صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، بدل من الأوّل. وفائدته التأكيد والتنصيص على أنّ طريق الذين أنعم الله عليهم وهم المسلمون، هو: العلم في الاستقامة، والمشهود له بالاستواء. وقيل: المراد بهم الأنبياء عليهم‌السلام. ولعلّ الأظهر أنّهم المذكورون فيقوله عزّ وجلّ: (فَأُولئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَاءِ وَالصّالِحِينَ). النساء 69.

____________________

(1) وهذا مخالف لما رووه من اختصاص أبي العالية الشّيخين، وإنّما هو في عموم الصّحابة الأخيار.

(2) في فتح الباري لابن حجر العسقلانيّ 8: 159، قال: قال ابن أبي حاتم: لا أعلم بين المفسّرين في ذلك اختلافاً. قال السّهيليّ: وشاهد ذلك في قوله تعالى في اليهود: (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى‏ غَضَبٍ ) وفي النصارى: (قَدْ ضَلّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلّوا كَثِيراً). وقد مضى نظير هذا من تفسير الكلبيّ، وتفسير الخازن.

(3) تفسير الماورديّ البصريّ المتوفّى 450 هـ النّكت والعيون 58 - 61.

 


الصفحة 186

(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّآلّينَ): مطلق المغضوب عليهم والضّالّين. (1)

وفي مشكل الآثار، أوجز الطحاويّ القول، قال: أي ثبّتنا على الصراط المستقيم. (2)

الفخر الرّازيّ: توسّع الفخر الرّازيّ في الحديث عن مفاهيم الصّراط المستقيم، والهداية، والنّعمة والغضب، فأشبع الحديث بحثاً وتفصيلاً. قال: قوله تعالى، ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وفيه فوائد: (الفائدة الأولى: المراد منه صراط الأوّلين في تحمّل المشاقّ العظيمة من أجل مرضاة الله تعالى، وطلب الهداية للأخلاق الفاضلة.

والثاني: هو أن يهديه الله إلى الصّراط المستقيم الّذي هو الوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كلّ الأخلاق وفي كلّ الأعمال.

الثالث: عرّفنا يا إلهنا ما في كلّ شيء من كيفيّة دلالته على ذاتك وصفاتك ومقدرتك. الرابع: هو أن يكون الإنسان معرضاً عمّا سوى الله، مقبلاً بكلّيّة قلبه وفكره وذكره على الله. مثاله أن يصير بحيث لو أمر بذبح ولده لأطاع، كما فعله إبراهيم عليه‌السلام، ولو أمر بأن ينقاد ليذبحه غيره لأطاع،كما فعله إسماعيل عليه‌السلام، ولو أمر أن يرمي نفسه في البحر لأطاع، كما فعله يونس عليه‌السلام، فالمراد بقوله: (اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) هو الاقتداء بأنبياء الله في الصبر على الشدائد والثبات عند نزول البلاء.

الوجه الخامس: (المستقيم) السّويّ الّذي لاغلظ فيه. والهداية: الخروج من الحيرة إلى طريق الجنّة.

الوجه السادس: قال بعضهم: الصّراط المستقيم الإسلام. وقال بعضهم القرآن.

قال: ( الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) هم اليهود. و (الضّآلّينَ) هم النّصارى. (3)

ولأبي جعفر الطوسيّ كلام رائق في معنى الصّراط المستقيم، والمنعم عليه، قال: الصّراط المستقيم هو الدّين الحقّ الّذي أمر الله به، من توحيده، وعدله، وولاية من أوجب

____________________

(1) تفسير أبي السّعود محمّد بن محمّد العماديّ المسمّى إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم 1: 17 - 19.

(2) مشكل الآثار للطحاويّ: 2: 27.

(3) التفسير الكبير للفخر الرازيّ 1: 254 - 261.

 


الصفحة 187

طاعته. وقيل في معنى قوله: ( الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وجوه: أحدها: إنّه كتاب الله، وروي ذلك عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وعن عليّ عليه‌السلام وابن مسعود.

والثاني: إنّه الإسلام، حكي ذلك عن جابر، وابن عبّاس.

والثالث: إنّه دين الله عزّ وجلّ الّذي لا يقبل من العباد غيره.

والرابع: إنّه النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة القائمون مقامه، صلوات الله عليهم، وهو المرويّ في أخبارنا.

قال: قوله تعالى: ( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ). معناه: بيان الصّراط المستقيم، إذ كان كلّ طريق من طرق الحقّ صراطاً مستقيماً. والمعنى: صراط من أنعمت عليهم بطاعتك. (1)

وفي تفسير الشّيبانيّ: قوله تعالى: (اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) «المستقيم» صفة الصّراط. قال الكلبيّ: (اهْدِنَا): أرشدنا إلى الطّريق القائم، وهو الإسلام. وقال مقاتل: ( اهْدِنَا ) إلى دين الإسلام. وقال ابن مسعود: «إهدنا إلى كتاب الله. وقال الضّحّاك: ( اهْدِنَا ) إلى طريق الجنّة.

وروي في أخبارنا، عن أئمّتنا أنّ «الصّراط» طريق النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وطريق الأئمّة الطّاهرين من آله عليهم‌السلام. وروي عن عليّ عليه‌السلام أنّه قال: ثبّتنا على دين الإسلام. وقيل: معنى (اهْدِنَا): ألهمنا وأرشدنا وسدّدنا ووفّقنا.

وقوله تعالى: (صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ): (صِرَاطَ) بدل من الصّراط الأوّل. قال ابن عبّاس والكلبيّ: اهدنا طريق الّذين مننت عليهم، وهم الأنبياء والأئمّة والملائكة والصّدّيقون والشهداء والصّالحون.

وقوله تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ): اليهود، بإجماع المفسّرين.

وقوله تعالى: (وَلاَ الضّآلّينَ): هم النّصارى، بإجماع المفسّرين؛ لأنّ الله سبحانه أخبر عن اليهود أنّه غضب عليهم ومسخهم قردة وخنازير، وأخبر عن النّصارى، فقال: (وَضَلّوا عَن سَوَاءِ السّبِيلِ) [ المائدة 77 ]. والغضب من الله، إرادة الانتقام. والغضب من العباد

____________________

(1) التبيان في تفسير القرآن، محمّد بن الحسن الطّوسيّ «ت. 460 هـ): 41 - 42.

 


الصفحة 188

غليان دم القلب. والضّلال: العدول عن الحقّ. (1)

الطبريّ: وذكر الطبريّ بسند عن الضحاك، عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال جبرئيل لمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله - قل يا محمّد: اهدنا الصراط المستقيم. يقول ألهمنا الطريق الهادي وهو دين الله الّذي لا عوج له. (2)

وعن ابن عبّاس أيضاً: اهدنا طريق الّذين مننت عليهم، وهم الأنبياء والأئمّة والملائكة والصّدّيقون والشّهداء والصالحون. (3)

وذكر أبو الفتوح الرّازيّ نقلاً عن سعيد بن جبير، قال: (اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) أي اهدنا إلى طريق الجنّة. (4) وعن مقاتل: (اهْدِنَا ) إلى دين الإسلام. (5)

ومن طرق عدّة، ذكر هاشم البحرانيّ أقوالاً عن الصحابة وعن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام تنصّ على أنّ الصّراط المستقيم هو عليّ عليه‌السلام (6).

النّسفيّ: (اهْدِنَا ) بيان للمطلوب من المعونة - في قوله: (إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ) -، كأنّه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: (اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )، أي ثبّتنا على المنهاج الواضح، كقولك للقائم: قم حتّى أعود إليك. أي اثبت على ما أنت عليه، أو اهدنا في الاستقبال كما هديتنا في الحال، والمراد به طريق الحقّ وهو ملّة الإسلام. (صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) بدل من الصّراط وهو في حكم تكرير العامل، وفائدته التأكيد والإشعار بأنّ الصّراط المستقيم تفسير صراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، وهم المؤمنون والأنبياء عليهم‌السلام، أو قوم موسى عليه‌السلام قبل أن يغيّروا.

والمغضوب عليهم هم اليهود، لقوله تعالى: (مَن لَعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ)، والضّالّون هم

____________________

(1) نهج البيان عن كشف معاني القرآن لمحمّد بن الحسن الشّيبانيّ (من أعلام القرن السابع الهجريّ) 76 - 78.

(2) تفسير الطبريّ 1: 57.

(3) نفس المصدر 1: 58.

(4) تفسير أبي الفتوح 1: 52.

(5) نفس المصدر.

(6) سيرد ذكر بعضها. وانظر كتابه اللّوامع النّورانيّة 7 و 8؛ تفسيره البرهان.

 


الصفحة 189

النّصارى لقوله تعالى: (قَدْ ضَلّوا مِن قَبْلُ) (1).

وفي تفسير مقاتل بن سليمان البلخيّ (ت 150 هـ) 1: 25 - 26:

(اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) يعني دين الإسلام، لأنّ غير دين الإسلام ليس بمستقيم، وفي قراءة ابن مسعود: أرشدنا، (صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) يعني النبيّين الّذين أنعم الله عليهم بالنبوّة، كقوله سبحانه: (أُولئِكَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النّبِيّينَ) - مريم: 58. (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)، يعني دلّنا على دين غير اليهود الّذين غضب الله عليهم، فجعل منهم القردة والخنازير. (وَلاَ الضّآلّينَ) يقول: ولا دين المشركين، يعني النّصارى. وفي الجامع لعبد الله بن وهب المصريّ (125 - 197 هـ) 1: 54: أخبرني عبد الرحمن بن زيد عن أبيه قال: (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) اليهود، و (الضّآلّينَ ) النّصارى.

 

خلاصة الأقوال في معنى الصّراط

وجدنا كثيراً من العلماء لم يذكروا في تفسير الصّراط المستقيم في سورة الفاتحة أشخاصاً بأعيانهم، فيما ذكر بعض قول أبي العالية في مجموعة أقوال أخرى، مع التحرّز، إذ أردف ذلك بقوله: «إلاّ أنّ تسمية أشخاصهم طريقاً فيه تجوّز» وهذا يعني أنّ من ذكره يرجّح الأقوال الأخرى الّتي ذكرها.

ورواية أبي العالية ساقطة، لما علمنا من اضطراب حاله ونصبه وتوهين العلماء لشأنه، حتّى قالوا: «حديث الرّياحيّ رياح»، فصحّ لذلك أن نقول: إنّ هراء ابن القيّم رياح.

وتلخّصت أقوال العلماء والمفسّرين في معنى الصّراط المستقيم في:

1 - دين الإسلام.

2 - القرآن، حلاله وحرامه.

3 - طريق الجنّة.

4 - صراط الأنبياء والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين.

5 - محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأهل بيته عليهم‌السلام.

____________________

(1) مدارك التنزيل وحقائق التأويل لعبد الله بن أحمد النسفيّ 8.

 


الصفحة 190

أمّا المغضوب عليهم، فهم اليهود بالإجماع. والضّالّون، فهم النّصارى بالإجماع. أو هو: مطلق المغضوب عليهم والضّالّين.

وبعد: كيف حكم ابن القيّم على أمّة واسعة من شيعة عليّ عليه‌السلام بأنّهم هم المعنيّون بالغضب والضّلال؟! فإذا كان الإسلام الصّراط المستقيم، فهل سبق عليّاً في الإسلام أحد؟! وإن كان الصراط المستقيم طريق الجنّة فهل يرشد عليّ عليه‌السلام إلاّ إلى الجنّة؟! ولو كان صراط الصّدّيقين، أفليس عليّ عليه‌السلام أحد الصّدّيقين الصلاثة، كما مر ذكر ذلك، بل هو أفضلهم.

والصّراط المستقيم طريق الصّالحين المجاهدين وسبيل الشّهداء، وهل أبلى في هذا السبيل أحد بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، مثل بلاء عليّ حتّى مضى شهيداً. وقد هتف الملك ببسالة عليّ عليه‌السلام:

لا سيف إلاّ ذو iiالفقار      ولا فتى إلاّ عليّ (1)

وإذا كان الصّراط المستقيم هو النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام، فعليّ نفس رسول الله الّتي باهل بها وفد نصارى نجران؛ وعليّ وزوجته الزهراء وابناهما الحسنان عليهم‌السلام هم أهل بيت النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ولو كان الصّراط المستقيم غير هذه الوجوه المنيرة، لخرج بهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في هذه المهمّة الخطيرة - المباهلة - إلاّ أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله خرج بعليّ، فكان نفس النّبيّ، وبفاطمة، فكانت نساءه، وبالحسنين؛ فكانا أبناءه، يباهل بهم في تمييز الحقّ من الباطل، ويحتجّ بهم في إثبات نبوّته، ولم يحاججهم بالقرآن، فقاموا مقام المعجزة له صلى‌الله‌عليه‌وآله. فكان حتماً أن يكونوا الصّراط المستقيم، إذ لو بطل ذلك لبطلت معجزته صلى‌الله‌عليه‌وآله يومئذ، ولبطلت المباهلة.

ولو كان غير عليّ وزوجه وابنيه هم الصّراط، لطهّرهم الله تعالى، كما طهّر هذا البيت، ولا يختلف اثنان في أنّ غير عليّ قد أمضى من عمره ردحاً في وثنيّة وشرك، ولأجله لم

____________________

(1) أنكر ابن تيميّة هذه الفضيلة، قال: «كذب مفترى»، علم الحديث 3: 5. وقد خرّجه جمع غفير، فانظر: الرّوض الأنف 2: 143؛ تاريخ الطبريّ 2: 197؛ المناقب للخوارزميّ 167؛ ميزان الاعتدال 3: 324 ترجمة 6613؛ لسان الميزان 4: 406؛ سنن البيهقيّ 3: 276؛ مناقب الإمام عليّ 197 ح المستدرك على الصحيحين 2: 385؛ ذخائر العقبى 74؛ كفاية الطّالب 277؛ مجمع الزوائد 6: 114؛ الأغاني 15: 192؛ شرح نهج البلاغة 3: 380؛ الرياض النضرة 2: 190؛ الفصول المهمّة 55؛ تذكرة الخواصّ 32.

 


الصفحة 191

يقولوا: «كرّم الله وجهه» لغير عليّ، أي نزّهه من السجود لغير الله.

عن مينا مولى عبد الرّحمن بن عوف، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «أنا دعوة أبي إبراهيم، قلنا: يا رسول الله وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟ قال: «أوحى الله عزّ وجلّ إلى إبراهيم: (إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً) [البقرة 124]، فاستخفّ إبراهيم الفرح، قال ك يا ربّ! ومن ذرّيّتي أئمّة مثلي؟! فأوحى الله إليه: أن يا إبراهيم إنّي لا أعطيك عهداً لا أفي لك به. قال: يا ربّ ما العهد الّذي لا تفي لي به؟ قال: لا أعطيك لظالم من ذرّيّتك، قال إبراهيم عندها: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أَن نّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبّ إِنّهُنّ أَضْلَلْنَ كَثيراً مِنَ النّاسِ) (1). قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «فانتهت الدّعوة إليّ وإلى عليّ، لم يسجد أحد منّا لصنم قطّ، فاتّخذني الله نبيّاً واتّخذ عليّاً وصيّاً» (2).

وعن الأعمش، عن عباية بن ربعيّ، عن أبي أيّوب الأنصاريّ: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لفاطمة عليها‌السلام: «أما علمت أنّ الله اطّلع إلى أهل الأرض فاختار منهم أباك فبعثه نبيّاً، ثمّ اطّلع الثانية فاختار بعلك فأوحى إليّ فأنكحته، واتّخذته وصيّاً؟» (3).

إنّ دعوة إبراهيم الخليل عليه‌السلام لم تودع إلاّ اثنين: رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ووصيّه عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام. ولم يكن الّذي اتّخذ عليّاً خليلاً ووصيّاً لرسول الله إلاّ الله تبارك وتعالى، فكيف بك بخليل بين حبيبين: المرسل والرسول، ووصيّ على رسالة التوحيد؟! وأيّ منزلة أعظم من هذه، وهل ثمّة صراط مستقيم إلاّ صراط إبراهيم ومحمّد وعليّ عليهم السّلام؟!

ولا يحضرني ذكر زواج مبارك مثل زواج عليّ من فاطمة عليها‌السلام زوّجه الله تعالى إيّاها وخطبها وعقد عقدة النّكاح جبرائيل عليه‌السلام، وشهدته الملائكة، واحتفلت به الحور العين فأكرمهنّ الله عزّ وجلّ. وقد خطبها أشراف قريش مثل أبي بكر، وعمر بن الخطّاب وغيرهما، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يردّهم.

ولا غرو ولا عجب ففاطمة ليست من عرض النّساء؛ فأبوها هو سيّد الرّسل وخاتم

____________________

(1) إبراهيم / 35 - 36.

(2) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 276 - 277.

(3) كفاية الطّالب 296؛ كنز العمّال 6: 153؛ مجمع الزوائد 8: 353.

 


الصفحة 192

الأنبياء عليهم‌السلام، وهي أعزّ أبنائه عليه، بل هي بضعته، عن مجاهد، قال: «خرج النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو آخذٌ بيد فاطمة فقال: من عرف هذه فقد عرفها ومن لميعرفها فهي فاطمة بنت محمّد، وهي بضعة منّي، وهي قلبي وهي روحي الّتي بين جنبيّ؛ من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله»(1).

والأحاديث كثيرة في حبّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لفاطمة الزهراء البتول عليها‌السلام، وفي قرن حبّها بحبّه، وأنّ الله تعالى يغضب لغضبها ويرضى لرضاها (2).

وفاطمة شفاعتها توجب الجنّة: عن محمّد بن إسماعيل القرشيّ، عن محمّد بن أيّوب، عن صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبد الملك النّوفليّ، عن أبيه، عن جدّه، قال: دخلت على فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، قال: فبدأتني بالسّلام وقالت: قال أبي وهو ذا - أي وقتئذ - حيّ: «من سلّم عليّ وعليك ثلاثة أيّام فله الجنّة». قلت لها: ذا في حياته وحياتك، أو بعد موته وموتك؟ قالت: في حياتنا وبعد وفاتنا (3).

وفاطمة عليها‌السلام، حوريّة في صورة إنسان: عن أسماء بنت عميس، قالت: قال النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله - وقد كنت شهدت فاطمة وقد ولدت بعض ولدها فلم ير لها دم - فقال النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «يا أسماء، إنّ فاطمة حوريّة في صورة إنسيّة» (4).

وفاطمة أمّ الكوثر الطاهر الّذي أعطاه الله تعالى نبيّه الكريم، ونطق الوحي بطهارتها وعصمتها - كما في آية التطهير.

وأمّها: خديجة أمّ المؤمنين، وأحد أركان النّصرة. خديجة السّابقة إلى الإسلام، هي وأبو طالب مؤمن قريش وشيخ البطحاء. عن أنس، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد،

____________________

(1) نور الأبصار للشبلنجيّ ك 96.

(2) مناقب الإمام عليّ: 351 - 353 حديث (401 - 402)؛ المستدرك على الصحيحين 3: 153؛ تهذيب التهذيب 12: 441؛ ذخائر العقبى: 39؛ صحيح الترمذيّ 2: 319؛ خصائص النسائيّ: 121؛ كفاية الطّالب: 363؛ أسد الغابة 7: 224؛ الإصابة 4: 378.

(3) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 363 حديث 409.

(4) نفس المصدر: 369 حديث 416.

 


الصفحة 193

وفاطمة بنت محمّد» (1). وعن أبي هريرة مثله، وفيه: «حسبكم...» (2). وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّه كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النّساء إلاّ مريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد» (3).

ولخصالها الحميدة، فإنّ فاطمة عليها‌السلام «سيّدة نساء العالمين» (4). وللحنان الغامر الّذي لم يكن يجده عند غيرها، كان صلى‌الله‌عليه‌وآله يتفيّأ عطفها ومودّتها، ويأنس بها، ويسمّيها «أمّ أبيها»، وهذه هي كنيتها (5).

 

حديث الزّواج الميمون

تشوّفت رجال قريش علّها تنال شرف الاقتران بفاطمة عليها‌السلام، فما أفلحوا. عن ابن عبّاس، قال: كانت فاطمة تذكر لرسول الله، فلا يذكرها أحد إلاّ صدّ عنه، حتّى يئسوا منها. (6)

وعن سلمان الفارسيّ، وعليّ بن أبي طالب، وأمّ سلمة: لما أدركت فاطمة بنت رسول الله مدرك النّساء، خطبها أكابر قريش، وكان كلّما ذكرها رجل من قريش أعرض رسول الله عنه بوجهه حتّى كان الرّجل منهم يظنّ في نفسه أنّ رسول الله ساخط عليه، أو قد نزل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيه وحي من السماء. ولقد خطبها أبو بكر، فقال له رسول الله: يا أبابكر، أمرها إلى ربّها. وخطبها بعد أبي بكر عمر بن الخطّاب، فقال له كمقالته لأبي بكر (7).

____________________

(1) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 363 حديث 409؛ مشكل الآثار 1: 48؛ الاستيعاب 4: 377.

(2) مسند أحمد بن حنبل 1: 293؛ تاريخ بغداد 7: 184؛ الترمذيّ 2: 301؛ المستدرك على الصحيحين 2: 497؛ مجمع الزوائد 9: 223.

(3) نور الأبصار: 95.

(4) جمهرة النّسب 30؛ الاستيعاب 4: 376؛ أسد الغابة 7: 223.

(5) أسد الغابة 7: 220؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 340.

(6) المناقب للخوارزميّ: 338؛ كفاية الطّالب: 304.

(7) المناقب للخوارزميّ: 343.

 


الصفحة 194

وعن حجر بن عنبس (1)، قال خطب أبو بكر وعمر فاطمة، فقال النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «هي لك يا عليّ». (2)

وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أنس: أنّ أبا بكر خطب فاطمة إلى النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فلم يردّ إليه جواباً، ثمّ خطبها عمر فلم يردّ إليه جواباً، ثمّ جمعهم فزوّجها عليَّ ابن أبي طالب وقيل: أقبل على أبي بكر وعمر، فقال: إنّ الله عزّ وجلّ أمرني أن أزوّجها من عليّ، ولم يأذن لي في إفشائه إلى هذا الوقت، ولم أكن لاُفشي ما أمر الله عزّ وجلّ به» (3).

وعن أنس أيضاً: جاء أبو بكر إلى النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقعد بين يديه، فقال: يا رسول الله، قد علمت مناصحتي وقدمي في الإسلام وأنيّ وأنّي، قال: وما ذاك؟ قال: تزوّجني فاطمة. قال: فسكت عنه، أو قال: فأعرض عنه. قال: فرجع أبو بكر إلى عمر فقال: هلكت وأهلكت. قال: وما ذاك؟ قال: خطبت فاطمة إلى النّبيّ فأعرض عنّي. قال: مكانك حتّى آتي النّبيّ، فأطلب منه مثل الّذي طلبت. فأتى عمر النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقعد بين يديه فقال: يا رسول الله، قد علمت مناصحتي وقدمي في الإسلام وأنّي وأنّي. قال: وما ذاك؟ قال: تزوّجني فاطمة. قال: فأعرض عنّي. قال: فرجع عمر إلى أبي بكر، فقال: إنّه ينتظر أمر الله فيها، فانطلق بنا إلى عليّ حتّى نأمره يطلب الّذي طلبنا!

قال عليّ: فأتياني وأنا أعالج فسيلاً، فقالا: ألا أتيت ابن عمّك تخطب ابنته؟! قال: فنبّهاني لأمر، فقمت أجرّ ردائي... حتّى أتيت النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقعدت بين يديه، فقلت: يا رسول الله قد علمت قدمي في الإسلام ومناصحتي وأنّي وأنّي. قال: وما ذاك يا عليّ؟ قال: تزوّجني فاطمة. قال: وما عندك؟ قلت: عندي فرسي ودرعي. قال: أمّا فرسك فلا بدّ لك منها، وأمّا درعك فبعها. فبعتها بأربعمائة وثمانين درهماً، فأتيته بها فوضعتها في حجره،

____________________

(1) في أسد الغابة 1: 462: حجر بن العنبس.

(2) كفاية الطّالب: 304؛ فضائل الخمسة 2: 130؛ أسد الغابة 1: 462؛ وقال: هل لك يا عليّ.

(3) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 346 حديث 397.

 


الصفحة 195

فقبض منها قبضةً، فقال: يا بلال أبغنا بها طيباً. قال: وأمرهم أن يجهّزوها (1)... الحديث.

وجعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم‌السلام: إنّ أبا بكر أتى النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقال: يا رسول الله زوّجني فاطمة، فأعرض عنه، فأتاه عمر، فقال: يا رسول الله، زوّجني فاطمة. فأعرض عنه، فأتيا عبد الرّحمن بن عوف، فقالا: أنت أكثر قريش(2) مالاً! فلو أتيت رسول الله فخطبت فاطمة زادك الله مالاً إلى مالك! وشرفاً إلى شرفك. فأتى النّبيّ فقال: يا رسول الله، زوّجني فاطمة. فأعرض عنه، فأتاهما فقال: قد نزل بي مثل الّذي نزل بكما. فأتيا عليّ بن أبي طالب، وهو يسقي نخلات(3)... الحديث. وذكر الدّولابيّ محمّد بن أحمد بن حمّاد الأنصاريّ الرازيّ (224 - 310 هـ) في كتابه الذّرّيّة الطّاهرة، صفحة 93 حديث 83: أبو مريم أبي إسحاق، عن الحارث عن عليّ قال: خطب أبو بكر وعمر إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فأبى رسول الله عليهما.

فقال عمر: أنت لها يا عليّ. فقال: ما لي إلاّ درعي أرهنها، فزوّجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمة.

ثمّ ذكره في الأحاديث 85 - 87، صفحة 94 - 95، عن مجاهد عن عليّ، وعن عطاء ابن أبي رباح، وعن ابن بريدة عن أبيه.

وفي عيون أخبار الرضا عليه‌السلام للصدوق 1: 195: «إنّ الله عزّ وجلّ ما تولّى تزويج أحد من خلقه إلاّ تزويج حوّاء من آدم عليه‌السلام، وزينب بنت جحش من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وفاطمة من عليّ عليهما‌السلام.

قريش تحسد عليّاً عليه‌السلام

ما زالت قريش تحسد امير المؤمنين منذ جندل صناديدها ونكّس رايات ضلالها، وما زال عليه‌السلام منصوراً حتّى هتف الوحي بشجاعته. وقريش ترى أنّ امير المؤمنين مخصوص

____________________

(1) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 347 - 349؛ منتخب كنز العمّال 5: 99؛ الرّياض النّضرة 2: 180؛ مجمع الزّوائد 9: 205؛ ذخائر العقبى: 27.

(2) وكأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله! طالب مال! وكان تزويجه لعليّ دحضاً لذلك.

(3) كنز العمّال 7: 113؛ مجمع الزّوائد 9: 209؛ كفاية الطّالب: 302 - 303.

 


الصفحة 196

بخلوات لا يشركه بها أحد، يفيض عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله علوماً ربّانيّة، فكان عليه‌السلام الباب الّذي منه تؤتى مدينة علم النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وما دعى رسول الله لنفسه بشيء إلاّ ودعى لعليّ بمثله، وما زال يعرّف به ويذكره بخير في كلّ مجلس، ويلمّح تارة ويصرّح أخرى بوراثة عليّ له في العلم والتبليغ، وأنّه الخليفة من بعده وهو هارون هذه الأمّة وفاروقها وأمينها وصدّيقها وهو يعسوب المؤمنين: متابعته إيمان، ومفارقته كفر ونفاق. وعليّ إذا خاصم، نزل الوحي مؤيّداً له، وإذا فعل طاعة، نطق الوحي مشيداً بذلك... ولما لم تنل رجال من قريش بغيتها في الحظوة بالزّواج من فاطمة، فقد سعت سعيها:

عن جابر بن عبد الله، قال: لما زوّج النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً من فاطمة أتت قريش فقالوا: يا رسول الله! زوّجت فاطمة عليّاً بمهر خسيس! فقال النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «ما زوّجت فاطمة من عليّ، ولكنّ الله زوّجها عند شجرة طوبى، وحضر تزويجها الملائكة، وأمر الله شجرة طوبى: لتنثرين الدّرّ والياقوت والزّبرجد الأخضر. وابتدر الحور العين يلتقطن، فهنّ يتهادين ويتفاخرن به إلى يوم القيامة، ويقلن: هذا من نثار فاطمة بنت رسول الله». (1)

وعن جابر أيضاً قال: «دخلت أمّ أيمن على النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وهي تبكي، فقال لها النّبيّ: ما يبكيك، لا أبكى الله عينيك؟!

قالت: بكيت يا رسول الله لأنّي دخلت منزل رجل من الأنصار، وقد زوّج ابنته رجلاً من الأنصار، فنثر على رؤوسهم لوزاً وسكّراً، فذكرت تزويجك فاطمة من عليّ ولم تنثر عليها شيئاً. فقال النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: لا تبكي يا أمّ أيمن، فو الّذي بعثني بالكرامة واستخصّني بالرّسالة، ما أنا زوّجته ولكنّ الله تبارك وتعالى زوّجه من فوق عرشه، وما رضيت حتّى رضي عليّ، وما رضي عليّ حتّى رضيتُ، وما رضيتُ حتّى رضيت فاطمة، وما رضيت فاطمة حتّى رضي الله ربّ العالمين» (2)

لم تكن أمّ أيمن لتحسد عليّاً عليه‌السلام على ما منّ الله تعالى به عليه، فهي أجلّ من ذلك، إلاّ

____________________

(1) مناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ: 344 حديث 395؛ ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 1: 256 حديث 300 بلفظ مشابه.

(2) نفس المصدر: 341 - 342 حديث 393 ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 1: 255 حديث 298.

 


الصفحة 197

أنّ حبّها لبضعة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وهي ترى لا يصنع بزواجها بما صنع بزواج من لا يدانيها؛ فأفصحت عن مكنونها وأجابها صلى‌الله‌عليه‌وآله بمباركة الله تعالى وأنّه الّذي زوّج فاطمة فارتضت عليها‌السلام ما ارتضاه سبحانه لها، وبهذا الرّضى الملازم بعضه لبعض كان زواجها أعظم ممّا رأته أمّ أيمن في عرس الأنصاريّة.

 

مراسم الزّواج المبارك

ومن جوابه صلى‌الله‌عليه‌وآله لأمّ أيمن: «يا امّ أيمن، لما زوّج الله تبارك وتعالى فاطمة من عليّ أمر الملائكة المقرّبين أن يحدقوا بالعرش - وفيهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل - فأحدقوا بالعرش. وأمر الحور العين أن يتزيّنّ، وأمر الجنان أن تزخرف؛ فكان الخاطب الله تبارك وتعالى، والشّهود الملائكة. ثمّ أمر الله شجرة طوبى أن تنثر عليهم، فنثرت اللّؤلؤ الرّطب مع الدّرّ الأخضر، مع الياقوت... فتبادرت الحور العين يلتقطن من الحليّ والحلل، ويقلن: هذا من نثار فاطمة بنت محمّد» (1).

ومن حديث ابن عبّاس: لما زفّت فاطمة إلى عليّ كان النّبيّ قدّامها، وجبرائيل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف ملك خلفها، يسبّحون الله ويقدّسونه حتّى طلع الفجر. (2)

وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «يا فاطمة زوّجتك سيّداً في الدّنيا، وإنّه في الآخرة لمن الصّالحين. لما أراد الله أن أملّكك من عليّ أمر الله جبرائيل عليه‌السلام فقام في السّماء الرّابعة، فصفّ الملائكة صفوفاً، ثمّ خطب عليهم، فزوّجك من عليّ ثمّ أمر الله شجر الجنان، فحملت الحليّ والحلل، ثمّ أمرها فنثرت على الملائكة، فمن أخذ منهم شيئاً أكثر ممّا أخذ غيره افتخر به إلى يوم القيامة» (3). قالت أمّ سلمة: فلقد كانت فاطمة تفخر

____________________

(1) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 342؛ ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 1: 255.

(2) تاريخ بغداد 5: 7.

(3) المناقب للخوارزميّ: 337؛ كفاية الطّالب: 301؛ تاريخ بغداد 4: 129.

 


الصفحة 198

على النّساء حيث أوّل من خطب عليها جبرئيل. (1)

 

أولياء أمر فاطمة

عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «أيّها النّاس، هذا عليّ بن أبي طالب! أنتم تزعمون أنّني أنا زوّجته ابنتي فاطمة،ولقد خطبها إليّ أشراف قريش فلم أجب، كلّ ذلك أتوقّع الخبر من السّماء، حتّى جاء جبرائيل ليلة أربع وعشرين من شهر رمضان، فقال: يا محمّد، العليّ الأعلى يقرأ عليك السّلام، وزوّج فاطمة عليّاً، وأمرني فكنت الخاطب، والله تعالى الوليّ، وأمر شجرة طوبى فحملت الحليّ (2)... الحديث.

 

خطبة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله :

ثمّ إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خطب بعد إذ اجتمع المهاجرون والأنصار، فقال: «الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المرغوب إليه فيما عنده، المرهوب عذابه، النافذ أمره في أرضه وسمائه، الّذي خلق الخلق بقدرته، وميّزهم بأحكامه، وأعزّهم بدينه، وأكرمهم بنبيّه محمّد. ثمّ إنّ الله جعل المصاهرة نسباً لاحقاً وأمراً مفترضاً وشج بها الأرحام وألزمها الأنام، فقال تبارك اسمه وتعالى جدّه: (وَهُوَ الّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبّكَ قَدِيراً) (3)، فأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، فلكلّ قضاء قدر، ولكلّ قدر أجل، ولكلّ أجل كتاب (يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمّ الْكِتَابِ ) (4). ثمّ إنّ الله تعالى أمرني أن أزوّج فاطمة بعليّ، فأشهدكم أنّي قد زوّجته على أربعمائة مثقال فضّة، إن رضي بذلك عليّ». فقال عليّ عليه‌السلام: قد رضيت يا رسول الله. ثمّ إنّ عليّاً مال، فخرّ ساجداً شكرا لله تعالى، وقال: الحمد لله الّذي حبّبني إلى

____________________

(1) حلية الأولياء 5: 95؛ تاريخ بغداد 4: 129؛ كفاية الطّالب: 301.

(2) كفاية الطّالب: 300.

(3) الفرقان / 54.

(4) الرّعد / 39.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة