الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 49

الكبرى.

وتستجيب الجماهير الإسلاميّة في كلّ مكانٍ لهذه الانْطلاقة، وتتفاعل معها مِمّا أفْقَدَهُ رشده وصوابه.

إلاّ أنّه بعد أنْ استعاد صوابه راح يخطّط لضرب الثورة في الصميم، ومُذْ فَشِلَتْ مخططاته لضرب الثورة راح يضرب تأثيرها، ويحاول الفصل بينها وبين جماهيرها بشتى الأساليب التشويهيّة.

وكان ضَرْبُ الأفغانيّ الثائر جزءاً مِنَ الخطّة؛ لتحقيق الأهداف الاستعماريّة، وذلك على يد العملاء الصليبيين والرجعيين والمغفّلين المتعصِّبين.

وعدنا نَسْمَعُ عَنِ الرجل كلَّ التُّهَمِ تُكال كيلاً، حتّى ولو كانتْ في إطار ما يسمّى بالتحقيقات العلميّة الموضوعيّة. فإذا بالأفغانيّ البطل المُتفاني يتحوّل إلى بابِيّ، رافضِيّ، بهائِيّ، ماسونِيّ، رَجعِيّ، قومِيّ، مُهادِن للعملاء، يُحِبُّ الشهرة، والمغامرة. بل راحتْ تَتَّهِم الشيخ محمّد عبده بأنّه كان يعلم الكثير عَنْ أُستاذه، إلاّ أنّه أخفاه تقيةً!!

وهكذا نُسِيَتْ كلُّ مواقفه الرائعة في إيقاظ الشعوب والأُمّة الإسلامية، وأعرض هؤلاء عَنِ الشهادات والأوسِمَةِ الحقيقيّةِ التي حملتْها هذه الشخصيةُ الرائعةُ، وعَنِ الآثار العلميّة والسياسيّة والحَماسيّة التي تَرَكَهَا نوراً يَضِيْءُ الدربَ للأجيال، وعَنِ الزهد الذي طبع مُجْمَل حياته.

كلُّ هذه الحقائق التي لا ريبَ فيها نُسِيَتْ في سبيل تحقيق تلك المآربَ الرخيصةِ.

قِصَّةُ الحَمْلَةِ المَسْعُوْرَةِ

أمَّا كيفَ بَدَأَتْ الحملةُ الإعلاميّة لتشويه صورة الأفغانيّ؟ وكيف جرى الإعداد لها؟ فهو ما كشفتْه مصادرُنا مِنْ خِلال وثيقةٍ مدوَّنةٍ، ونُورِدُ مُلَخَّصاً


الصفحة 50

مِنْها كما جاءت في مجلّة (الشهيد) الإسلاميّة مع بعض التصرُّف:

إنّه قرار المخابرات الأميركيّة.. الذي تُنَفِّذَهُ الأنظِمةُ الرجعيّةُ بأموال شعوبهم المنهوبة التي يشترون بها الصحفيين والمزوِّرين. والهدف (إسقاط شخصيّة السيّد المجاهِد جمال الدين الحُسيْني)، المعروف بالأفغاني.. وبالتالي إسقاط اعتبار الحركة الإسلاميّة المتصاعِدة، الذي يُعْتَبَر السيّد المُجاهِد أحد رموزها ومُلْهِمِيْهَا..

ورغم اعتقادنا أنّ السيّد المجاهِد في قلوب الناس بجهاده وتأريخه الرائع.. إلاّ أنّنا نخوض في بعض تفاصيل هذه الحملة؛ لكي تَنْكشِف لنا ـ وبصورةٍ أوضح ـ حقيقةُ دور الأنظِمة الرجعيّة الحاقِدَة على الإسلام وقادته الرساليين.. وهذه إحدى جرائم هذه الأنظمة الرجعيّة التي لا تَقُلُّ بشاعةً عَنْ جرائمهم الأُخرى، ضدّ شعوبهم المظلومة.

بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، وتنامِي الوَعي الإسلاميّ واتساع الصحوة الإسلاميّة في العالَم، أخذتْ أقلامٌ خَبِيْثةٌ ورخيصةٌ تصبُّ كلَّ جهودها، في إطار كَيْل التهم والافتراءات على ماضي الشخصيّة الإسلاميّة الفذّة، الشهيد السيّد جمال الدين الأفغانيّ.

وطبعاً تأتي هذه الاتهامات على صَفَحَاتِ مَجلَّةٍ أو كتابٍ يُسَبِّح بحمد طاغوتٍ أو دكتاتورٍ مُلْحِدٍ!...

فمَجَلَّتَي (التضامن) و(المجلّة) الناطِقَتان بالعربيّة، تتولَّيان هذه الحملة المُزجاة ضدّ شخصيّةِ المفكِّر الإسلاميّ الشهيد جمال الدين الحسينيّ، فقد فوَّضَتْ أقلامُ عملاءِ الملوك والسلاطين؛ كَي يَبُتَّ في سيرةِ السيّد الحسينيّ..

وكاتب البحث أو المجلّة كان أكثر خُبْثَاً في اختيار عنوان البحث.. إذْ ابتدأ في عَنْوَنَةِ البحث بعبارة (إيرانيٌّ غامِضٌ في مِصر) أو (المجلّة تَفْتَتِح ملفَّ الأفغانيّ) وهذه العبارة يَشِيْع استخدامها في أزقَّة المحاكِم وعلى الملفَّات القضائيّة، فهو يحاول أنْ يَنْتَقِل بالقارئ المُسْلِمِ عموماً إلى صُلْبِ


الصفحة 51

بحثه، ولكنّه يريد أنْ يوقِفَه على باب البحث المكتوب فوقها (المجلّة تَفْتَتِح ملفَّ الأفغانيّ) و(إيرانيٌّ غامِضٌ)؛ ليشعره ـ لا أقل ـ أنّه مَدْعُوٌّ للدخول إلى قاعة محكمةِ رَجُلٍ غامِضٍ! والمُتَّهَم فيها هو سيرة وأفكار السيِّد جمال الدين الحسينيّ..

إذن فالباحث ـ مُنْذُ البداية ـ لا نستطيع أنْ نَتَعَهَّدَ فيه الصدق والأمانة والنيّة الخالِصَة في نَقْل مشاهِدَ عَنْ حياة السيّد الحسينيّ، وحتّى في رَدِّه على بعض مقتطفاتٍ مِنَ الكُتُبِ والبحوث التي كان يستعرضها، لم يقصد القربة إلى الله والدفاع عن السيّد الجليل، بل لأنّ الوقائع الموجودةَ تخالِفُ ما جاء في تلك الكُتُبِ والبحوث، فهو لا يريد أنْ يقبل بها بِكُلِّ علاقتها؛ كي لا يضع نفسه موضع الاتِّهام، بأنّه يَنْسَاقُ مع ما ذَهَبَ إليه أعداء السيّد الحسينيّ في كتاباتهم..

والبحث الذي قَدَّمَتْهُ المَجَلَّتَانِ على حلقاتٍ، وَتَبِعَهُ بعد ذلك عددٌ مِنَ التعليقات والتعقيبات.. في الحقيقة لا نستطيع أبداً أنْ نعتبره بحثاً، فهو عبارةٌ عَنْ إعادة الحياة في وثائقَ وكُتُبٍ نُشِرَتْ في العام 1963 وما تلاه..

فالمَجَلّتَانِ أرادَتَا أنْ تَعْبَثَا بسيرة السيّد الحسينيّ، إنّما عَبْر تسليط الأضواء على كتابٍ نَشَرَتْهُ جامعةُ طهران العام 1963، وعَبْرَ استعراض مُجْمَل ما كُتِبَ عَنِ السيِّد الحسينيّ، وكلُّ هذه الكتابات ـ كما تقول المَجلَّتَان ـ كُتِبَتْ بعد ظهور الكِتَاب الآنِفِ الذِكْر المَوْسُوْمِ بـ (مجموعة إسناد ومدارك چاب نشده درباره سيد جمال الدين مشهور به أفغاني) وترجمته بالعربية (مجموعةُ وثائقٍ غيرُ مَنْشُوْرَةٍ تتعلَّقُ بالسيِّد جمال الدين المشهور بالأفغانيّ).

والكتاب ـ مِنْ عنوانه ـ يطرح نفسه على أنّه مجموعة وثائق تخصُّ السيِّد الحُسينيّ.. أمّا الحقيقة، فإنّ الوثائق ما هي إلاّ افتراءات.

فعمليّة الطعن بسيرة السيِّد الحُسَيْنِي حين صَدَرَ الكتاب كانَتْ عمليةً


الصفحة 52

مقصودةً، يمكن تِبْيَانَهَا مِنْ خِلال النقاط التالية..

1 ـ تأريخ صدور الكتاب في العام 1963، يكفي لأنْ يوضِحَ حقيقةَ كِذْبِ الوثائقَ، فعام 1963 شَهَدَ غَلَيَاناً إسلاميّاً داخل إيران، أعقبه انتفاضةٌ إسلاميّةٌ عارِمَةٌ، قادَتْها الحوزةُ العلميةُ في قم بقيادة الإمام الخميني، وكانتْ نتائج الانتفاضة ـ التي سُمِّيَتْ بانتفاضة 15 خرداد (حزيران ـ يونيو) ـ تقديم خمسة عشر ألف شهيد وعشرات الآلاف مِنَ الجرحى والمُعْتَقَلِين، أمّا إفرازاتها: فإنّها ثبّتَتْ الخطَّ الإسلامي في قاموس نهضة الشعب الإيراني المُسْلِم، ضدّ حكم الشاه..

وكانتْ الانتفاضة الإسلاميّة هذه امتداداً لثورة الدستور وثورة التنباك، الذي كان السيِّد الحسينيّ واحداً مِنْ قياداتِها البارزين..

ولمّا كانتْ ثورة التنباك وثورة الدستور تُغَذِّي في الشعب الإيراني روحَ الثورة والنهوض خصوصاً بعد أحداث انتفاضة 15 خرداد (حزيران ـ يونيو)، ولمّا كان السيّد جمال الدين الحسينيّ في مقدِّمة تلك الثورات ـ وبالتالي فهو أحد مُلْهِمِي الانتفاضة الحاليّة وجذورها ـ .. عَمَدَتْ حكومةُ الشاه محمّد رضا إلى إصدار الكتاب المذكور؛ كي تَرمي بذلك عِدَّة أهداف بِحَجَرٍ.. فتشويه سُمْعَة السيّد الحُسينيّ يعني إلحاق التشويه بسُمْعَة ثورتَي التنباك والدستور، ويكون الهدف الآخر الأكثر مراداً هو تشويه قيادة الإمام الخميني، وانتفاضة 15 خرداد (حزيران ـ يونيو) التي هي قيادة السيّد الحسينيّ وثورتا التنباك والدستور.

2 ـ إنّ كلّ الكِتَابات التي كَتَبَهَا كُتّابٌ إيرانيون ومستشرِقون، جاءتْ بعد إصدار حكومة الشاه لهذا الكِتَاب أو (الوثائق!)، بالإضافة أنّ كلّ هذه الكتابات اسْتَنَدَتْ إلى الكِتَاب المَعْني..

فهنا يأتي الشكُّ، أين كانتْ الوثائق أوّلاً قبل العام 1963 ولماذا الآن؟ أين كانتْ كتابات المستشرِقين والكُتَّاب الإيرانيين الآخرين ولماذا بعد


الصفحة 53

1963؟!. لماذا الاستناد إلى كِتَاب (مجموعة وثائق غير منشورة) فقط مِنْ دون الاستعانة بكُتُبٍ وبحوثٍ أُخرى لِكُتَّاب آخرين؟ أو حتّى كتابات ومقالات السيّد الحسينيّ ذاته؟!

إذنْ.. فالعمليّة كانتْ مُدبَّرة ومستهدَفة، وإلاّ ليس مِنْ محض الصُدفة أنْ تصدر كلُّ الكتب المستنِدَة إلى الكِتاب المعني بعد عام 1963، وكلّ كاتب مِنْ هؤلاء يأخذ أيّ وثيقةٍ ليجعلها رأسمال للطعن بالسيّد الجليل، حتّى مِنْ دون تحكيم العقل أو لغةِ الكِتِابِ والبحث، في وقتٍ هناك بحوثٌ وكُتُبٌ صادرةٌ قبل 1963 لا تأتي بما أتى به ذلك الكِتاب!

المجلّتان جاءَتَا لِتَنْضَمَّا في صفوف أمثال هؤلاء الكُتّاب، مستفيدة مِنَ الكِتَاب المذكور؛ لتسيء إلى سمعة السيّد الحسينيّ، ولتزيد في إثبات ما هو منفي!، وانتقتْ مِنَ الوثائق في حياة السيّد الحسينيّ الذاتيّة، فكيف بحياته السياسيّة؟! وحتّى مِنْ دون مراعاة لشعور المسلمين الذين يَمُجُّونَ مثل هذه الافتراءات البعيدة عَنِ الواقع.. ولكنّها الحملة المسعورة ضدّ السيِّد الجليل التي يغيب عندها الضمير الحيُّ!!

حينما تقرأ دراسة المجلّتان، أو قُلْ استنساخ ما جاء في كِتاب جامعة طهران وكِتاب (نيكي كدي) الأميركية، ترى أنّهما تُحاوِلان أنْ تقولا للمسلمين: إنّ السيّد جمال الدين الحسيني لمْ يكنْ إلاّ أُلْعُوبة بِيَد السلاطين والملوك.. ولم يكنْ يَمْلِك مِنْ أمره وإرادته شيئاً..

في الواقع إنّ السيّد الحسينيّ كانتْ له عِدّة علاقات مع هؤلاء السلاطين، ولكنّ علاقته كانتْ في نِطاق إسداء النُصح لهؤلاء السلاطين.. وحينما يَصدر مِنْهُم الانحراف يقف بوجههم لِيُقَوِّمَ ذلك الانحراف، وعندما لا يُذْعِنُ السلطان لذلك، يأخذ السيّد الحسينيّ بفضحه، وبعض هذه العلاقات كان السيّد الحسينيّ يرتجي مِنْ ورائه خدمةَ الإسلام، كَطَلَبِهِ مِنَ المسلمين مؤازرة سلطان الآستانة في تركيا ضدّ


الصفحة 54

المؤامرات الانكليزيّة، إذْ ما دام الخطر قادماً مِنَ الخارج وعلى يد قوّاتٍ صليبيّةٍ، ترمي مِنْ احتلالها للدول الإسلاميّة ضربَ الإسلام. فإنّ الموقف يتطلّب كما كان يرى السيّد الحسينيّ: أنْ لا يَتْرُك المسلمون نصرةَ سلطان الآستانة لِئَلاّ تقع الأُمّةُ الإسلاميّة أسيرةَ الاستعمار والصليبيّة.

ولم يكنْ عَمَل السيّد هذا بِمَنْقَصَةٍ، إنّما كان الإسلام في خطرٍ، وهذا الموقف يذكِّرُنَا بمَوقِف المرجعيّة الإسلاميّة في العراق عندما طلبتْ مِنَ المسلمين أنْ يَنْضَمُّوا ضِمْنَ صفوف القوّات المُسلّحة العثمانيّة ضدّ قوّات الغزو الاستعماري البريطاني، فالخطر على الإسلام كان داهِمَاً..

أمّا عمله السياسيّ الجادّ ضدّ الاستعمار البريطاني في مصر، فإنّ المجلّتين تُحاوِلان أنْ تُسْدِلا سِتاراً كثيفاً عليه مِنْ خلال نقل مقتطفاتٍ مِنْ كِتابٍ، مِنْ تأليف كاتبةٍ إيرانيةٍ وكاتبةٍ أميركية، اسْتَنَدَتَا على كِتابِ ما سُمِّيَ بالوثائق، وبحث لكاتبٍ مصريٍّ حاقِدٍ على الإسلام والمسلمين فكيف بالسيّد الحسينيّ؟!

فالكاتبتان تقولان: (يُخْطِيءُ المرءُ إذا أراد أنْ يَنْسُبَ إلى جمال الدين مَذْهَبَاً، وإنّ فيه عقيدةً متجانِسَةً..) ورغم هذا التحامُل الشديد على السيّد الجليل والتقليل مِنْ شأْنه، بحيث اتَّهَمَتَاهُ بالعِلْمانيّة والتعامل مع الانجليز، وصِلَتِهِ بحركته البابيّة المُنَافِيَة لعقائد المسلمين، فإنّ كاتب البحث في (المجلّة) مثلاً يأتي ويُثَمِّنُ جهودَهما فيَكْتُبُ: (ومع أنّ المُؤَلِّفَةَ لم تطَّلِع على كتابات الأفغانيّ في الصحف المصريّة، واكتفتْ بما كُتِبَ عنه بالعربيّة، ومع أنّها أيضا أوجزتْ الفصلَ الخاصَّ بآرائه وفِكره، واعتمدتْ على كتاباته الفارسيّة والفرنسيّة أساساً، فكِتَابَهَا يُقَدِّمُ دراسةً موضوعيّةً حتّى لو اختلفْنا معها كثيراً)!!.. وأيَّةُ موضوعيّةٍ هذه إذا كانتْ مَرَاجِعُ كِتَابِها وثائقَ مبتورةً، حِيْكَتْ في أرْوِقَةِ وكالة المخابرات؟!

ولكي يزيد كاتب (المجلّة) في طعْن السيّد الحسينيّ ينقل عَنْ ذلك


الصفحة 55

الكاتبُ الصليبيّ الأميركيّ الجنسيّة قولَه في الحسينيّ: (وأهمّ مِنْ كلِّ هذا أَنّه بنى لنفسه ،وبُنِيَتْ له في مصر أُسطورة حتّى غدا الناس في مصر يقدِّسونه دون أنْ يقرأوا له ،ويضعونه فوق مستوى النقد..) ولكنّ الشمس لا يضيرها أبداً سحابةٌ كثيفةٌ، فالعين لا يمكِن لها أنْ تُنْكِر وجودها.. والسيّدُ الحسينيُّ الشمسُ التي تحاوِل بعضُ الكتابات العائِمة أنْ تُغيِّبها.. إلاّ أنّ الشمس أقدر على إذابة هذه السحابات الداكِنة..

لقد أعار السيّد الحسينيّ لله وللشعب المصري المُسْلِم نفسَه ووقته وجُمْجُمَتَه، إذْ لم يرتَح له بالٌ، وهو يحس بأَقْدَام الاستعمار البريطاني توغِلُ في صدرِه، فانطلق يُحَرِّضُ الشعب المصريّ المُسْلِم على الثورة والانتفاضة ضدّ الاستعمار البريطاني، فراح يُنادي في أهل مصر.. (فيا أيُّها المصريّون: هذه دياركم وأموالكم وأعراضكم وعقائد دينكم وأخلاقكم وشريعتكم، قَبَضَ العدوُّ على زِمامِ التصرّف فيها غيلةً واختلاساً، زَحَفَ العدوُّ إليكم تحت راية المحبّة، ثم قلب لكم ظهرَ المُجَن، وتناول بيده الظالمة شؤونكم العامّة، مِنْ عسكريةٍ وماليّةٍ وإدارةٍ وقضاءٍ، ولم يبقَ لكم شيئاً إلاّ الحرمان مِنْ خدمة أوطانكم، وأنتم أحقُّ بها وطالما دافعْتُم عنها في الأيّام السابقة..).

وفي المقال الافتتاحي، لأوّلِ عددٍ مِنْ جريدة (العروة الوثقى)، يصوِّر جمالُ الدين حادثَ الاحتلال البريطاني لمصر على أنّه كارثةٌ على العالم الإسلاميّ، وقد أهاب المسلمين ـ بباعِثٍ مِنْ دينهم ـ أنْ يتكاتفوا؛ لدفع بلاء هذا الاحتلال..

يقول:

(.. إنّ الخطر الذي أَلَمَّ بمصر، نفرتْ له أحشاء المسلمين، وانْكَلَمَتْ به قلوبهم، ولا تزال الأُمّة تَسْتَفِزَّهُم مادام الجرح نقّاراً، وما هذا بغريب على المسلمين، فإنّ رابطتهم المِلِّيَّة أقوى مِنْ رابطة الجنس واللغة، ومادام القرآن يُتْلَى بينهم، وفي آياته ما لا يذهب على إفهام قارئه، فلنْ يستطيعَ الدهر أنْ يَذُلَّهُم..).


الصفحة 56

وما يُضْحِكُ؛ أنْ تَتَّهِم المجلّةُ السيِّدَ الحسينيّ باستلام أموال مِنَ الحكومة الفرنسيّة، فإذا كان السيّد غايتُهُ المالُ، لَمَا احتاج لأنْ يُجْهِد نفسَه، ويَدخُل في طُرُق وَعِرَة وشائِكة مِنْ أجل خدمة المسلمين، ولَمَا احتاج إلى أنْ يُعَرِّضَ نفسَه للهجرة أو الإهانة مِنْ قِبَلِ أزلام الأنظِمة الحاكِمة ،كما حدث له في إيران، عندما هاجَمَهُ خمسمائة مِنَ المسلمين وأخذوه جَرّاً على الرغم مِنْ مرضه الشديد، حتّى قال جمالُ الدين الحسينيّ في ذلك:

(كيف يُهَان هذا الهوان وهو الرفيعُ النَسَبِ، العزيزُ الحَسَبِ، العظيمُ الجاه، العالي المَنْزِلَة في دينِه وشرفِه وعقلِه، ورغبته في الخير؟ كيف يرجوه الشاه أنْ يأتي بَلَدَه وَيَعِدَهُ أنْ يُنَفِّذَ إصلاحه، ويُعْلِي كلمته، ثم يعاملُهُ معاملةً، العبد يُطْرَد، والذليل يُصْفَع، والحقير يُهَان؟).

ولكي تقول الهجمة الشرِسَة التي يقودها العملاء عبرَ مجلّة (المجلّة) و(التضامُن) وغيرهما، ضدّ السيِّد الحسينيّ: (بأنّه ماسونيّ). فإنّ كاتب البحث لكي لا يربط الحديث به، يذهب إلى أحد الكُتّاب الموجودين، الذي أخذ عَنْ كتاب (مجموعة وثائق..) فيقتبس منه العبارة التالية:

(وفي مصر أيضا جَرَّتْهُ ـ الحسينيّ ـ تطوّرات الأحداث وتَغَلْغُلُ الأجانب في آخر عصر إسماعيل إلى النزول في مَعْمَعَتِهَا، فَنَشَطَ في المَحافِل الماسونيّة..).

قبل كلّ شيء لا بُدّ أنْ نعرف ماذا تعني الماسونيّة؟

الماسونيّة: تَرْتَكِزُ على ثلاث ركائز كما يزعم أصحابها، والركائز هي: حُرِّيّةٌ. مساواةٌ. آخاءٌ، ولكنّ في الواقع هي بعيدة عَنْ ذلك و(الجمعيّات الماسونيّة، أو التنظيم الماسونيّ، هو مِنْ أدقِّ وأعْقَد الأساليب الخفيّة المُسْتَتِرَة في استقطاب حركة المجتمعات وتوجيهها).

وقد عُرِفَ عَنْ التنظيمات الماسونيّة أنّها ضِدّ الإسلام الحنيف، وضِدَّ كلّ شيءٍ يَتَّصِف بالخير، وما شعاراتهم إلاّ لَذَرّ الرماد في العيون، وهي


الصفحة 57

يافطة يرفعونها؛ لإغواء مَنْ يروم الخير والسعادة البشريّة، وأيضا يافطة لتشويش الرؤية والبصيرة على الآخرين، والتنظيمات الماسونيّة عدوّةُ الإنسانيّة، وتُحرِّكها الدوائر الصهيونيّة الامبرياليّة؛ لتحكيم سيطرة الاستكبار العالمي على المستضعَفين والمحرومين.

نعم إنّ السيّد تعرّف على الماسونيّة حينما كانتْ دوائر النظام الملكي، والاستكبار العالمي والدوائر الصهيونيّة، تتلبّس لباس الخير والإصلاح، وعندما لَمِسَ مِنْ أوّل وَهْلَةٍ أنّها معاديةٌ لمصالح الشعب المصري المسلِم، أخذ يُعَرِّيْهَا ويوضِّح للشعب المصري المسلِم حقيقتَها الهدّامة المناصِرَة للنظام الحاكم، فيذكر السيّد الحسينيّ بهذا الخصوص ما يلي:

(أوّل ما شوّقني للعمل في (بناية الأُمراء) عنوانٌ كبيرٌ خطيرٌ: حريةٌ، مساواةٌ، إخاءٌ. وإنّ غَرَضَهَا (منفعة الإنسان/ سعي وراء دكّ صروح الظلم/ تشييد معالم العدل المطلق) ولكنْ كنتُ انتظر أنْ أسمع وأرى في مصر كلّ غريبةٍ وعجيبةٍ، ولكنْ ما كنتُ لأتخيّل أنّ الجبن يمكنه أنْ يَدخُل مِنْ بين اسطوانتي المحافِل الماسونيّة!، إذا لم تتدخّل الماسونيّة في سياسة الكون، وفيها كلّ بناءٍ حرٍّ، وإذا كانتْ آلات البِنَاء التي بيدها لا تُسْتَعْمَل لهدم القديم، وتشييد معالم حرِّيَّةٍ صحيحةٍ، وآخاء مساواةٍ، وإذا كانتْ لا تَدَكُّ صروح الظلم والعتوِّ والجَور، فلا حملتْ يد الأحرار مِطرقةً، ولا قامتْ لبنايتهم زاويةٌ قائمةٌ).

هذه العبارات الصادقة التي توضِّح حقيقة السيّد جمال الحسينيّ وموقفه الحازم مِن المحافل الماسونيّة، تتغافى عنها الأقلام المحمومة، وما همّها سوى قذف السيّد بأباطيلَ محبوكةً.

وأخيراً حينما نتساءل عمَّن روّج لهذه التُرّهات فإنّنَا سنجد في طليعتهم عميلاً صليبيّاً ـ هو لويس عوض ـ  بطل الغارة على التراث الإسلاميّ الأصيل، وحامل كلّ ما يمثّل النفوذ الثقافي الغربيّ، إلى الجسم العربي.


الصفحة 58

لمعرفة حقيقة الرجل راجع الصورة التالية عَنْ نَصِّ استقالته مِنْ حزب الوفد، حيث يُصرّح بأنّ (الله ليس مصدر السلطات)!.

نَصُّ الاسْتِقَالَة

السيِّد الأُستاذ فؤاد سراج الدين

رئيس حزب الوفد الجديد

تحيةً طيبةً وبعد، فأتشرّف بإبلاغكم أنّي انْضَمَمْتُ إلى (الوفد الجديد) عند تأسيسه في 1978، اعتقاداً منّي بأنّ الوفد الجديد قائمٌ على أُسس الديمقراطيّة العِلْمَانيّة التي قام عليها الوفد القديم منذ 1919.

هذه الأُسس، في اختصارٍ شديدٍ ودونَ لفٍ أو دورانٍ، هي أنّ (الأُمّة مصدر السلطات)، لا أنّ الله مصدر السلطات، وبالتالي فإنّ شؤون البشر تُنَظِّمُها دساتيرُ وقوانينُ وضْعيّةٌ، مِنْ صُنْعِ البشر بالحقّ الطبيعيّ بحسب تطوّر المجتمعات، لا دساتير وقوانين إلهيةٌ واجبةُ النفاذ، في كل زمانٍ ومكانٍ بالحق الإلهي، ولا يجوز تعديلها بأغلبيّة ثُلْثَي الأعضاء، أو بأغلبيّة النصف زائدَ واحدٍ.

وقد فوْجِئْتُ في الفترة الأخيرة بتصريحاتٍ على مستوى القِمّة في قيادة حزب الوفد الجديد، تُعلِن رفض الحزب للعلمانيّة التي أُؤْمِنُ بها أساساً للعقد الاجتماعي، بما أقنعني بأنّ (الوفد الجديد) الذي تشرّفتُ بالانضمام إليه في 1978 يختلف اختلافاً جوهريّاً عَنِ الوفد الذي أَسَّسَهُ سعد زغلول، وقاده مصطفى النحّاس في فترة ما بين الثورتَين.

وبناءً عليه، فقد قرَّرْتُ مع الأسف الشديد الاستقالة مِنْ عضويّة حزب (الوفد الجديد)، مُتمنِّيَا أنْ تُثْبِتَ الأيّامُ خطأَ مخاوفي وتقديراتي، وأنْ يتمكّنْ الحزب تحت قيادتكم الرشيدة مِنَ المشاركة في بناء الوطنيّة المصريّة والديمقراطيّة المصريّة في ظِلّ سياسته الجديدة.

وتفضّلوا بقبولِ وافرِ احترامي وتمنِّياتي

(د. لويس عوض)


الصفحة 59

ولكي تكتمِل المسرحيّة، فقد أوعزتْ الرجعيّةُ العربيّة بِنَقْدِ كتابات عوض، ـ هذا طبعاً مع كيل المديح له، وردِّ كلِّ الاعتراضات الأُخرى عليه ـ ونَقْده أحياناً، وبالتالي إرجاع الجميع إلى ما أُسْمِيَ بالوثائقَ التي شجّع نظامُ الشاه على نشرها مِن قِبَل جامعة طهران، في السنة نفسِها التي ثارَ فيها الشعب ضِدَّ نظامه، أي العام 1963م (ثورة 15 خرداد) ليجعلها المَرجِعَ الوحيد لدراسة حياة هذه الشخصيّة العظيمة.

إلاّ أنَّ كلّ المحاولات باءتْ بالفشل، ولم تَنْطَلِ الحيلةُ على المفكّرين الواعين، وبقي الأفغانيّ بطلاً عظيماً تفتخر به الأُمّة وتَعْتَزُّ، بعد أنْ قدّم لها أروع الأمثال في الإيمان والوعي والجهاد والتضحية والإخلاص.

لمعرفة حقيقية الرجل راجع صورة عنْ نَصِّ استقالته مِنْ حزب الوفد المنشور في الكتاب.

 

مُؤَامَرَةٌ خَطِيْرَةٌ.. تَتَطَلَّبُ يَقَظَةً كَبِيْرَةً

 

هل البَتُّ في تَتَبُّع حياة السيّد جمال الدين الحسينيّ وفي هذا الوقت بالذات عمليةٌ خالِصةٌ لا تحوم حولها الشبهات؟!

إنّنا لسنا فقط نشكُّ بذلك، بل لنا قناعتُنا وبالأرقام والوقائع، كما بيَّنَّا بأنّ هناك مؤامرةً خطِيرةً تستهدِف اغتيال سيرة السيّد الحسينيّ الجهاديّة، وإبدالها بسيرة مِلْؤُها التشنُّجَات والتناقُضات والانتهاكات الصارِمة للإسلام.. وإنّ المسألة ليستْ متعلِّقة بكاتبٍ أو مجلّةٍ أو صحيفةٍ، إنَّها مسألةُ نِظامٍ قائمٍ يحاول استخدام تلك الأقلام لمصلحته الشخصية، ألا وهو نظام آل سعود الحاكم في الجزيرة العربيّة، وليس هذا النظام وحده مشترِكاً في هذه الجريمة، بل هو على رأس أنظمة الإسلام الأميركي المُتَحَكِّمَة بمصائر المسلمين، في الخليج ومصر والمغرب وتونس والعراق وأفغانستان وتركيا.


الصفحة 60

وهي مؤامرةٌ تَقِف خلفها الدوائر الغربيّة والشرقيّة والصهيونيّة تستهدف:

(1) إظهار السيّد جمال الدين الحسينيّ على أنَّه رجلٌ مغامِرٌ لم ينوِ الإسلام في عمله، وأنَّه للظهور وحبِّ الشهرة!!

(2) تشويه قداسة الثورة الإسلاميّة في إيران، والتي تدين للسيّد جمال الدين الحسينيّ بأفكاره وأعماله الإسلاميّة الكبيرة.

(3) إبعاد الحركات الإسلاميّة العامِلَة ـ في الساحة الإسلاميّة الشاسِعة ـ عَن السيّد الحسينيّ، وعَن الثورة الإسلاميّة في إيران،ومعظم العلاقات الروحيّة والسياسيّة التي تدينها الحركات؛ لقيادة الإمام الخميني.

(4) إبعاد الشعوب الإسلاميّة عَنِ الاحتكاك بالحركات الإسلاميّة والانتظام في صفوفها..

(5) الطعن بالحركة الإسلاميّة المصريّة، وبالخصوص تلك التي رفعتْ سلاح القوّة لمواجهة النظام، ويجيء الطعن؛ نتيجةً لِهَتْكِ حرمة السيّد جمال الدين الحسينيّ، التي تَتَّخِذَهُ الحركةُ الإسلاميّة العامِلَة في مصر قدوتَها على طريق الجهاد الإسلامي.. وهذه النقطة لها أهمِّيَّتها؛ ذلك أنّ التحرُّك الإسلاميَّ داخل مصر نحو إقامة نظامٍ إسلاميّ، هو ما يُقْلِقُ الدوائر الصهيونيّة التي تخشى أنْ تقع (إسرائيل) أمام مواجهةٍ مع نظامٍ إسلاميّ.

وقد لا يتصوّر أحدُنا أنّ ربطَ عمليّة تشويه سيرة السيّد الحسينيّ بالكيان الصهيوني يمكن أنْ يكون بهذه السهولة، ولكنْ عليك أنْ تُصدِّق إذا علِمْتَ أنّ (إسرائيل) تفكِّر بقصف المفاعِل النووي الباكستاني داخل باكستان، بعد تصاعد الصحوة الإسلاميّة في الباكستان..

فإماتة أفكار السيّد الحسينيّ داخل نفوس أبناء الحركة الإسلاميّة المصريّة ـ كما تعتقد الدائر الاستكباريّة ـ مِن المُمْكِن أنْ يقضي على روح التحرّك في الفرد المصريّ المُسلِم!

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة