الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

هذا الكتاب

طبع ونشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة


الصفحة 1

بسم الله الرحمن الرحيم

ابن تيميه المجلّد الثالث في الرّد عليه

حبيب طاهر الشمّريّ


الصفحة 2


الصفحة 3

أصحاب الردود على ابن تَيمِيَه

كان لعلماء المسلمين ذوي الفُتيا ومفكّريهم، ومن المذاهب الإسلاميّة جمعاً، ردود عنيفة على ابن تيميه وآرائه الشاذّة في العقيدة والفقه، وتطاوله على الذات المقدّسة للهِ تعالى، من تجسيم وتبعيض، وأنّه سبحانه عمّا تجرّأ عليه ابن تَيمِيَه: محلّ للحوادث، وقاسَ الذّات المنزهّهة، بذاته الخبيثة! وجرأته على شخص رسول الله، فلم يخرج عن سيرة سيّده «الحجّاج» لما رأى المسلمين يطوفون بقبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فقال: ما لَهم يطوفون بعظامٍ ورمة، هلاّ طافوا بقصرِ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان؟! فأطلق ابن تيميه فتواه بتحريم زيارة قبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وقبور الأولياء.

وبسبب آرائه المخالفة للقرآن والسُّنّة النبويّة، ابتعد عنه كثير من تلامذته وضمّوا أصواتهم إلى أصحاب الحملة عليه.

ولم تتوقّف الحملة العنيفة عليه؛ فقد بدأت من علماء عصره التي انتهت به إلى السجن ثلاث مرّات - على ما ذكرناه في الفصل الأوّل - ثمّ موته في القلعة،


الصفحة 4

وتعزير الرُّعاع من أتباعه ومنعهم من الجهر بأفكاره الضّالّة.

ولم يخل عَقْد من حملة الأقلام ممّن صوّب نار قلمه على ابن تيميه وحتّى يومنا هذا، ولذا كانت كلمتهم بشأنِه إجماعاً.

1 - ابن تيميه «صاحب الترجمة»، وذلك من خلال إقراره على نفسه بالضَّلال وفساد المعتقد وإعلانه التّوبة أكثر من مرّة فإذا عاد لنزواته أودع السجن، فكتب يطلب العفو مع إقراره على نفسه بالزَّيْغ وهكذا حتّى مات في السجن.

إنّ هذا الإقرار وطلب العفو مقروناً بالتوبة من أفكاره، هو أوضح دليل وأبْين ردّ؛ لأنّه صادر من ذاتِ مَن هو عارفٌ بنفسه، وكفى بالإنسان على نفسه شاهداً ودليلاً.

(بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) (1)، (كَفَى‏ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (2).

2 - العلاّمة المطهّر الحسن بن يوسف الحِلّي، معاصر لابن تَيمِيَه؛

____________________

(1) القيامة/14. 2 - الإسراء/14.

قال مقاتل: لا شاهد أفضل من نفسك، فذلك قوله تبارك وتعالى (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) يعني جسده وجوارحه شاهدة عليه بعمله، فذلك قوله تبارك وتعالى: (كَفَى‏ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) يعني شاهداً، ثمّ قال: (وَلَوْ أَلْقَى‏ مَعَاذِيرَهُ) - القيامة/15 - ولو أدلى بحجّته لم تنفعه، وكان جسده عليه شاهداً. (تفسير مقاتل بن سليمان، 3/422).

(انظر إقرار ابن تَيمِيه على نفسه بالضَّلال وإضلاله الناس فيما مضى من الفصل الأوّل).


الصفحة 5

وهو العالم الوحيد ممّن ذكرناه من علماء الشّيعة. أمّا الدّاعي لذكرِه: ذاك أنّ ابن تيميه قال عنه في كتابه منهاج السُّنّة المُنجّس الحِلّي!، وعن كتابه منهاج الكرامة: منهاج النّدامة!. وتناول الشّيعة بالوقيعة والشتيمة، يصفهم تارةً بالحمير وأُخرى بيهود هذه الأُمّة؛ وكتابه منهاج السُّنّة في أربعة أجزاء أوقفه للنّيلِ من أهل البيت عليهم‌السلام، فما من آية فيهم أو حديث إلاّ وكذّبه، ودليله دائماً: «هذا كذب بالإجماع»، أو: هذا من الموضوعات عند أهل العلم بالحديث والنقل؛ من غير أن يذكر شيئاً عن هؤلاء العلماء: مَن هم؟! وكتابنا هذا تضمّن فصلاً في نقض دعاواه في منهاج سُنّته الذي كان الأوْلى أن يُسمّى منهاج الضَّلال.

جواب العلاّمة الحِلّي: لم يزد في ردّه عليه إلاّ قوله: (لو كان يفهم ما أقول أجبته) (1).

وقال في شعر:

 

لو  كنتَ  تعلم كما علم الورى      طرًّا  لصرتَ  صديقَ  كلّ iiالعالم
لكن جهلتَ فقلتَ إنّ جميع مَن      يهوى  خلافَ هواك ليس iiبعالم

3 - الإمام المالكيّ الشيخ تاج الدين أحمد بن محمّد بن عطاء الله الإسكندري (ت 709 هـ).

له مصنّفات منها (الحِكَم).

____________________

(1) خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، للعلاّمة الحسن بن يوسف الحِلّي (ت 726 هـ) الطبعة الثانية، المطبعة الحيدريّة، النجف الأشرف 1381 هـ.


الصفحة 6

قال الذهبي: «رأيته بالإسكندرية، وكان يتكلّم على الناس ويقول أشياء نافعة وله عبارة عذبة وفيه صدق، وله مشاركة في الفضائل، ولكنّه كان من كبار القائمين على الشيخ تقي الدين ابن تَيمِيَه» (1).

إنّ عبارة الذهبي الحنبلي هذه قبل خروجه عن خطّ أُستاذه ابن تَيمِيَه؛ فقد وصفه بما وصفه من أمور جيّدة، إلاّ أنّه خدشه بقوله: وكان يتكلّم على الناس. وذيل عبارته تبيّن قصده، فإنّ الشيخ الإسكندري المالكي كان من كبار القائمين على ابن تَيمِيَه! لكنّ الذهبي بعد أن اتّضح له أمر شيخه، ابتعد عنه ووجّه إليه رسالة كلّها ذمّ شديد له! ويُبدي فيها أسفه لانخداعه به، ويصفه بأنّه تابع هوى...، سنذكر تمام رسالته بعد.

4 - الإمام الحنبلي الشيخ شرف الدين عبد الغني بن يحيى الحرّاني (ت 709 هـ).

وهو قاضي الحنابلة، كان معارضاً لابن تَيمِيَه، وكتب مع بعض العلماء المخالفين لابنِ تيميه وأدّى ذلك لسجن ابن تيميه وذلك عام 705 هـ (2).

قال الذهبي بشأنه: «القاضي الشيخ الإمام قاضي القضاة شرف الدين عبد الغني بن يحيى، من كبار الرؤوس، وكان متوسّطاً في المذهب، محمود السيرة

____________________

(1) ذيل تاريخ الإسلام، للذهبي 1/86، الطبعة الأولى، دار الكتاب العربي، بيروت 1424 هـ.

(2) الدرّر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر العسقلاني الشافعي (ت 852 هـ)، 1/147. دار الجيل، بيروت.


الصفحة 7

كثير المكارم» (1).

5 - الإمام الشافعي المصري الشيخ نجم الدين أحمد بن محمّد ابن الرفعة (ت 710 هـ).

قال ابن قاضي شهبة الدمشقي يصفه: «الشيخ العالم العلاّمة شيخ الإسلام وحامل لواء الشافعيّة في عصره» (2).

له: (المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي) في أربعين مجلّداً (3). نُدب لمناظرة ابن تَيمِيَه.

وورد اسمه فيمَن أمضوا استتابة ابن تيميه ورجوعه عن مقولته في أنّ استواء الله على العرش، ونزوله حقيقةً وعلى ظاهره (4). إلاّ أنّ ابن تيميه لم تكن توبته صادقة إذ عاد إلى مقولته ومع كلّ عودة سجن.

6 - الإمام الحنفي قاضي القضاة الشيخ شمس الدين أحمد بن إبراهيم السّروجي (ت 710 هـ).

قال ابن تغري بردي عن السّروجي: كان بارعاً في علوم شتّى وله

____________________

(1) ذيل تاريخ الإسلام، مصدر سابق/92.

(2) طبقات الشافعيّة، ابن قاضي شهبة، 3/66، دار الندوة، بيروت 1408 هـ.

(3) تكملة السيف الصقيل، محمّد بن الحسن الكوثري/75، المكتبة الأزهريّة.

(4) البدر الطالع بمحاسن القرن السابع، محمّد بن علي الشوكاني، الطبعة الأولى، دار الكتب العلميّة - بيروت، 1/74.


الصفحة 8

اعتراضات على ابن تيميه في علم الكلام (1).

وقال ابن حجَر العسقلاني: «ومن تصانيفه: الردّ على ابن تَيمِيه، وهو فيه مصنِّف متأدّب صحيح المباحث، وبلغ ذلك ابن تيميه فتصدّى للردّ عليه» (2).

وأيضاً ابن حجر العسقلاني، قال: «وله ردّ على ابن تيميه بأدب وسيكنة وصحّة ذهن» (3).

7 - الشيخ علاء الدين بن أسمح اليعقوبي الشافعي (ت 710 هـ).

قال ابن حجَر العسقلاني: «كان شديد الحطّ على ابن تَيمِيَه (4)».

8 - المفتي الشيخ عليّ بن محمّد بن عبد الرحمان بن خطاب الباجي الشافعيّ المصري (ت 714 هـ).

كان من العلماء المخالفين لابن تيميه وناظره في جملة علماء المذاهب الإسلاميّة وأخذوا عهداً عليه أن لا يعود إلى بِدعته في القول بالاستواء، والنزول، والقول في القرآن؛ فتعهّد أنّه لا يقول في ذلك إلاّ بما يقوله الحضور...، وذلك سنة (707).

____________________

(1) النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي، 9: 213. طبع وزارة الثقافة، مصر.

(2) رفع الإصر عن قضاة مصر، ابن حجَر العسقلاني، 42، الطبعة الأولى، مكتبة الخانجي، مصر، 1418 هـ.

(3) الدرر الكامنة، 3/92.

(4) نفسه: 29.


الصفحة 9

قال الباجي: «لما أحضروا ابن تيميه طُلبتُ من جملةِ مَن طُلب، فجئتُ فلقِيتُه يتكلّم، فلمّا حضرت قال: هذا شيخ البلاد، فقلتُ: لا تطرئني، هاهنا إلاّ الحقّ، وحاققتُه على أربعة عشر موضعاً، وغير ما كان قد كتبه بخطّه فيما قال» (1). لقد ظنّ المسكين ابن تيميه أنّه قادر على أن يستغفل الباجي من خلال إطرائه فينتصر له، إلاّ أنّ الباجي قطع حبل التوصّل ودخل معه في محاققة ألزمه بها فاضطرّ ابن تيميه إلى التسليم.

9 - الشيخ صفيّ الدّين محمّد بن عبد الرحيم بن محمّد الهندي الأرموي الشافعي (ت 715 هـ).

من علماء الهند، طاف البلدان ثمّ سكن دمشق ومات بها، وله مصنّفات في علم أصول الفقه وعلم الكلام، وكانت بينه وبين ابن تيميه مناظرة.

قال الذهبي: «العلاّمة الأوحد صفيّ الدّين محمّد بن عبد الرحيم بن محمّد الهنديّ، كان حسَن الاعتقاد على مذهب السَّلَف» (2). قال تاج الدين السُّبكي: «ولما وقع من ابن تيميه في المسألة الحموية ما وقع وعقد له المجلس بدار السعادة بين يدي الأمير تنكز، وجُمعت العلماء، أشاروا بأنّ الشيخ الهندي يحضر فحضر. وكان الهندي طويل النَّفَس في التقرير إذا شرع في وجهٍ يقرّره لا يدع شبهةً ولا اعتراضاً إلاّ قد أشار إليه في التقرير بحيث لا يُتمّ التقرير إلاّ وقد بعد على

____________________

(1) طبقات الشافعيّة، مصدر سابق، 3/79.

(2) ذيل تاريخ الإسلام، مصدر سابق، 137.


الصفحة 10

المعترض مقاومته، فلمّا شرع يقرّر أخذ ابن تيميه يعجل عليه على عادته ويخرج من شيء إلى شيء فقال له الهندي: ما أراك يا ابن تيميه إلا كالعصفور حيثُ أردتُ أن أقبضه من مكان فرّ إلى مكان آخر.

وكان الأمير تنكز يعظّم الهندي ويعتقده وحبس ابن تيميه بسبب تلك المسألة وهي التي تضمّنت قوله بالجهة ونودي عليه في البلد وعلى أصحابه وعزلوا من وظائفهم» (1).

10 - الإمام الفقيه الشيخ محمّد بن عمر بن مكّي المعروف بابن المرحّل، وابن الوكيل الشافعي (ت 716 هـ).

قال تاج الدين السّبكي: «وله مناظرات مع ابن تيميه حسنة، وبها حصل عليه التعصّب من أتباع ابن تيميه، وقيل فيه ما هو بعيد عنه، وكثر القائل فارتاب العاقل» (2).

وابن الوكيل، من أئمّة الشافعية الكبار، وهو شيخ دار الحديث في الأشرفيّة، وكان يعارض ابن تيميه وله معه مناظرات أحرجته في كثير من المجالس. ولذا تعصّب عليه ابن تيميه وأتباعه. ولم يكن ردّ ابن تيميه عليه مؤدّبا، ممّا يذكّرنا بقوله في حقّ العلامة الحلي والشيعة، فهو إذا شنّ غارته عليهم، لاذ بالسّنّة

____________________

(1) طبقات الشافعيّة الكبرى، تاج الدين السُّبكي، 5/92، الطبعة الأولى، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1420 هـ.

(2) طبقات الشافعيّة الكبرى، مصدر سابق، 5/141.


الصفحة 11

والجماعة؛ وليس هو منهم، فهم الذين حكموه بالإجماع ولم تكن تهمُهم وحكمهم إيّاه إلاّ: أنّه ضالّ مضلّ متّبع هوى، طالب دنيا، فاسق زنديق كافر! وأما عالم الشيعة فلم يزد في ردّه إلا أنه «جاهل».

قال ابن تيميه في شأن ابن الوكيل الشافعيّ:

«كان مخلطا على نفسه، متبعا مراد الشيطان منه، يميل إلى الشهوة والمحاضرة» (1).

11 - الفقيه الشيخ أبو الفتح نصر بن سليمان المنبجي (ت 719 هـ).

من أكابر علماء مصر وزهّاد. قال عنه الذهبي:

«الشيخ الإمام القدوة، المقرئ، المحدّث، النحويّ، الزاهد العابد القانت الربّانيّ، بقية السلف، أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر المنبجي، نزيل القارهة وشيخها» (2).

وال عنه ابن تغري بردي: «الشيخ الصالح المعتقد» (3). كان المنبجي من علماء مصر المعاصرين لابن تيميه؛ وذكره ابن حجر العسقلاني في العلماء المعارضين لعقائد ابن تيميه، بل من أشد القائمين عليه والمحرضين ضده وكان

____________________

(1) البداية والنهاية، إسماعيل بن كثير الحنبلي (ت 774 هـ)، 2/146، مطبعة السعادة، مصر، 1368 هـ.

(2) ذيل تاريخ الإسلام، مصدر سابق، 167.

(3) النجوم الزاهرة، مصدر سابق، 9/344.


الصفحة 12

يغري به بيبرس الجاشنكير (1).

12 - قاضي القضاة الشيخ نجم الدين أحمد بن محمد بن سالم بن صصري التغلبيّ المتوفّى سنة 723 هـ.

قال الذهبي: «الشيخ الإمام، قاضي القضاة، كبير الرؤساء... شارك في فنون، وكان فصيح العبارة، طويل الدروس، سريع الكتابة، ينطوي على دينٍ وتعبّد في الجملة، وفيه مكارم ومداراة» (2). كان ابن صصري مخالفا لابن تيميه شديدا عليه، وهو الذي حكم على جمال الدين يوسف المزّي السّلفيّ (ت 743 هـ) تلميذ ابن تيميه، بالسجن لمرافقته ودعوته إلى عقيدة ابن تيميه، وذلك سنة (705 هـ)، علما أنّ ابن تيميه كان مفتقرا إلى علم المزّي. فذهب ابن تيميه إلى السجن وأخرج المزّي، فوجد القاضي ابن صصري في قصر الحاكم فتقاولا بسبب المزيّ، فحلف ابن صصري لابدّ أن يعيده إلى السجن وإلاّ عزل نفسه، فأعيد المزّي إلى السجن ثمّ أفرج عنه (3).

وفي السنة نفسها جرى أمور للحنابلة بسبب فتاوى ابن تيميه إذ عقد مجلس قضاء لابن تيميه ولأخويه: عبد الله، وعبد الرحمان ابني تيميه، وجماعة

____________________

(1) الدرر الكامنة، مصدر سابق، 1/147.

(2) ذيل تاريخ الإسلام، مصدر سابق، 2/2126.

(3) تهذيب الكمال في أسماء الرجال، جمال الدين يوسف المزّي (ت 742 هـ) 1/21، مؤسّسة الرسالة، الطبعة الأولى بيروت، 1406 هـ.

 


الصفحة 13

من أصحاب ابن تيميه، وأهين الحنابلة فقالوا: نحن نعتقد ما يعتقده محمّد بن إدريس الشافعيّ. وطلب من ابن تيميه ابن يكتب بخطّه أنّه لا يفتي في مسألة الطلاق ولا بغيرها؛ فكتب بخطّه ك أنه لا يفتي بها، وما كتب بغيرها. فقال القاضي نجم الدين بن صصري: حكمت بحبسك واعتقالك.

فقال له: حكمك باطل؛ لانك عدوي، فلم يقبل منه، وأخذوه واعتقلوه في قلعة دمشق (1).

13 - الإمام الشافعي الشيخ نورالدين علي بن يعقوب بن جبريل أبو الحسن البكري (ت 1724 هـ).

قال ابن قاضي شهبه: «واشتغل وأفتى ودرّس، ولما دخل ابن تيميه إلى مصر قام عليه وأنكر ما يقوله وآذاه» (2).

وقال عنه اليافعي ك «المفتي الإمام الجليل القدر بين الانام الزاهد نور الدين عليّ بن يعقوب البكري الشافعي، وهو الذي آذى ابن تيميه» (3).

وقال عنه الذهبي: «الإمام المفتي الزاهد نور الدين علي بن يعقوب بن

____________________

(1) دفع الشبه عن الرسول والرساله، أبوبكر بن محمد الحصني الدمشقي، 92 - 94، الطبعة الثانية، دار إحياء التراث العربي، القاهرة 1418 هـ.

(2) طبقات الشافعية، مصدر سابق، 3/127.

(3) مرآة الجنان وعبرة اليقظان، عبد الله بن أسعد اليافعي 4/204، الطبعة الأولى، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1417 هـ.


الصفحة 14

جبريل...، وكان دينا متعفّفا، مطرحا للتجمّل، نهّاء عن المنكر حتّى نفاه السلطان بعد أن همّ بقطع لسانه وكان قد وثب على الشيخ ابن تيميه ونال منه» (1).

14 - المحدّث المؤرّخ الشيخ الفخر بن المعلم القرشي (ت 725 هـ)

له ردّ على ابن تيميه في كتابه (نجم المهتدي ورجم المعتدي) وممّا جاء في كتابه هذا سؤال موجّه إلى علماء عصره عن كلام الله تعالى القديم القائم بذاته، هل يجوز أن يقال إنّه عين صوت القارئ وحروفه المقطعة...، وهل يجوز أن يقال إن كلام الله القديم بذاته حروف وأصوات على المعنى الظاهر فيها...

وبالجملة فالسؤال يتضمّن ما كان يرفع ابن تيميه عقيرته به من وصف الله تعالى بالبشر وإن كلامه يسمع، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

ثم يسأل عن الواجب حيال من يقول ذلك؟ فأجابه جمال الدين ابن الحاجب المالكي، والإمام أبو الحسن السخاوي الشافعيّ، في جمع آخر من العلماء، وكان مضمون جواب كلّ واحد منهم: أنّ هذا بدعة وهو من كلام المجسمين، وأن على ولاة الأمور استتابة من يقول بذلك، وحبس وضرب وتعزير من يصرّ عليه (2).

15 - الإمام الشافعي قاضي القضاة الشيخ كمال الدين محمّد بن علي

____________________

(1) ذيل تاريخ دمشق، مصدر سابق، 216.

(2) تكملة السيف الصقيل، مصدر سابق، 44 - 45، عن كتاب نجم المهتدي ورجم المعتدي للفخر ابن المعلم.


الصفحة 15

الزملكاني (ت 727 هـ).

شيخ الشافعية في الشام، انتهت إليه رئاسة المذهب تدريساً وإفتاء ومناظرةً وكان قاضي قضاة دمشق، وله مؤلّفات ومصنفات في الرد ابن تيميه منها (رسالة في الرد في مسألة الطلاق والعمل المقبول في زيارة الرسول (1).

وفي المجلس الذي عقد في ثامن رجب سنة خمس وسبعمائة وحضره قضاة المذاهب الأربع والفقهاء بحضور السلطان واتفقوا على أن كمال الدين الزملكاني يحاقق ابن تيميه، فأفحم كمال الدين ابن تيميه، وخاف ابن تيميه على نفسه، فأشهد على نفسه الحاضرين أنّه شافعي المذهب ويعتقد ما يعتقده الإمام الشافعي، فرضوا منه بذلك وانصرفوا (2).

16 - الإمام الشافعيّ الفقيه الشيخ برهان الدين بن عبد الرحمان بن إبراهيم الفزاري الدمشقيّ المتوفّى (729 هـ).

كان شديدا على ابن تيميه. ولمّا أعتقل ابن تيميه سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة؛ بسبب قوله: إنّ زيارة الأنبياء والصالحين بدعة، فاجتمع قضاة المذاهب: المالكي، والشافعي، والحنفي، والحنبلي ح وكتبوا بوجوب حبسه والتضييق عليه ومنعه من الفتيا، لكونه أوّل من أحدث هذه المسألة التي لا تصدر

____________________

(1) طبقات الشافعية الكبرى، مصدر سابق، 5/106. وطبقات الشافعية، مصدر سابق، 3/144، والنجوم الزاهرة، مصدر سابق، 9/270.

(2) دفع الشبه، مصدر سابق، 90 - 91.


الصفحة 16

إلا ممّن في قلبه ضغينة لسيد الأوّلين والآخرين.

فكتب عليها الإمام برهان الدين الفزاري نحو أربعين سطرا باشياء، وآخر القول أنه أفتى بتكفيره؛ فصار كفره مجمعا عليه (1).

17 - قاضي القضاة الفقيه الشافعي الشيخ علاء الدين علي بن إسماعيل بن يوسف التبريزي القونوي (ت 729 هـ).

كان مخالفا لابن تيميه وقد خطأه في أشياء عدة (2).

وكان شديدا على ابن تيميه، وصاحبه ابن زفيل «ابن قيم الجوزيّه» لقولهما: «لا يجوز التوسّل بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد موته».

وقد ذكر ذلك ابن زفيل، في قصيدته النونية، ينتصر فيها البن تيميه، فتصدّى له تقيّ الدين السّبكي.

قال ابن زفيل:

ولأجل  هذا  رام ناصر iiقو      لكم ترقيعه يا كثرة الخلقان

قال السبكي: الرسول بقبره حيّ (3).

____________________

(1) نفسه 94.

(2) ذيل تاريخ دمشق، مصدر سابق، 265.

(3) السيف الصقيل في الردّ على ابن زفيل، تقيّ الدين عليّ بن عبد الكافي السّبكي الشافعيّ (ت 756 هـ)، يردّ به على نونية ابن القيم، ومعه تكملة الردّ، محمد زاهد بن الحسين الكوثري، 125، الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث.


الصفحة 17

18 - عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ب علي بن محمود (ت 732 هـ).

الملك صاحب حماة. له مؤلّفات منها: المختصر في أخبار البشر المعروف بـ (تاريخ أبي الفداء). ذكر في حوادث سنة 705 هـ:

____________________

قالو الكوثري: الناظم - أي ابن زفيل - وشيخه، وينفيان بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باعتبار تفرقتهما بين حالتيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: حال حياته، وحال وفاته، وبإخراجهما للحديث الصحيح في التوسل عن دلالته الصريحة بالرأي عن هوى. وقد أقام قاضي قضاة الشافعية علاء الدين القونوي النكير على ابن تيميه بعنف في هذه المسألة في كتابه (شرح التعرف)، وعدّ ذلك مأخوذاً من اليهود! مع أنه كان من المثنين عليه قبل هذه الحادثة، وفي الاطلاع على هذا الكتاب تنوير للمسألة وقد أغنانا عن بسط ذلك هنا ما نقله التقي الحصني منه في كتاب دفع الشّبه. «سنذكره».

تكملة السيف الصقيل، مصدر سابق، 125.

كلام الحصني؛ قال: وكان الإمام العلامة شيخ الإسلام في زمانه أبو الحسن علي بن إسماعيل القونوي يصرح بأنه من الجهلة؛ بحيث لا يعقل ما يقول. ويخبر أنه أخذ مسألة التفرقة - أي التفرقة بين حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومماته، عن شيخه، الذي تلقاها عن أفراخ السامرة واليهود الذين أظهروا التشرف بالإسلام. وهم من أعظم الناس عداوة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وقتل علي رضي‌الله‌عنه واحدا منهم،  تكلم في مجلسه كلمة فيها ازدراء للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. وقد وقفت على المسألة؛ أعني مسألة التفرقة التي أثارها اليهود ليزدروه بها، وبحثوا فيها على قواعد مأخوذة من الاشتقاق، وكانوا يقطعون بها الضعفاء، فتصدّى لهم الجهابذة من العلماء، وأفسدوا ما قالوه بالنقل والعقل...، وأبادوهم بالضرب بالسياط وضرب الأعناق، ولم يبق منهم إلاّ الضعفاء في العلم، ودامت فيهم مسألة التفرقة حتى تلقاها ابن تيميه عن شيخه، وكنت أظنّ أنّه ابتكرها واتّفق الحذّاق في زمانه من جميع المذاهب على سوء فهمه وكثرة خطئه وعدم إدراكه للمآخذ الدقيقة وتصورها، عرفوا ذلك منه بالمفاوضة في مجالس العلم. دفع الشبه، مصدر سابق، 90. وانظر المصدر، 125.


الصفحة 18

«وفيها أستدعي تقيّ الدّين أحمد بن تيميه، من دمشق إلى مصر، وعقد له مجلس وامسك واودع الاعتقال بسبب عقيدته، فانه كان يقول بالتجسيم.

وقد عثرنا على بعض عبارات المنشور الذي كان قد صدر من السلطان في هذا الرجل وهي هذه: وكان الشقي ابن تيميه في هذه المدة قد بسط لسان قلمه، ومد عنان كلمه، وتحدث في مسائل القرآن والصفات، ونص في كلامه على أمور منكرات، وتكلم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون، وفاة بما يمجه السلف الصالحون، وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الإسلام، وانعقد على خلافه إجماع العلماء الأعلام، واشتهر من فتاواه في البلاد ما استخفّ به عقول العوام، وخالف في ذلك علماء عصره وفقهاء شامه ومصره، وبعث رسائله في كل مكان، وسمّى كتبه أسماء ما أنزل الله بها من سلطان.

ولما اتصل بنا ذلك وما سلكه من المسالك وما أظهروه من هذه الأحوال وأشاعوه، وعلمنا أنه استخف قومه فأطاعوه حتى اتّصل بنا أنهم صرّحوا في حق الله بالحرف والصوت والتجسيم؛ فقمنا في حق الله مشفقين من هذا النبأ العظيم...» (1).

19 - المفتي المحدّث الشيخ شهاب الدين أحمد بن يحيى بن إسماعيل بن جهبل الشافعي الحلبي (ت 733 هـ).

____________________

(1) المختصر في أخبار البشر، أبو الفداء اسماعيل بن علي، 2: 392، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1417 هـ.


الصفحة 19

من علماء دمشق والقدس وكان مفتيا ومحدثا ومعلما. وصفه الذهبي قال: «ابن جهبل العلامة، مفتي المسلمين» (1).

وهو أحدمن أمضى على فتوى تكفير ابن تيميه الصادرة بحقه في فتواه بمنع زيارة الأنبياء والصالحين وإن ذلك بدعة، وذلك سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة (2).

20 - الفقيه المورخ شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب البكري النويري (ت 733 هـ).

كان معاصرا لابن تيميه والفتن التي جرت بسببه ومنها نضاله العنيد في المنع من زيارة قبر النبي إبراهيم الخليل عليه‌السلام ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. وهذا بعض ما قال في هذه المسألة: «وفي هذه السنة في يوم الاثنين السادس من شعبان، اعتقل الشيخ تقي الدين أحمد بن تيميه، بقلعة دمشق المحروسة، حسب الأمر الشريف السلطاني، واعتقل معه اخوه زين الدين عبد الرحمان ومنع من الفتيا واجتماع الناس إليه.

وسبب ذلك أنه أفتى أنه لا يجوز زيارة قبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ولا قبر إبراهيم الخليل، ولا غيرهما من قبور الأنبياء والصالحين؛ وتوجه بعض أصحابه وهو الشمس محمد بن أبي بكر (ابن القيم) إمام المدرسة الجوزية في هذه السنة

____________________

(1) ذيل تاريخ دمشق، مصدر سابق، 307.

(2) دفع الشبه، مصدر سابق، 94. وتكملة السيف الصقيل، مصدر سابق، 125.


الصفحة 20

لزيارة البيت المقدس، فرقي منبرا في حرم القدس الشريف، ووعظ الناس، وذكر هذه المسألة في أثناء وعظه وقال: ها أنا من هنا أرجع ولا أزور الخليل، وجاء إلى نابلس وعمل مجلس وعظ وأعاد كلامه وقال: لا يزار قبر النبيّ، ولا يزار غلا مسجده، فقصد أهل نابلس قتله، فحال بينهم وبينه متوليها. وكتب أهل القدس وأهل نابلس ودمشق بما وقع منه، فطلبه قاضي القضاة المالكيّ شرف الدين، فتغيّب عنه، وبادر بالاجتماع بقاضي القضاة شمس الدين محمد بن مسلم الحنبليّ وتاب عنده، وقبل توبته وحقن دمه ولم يعزره.

فنهض الفقهاء بدمشق عند ذلك وتكلموا على الشيخ تقي الدين - ابن تيميه - وكتبوا فتيا تتضمن ما صدر منه، وذكروا هذه المسألة وغيرها؛ فأفتى العلماء بكفره، وعرضت الفتيا على نائب السلطنة بالشام الأمير سيف الدين تنكز، فطالع السلطان بذلك، فجلس السلطان في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر رجب وعرض عليهم ما ورد في امره من دمشق، فأشار قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعيّ باعتقال تقي الدين المذكور؛ فرسم باعتقاله ومنعه من الفتيا ومنع الناس من الاجتماع به، وأن يؤدّب من هو على معتقده.

وتوجه البريد بذلك، فوصل دمشق في يوم الاثنين سادس شعبان، فاعتقل، وقرئ المثال السلطاني بعد صلاة الجمعة العاشر من الشهر على السدّة بجامع دمشق.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة