الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 179

فأرميه بالنبل حتّى أقتله، فخرج بعد مقالته بيومٍ أو يومين، فأرسل الله تعالى، عليه وعلى جمله صاعقةً فأحرقتهما (1).

ولعامر بن الطّفيل قصّة مع الإسلام يرجع عهدها إلى شهر صفر من العام الرابع حيث عدى على بعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، إلى نجد، فقتلهم وكان عددهم سبعين رجلا من الأنصار يسمّون القرّاء. وقد دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على قتلتهم فقال: (اللّهم اشدد وطأتك على مضر. اللّهمّ سنين كسنيّ يوسف) (2). وذلك لما كان يواجهه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من القبائل المضريّة من أعراب تميم، وأسد، وغطفان، وعامر، وفزارة، وضبّة، وغيرها من قبائل نجد.

 

نجد في السّنّة

لما طبعت به القبائل النجديّة على ما ذكرنا من بعض أخبارها، فقد حفلت السنّنّة بوصفها بكلّ قبيح، إقليماً، وقبائلاً!

أخرج مسلم بسنده عن عبد الرحمان بن أبي بكرة عن أبيه عن رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، قال: «أسلَمُ، وغفارُ، ومزينةُ، وجهينة خيرٌ من بني تميم ومن بني عامر والحليفين بني أسد وغطفان» (3).

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 4: 213.

(2) نفسه 3: 193، والطبقات الكبرى لابن سعد 2: 52.

(3) صحيح مسلم 16: 76.


الصفحة 180

وأخرج بسنده عن محمّد بن أبي يعقوب، قال: سمعت عبد الرحمان بن أبي يحدّث عن أبيه: أنّ الأقرع بن حابس (التميمي النجديّ) جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم فقال: إنّما بايعك سرّاق الحجيج من أسلم وغفار ومزينة، وأحسب جهينة (محمّد الذي شكّ) فقال رسول الله: «أرأيت إن كان أسلم وغفار ومزينة - وأحسب جهينة - خيراً من بني تميم وبني عامر وأسد وغطفان، أخابوا وخسروا؟» فقال: نعم. قال: «فو الّذي نفسي بيده إنّهم لأخير منهم» (1).

وللأقرع هذا ولغيره من مبرّزي أعراب نجد من مواقف الدناءة ما سنذكرها عمّا قريب.

وأخرج مسلم بسنده عن عبد الله بن الصّامت، قال: قال أبوذرّ: قال رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم: «غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله» (2).

ومثله عن جابر، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (3).

وعن خفاف بن إيماء الغفاريّ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم في صلاةٍ: «اللّهمّ العن بني لحيان، ورعلا، وذكوان، وعصيّة عصوا الله ورسوله؛ غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله» (4).

____________________

(1) نفسه: 76.

(2) صحيح مسلم 16: 72.

(3) نفسه.

(4) نفسه: 73.


الصفحة 181

امتناع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الدعاء لنَجْد

في سنن الترمذيّ «الجامع الصحيح» عن ابن عمر: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، قال: (اللّهم بارك لنا في يمننا. قالوا: وفي نجدنا، فقال: اللّهم بارك لنا في يمننا وفي شامنا. قالوا: وفي نجدنا، قال: هنالك الزلازل والفتن وبها، أو قال: ومنها يخرجُ قرنُ الشيطان) (1).

ونذكر ما قاله العيني في شرحه، قال: وأخرجه البخاري في الفتن، قال العيني: في شامنا ويمننا أي الإقليمين المشهورين، ويحتمل أن يراد بهما البلاد الّتي في يميننا ويسارنا أعمّ منهما، يقال: نظرتُ يمنةً وشامةً أي: يميناً ويساراً ن ونجد هو خلاف الغور ن والغور هو تهامة، وكلّ ما ارتفع عن تهامة إلى أرض العراق فهو نجد. وإنّما ترك الدعاء لأهل المشرق ليضعفوا عن الشرّ الذي هو موضوع في جهتهم، لاستيلاء الشيطان بالفتن عليها. وقوله (بها) أي: وبنجد. (يطلع قرن الشيطان): أي أمّته وحزبه (2).

وانبعث الشيطان ضارباً بجرانه حتّى يومنا متمثّلاً في حركات إرهابيّة رهيبة فهي أرض النبوّات الكاذبة: مسيلمة الكذّاب الحنفيّ التميميّ النجديّ، وسجاح التميميّة النجديّة، وطليحة الأسديّ النجديّ. والغدر بطلائع الإسلام. وحركة الخوارج التي جلّ اُصولها البيئيّة والرجاليّة (نَجْديّة - تميميّة)!

____________________

(1) سنن الترمذي 5: 389.

(2) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، للعيني 7: 58 حديث (6).


الصفحة 182

مزيد بيان

عن عمران بن حصين، قال: جاء وفد بني تميم إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فقال لهم: (أبشروا يا بني تميم، قالوا: بشّرتنا فأعطنا! فتغيّر وجه رسول الله. وجاء وفدُ أهل اليمن فقال لهم: أبشروا يا أهلَ اليمن إذ لم يقبل البشرى بنو تميم).

وكان عيينة بن حصن الفزاريّ - نجديّ - في جيش النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، المحاصر للطّائف، فلمّا أذن النبيّ بالرحيل عنها، نادى سعيد بن عبيد بن أسيد: ألا إنّ الحيَّ مقيم، قال عيينة: أجل، والله مجدة كراماً - يمدح بها أهل الطّائف - فقال له رجل من المسلمين: قاتلك الله يا عيينة، أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وقد جئت تنصره! فقال: إنّي والله ما جئت اُقاتل ثقيفا معكم، ولكنّي أردتُ أن يفتح محمّد الطّائف، فاُصيب من ثقيف جارية أتّطئها، لعلّها تلد لي رجلاً، فإنّ ثقيفاً قوم مناكير (1).

وبعد وقعة «حُنَين» نزل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «الجعرانة» ومعه غنائم هوازن ن فجاءته هوازن ترجوه أن يردّ عليها السبي فقال لهم: أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لكم. فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله. فقال الأقرع بن حابس (التميميّ): أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عيينة بن حصن: أمّا أنا وبنو فزارة فلا.

وأمّا عيينة، فأخذ عجوزاً من عجائز هوازن، وقال حين أخذها: أرى

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 4: 127. مناكير: ذوي دهاء وفطنة.


الصفحة 183

عجوزاً إنّي لأحسب لها في الحيّ نسباً، وعسى أن يعظم فداؤها (1).

إنّ هذه المواقف تنبأ عن كفر ونفاق هؤلاء وإنّهم لا يضعون أقدامهم إلاّ وهم يرجون أن يصيبوا من الدنيا شيئاً.

 

نَجْد - أصل الخوارج

قد ذكرنا أنّ نجداً قد (أظهرت) الإسلام متأخّراً، وفيهم نزلت أشدّ الآيات إنكاراً، ونعتهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، بانطلاق الشيطان منهم وانبعاث الزلازل والفتن من أرضهم، وصدقت نبوءته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، لانبعاث أدعياء النبوّة الكاذبة...، واندساس ورجالهم في صفّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وإحداثهم ذلك الحدث الذي لولاه لكان العالم غير هذا العالم المشحون بالمظالم! وقد ذكرنا الخارجيّ الأوّل ونذكر شيئاً من قصّته: حين كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، يُعطي الناس من أموال حنين، جاء ذو الخويصرة التميميّ النجديّ فقال: يا محمّد! قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: أجل، فكيف رأيت؟ فقال: لم أرك عدلت! فغضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ثمّ قال: ويحك! إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟... (2)

وعن أبي سعيد الخدري، قال: بينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقسم قسماً، إذ جاءه ذو

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 4: 132 - 133.

(2) نفسه: 139. (وبعض النّص: سيكون له شيعة يتعمّقون في الدّين حتّى يخرجوا منه كما يخرج السَّهم من الرميّة...؛ وذكرناه في حديث الراية مع التعليق عليه).


الصفحة 184

الخويصرة التميميّ، وهو حرقوص بن زهير، أصل الخوارج، فقال: اعدل يا رسول الله. فقال: «ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل» (1). وذكر نحو ما تقدّم.

والروايات في كونهم شرّ خلق الله، وأنّهم كلاب النار! والأجر العظيم في قتلهم.

عن الأعمش، عن خيثمة، عن سويد بن غفلة، عن عليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام، وذكر الخوارج وما قال فيهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «...، فأينما أدركتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجراً لمن قتلهم إلى يوم القيامة» (2).

وبسندٍ عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، أنّه ذكر أناساً يخرجون في فرقةٍ من النّاس سيماهم التحليق، يمرقون من الدين كما يمرق السّهم من الرّميّة، هم شرّ الخلق، تقتلهم أولى الطّائفتين بالحقّ، وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق (3).

 

مقتل ذي الخُويصِرة

«وقد أمدّ عمر المسلمين بحرقوص - ذي الخويصرة - في قتال الهرمزان،

____________________

(1) أسد الغابة 2: 172.

(2) صحيح البخاري (3611، 5057، 6930)، وصحيح مسلم 7: 167 - 168، ومسند أحمد (1/81، 113، 131) والفضائل له/1198، وسنن أبي داود/4767، ومسند أبي يعلى 1/226، والخصائص للنَّسائي 143.

(3) صحيح مسلم 7: 169، والخصائص للنَّسائي 140/168.


الصفحة 185

وبقي حرقوص إلى أيّام عليّ، وكان مع الخوارج لما قاتلهم عليّ، فقتل يومئذ» (1).

وإذا كان ذو الخويصرة التميميّ النجديّ هو الخارجيّ الأوّل لخروجه على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّه ورجالات من نجد أعمّها تميم وآخرون من غطفان...، اندسّوا في عسكر أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام، كما ذكرنا، فإذا حانت لحظة الانتصار المؤزّر ولم يكن بين الأشتر ومعاوية إلاّ عدوة فرس وكان معاوية قد همّ بإعداد فرسه للهرب (2)، فذكّره عمرو بن العاص وأنّه خسارة الشام، فاستشاره فأشار عليه ابن النّابغة بحمل المصاحف على رؤوس الرماح ودعوة أهل العراق إلى التحاكم إلى كتاب الله عزّ وجلّ.

فأمّا أمير المؤمنين علي عليه‌السلام، فرفض ذلك قائلاً إنّها مشورة ابن النابغة! وأمّا أولئك الذين ذكرنا فقد أذاعوا أنّ أميرالمؤمنين عليه‌السلام قبل التحكيم! وحملوا الأشتر كرهاً على الرجوع وجرت مكاتبات انتهت بعقد هدنة مدّتها سنة وكتب بذلك كتاب وموثق وتقرّر أن يعيّن كلّ فريق حكمه، فاختار أهل الشام: «عمرو بن العاص». وقال الأشعث بن قيس والذين صاروا بعد ذلك خوارج: إنّنا قد رضينا بأبي موسى الأشعريّ، فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام: ولكنّي لا أرضى أبا موسى ولا أوّليه هذا الأمر. فقال الأشعث، ومِسعر بن فدكيّ التميميّ: إنّا لا نرضى إلاّ به، فإنّه قد حذّرنا ما وقعنا فيه!.

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 193، وأسد الغابة 1: 474.

(2) الفتوح لابن أعثم 2: 185.


الصفحة 186

قال عليّ (عليه‌السلام): فإنّه ليس لي برضاً، وقد فارقني وخذّل النّاس عني «وذلك يوم الجمل» ثمّ هرب حتّى أمّنته - آمنته - بعد أشهر. ولكن هذا عبد الله بن عبّاس قد جعلته حكماً لي.

قالوا: والله ما نُبالي أكنتَ أنت أو ابن عبّاس...، وأصرّوا إلاّ أن يكون أبا موسى! فقال عليه‌السلام: فاصنعوا ما أردتم (1)!

إنّ ذا الخُوَيصرة هو الخارجيّ الأوّل لخروجه على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وها هو يخرج على عليّ وليّ الله ورسوله يوم صفّين لينتهي إلى جهنّم.

إلاّ أنّ الخارجيّ الثاني (ابن تيميه) فضّل سلفه الخوارج على عليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام، وشيعته! ولذلك وجدناه ينفي خلود جهنّم ليسهّل على من استهواه الشيطان فسلك منهج الخوارج الإباحيّين...

وقد ذكرنا لذلك علّة «في نضاله في تفضيل الخوارج ووصفهم بالزهد والعبادة والتفضيل على الشيعة مع التشكيك بإيمان عليّ عليه‌السلام» سنذكره لاقتضاء البحث إليه، عرضاً.

«بعد كتابة الكتاب وشهادة الشهود خرج الأشعث بنسخة يقرؤها على الناس...، فمرّ على صفوف من أهل العراق فأسمعهم إيّاه فرضوا به، حتّى مرّ على رايات عنزة، فقال فتيان منهم: لا حكم إلاّ لله! فهما أوّل من حكّم. وهما:

____________________

(1) وقعة صفّين 490 - 492، والأخبار الطوال 190 - 191، وتاريخ الطبريّ 4: 4، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 219 - 238.


الصفحة 187

جعد، ومعدان. ثمّ مرّ على رايات تميم، فقرأها عليهم، فقال رجل منهم: لا حُكم إلاّ لله، يقضي بالحقّ وهو خير الفاصلين. وخرج عروة بن أديّة، أخو مرداس بن أديّة التميميّ، فقال: أتحكّمون الرجال في أمر الله، لا حكم إلاّ لله! وتعالت الأصوات: لا حكم إلاّ لله...، وقد كنّا زللنا وأخطأنا حين رضينا بالحكمين، وقد بان لنا خطأنا وزللنا فرجعنا إلى الله وتبنا، فارجع أنت يا عليّ كما رجعنا، وتب إلى الله كما تبنا، وإلاّ برئنا منك.

فقال عليه‌السلام: أبعد الرضا والميثاق والعهد نرجع؟! أليس الله تعالى قد قال: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1) وقال: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتّمْ) (2). فأبى أمير المؤمنين عليه‌السلام أن يرجع، وأبت الخوارج إلاّ تضليل التحكيم والطّعن فيه، فبرئت من عليّ عليه‌السلام، وبرئ عليّ عليه‌السلام منهم» (3).

هؤلاء هم الخوارج الذين فضّلهم ابن تيميه على الشيعة، واحتجّ بهم أنّهم قالوا: إنّ عليّاً (عليه‌السلام) ارتدّ...، وحقّ له أن يمجّدهم كما كان منه في أمر معاوية وابنه يزيد، ومضيّه إلى القول إنّ الشّيعة لا تستطيع أن تثبت إيمان علي فضلاً عن جهاده ما لم يثبت مثل هذا لمعاوية ويزيد؛ وبذا صحّ تسميته بالخارجيّ الثاني كما مرّ بنا، لخروجه على إجماع الأمّة من أوّل تاريخها إلاّ ما كان من الحجّاج

____________________

(1) المائدة: 1.

(2) النّحل: 91.

(3) المصادر السابقة.


الصفحة 188

وأمثاله مثل: مُسرف «مسلم بن عقبة المرّي» الذي عمل بدستور الناقص «يزيد ابن معاوية» إذ أمره بإباحة المدينة ثلاثة أيّام، وله أن يعمل ما يشاء، فدخلها فلم يسلم صبيّ ولا رضيع ولا شيخ كبير ولا امرأة عجوز وحبلت ألف امرأة من غير زوج، وكان يسمّي المدينة المنوّرة «نتنة» وقد سمّاها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «طيبة». ثمّ عمد جيش الشام إلى هدم الكعبة وحرقها (1).

إنّ ما كان من الخوارج هو عينه الذي كان من ابن تيميه! فهو يعلن توبته أمام القضاة ويكتب بخطّه رجوعه عن عقيدته الفاسدة وأفكاره المنحرفة ثمّ يعود؛ فيعود إلى السجن حتّى إذا أعلن توبته ثانية أمام القضاة وكتب بذلك كتاباً عاد، وهكذا ثلاث مرّات انتهت الثالثة به أن مات سجيناً بقلعة دمشق.

فهو بهذا له أسوة بسلفه الخوارج، فإنّ مسرف «مسلم بن عقبة، المرّي الغطفانيّ؛ من أعراب غطفان النجديّة المعروفة بتأخّر إسلامها وغلظتها وعدوانها على الإسلام».

ثمّ إنّ أحد التسعة الذين سلموا من سيف أبي الحسن عليّ عليه‌السلام يوم النهروان قد انتهى إلى حرّان وتناسل فيها! وهذا أمر لا يبعد أن يكون هذا الرجل الضائع النّسب الذي ينتهي نسبه إلى امرأة ولا يُعرف ما بعد ذلك، وقد ذكرنا في مواضع

____________________

(1) مروج الذهب 3: 69، وتاريخ الطبري 4: 368 - 371، وتاريخ اليعقوبي 2: 250 والبداية والنهاية 8: 218، والعقد الفريد 5: 22، وشرح نهج البلاغة 15: 243 والمستدرك للحاكم 4: 515.


الصفحة 189

أنّ أصحاب العُقَد ومنها: النّسب يتصدّون للأشراف.

وإلاّ كيف ارتضى الخارجيّ الثاني ابن تيميه والذي تسمّيه مبتدعة هذا العصر كما سمّاهم الدكتور محمود السيد صبيح المصريّ، وسمّاهم غيره خارجة العصر ويعنون بهم أعراب نجد «الوهّابيّين - أتباع محمّد بن عبد الوهّاب التميميّ النجديّ»؛ تابع ابن تيميه عقيدةً وفكراً.

أقول: كيف اجتهد! وتفلسف فأعرض عن القرآن الكريم وهو يأمر المؤمنين، وليس الأعراب الذين قالوا: (آمَنّا) فقال تعالى: (قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (1). أي استسلمنا مخافة القتل والسبي. وهي خاصّة بأعراب نجد تكلّمنا عنها.

أقول: الله تعالى أمر المؤمنين بطاعة ولاة الأمر وهم: الله، ورسوله، وعليّ وذلك في قوله تعالى (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (2).

وقد أجمعوا على نزول الآية في أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام؛ فموالاته ومتابعته حقّ لازم قائد إلى الجنّة، وخلافه وقتاله باطل قائد إلى جهنّم.

قالوا إنّه تصدّق بخاتم فضّة وهو راكع، فنزل جبريل عليه‌السلام بهذه الآية فكبّر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: «الحمد لله الذي خصّ عليّاً بهذه الكرامة». ذكر ذلك مقاتل

____________________

(1) الحجرات: 14.

(2) المائدة: 56 - 57.


الصفحة 190

ابن سليمان (ت 150 هـ) في تفسيره (1: 306 - 307)؛ وأنساب الأشراف للبلاذريّ (2: 150) والواقديّ (ت 207) ذكره عنه البلاذريّ، وعبد الرزّاق الصنعانيّ (ت 211 هـ في تفسير ابن كثير 2: 71) والطبري في تفسيره (6: 344)، والزمخشريّ الحنفيّ في تفسيره (الكشّاف 1: 422)، والفخر الرازيّ الشافعيّ في تفسيره (3: 431)، وابن الصبّاغ المالكيّ في الفصول المهمّة 123...، ومصادره كثيرة ذكرناها في حديثنا عن الآية إذ أجمع المؤرّخون والمفسّرون بكلّ مذاهبهم على نزولها في أمير المؤمنين علي عليه‌السلام حتّى أطلّ ابن تيميه بقرنه فينعق بقولٍ فارد أنكر فيه حقيقةً؛ فهو بذلك رفض أمر الله تعالى في تولية أمير المؤمنين عليّ فخرج عليه وإن لم يعاصره، ناصبيّةً منه ووراثة!

وكيف يفسّر لنا هو أو خارجة عصرنا إذ يتولّون الخوارج: أنّ الخوارج هم الذين أكرهوا أمير المؤمنين عليه‌السلام على إيقاف القتال ومن ثمّ عقد الهدنة وأخذ الموثق على ذلك. وخالفوه في تعيين الحكم. فإذا كتب الكتاب، نعق الخوارج، لا حكم إلاّ لله، وقد كنّا زللنا وأخطأنا حين رضينا بالحكمين... فرجعنا وتبنا...

انظر إلى هذا السلوك التميميّ المتقلّب! فهم أصحاب الفتنة، والمخالفون للإمام الواجب الطّاعة في تعيين الحكم، ثمّ حمّلوه وزرهم إذ طالبوه بالرجوع عن الحكم وأن يعلن التوبة! أي يتوب من أمرٍ هم فعلوه!! علماً أنّها ليست أكثر من هدنة لمدّة سنة. فخالفهم عليه‌السلام واحتجّ عليهم بالقرآن الذي يأمر باحترام العهود والمواثيق بعد توكيدها.


الصفحة 191

خرج أبناء نجد يعيثون في الأرض فساداً، يقتلون المسلم ويعفون عن الذميّ، حتّى أنّهم قتلوا الصحابيّ عبد الله بن خبّاب بن الأرت وبقروا بطن امرأته وهي حامل. ثمّ اجتمعوا بالنهروان وأمّروا عليهم عبد الله بن وهب التميميّ، وذا الخويصرة...، وجرت المعركة وكان كما أنبأ أمير المؤمنين عليه‌السلام: «لا يقتل من أصحابي إلاّ أقلّ من عشرة، ولا يبقى منهم إلاّ أقلّ من عشرة، ذلك عهدٌ معهود وقضاء مقضيّ» (1).

وكان كما قال، وقتل زعيما الخوارج: ذو الخويصرة التميميّ النجديّ وعبد الله بن وهب الراسبيّ التميميّ، ولم يسلم من أربعة آلاف خارجيّ إلاّ اولئك النفر التسعة، وقيل: ستّة، فهرب منهم رجلان إلى خراسان إلى أرض سجستان وفيها نسلهما، ورجلان صارا إلى بلاد الجزيرة قرب تكريت وفيها نسلهما، وصار رجلان إلى بلاد اليمن فيها نسلهما، وصار رجل إلى بلدة قريبة من حرّان.

إنّ الخوارج الذين تكلّمنا عنهم لم تكن لهم عقيدة لها مفاهيمها المخالفة لعقيدة المسلمين! إلاّ هذه الهنات في سوء الأدب التي منشؤها غلظتهم الأعرابيّة وخروجهم على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ما ذكرنا ثمّ خروجهم على أمير المؤمنين عليه‌السلام واستعراضهم الأبرياء من المسلمين بالقتل والترويع وعفوهم عن أهل الذمّة!

أمّا الخارجيّ الثاني ابن تيميه فإنّ (الأربعين ألفاً) التي صنّفها هي خلط وحشو وعشو، هاجم الفرق الإسلاميّة والفلاسفة والمتكلّمين من غير دليل، ولم

____________________

(1) الفتوح لابن أعثم 4: 120.


الصفحة 192

يكن أمير المؤمنين عليه‌السلام وأهل بيته هدف نصبه وحسب، وإنّما اقتدى بسلفه في شنّ الغارة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، بل وتجاسر فخاض في الكلام عن الله تعالى عمّا وصف ابن تيميه علوّا كبيرا، وعمّا تابعه خوارج نجد التميميّون الوهّابيّون!!

 

مزيد ضوء - زعماء الخوارج ورجالهم

لقد وجدنا أنّ المشرق «نجد» التي امتنع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، قد انبعث منها أكثر من دجّال مدّع للنبوّة رجل أو امرأة...، وكان منها رجالات الخوارج ثم خاتمة عقد السوء «الوهّابيّة». ويحسن أن نذكر بعض رجالات الخوارج موجزاً:

* ذو الخويصرة التميميّ النجديّ؛ وهو الخارجيّ الأوّل. ذكرناه.

* مسعر بن فدكيّ التميميّ؛ من قادة الخوارج.

* عبد الله بن الكوّاء التميميّ؛ بايعه الخوارج، ثمّ حاججه أمير المؤمنين عليه‌السلام فقطعه فاعتزل الخوارج، فبايعوا:

* عبد الله بن وهب الراسبيّ التميميّ، بايعه الخوارج بعد ابن الكوّاء، وقتله أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام، يوم النهروان.

* عروة بن حدير بن عمرو بن عبد كعب بن ربيعة بن حنظلة، التميميّ، من بني حنظلة بن زيد مناة بن تميم. قالوا: كان أوّل من حكّم قال: لا حكم إلاّ للهِ.

قال علي عليه‌السلام: «كلمة حقّ أريد بها باطل». وقتل عروة أيّام معاوية، قتله زياد


الصفحة 193

صبراً. (1) (الاشتقاق لابن دريد 220).

* أبو بلال، مرداس بن حدير التميميّ، أخو عروة المتقدّم.

في الكامل في الأدب لابن المبرّد (559): أبو بلال من زعماء الخوارج وشعرائهم. شهد صفّين مع عليّ عليه‌السلام، وأنكر التحكيم، وشهد النهروان ونجا فيمن نجا، وقتل زمن عبيد الله بن زياد.

وفي الاشتقاق: وهو رأس كلّ خارجيّ يتولاّه، ويعرف بابن اُديّة، وهي جدّة جاهليّة. وكان من مجتهدي الخوارج البلجاء، نسبة إلى امرأة تميميّة من الخوارج اسمها البلجاء. (2)

* العيزار بن الأخنس التميميّ؛ م بني سدوس، ثمّ من بني تميم. قتله أمير المؤمنين عليه‌السلام يوم النهروان.

* شريح بن أوفى العبسي؛ ثمّ من غطفان، إحدى قبائل نجد. اجتمع الخوارج في منزله بعد أن ولّوا أمرهم عبد الله بن وهب الراسبي، وبعد شخوص أبي موسى للحكومة. قتل شريح بالنهروان.

* مالك بن الوضّاح؛ ابن عمّ العيزار بن الأخنس التميميّ. قتله أمير المؤمنين عليه‌السلام يوم النهروان.

* شجنة بن عديّ بن عامر بن عوف التميميّ؛ وابنه: الأخضر، قتلا يوم

____________________

(1) الاشتقاق لابن دريد 220.

(2) الاشتقاق لابن دريد 219.


الصفحة 194

النهروان مع من قتل من الخوارج (1).

* أشرس بن عوف الشيباني؛ قال البلاذريّ: أوّل من خرج على عليّ عليه‌السلام بعد مقتل أهل النهروان «أشرس بن عوف الشيباني» خرج بالدَّسكرة، في مائتين، ثمّ صار إلى الأنبار، فوجّه إليه عليّ عليه‌السلام، الأبرش بن حسّان في ثلاثمائة فواقعه فقتل أشرس في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين (2).

* هلال بن علقمة، وأخوه مجالد بن علقمة، من تيم الرّباب، ثم من تميم.

خرجا على أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام، سنة ثمان وثلاثين، وأتيا ما سبذان، في مائتين من أصحابهم، فوجّه إليهم أمير المؤمنين معقل بن قيس الرياحيّ فقتلهم أجمعين. (3) (أنساب الأشراف 2: 482).

* سعيد بن قفل التميمي. خرج سنة ثمان وثلاثين ومعه مائتا رجل، فأقبل حتّى صار قريباً من المدائن، فكتب عليّ عليه‌السلام إلى سعد بن مسعود الثقفيّ عمّ المختار بن أبي عبيد بن مسعود وكان عامله على المدائن، في أمره فخرج فواقعهم فقتلهم (4).

* أبو مريم السعدي، ثمّ التميميّ، من سعد مناة بن تميم. خرج بعد وقعة

____________________

(1) جمهرة النسب 283.

(2) أنساب الأشراف 2: 481.

(3) نفسه: 482.

(4) أنساب الأشراف 484.


الصفحة 195

النهروان في مائتين جلّهم من الموالي فأقام بشهرزور أشهراً يحضّ على قتال أمير المؤمنين عليه‌السلام فاستجاب له آخرون، فقدم بأصحابه وعددهم أربعمائة ثمّ أتى الكوفة...، فخرج إليهم أمير المؤمنين، فقتلوا إلاّ خمسين استأمنوا فآمنهم. وكان في الخوارج أربعون جريحاً، فأمر عليّ عليه‌السلام، بإدخالهم الكوفة ومداواتهم ثمّ قال لهم: الحقوا بأيّ البلاد شئتم!

وقال أبو الحسن المدائني: كان أبو مريم في أربعمائة من الموالي والعجم، ليس فيهم من العرب إلاّ خمسة من بني سعد، وأبو مريم سادسهم (1).

* قطام بنت شجنة التميميّة، التي شرطت على ابن ملجم حين خطبها، فيما شرطت: قتل أمير المؤمنين عليه‌السلام. وكان أبوها «شجنة» وأخوها «الأخضر» قد قتلا يوم النهروان.

* عبد الرحمان بن ملجم المرادي - لعنه الله - المباشر لتنفيذ المؤامرة الدنيئة في قتل أميرالمؤمنين عليه‌السلام.

* وردان بن مجالد بن علّفة بن الفرّيش بن نشبة التميميّ؛ ابن عمّ قطام. كان وردان فيمن جلس لعليٍّ عليه‌السلام، مع ابن ملجم، ليلة قتل صلوات الله عليه.

* شبيب بن بجرة الأشجعيّ. أحد الثلاثة المشتركين بمباشرة تنفيذ جريمة اغتيال أميرالمؤمنين عليه‌السلام.

* شبث بن ربعيّ، أبو عبد القدّوس التميميّ.

____________________

(1) نفسه: 485 - 486.


الصفحة 196

شخصيّة متقلّبة الأهواء، ترجم له ابن الكلبي، قال: «من بني رياح بن يربوع ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم: شبث بن ربعي...، كان مع عليّ عليه‌السلام، ثمّ صار مع الخوارج حيث قالوا: خلعناك وأمّرنا شبثا. وكان أيضاً مؤذّناً لسجاح...» (1).

قال العجليّ: «شبث بن ربعي: من تميم، كان أوّل من أعان على قتل عثمان، وهو أوّل من حرّر الحروريّة، وأعان على قتل الحسين بن عليّ (2).

* البلجاء التميميّة؛ من مجتهدي الخوارج.

أخذها عبيد الله بن زياد فقتلها شرّ قتلة: قطع يديها ورجليها ورمى بها بالسوق (3). قال المبرّد: إنّها من رهط سجاح التي كانت تنبّأت (4).

* أمّ حكيم؛ قال أبو الفرج: إنّ امرأةً من الخوارج كانت مع قطريّ بن الفجاءة، يقال لها أمّ حكيم، وكانت من أشجع الناس وأجملهم وجهاً...، والخوارج يفدّونها بالآباء والأمّهات، فما رأينا بعدها ولا قبلها مثلها (5).

كحيلة، وقطام؛ قال المبرّد: وكانت الخوارج أيّام ابن عامر أخرجوا معهم امرأتين يقال لإحداهما: كحيلة، والأخرى قطام. فجعل أصحاب ابن عامر

____________________

(1) جمهرة النسب لابن الكلبيّ 217.

(2) تاريخ الثقات للعجلي 214.

(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 5: 82.

(4) الكامل في الأدب للمبرّد 540.

(5) الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني 6: 150.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة