الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 160

للمخلوق وأبعدهم عن هوى النفس، ولهذا قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيه: إنّ لكلّ أمّة أميناً وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة بن الجرّاح).

فها هو ذا أثبتَ لأبي عبيدة بن الجرّاح أنّه أزهد الخلق وأعبدهم وأرحمهم وأبعدهم عن هوى النفس.

ثمّ يقول عن الحسن والحسين في منهاجه: (وأمّا كونهما أزهد الناس وأعلمهم في زمانهم، فهذا قول بلا دليل).

نقول لابن تَيمِيه:

1 - هل عند ابن تيميه دليل على خلاف ما استكثره على سيّدي شباب أهل الجنّة؟

2 - لما أثبت لأبي عبيدة بن الجرّاح أنّه أزهد الخلق وأعبدهم وأرحمهم وأبعدهم عن هوى النّفس، ولم يثبت ذلك للحسن والحسين رضي الله عنهما؟

فإن قلت أنّ أبا عبيدة بن الجرّاح أحد العشرة المبشرين بالجنّة وأنّه أمين هذه الأُمّة، قلنا: نعم هو كذلك؛ وكذلك الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة بنصّ قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي درجة أعلى، فلماذا يحتاج ابن تيميه الدليل في حالة الحسن والحسين فقط؟!

3 - ابن تيميه مقرّ بحديث (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة) وطالما هما سيّدا شباب أهل الجنّة فلا بدّ من وصولهما إلى هذه الدرجة بأحد سببين: كَسْب أو وَهْب، والكسب معناه باجتهادهما، أما الوهب فبأنّهما من البضعة


الصفحة 161

النبويّة الشريفة، فهم آل بيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأكرها الله تعالى ووهبهما بسبب قرابتهما من النبي صلّى الله عليه وسلّم كرامةً له؛ وعند ابن تيميه فقرابة النبي لا تنفع، وقوله هذا مخالف لأهل السنّة والجماعة؛ فليس أمام ابن تيميه إلاّ التسليم بالكسب، وها هو ذا رفض سبب السيادة كسباً، كما رفضها من قبل وهباً.

4 - لو علِم أحدُ أصحاب ابن تيميه أنّه يقول على الحسن والحسين رضي الله عنهما: (وأمّا كونهما أزهد الناس وأعلمهم في زمانهم فهذا قولٌ بلا دليل) أكان يقول صاحب كتاب الأعلام العلية في مناقب ابن تَيمِيه: (بل لو سُئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخِ: مَن كان أزهد هذا العصر وأكملهم في رفض فضول الدنيا وأحرصهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سمعتُ بمثل ابن تَيمِيه).

أو قول المِزّي كما جاء في كتاب الردّ الوافر على مَن زعم أنّ مَن أطلق على شيخ الإسلام فهوكافر: (وما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولا أتْبع لهما منه).

يا ترى ماذا يكون الردّ؟

فكون ابن تيميه أزهد وأعلم أهل عصره لا يحتاج عندهم إلى دليل، وكون الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة أزهدَ وأعلم أهل عصرهما فهو يحتاج إلى دليل!

5 - هل تعلم أنّه جاء في كتاب لابن تَيمِيه، اسمه الورع والعبادة أنّ رجلاً


الصفحة 162

يُدعى أبو القاسم المغربي، بعث برسالة قال فيها:

(يتفضّل الشيخ الإمام بقيّة السَّلَف وقدوة الخلَف، أعلمُ مَن لقيت ببلاد المشرق والمغرب تقي الدين أبو العبّاس أحمد بن تَيمِيه، أن يوصيني بما يكون فيه صلاح ديني) إلى آخر الرسالة.

فأجاب ابن تيميه بكلامٍ طويل ليس فيه: ما دليلك على أنّني أعلمُ مَن لقيته ببلاد المشرق والمغرب، أو لا تمدحني!

فها هو ابن تيميه يسمح للناس أن يقولوا له: أنت أعلم مَن ببلاد المشرق والمغرب، ويستنكف ويستكبر على سيّدي شباب أهل الجنّة أن يكونا أزهد وأعلم أهل زمانهما!

وصلِّ اللّهمّ على سيّدنا محمّد الذي قال (لو أنّ رجلاً صَفَنَ بين الركن والمقام فصلّى وصام ثمّ لقى الله وهو مبغض لأهل بيت محمّد دخل النار (1)) (2).

____________________

(1) أخطاء ابن تيميه، مصدر سابق 115.

(2) وذلك أنّ محمّدا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وأهل بيته الذين هم بضعته الطاهرة فاطمة سيّدة نساء العالمين وزوجها وليّ الله وخليفة رسوله بنصّ القرآن وسيّد العرب، وولداهما اللّذان هما ولدا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهما سيّدا شباب أهل الجنّة؛ فهم نسيجُ وحده، لم يُشرك الله أحداً معهم في الدخول تحت الكساء إلاّ سفيره جبريل عليه‌السلام بعد أن استأذن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فأذِن له، فتلا عليهم آية التطهير، فكان المطهّرون المعصومون هم هؤلاء لا يشركهم في ذلك أحد. وقد ذكرنا في غير هذا المكان أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد خرج بعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام، يُباهل ويتحدّى بهم نصارى نجران، فغلبهم، فكانوا معجزة النبيّ يومئذ فمَن أبغضهم فقد أبغض القرآن الكريم الذي ضمّ من الآيات =


الصفحة 163

وردّاً لتطاول ابن تَيميه على زين العابدين الإمام عليّ بن الحسين عليهما‌السلام، قال الدكتور محمود صبيح:

«هذا الإمام العظيم الذي ما من أحد من ذريّة الإمام الحسين إلاّ وقد خرج

____________________

= البيّنات ما تحدّث به عن أهل البيت عليهم‌السلام، وما زال ما نزل بهم آيات يتلوها المسلمون ويعرفون معانيها ويعتزّون بذلك.

والأحاديث الشريفة في قرن حبّ وبُغض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؛ بحبّ وبغض عليّ وأهل بيته عليهم‌السلام؛ وكذلك حربه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، بحربهم وسلمهم عليهم‌السلام؛ ونصب صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً عليه‌السلام علامةً مائزة بين الإيمان والنّفاق، فمَن أحبّه كان مؤمناً ومَن أبغضه كان منافقاً، وبذلك كان يصرّح الصحابة.

ولنذكر الآن ما يتّسع له المجال من مصادر فيما ذكرنا من غير ذكر الرّواة تاركين ذلك للمحقّق والمتتبّع:

صحيح مسلم 2: 64، ومسند الحَميدي رقم 58؛ ومسند أحمد بن حنبل 1: 84، و 442 ن والمصنَّف لابن أبي شَيبة 7/505/64 في فضائل عليّ، وكتاب الولاية لابن عُقدة 174، وخصائص أمير المؤمنين للنَّسائي حديث 100 و 102، وكتاب الفضائل لأحمد 143/208، ومسند أبي يَعلى 1/258: 291، وأنساب الأشراف للبلاذري 1/383، وسنن ابن ماجة 1: 42 حديث 114، وصحيح الترمذي 2: 319، و 5: 301 - 302، والإرشاد للمفيد 39 فصل 3، ومعرفة علوم الحديث للحاكم 180، والمستدرك على الصحيحين 3: 121 و 3: 149، وتاريخ بغداد 7: 136 ن و 13: 32، وصحيح ابن حبّان 15/367: 6924، والصواعق المحرقة 112، والمسلسلات لابن الجوزي 17 حديث 30، ومناقب الإمام عليّ لابن المغازلي حديث 75 ن و 64 و 69 و 137 وغيرها، وكفاية الطالب 69، والمحاسن والمساوئ للبيهقي: 290، وتذكرة الخواصّ 35، وحلية الأولياء 6: 294، وتفسير الحِبَري 350، وتاريخ الإسلام للذهبي 3: 634، والاستيعاب 3: 46 و 47، وفضائل عليّ لابن مردويه 115 ح 138، والشفا للقاضي عياض 31، والمعجم الأوسط 5: 89/4163.


الصفحة 164

أو يخرج من صُلبه إلى آخر شريف حسينيّ؛ يتجرّأ عليه ابن تَيميه، وكأنّ ابن تَيمِيه أحد جنود يزيد بن معاوية الذين استهتروا بفضيلة أهل البيت وانتقصوهم، وقتلوا الإمام الحسين سيّد شباب أهل الجنّة أمام عينيه، وكم من مبغض لأهل البيت يريد قتل الحسين وأهل بيته حيّاً وبعد شهادته، لايطيق سماع حتّى أسمائهم! فما بالكم بفضيلتهم» (1).

وعن اسلوب ابن تيميه ومنهجه في الخداع، قال:

«وانظر إلى دسّ السم، فإنّ القارئ العادي قد يخدع بأسلوب ابن تيميه وتهويله مثل قوله (ومن المعلوم أنّ كذا - مثل موضوع الشجرة - باتّفاق العلماء)... (اتّفقوا كلّهم)... (بإجماع الأئمّة)... إلى آخر ألفاظه التي يؤثّر بها على البسطاء والسُذّج والعوام، بل على بعض المنتسبين إلى العلم أو إلى الذين يريدون ركوب الموجة وقهر الناس بهذه الادّعاءات التي تزيدهم في نظر أنفسهم قوّة، وهم لا يزدادون إلاّ كذباً، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتّى يُكتب عند الله كذّاباً» (2).

تجاوزات ابن تيميه على مقام النبوّة بما لا يجرأ عليه مسلم، فضلاً عن شيخ الإسلام والإمام المطلق، وقد نقل الدكتور هذا المقطع الذي تقشعر له الأبدان من أقوال شيخ الضلال:

____________________

(1) أخطاء ابن تيميه 123.

(2) نفسه 121.


الصفحة 165

«ابن تيميه الذي أخطأ في رسول الله خطأ لم يخطأه أحد من الجنّ ولا من الإنس، وافترى فِريةً لا أدري ما حكم المفتونين به عليها؟!

قال ابن تيميه في مجموع الفتاوى (32/248): «وقد روى الشَّعبي عن النبي أنّ وفد عبد القيس لما قدموا على النبي وكان فيهم غلام ظاهر الوضاءة أجلسه خلف ظهره وقال (إنّما كان خطيئة داود عليه‌السلام النظر)، هذا وهو رسول الله وهو مزوّج بتسع نسوة، والوفد قوم صالحون ولم تكن الفاحشة معروفة في العرب، وقد روى عن المشائخ من التحذير عن صحبة الأحداث ما يطول وصفه» انتهى كلامه.

إقرأ وافهم:

غلام ظاهر الوضاءة.

أجلسه خلف ظهره.

وقال إنّما كان خطيئة داود عليه‌السلام النظر.

هذا وهو رسول الله وهو مزوج بتسع نسوة؟؟

والوفد قوم صالحون ولم تكن الفاحشة معروفة في العرب؟!

لا أستطيع التعليق، احكم أنت وقرّر.

هل تأخذ دينك من ابن تَيمِيه؟ أم تنتصر لرسولك ونبيّك صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟


الصفحة 166

قرّر في أيّ صفّ أنت، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله» (1).

ونحن مع الدكتور محمود في عدم الاستطاعة للتعليق على كذب ابن تيميه ووقاحته وماذا يريد ممّا قال؟! إلاّ أن نقول: اللّهمّ عامله بعدلك وانتصر لأنبيائك من شيعة ابن تيميه وعاملهم بعدلك.

89 - الأستاذ الشيخ السعيد بدير ألماظ، باحث مصري.

ناقش في كتابه ابن تيميه بين نقيضين، مشيخته للإسلام واتّهامه بالكفر والزندقة آراء ابن تيميه وأتباعه في التجسيم والتشبيه.

قال الشيخ السعيد:

«وإنّك سوف تجد أخي المسلم أنّ ابن تيميه قد خالف جمهور المسلمين؛ بل وخالف الإجماع في باب الأسماء والصفات في الاعتقاد، مع ملاحظة أنّ ابن تيميّه كان يقول بقولٍ ثمّ تراه يقول عكس هذا القول، وربما كان هذا سبباً في أنّ الكثير من علماء المسلمين يحتارون في أمره» (2).

وقال: «أضف إلى ما تقدّم فإنّ ابن تيميه يعتقد أنّ من يذهب إلى تأويل آيات الصفات فإنّه يحرّف في كتاب الله تعالى مثل اليهود والنّصارى الذين بدّلوا وحرّفوا في التوراة والإنجيل، فتراه يقول كما نقل عنه الإمام ابن حجر

____________________

(1) خصوصيّة وبشريّة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، الدكتور محمود السيد صبيح 212 الطبعة الأولى دار الركن والمقام، مصر 1425 هـ.

(2) ابن تَيمِيه بين نقيضين، السعيد بدير 3 الطبعة الأولى 1426 هـ.


الصفحة 167

العسقلاني رحمه‌الله، في كتابه الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح: إنّ التوراة والإنجيل وقع فيها تبديل وتغيير في المعاني لا في الألفاظ، فهم يحرّفون المعاني ويأوّلونها على غير تأويلها.

وهذا كلام خطير جدّاً حيث يعتقد بصحّة ألفاظ التوراة والإنجيل التي بأيدي اليهود والنصارى» (1).

وقال أيضاً: انّ ابن تيميه وأتباعه من السَّلفيين المعاصرين أمثال ابن العثيمين، وابن باز يقولون: (أنّه معنا بذاته وفوق عرشه بذاته) وفي ذلك كلام خطير لم يقله السَّلَف أو الخلَف،حتّى أن أحمد بن حنبل الذين يزعمون أنّهم أتباع عقيدته وهو من قولهم بريء قال: أنّه معنا بعِلمه» (2).

وهذا يُعلمك أنّ هؤلاء السلفية الوهّابيين لا ينتمون إلى مذهب وإنّما قد أهلكهم ابن تيميه بفتنته (وَمَن يَكُنِ الشّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً) (3). وابن تيميه قد علمتَ من أمره وأنّه لا يفتي برأي مذهب من المذاهب الإسلاميّة، وأنّ هذه المذاهب قد أجمعت كلمتها على تبديع ابن تيميه وزندقته وكفره؛ فأنّى لهؤلاء انتحال الإمام أحمد؟ وأحمد منهم بريء! وهذه كلمته مباينة لما يقولون.

وقال: «أما ابن تيميه وأتباعه من السَّلفيّين المعاصرين كابنِ العثيمين، وابن

____________________

(1) نفسه 32.

(2) نفسه 75.

(3) النساء: 38.


الصفحة 168

باز، فيقولون أنّه بذاته [ تعالى الله عمّا يصفون ] أو معنا حقيقةً؛ وهذا من أوضح الدلائل على أنّ هؤلاء الإخوة السلفيين مخالفون للإجماع وأنّهم شاردون عن مذهب أهل السنّة والجماعة في هذه المسائل الخاصّة بالأسماء والصفات» (1).

وقال: «ومن المعلوم كما بيّنّا سابقاً أن عقيدة ابن تيميه وجماعته بأنّ الله تعالى في جهة الفوق بذاته، ويجلس ويستقرّ على العرش بذاته، وجهة الفوق أحد الجهات الست، ثمّ تراهم في موضع آخر يقولون بجهات مخلوقة وأخرى غير مخلوقة! وهذا إن دلّ فإنّما يدلّ على عدم وضوح عقيدتهم في الأسماء والصفات» (2).

90 - الأستاذ الباحث عبد الواحد مصطفى، معاصر.

وهو محقّق كتاب دفع شُبَه مَن شَبّه وتمرّد للشيخ الحِصْني الشافعيّ، ومحقّق كتاب الفتاوى السهمية في ابن تيميه لجماعة من العلماء.

تحدّث في مقدّمة تحقيقه لكتاب دفع شُبَه مَن شَبّه وتمرّد عن الجيل الجديد من الخوارج كما أسماهم فقال:

«وكلّ مَن شاهد هذه الجماعات أو سمع منهم أو قرأ لهم يكتشف أنّهم لا يخرجون عن آراء ابن تيميه واصفين إيّاه بأنّه شيخ الإسلام وجاعلين منه المرجع الأوّل والأخير! عوضاً عن جمهور المسلمين وجماعتهم الذين شقّ عليهم

____________________

(1) ابن تيميه بين نقيضين 121.

(2) نفسه 248.


الصفحة 169

ابن تيميه عصا الطّاعة - كما سيتّضح من الكتاب - مع أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شهد لجماعة المسلمين وجمهورهم بأنّهم لن يجتمعوا على ضلالة وأنّ من شذّ عنهم شذّ في النار، ولم يشهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي هو مصدرُ التشريع؛ بل ولا غيره، لابن تيميه بالعصمة! لذا كان من الضروريّ جدّاً تسليط الضوء في صورة عامّة وقراءة سريعة لشخصيّة هذا الرجل - ابن تيميه - وآرائه باعتباره محور الفتنة القائمة ومودها.

ولا يعنينا في هذا الصدد إثبات كفره أو براءته من هذه التهمة، بل يكفي أن يكون متّهماً بذلك من فريقٍ معتبر من أئمّة المسلمين وعلمائهم أو أن يكون مخطئاً أخطاءً شنيعة تدمّر المجتمع والفكر الإسلاميّ في نظر جمهور الأئمّة في عصره والعصور التالية - حتّى وإن لم يكفر - لإثبات خطورة فكره وآرائه الشاذّة وسلوكه المنحرف على جمهور الأمّة من بعده، كما يكفي ذلك جدّاً كي نطالب علماء المسلمين بتنقية التراث الإسلامي والعلوم الإسلاميّة من كلّ ما أدخله ابن تيميّه وتلاميذه من آراء ومعتقدات باطلة، وذلك خطوة أساسيّة ومقدّمة لابدّ منها...» (1).

وقال تحت عنوان (منهج الحِصْني في ردّ بِدع ابن تَيمِيه)

«وسع الإمام الحصني من كلامه في التنزيه وعلاج مرض التشبيه والتحذير منه، وكذا في فتاواه بخصوص التوسّل وشدّ الرحال إلى زيارة سيّد الخلق صلّى الله عليه وسلّم،

____________________

(1) مقدّمة كتاب دفع شبه من شبّه وتمرّد، أبوبكر الحصني 18، دار المصطفى.


الصفحة 170

وذلك لمسيس حاجة العوام إلى هذه النقاط واستعرض الباقي استعراضاً سريعاً في إشارة إلى أنّها من جملة بِدعه.

والغرض من كلّ ذلك هو إسقاط إمامة ابن تيميه ومرجعيّته عند عوامّ المسلمين وإيضاح أن متّبعه من العوام لن يُغنيه عند الله أنّه قد أخذ بقول أحد العلماء - ابن تيميه - وهو يتقلّد في عنقه مسؤوليّة فتواه، إذ إنّ ذلك يكون مع علماء الآخرة فقط الذين هم على الصراط المستقيم.

أما علماء السوء وأهل البدعة فبعد أن يتبيّن لكلّ أحد بهذا الكتاب أو غيره، أنّهم تركوا الصراط المستقيم واتّبعوا السبل الأخرى عن يمينه ويساره فلا يغني اتّباعهم عند الله شيئاً حتّى لو نطقوا بما ظاهره الصواب، فإن كان حقّاً [افتراضاً] فقد قاله الله ورسوله ونقلته لنا جمهور الأمّة المعصومة، فنحن متّبعون لقول الله وقول رسوله وليس لهم؛ وإن نطقوا بالباطل - وما أكثره - فنحن أوّل من ينكره وما أشبه ذلك بقول الحقّ سبحانه: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، أي أنّهم كاذبون حتّى وإن قالوا: (نشهد إنّك لَرسولُ الله).

فعدالة هؤلاء المبتدعة ساقطة ولا يحلّ تقليدهم ولا النقل عنهم. والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل» (2).

____________________

(1) المنافقون: 1.

(2) مقدّمة دفع شُبَه من شبّه 40.


الصفحة 171

بعد أن أنزلهم منزلة المنافقين! فلا يجوز لمسلم يخاف يوم المعاد متابعتهم؛ إذ المنافقون يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والعداء لله ولرسوله وللمؤمنين، ويترصّدون المؤمنين ويتربّصون بهم الدوائر، ويظهرون بسمت المؤمنين، ويتحرّون من الكلام ما يُظنّ معه أنّهم مؤمنين (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنّهُمْ خُشُبٌ مُسَنّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوّ فَاحْذَرْهُمْ) (1).

وانّ من تبعهم فقد خسر خسرانا مبينا، ذلك (إِنّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ)(2).

وأشدّ الأقوام تمرّسا في الكفر والنّفاق: الأعراب، كما حكاه القرآن الكريم: (الْأَعْرَابُ أَشَدّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَاأَنْزَلَ اللّهُ عَلَى‏ رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (3).

وليس أشدّ غلظة وأكثر خطراً على الإسلام من أعراب نجد، وقد ذكرنا أن قبائل نجد قد تأخّر إسلامها حتّى العام التاسع، «ويُسمّى عام الوفود»، ذلك أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما فتح مكّة، ورأت قريش أنّها غُلبت فأظهرت إسلامها، حينها راحت القبائل تضرب نحو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، تُعلن إسلامها. ولقد كانت مُزينة أوّل مَن وفد على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وذلك أنّهم وفدوا في رجب سنة خمس، فكان ذلك فضيلة

____________________

(1) المنافقون: 4.

(2) النساء: 145.

(3) التوبة: 97.


الصفحة 172

لهم، إذ جعل لهم رسول الله الهجرة في دارهم وقال: «أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم»، فرجعوا إلى بلادهم (1).

وذلك أنّهم وفدوا قبل الفتح، وقد قال تعالى: (لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى‏) (2).

و للخصائص التي انطبعت بها القبائل النجديّة، فإنّ القرآن الكريم ذكرها في أربع سور: التوبة - أو براءة -، وهي سورة السيف والسورة الوحيدة التي نزلت من غير بسملة «بسم الله الرحمان الرحيم» التي هي أمان، وقد ذكر الأعراب فيها في ستّ آيات كلّها ذمّ شديد للأعراب، إلاّ قوله تعالى (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتّخِذُ مَايُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرّسُولِ أَلاَ إِنّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ) (3) الآية.

قال ابن عبّاس: «هم مزينة، وجهينة، وأسلم». وهذه القبائل خارج نجد.

وسورة الأحزاب، وسورة الفتح، وسورة الحجرات.

____________________

(1) طبقات ابن سعد 1: 222، ومسند أحمد 4: 55، وفتح الباري 13: 41، والمعجم الكبير للطبراني 7: 26.

(2) الحديد: 10.

(3) التوبة: 99.


الصفحة 173

وُفود نجد - وفد أسد

سنة تسع قدم وفد بني أسد بن خزيمة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، متدرّعا خيلاء الجاهليّة وقد ضمّ الوفد طلحة بن خويلد، الذي تنبّأ بعد ذلك وشكّل خطرا على الإسلام حيث تبعته قبائل نجديّة مثل أسد، وغطفان... وغيرها.

وضمّ الوفدُ كذلك: حضرميّ بن عامر الذي قال لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: أتيناك نتدرّعُ الليل البهيم، في سنة شهباء، ولم تبعث إلينا.

فنزلت فيهم (يَمُنّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَ تَمُنّوا عَلَيّ إِسْلاَمَكُم بَلِ اللّهُ يَمُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (1) الآية.

قال مقاتل: (يَمُنّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا) نزلت في أناس من الأعراب من بني أسد بن خزيمة، قدموا على النبي صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، فقالوا: جئناك وأتيناك بأهلنا طائعين عفواً على غير قتال، وتركنا الأموال والعشائر، وكلّ قبيلة في العرب قاتلوك حتّى أسلموا، فلنا عليك حقّ، فاعرف لنا ذلك، فنزلت: (يَمُنّونَ عَلَيْكَ) يا محمّد (أَنْ أَسْلَمُوا) (2)...

إنّ القرآن الكريم يفضح القوم ويكشف دخائلهم، في الدرّ المنثور، عن مجاهد في قوله تعالى (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنّا قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمّا يَدْخُلِ

____________________

(1) الحجرات: 17.

(2) تفسير مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) 3: 265. والمصنّف لابن أبي شيبة (12/205) وطبقات ابن سعد 1: 223.


الصفحة 174

الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (1) الآية. قال: هم أعراب بني أسد بن خزيمة؛ و «أسلمنا» قال: استسلمنا مخافة القتل والسبي (2).

وفي قوله تعالى (الْأَعْرَابُ أَشَدّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَاأَنْزَلَ اللّهُ عَلَى‏ رَسُولِهِ) (3)، الآية. قال: أخرج أبو الشيخ عن الكلبي: إنّها نزلت في أسد وغَطفان (4).

وذكر الواحدي في أسباب النزول، قال: قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنّا) الآية. نزلت في أعرابٍ من بني أسد بن خزيمة قدموا على رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السّر، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول الله: أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنوفلان، فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنّون عليه، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية (5).

 

وفدُتميم

في العام نفسه - التاسع - قدم وفد تميم، فيهم عطارد بن حاجب بن زرارة

____________________

(1) الحجرات: 14.

(2) الدرّ المنثور، للسيوطي 7: 582.

(3) التوبة: 97.

(4) الدر المنثور 4: 266.

(5) أسباب النزول، للواحدي 266.


الصفحة 175

ابن عُدُس التميميّ، والأقرع بن حابس التميميّ، والزّبرقان بن بدر التميميّ، في وفد عظيم من تميم.

قال ابن إسحاق: «فلمّا دخل الوفد المسجد، نادوا رسول الله من وراء حجراته: أن أخرج إلينا يا محمّد، فآذى ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، من صياحهم، فخرج إليهم فقالوا: يا محمّد! جئناك نفاخرك فأذَن لشاعرنا وخطيبنا؛ قال: قد أذنت لخطيبكم فليقل، فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد لله الذي له الفضل والمن، وجعلنا أعزّ أهل المشرق (1) وأكثره عدداً، وأيسره عُدّة، فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برؤوس الناس واُولي فضلهم؟ فمَن فاخرنا فليعدّد مثل ما عدّدنا...» (2).

إذن: لم يأتوا مسلمين، وإنّما أتوا يفاخرون بكثرة عددهم وعدّتهم. وبعد أن أجابهم خطيب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «ثابت بن قيس بن الشمّاس»؛ قام شاعرهم الزّبرقان بن بدر فافتخر بقومه أيّما فخر، فأجابه حسّان بن ثابت «فلمّا فرغ حسّان؛ قال الأقرع بن حابس: إنّ هذا الرجل - أي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - لـمُوتّى له (3)، خطيبُه أخطبُ من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أحلى من أصواتنا. ثمّ أظهروا الإسلام. وفيهم أنزل الله تعالى (إِنّ الّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ

____________________

(1) مصداق للأحاديث في أنّ أهل المشرق الذين امتنع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الدعاء لهم بالخير؛ وقال عنهم «أرض الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان».

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 4: 212.

(3) أي موفّق.


الصفحة 176

يَعْقِلُونَ) (1).

وما عسانا نرجو من قوم لم يفقهوا من الإسلام شيئاً، إلاّ المباراة بالخطابة والشعر وحلاوة الأصوات! فلمّا غُلبوا في كلّ ذلك؛ قالوا مقالتهم الباردة: إنّ هذا الرجل لموتّى له - أي موفّق -، فلم يقرّوا أنّه وحي، والاّ لقالوا بما يناسب مقام النبوّة لو كانوا يفقهون. فهم ينتقلون من قبيح إلى أقبح! (وبسند عن جابر بن عبد الله، قال: جاء بنو تميم إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فنادوا على الباب يا محمّد اخرج إلينا، فإنّ مدحنا زين وإنّ ذمّنا شين. فسمعهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فخرج عليهم وهو يقول: إنّما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمّه شين. فقالوا: نحن ناس من تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا، نشاعرك ونفاخرك! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا...) ثمّ ذكر عين ما ذكره ابن إسحاق وغيره (2).

قال: وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلّى الله عليه «وآله» وسلّم، وأنزل الله هذه الآية (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ) (3).

وقد أخرج الحكيم الترمذيّ، وغيره في نزول الآية، عن أبي مليكة قال:

____________________

(1) السيرة، لابن هشام 4: 212، وتفسير مقاتل 3: 259، وأسباب النزول للواحدي 259، وطبقات ابن سعد 1: 224، وتفسير ابن زمنين (ت 399 هـ) 2: 366.

(2) أسباب النزول للواحدي 259 - 261.

(3) الحجرات: 2. انظر أسباب النزول للواحدي 261.


الصفحة 177

كاد الخيّران أن يهلكا: أبوبكر، وعمر، رفعا أصواتهما حين قدم عليه وكب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس، وأشار الآخر برجل آخر، فقال أبوبكر لعمر: ما أردت إلاّ خلافي، قال: ما أردتُ خلافك، فارتفعت أصواتهما، فأنزل الله هذه الآية (1).

وأخرج البخاري عن عبد الله بن الزبير قال: قدم ركب من بني تميم على النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، فقال أبوبكر: أمّر القعقاع بن معبد بن زرارة، فقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس. قال أبوبكر: ما أردت إلاّ خلافي. قال عمر: ما أردتُ خلافك، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك قوله تعالى (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ)(2).

وذكره ابن كثير في سيرته، قال: ورواه البخاري أيضاً من غير وجه عن ابن أبي مليكة بألفاظ أخر. وقد ذكرنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى (لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ) (3).

____________________

(1) سنن الترمذيّ 5: 63 رقم 3319، وصحيح البخاريّ 6: 46، وسنن النّسائيّ 8: 226، ومسند أحمد 2: 6، وتفسير الطبريّ حديث 31673، وأحكام القرآن لابن العربيّ 4: 108، وتفسير ابن كثير 2: 527، ومسند أبي يعلى 6816، ومعالم التنزيل للبغويّ 1990.

(2) الحجرات: 2. انظر أسباب النزول للواحدي 257.

(3) السيرة النبويّة لابن كثير، 4: 79.


الصفحة 178

وفد بني عامر

تأخّر وفد عامر حتّى العام العاشر، فقدم وفدهم وفيهم عامر بن الطّفيل، وأربد بن قيس، وجبّار بن سلمى، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم. فقدم عامر بن الطفيل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه: يا عامر إنّ الناس قد أسلموا فأسلم. قال: والله لقد آليت أن لا أنتهي حتّى تتبع العرب عقبي، أفأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش! ثمّ قال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فإنّي ساشغل عنك وجهه، فلمّا قدموا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، قال عامر: يا محمّد! خالني (1)، قال: «لا والله حتّى تؤمن بالله وحده». قال: يا محمّد! خالني، وجعل يكلّمه وينتظر من أربد ما كان أمره به، فجعل أربد أربد لا يحير شيئاً. فلمّا أبى عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: أما والله لأملأنّها عليك خيلاً ورجالاً، فلمّا خرجوا من عند رسول الله، قال عامر لأربد: يا أربد، أين ما كنتُ أمرتك به؟ قال: لا أبا لك! لا تعجل عليّ، والله ما هممت بالّذي أمرتني به من أمره إلاّ دخلتَ بيني وبين الرّجل حتّى ما أرى غيرك، أفأضربُك بالسيف؟ وخرجوا راجعين إلى بلادهم حتّى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر الطّاعون في عنقه فقتله الله في بيت امرأةٍ من بني سلول. ثم خرج أصحابه حين واروه فقالوا: يا أربد، ما وراءك؟ قال: لا شيء والله!! لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددتُ أنّه عندي الآن

____________________

(1) خالني: تفرّد لي خالياً حتّى أتحدّث معك.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة