الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 121

ولو ذكرنا ما سرده ابن الجوزيّ من أمثال هذه الحكايات الخوارق لكانت كتاباً ضخماً!

وإنّما نقلنا بعضاً قليلاً منها لنقول: إنّ الرجل ذكرها على أنّها مسلّمات، فيما أنكر حديث ردّ الشمس، وشايعه ابن تيميه على ذلك.

نكتفي بما ذكرناه بشأن الآية المباركة، فإنّ الأحاديث التي ذكرها: ابن عبّاس وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدريّ، وسعد بن أبي وقّاص، وأبو الحمراء... كلّها في أنّ الآية في الخمسة أصحاب الكساء: رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وعليّ وفاطمه والحسن والحسين عليهم‌السلام (1).

يحيى بن سلاّم، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي داود، عن أبي الحمراء

____________________

(1) مسند أحمد بن حنبل 1: 185 و 331 و 6: 292، وصحيح مسلم 7: 130، والمعارف لابن قتيبة 448، وسنن الترمذيّ 5: 361، وتفسير الطبريّ 22: 6، وتفسير الحبريّ 298، و 300 - 307، ومشكل الآثار للطّحاويّ الحنفيّ 321، والكنى والأسماء للدولابيّ 2: 254 / 2619 و 255 / 2622، وأسباب النزول للواحديّ 239، والمعجم الكبير للطبرانيّ 1: 128، والمعجم الصغير، له 1: 135، والمستدرك على الصحيحين للحاكم الشافعيّ، وبذيله التلخيص للذهبيّ الحنبليّ 2: 416، و 3: 146 - 147، وكفاية الطالب للكنجيّ الشافعيّ 276 و 373 - 375، وتفسير ابن أبي زمنين 2: 164، والسنن الكبرى للبيهقيّ 2: 152، وتاريخ بغداد 1: 278، ومناقب الإمام عليّ عليه‌السلام لابن المغازليّ الشافعي 301 - 307 / الرقم 345 - 351، وتفسير ابن كثير الحنبليّ 3: 485، وتذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي الحنفي 248، وشواهد التنزيل / الرقم 712 - 713، ومناقب الإمام عليّ لابن مردويه 301 / 4754، ومطالب السؤول لابن طلحة الشافعي 8، والفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ 12، والرياض النضرة للمحبّ الطبري 2: 269، وذخائر العقبى له: 25، والمحرّر الوجيز لابن عطيّة 4: 384.


الصفحة 122

قال: «رابطتُ المدينة سبعة أشهر مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وسمعت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا طلع الفجر جاء إلى باب عليّ وفاطمة فقال: الصلاة - ثلاثاً - «إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)».

قال: الرِّجْس، يعني: الشيطان، وقال بعضهم: الرِّجس الإثم. والرجس في اللّغة: كلّ مستنكرٍ مستقذرٍ من مأكولٍ أو عملٍ أو فاحشة. (2)

قال ابن عطيّة: الرجس اسم يقع على الإثم وعلى العذاب وعلى النجاسات والنقائص؛ فأذهب الله جميع ذلك عن «أهل البيت». وذكر حديث أمّ سلمة (3).

 

عصمة أهل البيت عليهم‌السلام

إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله معصوم ضرورةً، وإلا لم يصلح للنبوّة! والآية المباركة زيادة بيانٍ في عصمته صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يَشرِكه فيها إلاّ أهل بيته: عليّ وفاطمة والحسن والحسين؛ فهم معصومون كذلك، لا يقربهم الشيطان، ولا يقارفون إثماً، ولا يأتون بفاحشة ولا تُصيبهم النجاسات التي أصابت غيرهم، وهم مُبَرّأون من كلّ نقصٍ وعيب ومن كلّ ما ينفّر؟ فكيف نفى ابن تيميه عصمة أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام؟!

____________________

(1) المسند لابن أبي شيبة (720)، وتفسير ابن أبي زمنين (2 / 164)، ومختصر تاريخ دمشق (17: 342).

(2) المسند لابن أبي شيبة (720)، وتفسير الطبري (22/6)، وتفسير ابن أبي زمنين (2 / 164).

(3) المحرّر الوجيز لابن عطيّة الأندلسيّ 4 / 384.


الصفحة 123

حديث الثّقلين

وحديث الثّقلين دليل آخر علي عصمة أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام.

يَرِد حديث الثّقلين من طُرقٍ عدّة تنتهي بجلّة الصّحابة وأمّهات المؤمنين.

عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّي تاركٌ فيكم الثّقلين: كتاب الله وعِترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» (1).

وقد تكلّمنا حول حديث الثّقلين في غير هذا الموضع كلاماً وافياً، وإنّما أردنا القول: إنّ تركة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله اثنان: القرآن الكريم، وعِترتُه أهل بيته. ولما كان القرآن الكريم معصوماً مُصَاناً من قبل الله تعالى؛ فكذلك عِدْلُه الثّقل الثاني: أهل البيت: فهم معصومون، وعليّ عليه‌السلام منهم، فأمير المؤمنين عليّ معصوم.

وبهذا الاستدلال، وما سبقه من آية التطهير؛ فإنّ عليّاً عليه‌السلام أفضل الجميع بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ولم ينزل نصّ من الله تعالى. ولا جاء حديث في نسخ العصمة أو الأفضليّة.

 

آية المباهلة

ومن أدلّة أفضليّة وعصمة أهل بيت الرحمة وموضع الرسالة قوله تعالى:

____________________

(1) الجامع الصحيح للترمذيّ 5: 328، وكتاب الولاية لابن عُقدة: 175، والمستدرك على الصحيحين 3: 148، ومناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 234 ح 281، وعن زيد أيضاً، وبلفظ آخر، في: مسند أحمد 4: 367، وصحيح مسلم 16: 180 - 181، وسنن الدارميّ 2: 431، وسنن البيهقيّ 2: 148، ومناقب الإمام عليّ لابن المغازلي: 236، وكنز العمّال 13: 641.


الصفحة 124

«تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ» (1).

والآية في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وفي أخيه وعيبة علمه ونفسه عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام، وابنته الطاهرة فاطمة الزهراء عليها‌السلام، وسبطَيه الحسن والحسين عليهما‌السلام.

وذلك أنّ وفد نصارى نجران حاجّوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بباطلهم، وأبَوُا الإسلام، فدعاهم إلى المباهلة، أي الملاعنة وإلى دعاء الله تعالى أن ينزل عقابه على الكاذبين، وهي سنّةٌ أمضاها الأنبياء من قبله، فنال العذاب العاجل المذنبين من أقوامهم. ورجال الدّين وأحبار النصارى يعلمون ذلك، فلمّا حان الموعد خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يباهلهم بعليٍّ؛ فكان نفس رسول الله، وببضعته الطاهرة فاطمة الزهراء، وبولديه الحسن والحسين: فلمّا رأى الوفد هذه الوجوه المقدّسة، استشعروا الهزيمة، وامتنعوا من المباهلة ورضوا بإعطاء الجزية (2).

ومن هنا كان عليّ وفاطمة والحسن والحسين: معجزة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم

____________________

(1) آل عمران / 61.

(2) مسند أحمد 2: 300، وتفسير الطبريّ 3: 192، والجامع الصحيح للترمذيّ 5: 301، وصحيح مسلم 15: 176، وأسباب النزول للواحديّ 67، وتفسير 1: 114، وتفسير ابن العربي 1: 230، وشواهد التنزيل 1: 20 - 129 / 168 - 175، وأحكام القرآن لابن العربيّ 1: 331، والتفسير الكبير للفخر الرازيّ 2: 299، والمستدرك على الصحيحين 3: 163 / 4719، ودلائل النبوّة لابي نعيم 297، وتفسير ابن كثير 1: 370، وكفاية الطالب 142 ووافقه الذهبيّ في التلخيص، ومصابيح السّنّة للبغويّ 2: 454، ومناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 318 / 362، والمناقب للخوارزميّ 108، والكشّاف للزمخشريّ 1: 368، والسّنن الكبرى للبيهقيّ 7: 63.


الصفحة 125

المباهلة ولو قامت الحجّة على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وحلّ العذاب بساحته؛ لبطلت معجزته وانتهت رسالته، فدلّ ذلك على أفضليّتهم وعصمتهم، إذ لم يختر غيرهم. وبدوام الآية في القرآن يتلوها المؤمنون، دامت أفضليّتهم وعصمتهم! ولو عَلِم الله أنّ في الأرض عباداً أكرم منهم وأفضل، لأمر نبيّه أن يباهل بهم.

 

تتويج أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام وليّاً للمسلمين

ونختم حديثنا في أفضليّة أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام وعصمته بما كان من تتويج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً عليه‌السلام وليّاً وخليفةً للمسلمين بأمر الله تعالى؛ وذلك قوله عزّ وجلّ:

«يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ» (1).

نزلت يوم الثامن عشر من ذي الحجّة سنة (10 هـ) وتسمّى حجّةَ الوداع، إذ هي آخر حجّة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ولم يلبث بعدها طويلاً فتوفّي سنة (11 هـ). ولمّا قفل صلى‌الله‌عليه‌وآله راجعاً، وبلغ غدير خمّ أتاه جبرئيل بهذه الآية، فنادى صلى‌الله‌عليه‌وآله: الصلاة جامعة، فاجتمع الحجيج، وخطب رسول الله وبلّغ أمر الله تعالى، وأخذ بيد عليّ عليه‌السلام وقال: «مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمَّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه».

وقد تكلّمنا بما لا مزيد عليه حول الحادثة في غير هذا الموضع وتضمّن شعرحسّان بن ثابت في ذلك، ورُواة حديث الغدير ومصادره، كان فيهم (87)

____________________

(1) المائدة: 67.


الصفحة 126

صحابيّاً، ومن التابعين (62) تابعيّاً، وأمّا مصادره فتربو على (70) مصدراً.

 

الاستدلال بالحديث

ودلالة حديث الغدير مثل الآيات والأحاديث التي ذكرناها من حيث ظهورها في أفضلية أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام وديمومتها، وعصمته. فالآية المباركة وتبليغ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المسلمين بما ينبغي عليهم من طاع أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام امتثالاً منهم لأمر الله تعالى؛ هو تتويجٌ لما سبق من حثّه إيّاهم في أكثر من مناسبة على وجوب ملازمة عليّ عليه‌السلام، والآية الولاية: الآية 55 من سورة المائدة، وقد مضى الكلام حولها وأنّها في أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام.

والكلام في الغدير هو نفسه في الكلام حول آية الولاية إذ لم ينزل بيان ينسخها؛ فكذلك الحال في آية التبليغ يوم الغدير، فعليّ عليه‌السلام أفضل الجميع بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ولو لا ذلك لَمَا اختاره الله تعالى أميراً للمؤمنين وخليفةً لرسول ربّ العالمين، لم يدم على هذا الاختيار طويلاً حتّى رحل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ربّه تبارك وتعالى.

ولا يعقل أن يكون خليفة رسول الله والقائم مقامه في التبليغ بعده غير من عصمه الله سبحانه، لئلاّ يركب بالأُمّة سبيل الخطل، فعليّ معصوم والمعصوم دائم الأفضليّة.

 

حديث المنزلة

وحديث المنزلة من الأدلّة الساطعة في أفضليّة أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام


الصفحة 127

الدائمة بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعصمته وإمامته قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ عليه‌السلام: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».

وظهور الحديث فيما ألمحنا إليه جليّ، ذلك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هو سيّد الأنبياء والرُّسُل، ورسالته خاتمة الرسالات؛ فوصيّه خير الأوصياء، وهارون عليه‌السلام نبيّ معصوم؛ فمنزلة عليّ عليه‌السلام بمنزلة نبيّ وإن لم يكن نبيّاً.

والحديث يرد عن: أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام، وعن فاطمة ابنة عليّ عن أسماء بنت عميس، وزين العابدين عليّ بن الحسين، وجعفر بن محمّد عن أبيه وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، ومحدوج بن زيد الذّهليّ، وأبي سعيد الخدريّ، وسعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن المسيّب، وأبي أيّوب الأنصاريّ، وجابر بن سمرة، ومجاهد، وأمّ سلمة زوج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأبي هريرة، وأنس بن مالك.

 

مصادر حديث المنزلة

وقد ذكرته كتب الحديث والتراجم في موارد كثيرة، نقتصر على ذكر المصادر وبعض الموارد:

مسند أبي داود (ت 204 هـ) الحديث 205.

المصنّف لعبد الرزّاق (ت 211 هـ) 2: 420 / 3579، و 3: 586 / 6159.

الطبقات الكبرى لابن سعد (ت 230 هـ) 3: 24، ومواضع أُخرى.

المصنّف لابن أبي شيبة (ت 235 هـ) الحديث 12 من فضائل عليّ عليه‌السلام.

صحيح البخاريّ، كتاب فضائل أصحاب النبيّ - باب مناقب عليّ. كما


الصفحة 128

أخرجه في كتاب المغازي، باب غزوة تبوك.

تاريخ البخاريّ الكبير 3 / 48: 179.

صحيح مسلم (ت 261 هـ) 15: 174 - 176.

مسند أحمد؛ مسند أبي سعيد / الحديث 10879، ومواضع أخرى.

الفضائل لأحمد / الحديث 142.

تاريخ الثّقات للعجليّ (ت 261 هـ) 522 / 2106.

خصائص أميرالمؤمنين علي عليه‌السلام للنّسائي / الحديث 43 - 56، و 59 - 60 و 68.

سنن التّرمذيّ: 5، كتاب المناقب، باب مناقب عليّ 21.

مشكل الآثار للطحاويّ الحنفيّ (ت 321 هـ) 2 / 213: 1903.

مسند أبي يعلى (ت 307 هـ).

مسند سعد 2: 66 - 132، وغيره.

مسند ابن حبّان (ت 354 هـ) 15 / 369 / 6926.

المعجم الكبير للطبرانيّ (ت 360 هـ) 24 / 146 / 384.

سنن ابن ماجة (ت 275 هـ) 1: 42 حديث 115.

الكامل لابن عديّ 2 / 416 / ترجمة حرب بن شدّاد.

مناقب الإمام عليّ عليه‌السلام، لابن المغازلي الشافعي (ت 483 هـ) 34 / الحديث 51.

أنساب الأشراف للبلاذريّ 1: 346.


الصفحة 129

تاريخ بغداد 3: 289 / 1376.

مناقب عليّ بن أبي طالب، لابن مردويه (ت 410 هـ) 61 / 28 - 29 و 112 / 130.

حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهانيّ (ت 430 هـ) 7 / 194.

المناقب للخوارزمي الموفّق الحنفيّ (ت 568 هـ) 133 / 148.

مناقب الإمام علي عليه‌السلام لمحمّد بن سليمان الكوفيّ «القرن الرابع» 1: 561 / 418.

مختصر تاريخ دمشق 17 / 243 - 248.

تهذيب الكمال للمزّيّ السّلفيّ 35 / 263.

مسند البزّار / الحديث 1074.

حديث الطّير

وذلك أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أهدي إليه طير، فدعا الله تعالى أن يأتيه بأحبّ الخلق إليه ليأكل معه، فجاء عليّ عليه‌السلام فأكل معه.

وقد احتجّ به أميرالمؤمنين في جملة ما احتجّ به يوم الشورى، قال: فأُنشدكم بالله، هل فيكم أحدٌ قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «اللّهمّ ائتني بأحبّ الخلق


الصفحة 130

إليك وإليّ، وأشدّهم حبّاً لك وحبّاً لي، يأكل معي من هذا الطائر (1)» فأتاه فأكل معه، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا.

وأحبّ الخلق إلى الله بعد رسول الله هو أفضلهم من غير مراء، ولم ينقض هذا الحديث حديث فيما بعد، وإنّما ترادفت الأحاديث في ترسيخ هذا الحبّ وتلك الفضيلة الظاهرة في العصمة والإمامة حتّى تُوّج ذلك بحديث الولاية يوم غدير خمّ، فأعلن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولاية عليّ عليه‌السلام  المتفرّعة من ولايته صلى‌الله‌عليه‌وآله وألزمهم إيّاها، ودعا الله تعالى: أن ينصر من نصره، وأن يخذل من خذله!

وما من مناسبة إلاّ وصدح صلى‌الله‌عليه‌وآله بهذا الحبّ الذي صار علامة فارقة بين المؤمن والمنافق؛ فلينظر من ناصب عليّا البغضاء: أين يكون إذا حُشرت الخلائق للحساب؟!

أبو كريب محمّد بن العلاء الكوفيّ قال حدّثنا أبو معاوية - الضرير -، عن

____________________

(1) رواه: أنس خادم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ وعبد الله بن عبّاس، وسعيد بن المسيّب. يراجع: التاريخ الكبير للبخاريّ 1: 358، والجامع الصحيح للترمذيّ 2: 299، وأنساب الأشراف للبلاذريّ 2: 378، ومسند أبي يعلى 7: 626 / 3621، والمستدرك على الصحيحين 3: 142، وكتاب الولاية لابن عقدة - حديث المناشدة، الفقرة 10، وتاريخ بغداد 3: 171 و 369 و 8: 382 و 11: 376، وموضّح أوهام الجمع والتفريق، له 2: 298، ومناقب الإمام عليّ عليه‌السلام لابن المغازليّ، ذكره بطرقٍ تنيف على العشرين، وتهذيب التهذيب 1: 303، وحليه الأولياء 6: 339، والمناقب للخوارزميّ 68، ومصابيح السّنن للبغويّ 4: 173 / 4770، وتذكرة الخواصّ 44، ولسان الميزان 5: 199، ومجمع الزوائد 9: 126، وتذكرة الحفّاظ 3: 112، وذخائر العقبى 61، وكنز العمّال 13: 167 / 36507.


الصفحة 131

الأعمش، عن عديّ بن ثابت، عن رزّ بن حبيش، عن عليّ كرّم الله وجهه قال: والله الذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، إنّه لعهد النبيّ الأمّيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إليّ: أنّه لا يحبّني إلاّمؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق (1).

 

 

احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل عليّ عليه‌السلام

ناظر المأمون حشداً من الفقهاء في فضل أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام وكان ممّا احتجّ به: حديث الطّير.

إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، عن حمّاد بن زيد قال: بعث إليّ يحيى ابن أكثم وإلى عدّة من أصحابي، وهو يومئذ قاضي القضاة، فقال: إنّ أمير

____________________

(1) مسند الحميديّ (ت 219 هـ) 1 / 31، والمعيار والموازنة للإسكافيّ (ت 220 هـ) / 244، المصنّف لابن أبي شيبة (ت 235 هـ) 7 / 505، ومسند أحمد 1 / 84 - 95 - 128، وفضائل الصحابة، له 948 - 961، وصحيح مسلم 2 / 64، وسنن ابن ماجة 1 / 42 / 114، والسّنّة لعمرو بن أبي عاصم 2 / 598، وأنساب الأشراف للبلاذريّ 2 / 96، وخصائص أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام للنّسائي 101 / 97، والسُّنن، له 8 / 115 - 116، والمسند لأبي يعلي الموصليّ 1 / 84 - 95 - 128، وصحيح ابن حبّان 2 / 177 / 2، ومناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 241 / ح 225 - 226 و 228 و 231، والعقد الفريد لابن عبد ربّه 5: 354، وعلوم الحديث للحاكم / 180، وتاريخ بغداد 14 / 426 / 7785.

وللحديث طريق آخر عن أم سلمة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال «لا يُحبّ عليّاً منافق، ولا يبغضه مؤمن».

مسند أحمد بن حنبل 1: 84، ونذكر كتاب الفضائل له 143 / 208، والمصنّف لابن أبي شيبة 7: 505، وسنن ابن ماجة 1: 114، ومناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 137.


الصفحة 132

المؤمنين [ يعني المأمون ] أمرني أن أُحضر معي غداً مع الفجر أربعين رجلاً كلّهم فقيه يَفْقَه ما يُقال له ويُحسِن الجواب، فسمّوا من تظنّونه يصلح لما يطلب أميرالمؤمنين. فسمّينا له عدّة، وذكر هو عدّة، حتى اكتمل العدد الذي أراد، وأمر بالبكور في السّحر، فغدونا عليه قبل طلوع الفجر، فقال: أحببت أن أُنْبئكم أنّ أميرالمؤمنين أراد مناظرتكم في مذهبه الذي هو عليه والذي يدين اللهَ به.

قلنا: فليفعل أمير المؤمنين، وفّقه الله.

فقال: إنّ أمير المؤمنين يدين الله على أنّ عليّ بن أبي طالب خيرُ خلق الله بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأولى الناس بالخلافة.

قال إسحاق: فقلت: يا أميرالمؤمنين، إنّ فينا من لا يعرف ما ذكر أميرالمؤمنين في عليّ، وقد دعانا أميرالمؤمنين للمناظرة.

فقال: يا إسحاق، اختر، إن شئت سألتك أسألك، وإن شئت أن تسأل فَقُلْ. قال إسحاق: فاغتنمتها منه فقلت: بل أسألك يا أميرالمؤمنين.

قال: سل. قلتُ: من أين قال أميرالمؤمنين أنّ عليّ بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله وأحقّهم بالخلافة بعده؟

قال: يا إسحاق، خبِّرني عن الناس بِمَ يتفاضلون حتّى يقال فلانٌ أفضل من فلان؟ قلت بالأعمال الصالحة.

قال: صدقت فأخبرني عمّن فضل صاحبه على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ثمّ إنّ المفضول عمل بعد وفاة رسول الله بأفضل من عمل الفاضل على عهد رسول الله، أيُلحق به؟


الصفحة 133

فقلت: لا يلحق المفضول على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الفاضل أبداً.

قال: فانظر يا إسحاق ما رواه لك أصحابك، ومَن أخذت عنهم دينك وجعلتهم قدوتك، من فضائل عليّ بن أبي طالب؛ فقس عليها ما أتوك به من فضائل أبي بكر، فإن رأيت فضائل أبي بكر تشاكل فضائل عليّ، فقل إنّه أفضل منه؛ لا والله، ولكن فقس إلى فضائله ما روي لك من فضائل أبي بكر وعمر، فإن وجدت لهما من الفضائل ما لعليّ وحده، فقل إنّهما أفضل منه؛ ولا والله، ولكن قس إلى فضائله فضائل أبي بكر وعمر وعثمان، فإن وجدتها مثل فضائل عليّ فقل إنّهم أفضل منه؛ لا والله، ولكن قس بفضائل العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالجنة، فإن وجدتها تشاكل فضائله فقل إنّهم أفضل منه.

ومضى المأمون يناظره بدءاً بالسبق إلى الإسلام.

وهكذا حتّى سأله عن حديث الطّير، قال المأمون:

فهل تعرف حديث الطّير؟

قلت: نعم.

قال: فحدّثني به.

قال: فحدّثته الحديث، فقال: يا إسحاق، إنّي كنت أكلّمك وأنا أظنّك غير معاند للحقّ، فأمّا الآن فقد بان لي عنادك؛ إنّك توقن أنّ هذا الحديث صحيح؟

قلت: نعم، رواه من لا يمكنني ردّه!

قال: أفرأيت من أيقن أنّ هذا الحديث صحيح، ثمّ زعم أنّ أحداً أفضل من


الصفحة 134

عليّ، لا يخلو من إحدى ثلاثة: من أن تكون دعوة (1) رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عنه مردودةً عليه! أو أن يقول عرف الفاضل من خلقه وكان المفضول أحبّ إليه! أو أن يقول إن الله عزّوجلّ لم يعرف الفاضل من المفضول!! فأيّ الثلاثة أحبّ إليك أن تقول؟ فأطرقت.

ثمّ قال: يا إسحاق لا تقل منها شيئاً؛ فإنّك إن قلت منها شيئاً استنبئتك، وإن كان للحديث عندك تأويل غير هذه الثلاثة الأوجه فقله.

قلت: لا أعلم، وإنّ لأبي بكر فضلاً.

قال: أجل، لو لا أنّ له فضلاً لما قيل إنّ عليّاً أفضل منه.

والمناظرة طويلة انتهت بقول الفقهاء: كلّنا نقول بقول أميرالمؤمنين أعزه الله(2) وهذه فضيلة أخرى لأميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام ثابتة، إذ دامت مع حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى رحلته... فعليّ عليه‌السلام أفضل من غيره وإلاّ لما ضمّه إلى نفسه فآخاه؛ فلقد كان صلى‌الله‌عليه‌وآله في المؤاخاة يضمّ الشكل إلى شكله، والنظير إلى نظيره، فاختار عليّاً أخاً دون سواه، ولو كان غيره أفضل مه لآخاه ولم يقدّم عليّاً عليه.

قال ابن إسحاق: وآخى رسول الله بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال - فيما بلغنا، ونعوذ بالله من أن نقول عليه ما لم يقل -: «تآخوا في الله أخَوَينِ أخوين» ثم أخذ بيد عليّ بن أبي طالب فقال: «هذا أخي».. فكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سيّد المرسلين وإمام المتّقين ورسول ربّ العالمين الذي ليس له خطير

____________________

(1) وهي دعوة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يأتيه الله تعالى بأحبّ الخلق إليه ليأكل معه من الطير.

(2) العقد الفريد 5: 349 - 359.


الصفحة 135

ولا نظير من العباد، وعليّ بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه أخوين (1).

وكلامنا في المؤاخاة نظير كلامنا في آية المباهلة؛ إذ أقامه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مقام نفسه الطاهرة المقدّسة، وذلك يوم التحدّي مع نصارى نجران، وما نزل فيها من قرآن ما زال يتلى حتّى قيام الساعة؛ وآية التطهير التي يتلوها المسلمون فيذكرون في كلّ واحدة منهما: عليّاً وزوجه البتول فاطمة وابنيهما الحسن والحسين عليهم‌السلام لا يشركهم في ذلك إلاّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

فأفضليّة عليّ عليه‌السلام وعصمته جارية وحيّة ما زال القرآن الكريم حيّاً محفوظاً، وقد تكفّل الله تعالى بحفظه وكفى به حافظاً ووكيلاً «إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (2).

وكلامنا فيه مثل كلامنا في حديث الثّقلين: فالقرآن الكريم قرين عترة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته، وهم: عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام. وظهوره في الأفضليّة والعصمة الجارية أمرها بيّن لمن آتاه الله عقلاً وقلباً سليماً «إِنّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى‏ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ» (3).

وكذلك: حديث المنزلة، وهو من أكثر الأحاديث من حيث احتفاء المصادر به، ممّا يُظهِر الموقعَ الخاصّ لأميرالمؤمنين عليه‌السلام.

فعليّ عليه‌السلام هارون هذه الأمّة كما أنّ هارون النبيّ عليه‌السلام أخو موسى النبيّ عليه‌السلام؛

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 2: 151.

(2) الحجر: 9.

(3) ق: 37.


الصفحة 136

فعليّ عليه‌السلام له من حقّ الأخوّة والمنزلة الخاصّة من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّ عليه‌السلام أخو رسول الله في الدنيا والآخرة فأفضليّته لذلك متّصلة، لا منفصلة.

من طرق عدّة: آخى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بين أصحابه، فآخى بين أبي بكر وعمر، وفلانٍ وفلان، فجاءه عليّ رضي‌الله‌عنه فقال آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحدٍ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «أنت أخي في الدنيا والآخرة» (1).

فمثلما خُلِّدَتْ عصمة عليّ عليه‌السلام وأفضليّته فيما ذكرنا من نصوص قرآنيّة؛ كذلك كانت أخوّته لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وذكره ابن أبي شيبة، ونصّه: «أنت أخي وصاحبي» (2).

ونحيل القارئ الكريم إلى موضوع المؤاخاة، فقد بسطنا البحث هناك؛ وإنّما أوردناه بإيجاز ليكون واحداً من أدلّتنا على أفضليّة أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام التي أنكرها ابن تيميه.

 

حديث رد الشمس

قال ابن تيميه: وحديث ردّ الشمس له - أيّ لعليٍّ عليه‌السلام - قد ذكره طائفة: كالطحاويّ، والقاضي عياض، وغيرهما. وعدوّا ذلك من معجزات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، ولكن

____________________

(1) الجامع الصحيح، للترمذيّ 2 / 213، والاستيعاب، لابن عبد البَرّ 3 / 35، والمستدرك على الصحيحين 3 / 15 / 4288، والرياض النضرة 2 / 167.

(2) المصنّف، لابن أبي شيبة 7 / 508.


الصفحة 137

المحقّقون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أنّ هذا الحديث كذب موضوع. كما ذكره ابن الجوزيّ في «الموضوعات»، فرواه من عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسن عن أسماء بنت عميس قالت: - ثمّ ذكر الحديث - (1).

قال: قال أبو الفرج - ابن الجوزيّ -: هذا الحديث موضوع بلا شكّ... (2).

قال: وفضيل بن مرزوق ضعّفه يحيى، وقال أبو حاتم بن حبّان: يروي الموضوعات ويُخطئ على الثّقات (3).

قال أبو الفرج: وهذا الحديث مداره على عبيد الله بن موسى عنه (4).

قال: قال أبو الفرج: وقد روى هذا الحديث ابن شاهين:...، حدّثنا عبد الرحمان بن شريك، حدّثني أبي، عن عروة، عن عبيد الله بن قيس، قال: دخلت على فاطمة بنت عليّ فحدّثتني أنّ عليّ بن أبي طالب، - وذكر حديث رجوع الشّمس -.

قال أبو الفرج: وهذا حديثٌ باطل. أمّا حديث عبد الرحمان بن شريك؛ فقال أبو حاتم: هو واهي الحديث. قال: وأنا لا أتّهم بهذا الحديث إلاّ ابن عقدة؛

____________________

(1) منهاج السنّة النبويّة، ابن تيميه 4: 186.

(2) نفسه.

(3) نفسه.

(4) نفسه.


الصفحة 138

فإنّه كان رافضيّاً يحدّث بمثالب الصّحابة (1).

قال: قال أبو الفرج: وقد رواه ابن مردويه من حديث: داود بن فراهيج، عن أبي هريرة. قال: وداود ضعيف ضعّفه شعبة. قلت: فليس في هؤلاء من يحتجّ به (2).

قال: وأمّا الثاني: ببابل؛ فلا ريب أنّ هذا كذب، وإنشاد الحميريّ لا حجّة فيه؛ لأنّه لم يشهد ذلك (3).

قال: وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي هريرة قال: غزا نبيٌّ من الأنبياء، فدنا من القرية حتّى صلّى العصر قريباً من ذلك، فقال للشّمس: أنت مأمورة وأنا مأمور؛ اللّهمّ احبِسها عليّ شيئاً. فحبست عليه حتّى فتح الله عليه. فإن قيل: فهذه الأمّة أفضل من بني إسرائيل، فإذا كانت ردّت ليوشع فما المانع أن تردّ لفضلاء هذه الأمة؟ فيقال: يوشع لم تردّ له الشّمس، ولكن تأخّر غروبها، طوّل له النهار... ولا مانع من طول ذلك، لو شاء الله لفعل ذلك...

قال: لكنّ يوشع كان محتاجاً إلى ذلك؛ لأنّ القتال كان محرّماً عليه بعد غروب الشّمس؛ وأمّا أمّة محمّدٍ فلا حاجة لهم إلى ذلك ولا منفعة لهم فيه، فإنّ الذي فاتته العصر إن كان مفرّطاً لم يسقط ذنبه إلاّ بالتوبة، ومع التوبة لا يحتاج إلى ردّه وإن لم يكن مفرّطاً كالنائم والناسي فلا ملام عليه في الصلاة بعد

____________________

(1) منهاج السنة 4: 186.

(2) نفسه.

(3) نفسه.


الصفحة 139

الغروب (1).

(فصل) قال الرافضيّ: التاسع رجوع الشّمس له - أي لعليّ عليه‌السلام - مرّتين: إحداهما في زمن النبيّ! والثانية بعده.

أما الأولى: فروى جابر وأبو سعيد - الخدريّ - أنّ رسول الله نزل عليه جبريل يوماً يناجيه من عند الله، فلمّا تغشّاه الوحي توسّد فَخِذَ أميرالمؤمنين، فلم يرفع رأسه حتّى غابت الشّمس، فصلّى عليّ العصر بالإيماء، فلمّا استيقظ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال له: سل الله تعالى يردّ عليك الشّمس لتصلّي العصر قائماً.

وأمّا الثانية: فلمّا أراد أن أن يعبر الفرات ببابل، استعمل كثير من أصحابه دوابّهم، وصلّى لنفسه في طائفةٍ من أصحابه وفات كثيراً منهم، فتكلّموا في ذلك؛ فسأل الله ردّ الشّمس فردّت ونظمه الحِمْيَريّ فقال:

ردّت   عليه   الشَّمس  لما  iiفاتهُ      وقت الصّلاة، وقد دنت للمغرب
حتّى   تبلّج   نورها   في   iiوقتها      للعصر  ثمّ  هوت هويّ iiالكوكب
وعليه   قد  حُبست  ببابل  iiمرّةً      أُخرى، وما حُبست لخلق iiمعرب
إلاّ   ليوشع   أوْ   لهُ،  iiولحبسها      ولردّها  تأويلُ  أمر مُعجب ii(2)

قال: وأمّا الإسناد الثاني، فمدارُه على فضيل بن مرزوق؛ وهو معروف بالخطأ على الثّقات وإن كان لا يتعمّد الكذب. قال فيه يحيى بن معين مرّةً: هو ضعيف، وهذا لا يناقضه قول أحمد بن حنبل فيه: لا أعلم إلاّ خيراً. وقول

____________________

(1) منهاج السنة 4: 186.

(2) الخبر والشّعر في خصائص أميرالمؤمنين للشريف الرضيّ سنعرض له فيما بعد.


الصفحة 140

سفيان: هو ثقةٌ.

ويحيى مرّةً - أخرى -: هو ثقة، فإنّه ليس ممّن يتعمّد الكذب ولكنّه يخطئ؛ وإذا روى له مسلم، ما تابعه غيره عليه، لم يلزم أن يروي ما انفرد به! (1)

قال: وروى من طريق أبي العبّاس بن عقدة؛ وكان مع حفظه جمّاعاً لأكاذيب الشّيعة!

قال: قال ابن عقدة: حدّثنا يحيى بن زكريّا، أخبرنا يعقوب بن معبد، حدّثنا عمرو بن ثابت قال: سألت عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ عن حديث ردّ الشّمس على عليّ...، فذكر حديث أسماء بنت عميس.

قال: وهذا الحديث، إن كان ثابتاً عن عمرو بن ثابت الذي رواه عن عبدالله بن حسن؛ فهو الذي اختلقه، فإنّه كان معروفاً بالكذب. قال أبو حاتم بن حبّان: يروي الموضوعات عن الأثبات. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال مرّة: ليس بثقة ولا مأمون. وقال النّسائي: متروك الحديث. (2)

قال: وأمّا رواية أبي هريرة: إسناده مظلم لا يثبت به شيء عند أهل العلم؛ بل يُعرف كذبه من وجوه: فإنّه وإن كان داود بن عبد الملك النّوفليّ، وهو الذي رواه عنه، قال البخاريّ: أحاديثه شبه لا شيء. وذكر ابن الجوزيّ أنّ ابن مردويه رواه من طريق داود بن فراهيج، وذكر ضعف ابن فراهيج (3).

____________________

(1) منهاج السنّة 4: 192.

(2) نفسه 192 - 193.

(3) نفسه 193.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة