الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 82

وصُؤاب، حبشيّ، غلام أبي يزيد بن عُمَير بن هاشم بن عبدمناف بن عبدالدار، قتله عليّ عليه‌السلام (1). وأبو سعيد بن أبي طلحة بن عبد العزّى، من بني عبد الدار، قتله عليّ عليه‌السلام (2). وعبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العُزّى ابن قصيّ، قتله عليّ عليه‌السلام (3). وأبو الحكم بن الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثَّقفيّ، قتله عليّ عليه‌السلام (4). وأبو أميّة بن أبي حذيفة بن المغيرة المخزوميّ، قتله عليّ عليه‌السلام (5). وهشام بن أبي أُميّة المخزوميّ، قتله عليٌّ عليه‌السلام (6).

هذا هو الإمام عليّ عليه‌السلام، الذي كان إيمانه اليقين المطلق؛ فلم يكن للشيطان إليه سبيل؛ (إِنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنّمَا اسْتَزَلّهُمُ الشّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) (7) فالجَمْعان هما جمع المسلمين وجمع الكفّار، واستزلّهم الشيطان: أي استفزّهم بذنوبهم ومعصيتهمُ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وهم أهلُ الصّخرةِ والجلْعَب! ولم يكن فيهم

____________________

(1) السيرة، لابن هشام 3: 134، الإرشاد 81.

(2) في: جمهرة النسب (أبو سعد)؛ السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 134، النسب 204، تاريخ الطبريّ 2: 43، الإرشاد 81.

(3) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 134، الإرشاد 81.

(4) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 135، المغازي 1: 308، طبقات ابن سعد 2: 43 و 3: 445، المعارف 160، أنساب الأشراف 1: 407، الإرشاد 81.

(5) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 135، المغازي 1: 308 - وسمّاه: أُميّة -، المعارف 160، أنساب الأشراف 1: 407، الإرشاد 81.

(6) طبقات ابن سعد 2: 43، الإرشاد 81، مختصر تاريخ دمشق 17: 321.

(7) آل عمران: 155.


الصفحة 83

عليّ عليه‌السلام، فإنّه كرَّ وما فرّ، وقد ذكرنا بعضاً من أخباره يومئذٍ، على أنّا سنبسط البحث عند الحديث عن شجاعته التي أنكرها ابن تيميه! فعليّ عليه‌السلام لم يعلِّق إيمانه الذي كان اليقين،على الحياة الدنيويّة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ فهو يعلم أنّ النبيّ يموت، إلاّ أنّ الله تعالى حيٌّ لا يموت والشريعةدائمة؛ ولذا لم يكن لإذاعة الشيطان أنّ «محمّداً قد قتِل» أدنى أثرٍ في نفسه إلاّ زيادة اليقين في وجوب مجاهدة العدوّ، والغوص في لهوات الحرب، فعليّ عليه‌السلام يستحيل عليه حالة الارتداد التي أصابت القومَ يومئذ: (وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ) (1).

قال ابن إسحاق: أي لقول الناس: قتل محمّدٌ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوّهم (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ) رجعتم عن دينكم كفّاراً كما كنتم، قد بيّن لكم فيما جاءكم به عنّي أنّه ميّت ومفارقكم. (وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ) أي يرجع عن دينه (فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً) أي ليس ينقص ذلك عزَّ الله تعالى ولا ملكه ولا سلطانه ولا قدرته، (وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ) أي من أطاعه وعمل بأمره (2).

إذن: كانت هناك حالة ردّة ونكوص، وأمّا الإمام عليّ عليه‌السلام، فإنّه عنها خليّ، وكان ثابتاً هو ومجموعة من المجاهدين بما فيهم المرأة المجاهدة «نسيبة المازنيّة» وكوكبة الشهداء، رضوان الله عليهم.

تفسير مقاتل: ومثله ذكر مقاتل، قال: (وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ

____________________

(1) آل عمران: 144.

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 117 - 118.


الصفحة 84

الرّسُلُ) يقول: وهل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله، لو قتل إلاّ كمن قتل قبله من الأنبياء، «أَفَإِنْ مَاتَ) محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله «أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ»، يعني رجعتم إلى دينكم الأوّل الشِّرك. ثمّ قال: «وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ» يقول: ومَن يرجع إلى الشِّرك بعد الإيمان، «فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً»، بارتداده من الإيمان إلى الشِّرك، إنّما يضرّ بذلك نفسه، «وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ» يعني الموحّدين للهِ في الآخرة (1).

ومن تفسير قَتادة (2): «وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ» الآية، قال: ذلك يوم أحد حين أصابهم القرح والقتل، فقال أناس منهم: لو كان نبيّاً ما قتل!، فقال الله تعالى: «وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ

____________________

(1) تفسير مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) 1: 194 - 195.

(2) قتادة بن دعامة السّدوسيّ. روى عن: أنس، والحسن البصريّ، ورفيع أبي العالية الرّياحيّ، وسعيد ابن المسيّب، وشهر بن حوشب، وأبي إسحاق السّبيعيّ، وأبي الطّفيل اللّيثيّ...؛ روى عنه: أيوب السّختيانيّ، وحجّاج بن أرطاة، وحماد بن سلمة، وحميد الطّويل، وسليمان الأعمش، وسعيد بن أبي عروبة، واللَّيث بن سعد، ومعمر بن راشد...

ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل البصرة. وقال: كان ثقة مأموناً حجّةً في الحديث. (طبقات ابن سعد 7: 229). وقال: توفّي سنة سبع عشرة ومائة (نفس المصدر). قال العجليّ: تابعيّ، ثقة (تاريخ الثِّقات 389 / 1380). وقال أبو داود الطيالسيّ: كنتُ أعرف حديث قتادة ما سمع ممّا لم يسمع، فغذا جاء ما سمع قال: حدّثنا أنس، وحدّثنا الحسن...؛ وإذا جاء ما لم يسمع كان يقول: قال سعيد بن جبير، وقال أبو قلابة (طبقات ابن سعد 7: 229).

ترجمته في: تاريخ البخاريّ الكبير 7 / الترجمة 727، تاريخ الدُّوريّ 2 / 484، تاريخ خليفة 72، 109، وطبقاته 366 / الترجمة 1764...


الصفحة 85

عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ»»، يقول: ارتددتم على أعقابكم كفّاراً بعد إيمانكم... (1).

قال محمّد - بن زمنين -: يقال لمن كان علي شيء ثمّ رجع عنه: انقلب على عقبيه (2).

وقد رأيت أنّنا لم ننقل عن رافضيّ - كذا -، بل ولا عن شيعيّ إلاّ مصدرين أو ثلاثة ضممناها إلى مصادر أهل العامّة، وذلك في الحديث عن موقف أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام يومَ أحد. وأمّا عن حالة القوم الذين ألقوا بأيديهم استجابةً لنداء الشيطان! وارتدادهم، فلم نذكرها من مصدر شيعيّ أبداً، وإنّما ذكرناها من مصادر الجمهور، والمتأخّر منها هو: تفسير ابن زمنين (ت 399 هـ)، وروايته كانت عن قتادة (ت 117 هـ)؛ وقد سمعت أقوال العلماء فيه - على إيجاز ما ذكرناه - وأمّا مقاتل، وابن إسحاق فهما من أبناء القرنين الأوّل ومنتصف القرن الثاني للهجرة. ولم نذكر تفسير الطبريّ، وغيره؛ لأنّها ذكرت نفس المعنى، فراجع.

 

عودٌ على خَيْبر

أخرج الطبريّ بسنده، قال: حدّثنا ابن بشّار قال: حدّثنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا عوف عن ميمون، أنّ عبد الله بن بُرَيدة حدّث عن بريدة الأسلميّ قال: لمّا نزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بحصن أهل خيبر، أعطى رسول الله اللِّواء عمر بن الخطّاب، ونهض من نهض معه من الناس فلقوا أهل خيبر؛ فانكشف عمر

____________________

(1) تفسير ابن أبي زمنين (ت 399 هـ) 1: 129 - 130.

(2) نفسه 130.


الصفحة 86

وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله يجبّنه أصحابه ويجبّنهم! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: لأُعطينَّ اللِّواء غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله. فلمّا كان من الغد تطاول لها أبوبكر وعمر، فدعا عليّاً عليه‌السلام وهو أرمد، فتفل في عينيه وأعطاه اللِّواء، ونهض معه من الناس من نهض، قال: فلقيَ أهلَ خيبر، فإذا مَرحب يرتجز ويقول:

قد علمتْ خيبر أنّي مرحبُ      شاكي السلاحِ بطلٌ iiمُجرَّبُ
أطعنُ  أحياناً وحيناً iiأضربُ      إذا  اللِّيوثُ  أقبَلَت  iiتلَهَّبُ
>

فاختلف هو وعليٌّ ضربتين، فضربه عليٌّ على هامته حتّى عضّ السيف منها بأضراسه، وسمع أهلُ العسكر صوتَ ضرْبته فما تتامَّ آخر الناس مع عليّ عليه‌السلام حتّى فتح الله له ولهم (1).

قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن الحسن عن بعض أهله، عن أبي رافع مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: خرجنا مع عليّ بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه حين بعثه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله برايته، فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهلُه فقاتلهم، فضربه رجل من يهود فطاح ترسه من يده، فتناول عليٌّ عليه‌السلام باباً كان عند الحصْنِ فترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتّى فتح اللهُ عليه، ثمّ ألقاه من يده، فلقد رأيتُني في نفرٍ سبعة معي، أنا ثامنهم، نَجْهَد على أن نَقْلِب ذلك البابَ فما نقلبُه (2)!

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 2: 300.

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 350، وعنه: تاريخ الطبريّ 2: 301.


الصفحة 87

شِعرُ حسّان بن ثابت في المناسبة:

هزّت الواقعةُ إعجابَ حسّان بن ثابت، فأنشد بذلك:

وكان   عليٌّ  أرمدَ  العين  iiيبتغي      دَواءً   فلمّا   لم   يُحِسَّ   iiمُداوِيا
شَفاءُ   رسولُ   الله   منه  iiبتفلةٍ      فَبُورِكض    مَرقيّاً    وبُوركَ   iiراقيا
وقال: سأُعطي الرايةَ اليومَ صارماً      كَمِيّاً    مُحبّاً    للرّسولِ    iiمُواليا
يُحبُّ     إلهي     والإلهُ     يُحبُّهُ      به   يَفْتحُ  اللهُ  الحُصونَ  iiالأوابيا
فأصفى   بها  دونَ  البريّةِ  iiكلّها      عليّاً،  وسمّاهُ  الوزيرَ المُؤاخيا ii(1)

الفرار من التبليغ!

إنّ الأحداث يُشبه بعضها بعضاً، وجميعُها يُفصح عن حقيقة ثابتة، نترك تفسيرها للقارئ وفطنته؛ من ذلك ما كان من حوادث سنة ستُ، وصلح الحُدَيبيّة، فقد: «دعا النبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عمر بن الخطّاب ليبعثه إلى أهل مكّة فيُبلّغ عنه أشرافَ قريش ما بلّغه الله تعالى، فقال: يا رسول الله، إنّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكّة منبني عديّ بن كعب أحدٌ يمنعني، وقد عرفَت قريش عداوتي إيّاها وغلظتي عليها! ولكن أدلُّك على رجلٍ هو أعزّ بها منّي: عثمان بن عفّان. فدعا رسولُ الله عثمان فبعثه إلى أبي سفيان...» (2) الخبر.

____________________

(1) مناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ الشافعيّ 189، وكفاية الطالب، للكنجيّ الشافعيّ 98، والقاري في شرح صحيح البخاريّ 855.

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 329، وتاريخ الطبريّ 2: 278.


الصفحة 88

وما كان ينبغي لعمر أن يردّ أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ويتنصل عنه ويتهرّب منه، وقد أدّب الله تعالى المسلمين بالطاعة المطلقة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّ لا خِيَرة لهم فيما قضى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً) (1).

ونختم أخبار الفِرار! بما كان يوم حنين؛ ففي العام الثامن وقعت أمور على شاكلة يوم أحد؛ ففي هذا العام كانت غزوة حُنين، حيث اجتمعت هوازن وثقيف، وانضمّت إليهما قبائل أخرى، يريدون حرب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فبعث النبيّ إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلميّ، وأمره أن يدخل في النّاس حتّى يعلم علمهم، ثمّ يأتيه بالخبر. فانطلق ابن أبي حدرد، فدخل فيهم، فأقام معهم حتّى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله، ثمّ أقبل فأخبر رسول الله خبرهم، فدعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عمر بن الخطّاب فأخبره الخبر، فقال عمر: كذب ابن أبي حدرد! فقال ابن أبي حدرد: إن كذّبتني فربّما كذّبت الحقَّ يا عمر؛ فقد كذّبت من هو خير منّي. فقال عمر: يا رسول الله، ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «قد كنت ضالاًّ فهداك الله يا عمر» (2).

فلمّا كانت الواقعة، وقع للمسلمين ما وقع لهم بأحد من هزيمة. عن جابر

____________________

(1) الأحزاب / 36.

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 4: 82 - 83، والمستدرك، للحاكم 3: 51 / 4369، وقال الذهبيّ في التلخيص: صحيح.


الصفحة 89

ابن عبد الله قال: لمّا استقبلنا وادي حُنين انحدرنا في وادٍ من أودية تهامة (1)...، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه (2) ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيّأوا وأعدّوا، فواللهِ ما راعنا ونحن منحطُّون إلاّ الكتائب قد شدُّوا علينا شدّة رجل واحد، وانشمر الناس (3) راجعين لا يلوي أحدٌ على أحد، وانحاز رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ذات اليمين ثمّ قال: أين أيّها الناس؟! هَلمُّوا إليّ، أنا رسول الله، أنا محمّد ابن عبد الله. قال: فلا شيء، حملت الإبلُ بعضُها على بعضٍ فانطلق الناس، إلاّ أنّه بقي مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته (4).

وعن أبي قتادة قال: وانهزم المسلمون وانهزمتُ معهم، فإذا بعمر بن الخطّاب في الناس! فقلتُ له: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله (5)!

تعقيب: إنّ هذه الهزائم وغيرها ممّا لم نستقصيه يفنّد مقولة ابن تيميه بشأن واقعة خيبر.

 

الفرار على لسان أميرالمؤمنين عليه‌السلام

أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن ابن أبي ليلى قال: قال عليّ: ما كنت معنا يا أبا ليلى بخيبر؟ قلتُ: بلى والله، لقد كنتُ معكم، قال: فإنّ رسول الله بعث أبابكر،

____________________

(1) تهامة: ما انخفض من الأرض، وهنا المراد منه تهامة الحجاز.

(2) الشِّعاب: الطّرق الخفيّة. وأحناؤه: جوانبه.

(3) انشمر الناس: انفضّوا وانهزموا.

(4) السيرة النبويّة 4: 85، وتاريخ الطبريّ 2: 347.

(5) صحيح البخاريّ 5: 101.


الصفحة 90

فسار بالناس حتّى رجع إليه، وبعث عمر فانهزم بالناس حتّى انتهى إليه؛ فقال رسول الله: «لأعطينّ الراية رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله له، ليس بفرّار». قال: فأرسل إليَّ فدعاني فأتيته وأنا أرمد لا أبصر شيئاً، فدفع إليَّ الراية، فقلتُ: يا رسول الله، كيف وأنا لا أبصر شيئاً؟! قال: فتفل في عيني، ثمّ قال: «اللّهمّ اكفه الحرّ والبرد»، قال: فما آذاني بعد حرٌّ ولا برد (1).

وقد ذكر الحاكم فرار الشيخين؛ فبسنده عن أبي ليلى، عن عليّ عليه‌السلام أنّه قال: يا أبا ليلى، أما كنتَ معنا بخيبر؟ قال: بلى والله، كنت معكم، قال: فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعث أبابكر إلى خيبر فسار بالناس وانهزم حتّى رجع.

قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه (2).

وبسنده عن أبي موسى الحنفيّ، عن عليّ رضي‌الله‌عنه قال: سار النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى خيبر، فلمّا أتاها بعث عمر وبعث معه الناس إلى مدينتهم أو قصرهم فقاتلوهم فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه فجاءوا يُجبّنونه ويُجبّنهم.

قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه (3).

ونذكّر مرّةً أخرى: أنّا لم نرو عن رافضيّ ولا شيعيّ، مع جلالة علماء الشّيعة! والأحاديث التي ذكرها الحاكم الشافعيّ في مستدركه على الشيخين: البُخاريّ ومسلم؛ وقد وافقه عليها الذهبيُّ تلميذُ ابن تيميه ومن المتعصّبين له

____________________

(1) المصنَّف، لابن أبي شيبة (ت 235 هـ) 8: 519 / 1.

(2) المستدرك على الصحيحين 3: 39 / 14338 أ. قال الذهبيّ في التلخيص: صحيح.

(3) نفسه 40 / 4340. ووافقه الذهبيّ في التلخيص وقال: صحيح.


الصفحة 91

يعني أنّ أحاديث الفرار هي من أحاديث الصحيحين إلاّ أنّ الشيخين - على ما يبدو! - قد غَفَلا عنها، والله العالم.

 

الفتحُ المـُبين

إنّ قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبُ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، ليس بفرّارٍ، يفتح الله على يديه»؛ من علامات النُّبوّة؛ ذلك أنّه قد فرّ جحفلان من غير تحقيق أدنى رجاء! وبلغ الأمر بأحد هذين الجحفلين أنّ قائده رجع ينوح باللاّئمة على أصحابه، وهم يلومونه «يحبّنُه أصحابه ويجبّنهم»؛ فلو عجز عليّ عليه‌السلام صار للشكِّ بنبوّته صلى‌الله‌عليه‌وآله فسحة، وذلك أنّه فرّ من فرّ قبله، ولم يك فتح على يديه كما أنبأ، إلاّ أنّ عليّاً عليه‌السلام أخذ رايته بحقٍّ وراح يهرول بها إلى خيبر، لا إلى الخلف! حتّى ركزها في أطم من آطام حصون اليهود، وقتل فارسهم «مرحب»، وقلع باب حصن عظيم كان لهم، وكان الفتح على يديه لا على يدي غيره! ولو كانت هذه الملاحم لغير الإمام عليّ عليه‌السلام لرأيت الهول من ابن تيميه حتّى ألّف في ذلك مجلّدات.

في قوله تعالى: «إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» (1). قال ابن أبي شيبة (2): حدّثنا وكيع

____________________

(1) الفتح: 1.

(2) هو عبد الله بن محمّد بن إبراهيم العبسيّ، مولاهم، أبوبكر بن أبي شيبة.

روى عن: أبي أسامة حمّاد بن أسامة، وسفيان بن عيينة، وسليمان بن حرب، وأبي داود الطيالسيّ، وشريك بن عبد الله النّخعيّ، وعبد الله بن المبارك، وعبد السلام بن حرب، وعبد العزيز الدّراورديّ، وعفّان بن مسلم، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو معاوية محمّد بن خازم الضَّرير، =


الصفحة 92

عن أبي جعفر، عن قتادة، عن أنس: «إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً»، قال: خيبر (1).

 

الصحابة يتمنَّون الراية

بعد الذي حصل يوم خيبر، وفرار مَن فرّ، وقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في إعطائه

____________________

= ويحيى بن سعيد القطّان، وأبوبكر بن عيّاش، وعفّان بن مسلم، وعبد الرحمان بن مهديّ، وأبو غسّان مالك بن إسماعيل النَّهديّ، ومحمّد بن فُضَيْل بن غَزْوان، ومروان بن معاوية، ووكيع بن الجَرّاح... (ذكرنا تراجم كثير منهم، وقد أجمعوا على وثاقتهم).

روى عنه: البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وابنُ ماجة، وإبراهيم بن إسحاق الحربيّ، وأبو يعلى الموصليّ، وأحمد بن حنبل، وأبو زرعة الرازيّ، وعبّاس الدُّوريّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأحمد بن يحيى البلاذريّ... (وما قيل في من ذكر عنهم، فكذلك الحال في الرُّواة عنه، والفريقان من مشاهير رجالهم وأهل الوثاقة عندهم، فما بقي إلاّ النَّظر في حال ابن أبي شيبة).

ذكره العجليّ، قال: عبد الله بن محمّد بن إبراهيم، وهو ابن أبي شيبة (كوفيّ)، ثقة، وكان حافظاً للحديث. (تاريخ الثِّقات 276 / 878).

وقال أبو عبد الله محمّد بن عُمر بن العلاء الجرجانيّ: سمعتُ أبابكر بن أبي شيبة، وأنا معه في جبّانة كندة، فقلت له: يا أبا بكر، سمعت من شريك وأنت ابن كم؟ قال: سمعت من شريك وأنا ابن أربع عشرة، وأنا يومئذٍ أحفظُ للحديث منّي اليوم. (تهذيب الكمال للمزّيّ 16: 40). قال الذهبيّ تعليقاً على ذلك: صدق والله، واين حفظ المراهق من حفظ من هو في عشر الثمانين. (سير أعلام النبلاء 11 / 124).

قال أبو حاتم: ثقة. (الجرح والتعديل 5 / رقم الترجمة 737)، ومثله قال ابن خراش. (تاريخ بغداد 10: 71)، وذكره ابن سعد في الطبقة التاسعة (طبقات ابن سعد 6: 376 / 2801)، وذكره ابن شاهين في ثقاته / الترجمة 689. مات ابن أبي شيبة سنة خمس وثلاثين ومائتين (تاريخ البخاريّ الصغير 2 / 365، وتاريخ بغداد 10: 72، وتهذيب الكمال 16: 41).

(1) المصنَّف، لابن أبي شيبة (ت 235 هـ) 8 / 519 / 1 - من أحاديث خَيْبر -.


الصفحة 93

الرايةَ رجلاً يكون الفتحُ على يديه؛ تطاول أصحابُ رسول الله كلٌّ يرجو أن يكون ذلك الرجل.

ذكر النّسائيّ قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمان، عن أبي حازم قال: أخبرني سهل بن سعد أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال يومَ خيبر ك «لأُعطينّ هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله عليه، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله. فلمّا أصبح الناس غَدَوا على رسول الله كلّهم يرجو أن يعطى. فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟ فقالوا: عليٌّ يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلُوا إليه. فأتي به، فبصق رسول الله في عينيه، ودعا له فبرئ، حتّى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال عليّ: يا رسول الله، أُقاتلُهم حتّى يكونوا مثلنا؟ فقال: أنفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من الله، فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير من أن يكون لك حمر النَّعَم» (1).

 

سعد يردع معاوية

قتيبة بن سعيد البلخيّ، وهشام بن عمّار الدمشقيّ، قالا: حدّثنا حاتم، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه قال: أمر معاوية

____________________

(1) صحيح البخاريّ 0 6 / 111 - 144)، وصحيح مسلم (15 / 175 - 176)، ومسند أحمد (5 / 333)، وخصائص أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام للنَّسائيّ 39 / 16، وحلية الأولياء، لأبي نُعَيم (1 / 62)، وشرح السنّة، للبغويّ (14 / 111 - 112).


الصفحة 94

سعداً فقال: ما يمنعُك أن تسبّ أبا تراب؟ فقال: أنا ذكرتُ ثلاثاً قالهن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فلن أسبّه  لأن يكونَ لي واحدةٌ منها أحبُّ إليّ من حُمر النّعم: سمعتُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول له، وخلّفه في بعض مغازيه؛ فقال له عليّ: يا رسول الله، أتُخلّفُني مع النساء والصبيان؟! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «أما تَرضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نُبوّةَ بعدي؟!».

وسمعتُه يقول يوم خيبر: «لأُعطينّ الرايةَ غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ن ويحبّه اللهُ ورسولُه». فتطاولْنا إليها، فقال: أُدعوا لي عليّاً. فأتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه...، ولما نزلت: «إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1) دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: «اللّهمّ هؤلاءِ أهلُ بيتي» (2).

 

سعد يقمع مُبغضي عليٍّ عليه‌السلام

أخرج النَّسائيّ بسنده عن سعد بن أبي وقّاص قال: كنت جالساً فتنقّصوا عليّ بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه، فقلتُ: لقد سمعتُ رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول في عليّ ثلاثَ خصال، لأن يكون لي واحدةٌ منهنّ أحبُّ إليّ من حُمر النّعم: سمعته يقول: «إنّه منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي»، وسمعته يقول: «لأُعطينّ

____________________

(1) الأحزاب: 33.

(2) مسند أحمد (1 / 185)، وصحيح مسلم (15 / 175 - 176)، ومناقب أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام، للنَّسائيّ 32 / 9، والمستدرك على الصحيحين (3 / 108).


الصفحة 95

الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله»، وسمعته يقول: «مَن كنتُ مولاه، فعليٌّ مولاه» (1).

 

الراية من خصائص عليّ عليه‌السلام

كما اختصّ أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام بذي الفقار، وهو له أهل، فسطّر ملاحم البطولة والشجاعة والفداء؛ واستحقّ بذلك الهتاف الإلهيّ:

لا سيف إلاّ ذو الفقار      ولا    فتى   إلاّ   عليّ

فقد أختصّ براية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فإذا صارت إلى غيره، لعارضٍ طارئ، كانت الهزيمة والفرا! فإذا عادت إلى أهلها كان النصر المؤزَّر والفتح المبين؛ فحفلت بذكرها كتب التاريخ والحديث والتراجم، وذكرها كثير منهم من طُرق عدّة واعتبرها العلماء من خصائص أمير المؤمنين عليه‌السلام، كما فعل النّسائيّ - وقد ذكرنا بعض رواياته - كما وجدنا المصادر الأُخرى ذكرت ذلك مع لفظ «يُفتحُ على يديه» وهو يعني أنّ ذلك من خصائص الإمام عليّ عليه‌السلام. كما أنّ ابن أبي شيبة قد ذكر أنّ آية الفتح - في سورة الفتح / 1 - تعني فتح خَيْبر -.

 

المصادر

نختتم حديثنا حول الواقعة بذكرِ مصادرها:

السيرة النبويّة لابن إسحاق (ت 150 هـ)، تهذب ابن هشام (ت 218 هـ)

____________________

(1) خصائص أميرالمؤمنين: 33 / 10.


الصفحة 96

3: 349، ومسند أبي داود الطيالسيّ (ت 204 هـ) / 320، والمغازي للواقديّ (ت 207 هـ) 2 / 654، والمُصنَّف لعبد الرزّاق (ت 211 هـ) 2 / 337 - 499، وصحيح البخاريّ (ت 210 هـ) ذكره في المغازي 5: 76، والطبقات الكبرى لابن سعد (ت 230 هـ) 2: 111، والمصنّف لابن أبي شيبة (ت 235 هـ) 8 / 519 / 1، و 520 / 2 و 522 / 7 و 525 / 23، ومسند أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) 1 / 215 / 1120 و 1 / 160 / 780 و 544 / 3052، وصحيح مسلم (ت 261 هـ) 7 / 119، وسنن ابن ماجة (ت 275 هـ) 1: 43 - المقدّمة / 117 -، والجامع الصحيح للترمذيّ (ت 279 هـ) 13 / 171، وأنساب الأشراف للبلاذريّ (ت 279 هـ) 2 / 347، وخصائص أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام للنَّسائيّ 32 / 9، و 33 / 10، 34 / 11 و 36 / 13 و 37 / 14 و 38 / 15 و 39 / 16 و 41 / 17 و 18 و 19 و 42 / 20  و 21، و 43 / 22، و 44 / 23. وتاريخ الطبريّ (ت 310 هـ) 2 / 300 - 301، وكتاب الولاية لابن عقدة (ت 332 هـ) / 169، والثقات لابن حبّان (ت 354 هـ) 1 / 117، والمعجم الكبير للطبرانيّ (ت 360 هـ) 6 / 5818، والمستدرك على الصحيحين للحاكم (ت 405 هـ) 3 / 39، و 108 و 130 - 131، ودلائل النّبوّة للبيهقيّ (ت 458 هـ) 4 / 210 و 205 و 207 - 208، ومسند أبي يعلى الموصليّ (ت 307 هـ) / 291 - 292 / 1، والاستيعاب لابن عبد البر المالكيّ (ت 463 هـ) 3 / 36، وتاريخ بغداد للخطيب البغداديّ (ت 463 هـ) 8 / 5، وحلية الأولياء لأبي نُعَيم (ت 430 هـ) 1 / 62، ومناقب الإمام عليّ عليه‌السلام لابن المغازليّ الشافعيّ (ت 483 هـ) 176 - 189 - وشرح السُّنّة للبغويّ الشافعيّ (ت 516 هـ)، 14 / 111 - 112، والمناقب


الصفحة 97

للخوارزميّ الموفّق الحنفيّ، (ت 568 هـ) / 125، والروض الأنف للسهيليّ / 581 وتذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزيّ الحنفيّ (ت 654 هـ) / 32، وكفاية الطالب للكنجيّ الشافعيّ (المقتول سنة 658 هـ) / 98، وأسد الغابة لابن الأثير الشافعيّ (ت 630 هـ)، 4 / 98، وتهذيب الكمال للمزّيّ السَّلفيّ (ت 742 هـ) 20 / 485، وتاريخ الإسلام للذهبيّ الحنبليّ (ت 748 هـ)، وميزان الاعتدال له 1: 263، والإحسان يترتيب صحيح ابن حبّان، عليّ بن بلبان الفارسيّ (ت 739 هـ) 9 / 43، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعيّ / اختصار ابن منظور (ت 711 هـ) 17: 344، والبداية والنهاية لابن كثير الدمشقيّ الحنبليّ (ت 774 هـ) 4 / 188، ومجمع الزوائد للهيتميّ (ت 807 هـ) 9: 124، وتهذيب التهذيب لابن حجر الشافعيّ 7 / 48 و 3 / 237، ولسان الميزان، له 2 / 324، وصُبْح الأعشى للقلقشنديّ (ت 820 هـ) 10 / 174.

إنّ احتفاء المصارد من منتصف القرن الثاني الهجريّ وحتّى القرن التاسع بحديث الراية، ولم نذكر مصدراً شيعيّاً! واحداً، يُعرِب عن أهمّية الحديث وعُلوّ شأنه. ولذا لا معنى لتفريعات شيخ الإسلام ابن تيميه، إذ قال:

الثاني: إنّ إخباره صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّ عليّاً يحبّ الله ورسوله، ويحبُّه الله ورسوله حقّ، لكنّ الرافضة الذين يقولون أنّ الصحابة ارتدُّوا بعد موته لا يمكنهم الاستدلال بهذا.

الجواب: لم يجر فيما اقتبسه ابن تيميه من كلام العلاّمه الحلّيّ ذكر ردّة الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ لكنّه ذكر الفرار وقد أثبتناه. وهو كما صرف


الصفحة 98

الكلام عن يوم خيبر بما كان قبله! فقد أدخل في الكلام ما ليس فيه، وهو الردّة بعد وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ وقد تكلّم القرآن الكريم عن حالة بعض الصحابة ما قبل خيبر، وقد استوفيناه.

وعقّب في تفريعه الثاني قائلاً: لأنّ الخوارج تقول لهم: هو - أي عليّ عليه‌السلام - ممّن ارتدّ أيضاً.

وكلامه هذا فيه، أمور: منها: لقد وجدنا ابن تيميه في منهجه يرفع من شان الخوارج! ويذبّ عنهم، ليس في هذا الموضع فقط وانّما في مواضع أُخرى ويصفهم بأنّهم أهل عبادة، وغير ذلك، كما وجدناه يمدح الأُمويّين وعلى الأخصّ معاوية ويزيد، وهو أمر يسترعي الانتباه، مما يلزمنا دراسة بيئته الجغرافيّة والاجتماعيّة ومنحدره القبليّ ونسبه وسيرة حياته، وسنأتي على ذلك إن شاء الله تعالى.

وقوله هذا فيه تنصيصٌ على ما اختلقه من القول بردّة الصحابة؛ ذلك أنّ الخوارج تقول بأنّ عليّاً عليه‌السلام أيضاً ارتدّ؛ فالصحابة إذن قد أرتدُّوا وفيهم عليّ عليه‌السلام، على ما نسبه إلى الخوارج.

أضاف: والرافضة لا يمكنهم إقامة دليل على الخوارج على أنّ عليّاً مات مؤمناً! وهذا نظير قوله: «الرافضة تعجز عن إثبات إيمان عليّ وعدالته...، فإن احتجّوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده فقد تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أميّة وبني العبّاس وصلاتهم وصيامهم وجهادهم» (1).

____________________

(1) منهاج السنّة 1: 162.


الصفحة 99

وقبل الكلام عن إيمان أميرالمؤمنين عليه‌السلام نذكّر بأنّ حكم قضاة المذاهب الأربع على ابن تيميه بالنفاق لتنقّصه أميرالمؤمنين عليّاً عليه‌السلام وقوله فيه أنّه أسلم صبيّاً لا يدري ما يقول! وحكمه بالفسق والزندقة لسوء عقيدته بذات الله تعالى والأمر الذي آل إليه من تعزير وتشمير به في شوارع دمشق مضروباً بالدّرة، فالسجن ثلاث مرّات، فكتب في المرّة الأولى والثانية توبته ورجوعه عن عقيدته، فإذا خرج عاد إلى ما كان عليه، وفي المرّة الثالثة لم تقبل له توبة، فمات في قلعة دمشق!

فالردّة التي تكلّم عنها ليس هو منها ببعيد! وأمّا ما نسبه إلى العلاّمة الحلّيّ، فقد ذكرنا أنّها لم تكن في النصّ الذي من كلام الحلّيّ، وإنّما هو من كلام الله تعالى في الذين استجابوا لصراخ الشيطان يوم أحد: «ألا إنّ محمّداً قد قُتل!» فمنهم من فرّ إلى الجلعب وبقي ثلاثة أيّام، ثمّ عاد مع رفقته بعد أن اطمأنّوا بانتهاء الوقعة، وسلامة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله. ومنهم: أصحاب الصخرة الذين بلغ بهم الأمر أنّهم قالوا: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبَيّ؛ فيأخذ لنا أمنةً من أبي سفيان! فأنزل الله تعالى فيهم توبيخاً لهم:! (وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ) (1).

وقد ذكرنا أقوال ثلاثةٍ من العلماء، المتأخّر منهم هو: ابن زَمْنين (ت 399 هـ)

____________________

(1) آل عمران: 144.


الصفحة 100

وقد نقل ابن زمنين تفسير قتادة (ت 117 هـ) للآية، فبين ابن زمنين وابن تيميه «329 سنة» وبين قتادة وابن تيميه «611 سنة». قال قتادة: قال أُناس منهم: لو كان نبيّاً ما قُتل! وفي تفسير الانقلاب، على الأعقاب قال: يقول ارتددتم على أعقابكم كفّاراً؟! وذكرنا قول ابن إسحاق، ومقاتل، وكلاهما توفّيا سنة 150 هـ فليس بينهما وبين ابن تيميه إلاّ «578 سنة»! وكلامهما قريب من قول قتادة؛ فابن إسحاق قال رجعتم عن دينكم كفّاراً كما كنتم؟! ومقاتل قال: رجعتم إلى دينكم الأوّل الشِّرك؟! ومثله ذكر الطبريّ في تفسيره وللمشابهة أحلنا القارئ إلى مراجعته.

وكما قلنا: إنّ العلاّمة الحلّيّ ليس من أبناء تلك العصور، إنّما هو من أبناء عصر ابن تيميه، ولم يكن في النصّ الذي اقتبسه ابن تيميه ردّة كما قلنا أكثر من مرّة - من كتاب الحلّيّ؛ فبات: أنّ القائل بردّة الصحابة هو ابن تيميه! فإذا أراد أن يقول: إنّما قال الرافضيّ! في موضع آخر؛ فجوابنا قد مضى وفيه أنّ النصّ الذي ذكره الابن تعود إلى ابن تيميه ولذلك يقال الأبناء ويقصد ابن تيميه وابن كثير وابن قيّم... ليس فيه إشارة إلى ردّة. فإذا قيل: إنّ ابن تيميه إنّما ذكر أن الرافضة تقول بردّة الصحابة، والحلّيّ منهم؛ فهو ممّن يقول ذلك.

فجوابنا: كان عليه أن لا يُحمَّل الكلام ممّا ليس منه؛ فقد ذكر العلاّمة الحلّيّ واقعة خيبر، والفرار، وإعطاء الراية عليّاً عليه‌السلام والفتح على يديه. والردّة - التي هي الفرار بتفاصيله - مضى ذكرها.


الصفحة 101

جملة عارضة:

لقد بدأ ابن تيميه كلامه بنفي الثابت، وإثبات المنفي، ومحاولة النيل من شخص أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام، وتفضيل الخوارج وبني أميّة على شيعة عليّ وأهل بيت النبوّة الطاهر؛ إلاّ أنّه، ولدفع دَخَلٍ، قد ذكر في تفريعه الثاني «أنّ إخباره صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّ عليّاً يحبّ الله ورسوله، ويحبُّه اللهُ ورسوله حقّ»، وعقّب بعدها بشتم الشيعة والتشكيك بإيمان أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام!

نقول: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا بعث من بعث، لم يقل بشأن أحدٍ منهم، ما قاله بحقّ عليّ عليه‌السلام، فماذا يعني ذلك؟ ولقد قرن صلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك الحبّ الخاصّ بتحقيق النّصر والفتح على يَدي عليّ عليه‌السلام؛ ولذا لسنا - بعد هذا - بحاجة إلى شهادة ابن تيميه وأضرابه!

 

الخوارج

أفصح ابن تيميه عمّا في نفسه فألقاه على لسان الخوارج ليقول بردّة أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام، وموته على الكفر!

وقبل الحديث حول الخوارج وما جاء فيهم من أحاديث توجب قتلهم، وأنّ لقاتلهم من الأجر الجزيل، نذكر طرفاً من أخبارهم تُظهر جهالتهم وأنّهم رجال سوء؛ ومع ذلك لم نجدهم قد كفّروا أميرالمؤمنين عليه‌السلام. فمِن خبرِهم: بعد أن فرغ أميرالمؤمنين عليه‌السلام من قتال (الناكثين) أهل الجَمَل، بدأت فتنة (القاسطين) في الشام، فقد أعلن معاوية تمرّده وخروجه على أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام؛ فكانت


الصفحة 102

وقعة صفّين، وكانت أشدّ أيذامها هي الواقعة الخميسيّة، نسبةً إلى اليوم الذي حصلت فيه وهو: يوم الخميس؛ وتسمّى أيضاً «ليلة الهرير»؛ سمّيت بذلك لشدّتها، حيث جعل بعضهم يهرّ على بعض، ويعتنق بعضهم بعضاً، وجعل عليّ عليه‌السلام يقف ساعةً بعد ساعةٍ ويرفع رأسه إلى السماء وهو يقول: «اللّهمّ إليك نُقِلَت الأقدام، وأفضت القلوب، ورُفعت الأيدي، وامتدّت الأعناق، وشخصت الأبصار، وطُلبت الحوائج...» «رَبّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (1).

ثمّ إنّه حمل في سواد اللّيل وحملت مع الناس، فكلّما قتل بيده رجلاً من أهل الشام كبّر تكبيرة، حتّى أحصي له ما يزيد على خمسمائة تكبيرة، في كلّ تكبيرة له قتيل (2).

 

رفعُ المصاحف

صبيحة تلك اللّيلة، كاد أمير المؤمنين عليه‌السلام أن يحسم المعركة بالنصر المؤزّر ويُنهيَ الفتنة، وقد أشرف مالك الأشتر على دخول عسكر معاوية. وهنا وقعت الفتنة، إذ قال معاوية لعمرو بن العاص: ويحك أبا عبدالله! أين حيَلُك التي كنتُ أعرفها منك؟ فقال عمرو: تريد ماذا؟ قال: أُريد أن تسكّن هذه الحروب؛ فقد أُبيد أهل الشام. فقال عمرو: إن أحببتَ فأمر بالمصاحف أن تُرفع على رؤوس الرماح، ثمّ ادعهم إليها. فأمر معاوية بالمصاحف فرفعت على رؤوس

____________________

(1) الأعراف: 89.

(2) وقعة صفين لنصر بن مزاحم (ت 212 هـ) 477، وفي الفتوح لابن أعثم (ت 314 هـ) قال: خمسمائة تكبيرة وثلاثٌ وعشرون تكبيرة (الفتوح 2: 178).

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة