الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 63

وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، وذلك أنّ عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عند صلاة الأولى: إنّ اليهود أظهروا لنا العداوةَ من أجل الإسلام، ولا يكلّموننا ولا يخالطوننا في شيء، ومنازلُنا فيهم، ولا نجد متحدَّثاً دون هذا المسجد.

فنزلت هذه الآية، فقالوا: قد رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء، وجعل الناس يصلّون تطوّعاً بعد المكتوبة. وخرج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، إلى باب المسجد فإذا هو بمسكينٍ قد خرج من المسجد وهو يحمد الله عزّ وجلّ فدعاه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله - فقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم يا نبيَّ الله، قال: مَن أعطاك؟ قال: الرجلُ القائم

____________________

= عمر، وأبي إسحاق السّبيعيّ، وأبي الزُّبير المكيّ، وشرحبيل بن سعد مولى الأنصار، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك.

روى عنه إسماعيل بن عيّاش، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرزّاق بن همّام الصنعانيّ، وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمان بن محمّد المحاربيّ، وغيرهم. (طبقات ابن سعد 7: 373، الاشتقاق: 501 (منموالي زهران بن كعب: مقاتل صاحب التفسير)، تاريخ البخاريّ الكبير 7 - الترجمة 1976، المعرفة والتاريخ ليعقوب 3: 37، الجرح والتعديل 8 - الترجمة 1630، الكامل لابن عديّ 3: 154، سنن الدار قطنيّ 2: 191، المحلّى 2: 35، ميزان الاعتدال 4 - الترجمة 8741، مختصر تاريخ دمشق 25: 197 / 159، تاريخ بغداد 13: 161، العقد الفريد 2: 82، تهذيب الكمال 28: 434 / 6161...

عن حيوة بن شريح الحضرميّ: حدثنا بقيّة، قال: كنتُ كثيراً أسمع شعبة وهو يسألُ عن مقاتل بن سليمان فما سمعته قطّ ذكره إلاّ بخير. (تاريخ بغداد 13: 161، تهذيب الكمال 28: 435).

عن الشافعيّ قال: من أراد التفسير فعليه بمقاتل بن سليمان (نفس المصدر). ولم يذكره ابن داود، ولا البرقيّ.


الصفحة 64

أعطاني خاتمه - يعني عليّ بن أبي طالب -، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: على أيّ حال أعطاكَهُ؟ قال: أعطاني وهو راكع. فكبّر النبيّ وقال: «الحمدُ لله الذي خصّ عليّاً بهذه الكرامة. فأنزل الله عزّ وجلّ: (وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، (وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا)، يعني عليّ بن أبي طالب (فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) يعني شيعة الله ورسوله والذين آمنوا هم الغالبون، فبدأ بعليّ بن أبي طالب قبل المسلمين، ثمّ جعل المسلمين وأهل الكتاب المؤمنين، فيهم عبد الله بن سلاّم وغيره هم الغالبون لليهود (1).

والأخبار عن أهل بيت العصمة عليهم‌السلام متظافرة في نزول الآية المباركة في أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام؛ خاصّة به (2).

____________________

(1) تفسير مقاتل بن سليمان 1: 485 - 487.

(2) عن أمير المؤمنين عليه‌السلام. (مختصر تاريخ دمشق 18: 8).

- وبرواية عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر بن عليّ بن أبي طالب، عنه عليه‌السلام. (شواهد التنزيل 1: 182؛ معرفة علوم الحديث، للحاكم النيسابوريّ 102؛ المناقب، للخوارزميّ 266؛ غاية المرام 109؛ البداية والنهاية 7: 357).

- ورواية محمّد بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عنه عليه‌السلام: في قوله عزّ وجلّ (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا) الآية، قال: «الله ورسوله، والذين آمنوا: عليّ بن أبي طالب». (مناقب الإمام عليّ 312؛ وعنه في العمدة 60؛ معرفة علوم الحديث 102؛ تفسير ابن كثير 2: 71؛ الدرّ المنثور 2: 293؛ غاية المرام 104).

- عن سعد بن طَريف، عن الأصبغ بن نُباتة، عنه عليه‌السلام. (الأمالي الخميسيّة، للمرشد بالله 1: 138). =


الصفحة 65

____________________

=

- عن حُصين بن مُخارق، عن أبي الجارود، عن محمّد وزيد ابني عليّ بن الحسين عليهما‌السلام، عن آبائهما أنّها نزلت في عليّ عليه‌السلام. تفسير فرات 39 و 41؛ الأمالي الخميسيّة 1: 137، الدرّ المنثور 2: 293).

* الإمام السبط الزكيّ الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم‌السلام: ففي خطبته بعد شهادة أمير المؤمنين عليه‌السلام، وهي طويلة:

(وأنا من أهل البيت الذي كان جبريل ينزل فينا ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم، فقال لنبيّه: (قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى‏ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً) فاقتراف الحسنة: مودّتنا أهل البيت). (الذّرّيّة الطاهرة، للدولابيّ (224 - 310 هـ): 109 / 114).

وفي تذكرة الخواصّ 182: إنّ معاوية ناظر الحسن عليه‌السلام، فأجابه - والجواب طويل - جاء فيه: (وبات أميرالمؤمنين يحرس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من المشركين، وفداه بنفسه ليلة الهجرة حتّى أنزل الله (وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ» - البقرة: 207 -، ووصفه الله بالإيمان فقال: «إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا» والمراد به أمير المؤمنين» والمراد به أمير المؤمنين».

* الإمام محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين عليهما‌السلام:

قال عليّ بن عابس: دخلتُ أنا وأبو مريم على عبد الله بن عطاء، فقال أبو مريم: حدّث عليّاً بالحديث الذي حدّثتني عن أبي جعفر - أي الباقر عليه‌السلام -، قال: كنت عند أبي جعفر جالساً إذ مرّ ابنُ عبد الله بن سلاّم، قلت: جعلني الله فداك، هذا ابنُ الذي عنده علم الكتاب؟ قال: لا، ولكنّه صاحبكم عليّ بن أبي طالب الذي أنزل الله تعالى فيه: (أَفَمَن كَانَ عَلَى‏ بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ)، (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). (تفسير فرات 36، تفسير القرطبيّ 9: 336، سعد السعود، لابن طاووس 70، مناقب الإمام عليّ 314، وعنه في العمدة 61، غاية المرام 105). وللحديث طرق عن غير أهل البيت عليهم‌السلام. وقد ذكرنا حديث ابن عبّاس وهذه بعض طرقه: =


الصفحة 66

____________________

=

* جابر بن عبد الله الأنصاريّ: مثل حديث ابن عبّاس في قصّة مجيء ابن سلاّم نصّاً، ولكن من غير شعر حسّان. (أسباب النزول، للواحديّ 133 - 134).

* أبو رافع مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، برواية عون عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جدّه. (الدرّ المنثور 2: 294، أمالي الطوسيّ 1: 58؛ وسعد السعود 96 - 97؛ نقلاً عن «تأويل ما نزل من القرآن» لابن الحُجّام). وبسند عن هارون بن سعيد، عن محمّد بن عبيد الله الرافعيّ، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي رافع. (الأمالي الخميسيّة 1: 138).

* أنس بن مالك: (كفاية الطالب 328)، وفيه: إنّ سائلاً أتى المسجد وهو يقول: مَن يُقرض المليّ الوفيّ. وعليّ راكع يقول بيده للسائل، أي أخلع الخاتم من يدي. قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: (يا عمر وجبت)، قال: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، ما وجبت؟ قال: «وجبت له الجنّة، والله ما خلعه من يده حتّى خلعه الله من كلّ ذنب ومن كلّ خطيئة». قال: فما خرج أحد من المسجد حتّى نزل جبرئيل عليه‌السلام بقوله عزّ وجلّ (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ) الآية - فأنشأ حسّان - ذكرنا شعره -.

* أبو ذرّ الغفاريّ: وله كلام طويل في نزول الآية في أمير المؤمنين عليه‌السلام. (مجمع البيان، للطبرسيّ 2: 210؛ العمدة 59؛ الغاية 103؛ تفسير غرائب القرآن، للنيسابوريّ 6: 167؛ نظم دُرر السمطين للزرنديّ 87؛ وتذكرة الخواصّ 24 - 25 مرسلاً).

* عمّار بن ياسر:

عن الحسن بن زيد، عن أبيه، عن جدّه عليه‌السلام، قال: سمعتُ عمّار بن ياسر يقول: وقف لعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام سائل، وهو راكع في صلاة تطوّع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل. فأتى رسولَ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فأعلمه بذلك، فنزل على النبيّ هذه الآية: (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا) الآية، فقرأها رسول الله علينا ثمّ قال: مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه). (تفسير العيّاشيّ 1: 327).

ويرد حديث عمّار بألفاظ مختلفة يسيراً في: مجمع الزوائد 7: 17؛ تفسير ابن كثير 2: 71؛ الدرّ المنثور 2: 292؛ لُباب النقول 90؛ فتح القدير 2: 50. وذكره مرسلاً في دُرر السمطين 86، وذكره ابن عُقدة مختصراً في كتاب الولاية 253 - 254. =


الصفحة 67

هؤلاء، وفيهم: أئمّة الهدى، وعلماء المذاهب الإسلاميّة، ورجال الحديث والتفسير... قد أجمعت كلمتهم على نزول آية الولاية في أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام، وخالفهم ابن تيميه فحكَمَ عليهم بالكذب وأخرجهم من دائرة أهل العلم.

«والعاقبة للمتّقين».

الأبدال: قال تعالى: (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ

____________________

=

* عبد الله بن سلاّم: عن الواقديّ، وابن الجوزيّ، في: (ذخائر العُقبى 102؛ الرياض النضرة 2: 302؛ العمدة 60؛ الغاية 104؛ أنساب الأشراف 2: 150)، عن الواقديّ المتوفّى 207 هـ في: (ذخائر العقبى 102؛ تذكرة الخواصّ 24)، وعن السُّدّي وعتبة بن أبي الحكيم وغالب بن عبد الله في: (مطالب السؤول 31؛ شرح نهج البلاغة، للمعتزليّ 3: 275؛ الفصول المهمّة 123؛ الصواعق المحرقة 24؛ ينابيع المودّة 212؛ نور الأبصار 77، والمصنّف، لابن أبي شيبة 7 / 505 / 62 و 63).

ومن رجال التفسير: الجصّاص المتوفّى 370 هـ في: (أحكام القرآن 2: 542)؛ وعبد الرزّاق الصنعاني المتوفّى 211 هـ في: (تفسير ابن كثير 2: 71)؛ والفرّاء الشافعيّ المتوفّى 516 هـ في تفسيره: (معالم التنزيل - بهامش تفسير الخازن 2: 55؛ والزمخشريّ الحنفيّ في تفسيره: الكشاف 1: 422؛ وفخر الدين الرازيّ الشافعيّ في تفسيره 3: 431؛ والنسفيّ في تفسيره بهامش الخازن 1: 496؛ وعلاء الدين الخازن في تفسيره 1: 496؛ وأبو حيّان الأندلسي في تفسيره: البحر المحيط 3: 514؛ وابن جزّيّ الكلبيّ في تفسيره: التسهيل لعلوم التنزيل 1: 181؛ ونظام الدين النيسابوريّ في تفسيره: غرائب القرآن 3: 461 و 6: 167؛ والبيضاويّ الشافعيّ في تفسيره 1: 345، وابن زمنين (ت 399 هـ) في تفسيره 1: 204 وهو مختصر تفسير يحيى بن سلاّم).


الصفحة 68

لاَئِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (1).

ذكر الفخر الرازيّ في الآية أقوالاً، منها: أنّها نزلت في عليّ عليه‌السلام. ويدلّ عليه وجهان:

الأوّل - أنّه «أي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا دفع الراية إلى عليّ عليه‌السلام يومَ خيبر، قال: «لأَدفعنّ الراية غداً إلى رجلٍ يُحبّ اللهَ ورسولَه، ويحبّه اللهُ ورسولُه»، وهذا هو الصفة المذكورة في الآية.

والوجه الثاني: أنّه تعالى ذكر بعد هذه الآية قولَه: (إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (2)، وهذه الآية في حقّ عليّ، فكان الأولى جعل ما قبلها أيضاً في حقّه (3).

ثمّ أفاض في الحديث عن نزول آية الولاية: آية التصدّق حال الركوع وأنّها نزلت في أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام.

 

حديث الراية وفتح خَيْبر

قال ابن تيميه: قال الرافضيّ: السابع - أي من الأدلّة على إمامة عليّ عليه‌السلام - ما رواه الجمهور كافّة، أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لما حاصر خيبر تسعاً وعشرين ليلة، وكانت

____________________

(1) المائدة: 54.

(2) المائدة: 55.

(3) التفسير الكبير، للفخر الرازيّ 12: 19 - 20.


الصفحة 69

الراية لأميرالمؤمنين عليّ فلحقه رمدٌ أعجزه عن الحرب، وخرج مرحب يتعرّض للحرب، فدعا رسول الله أبا بكر فقال له خذ الراية، فأخذها في جمع من المهاجرين، ولم يغن شيئاً ورجع منهزماً، فلمّا كان من الغد تعرّض لها عمر فسار غير بعيد ثمّ رجع؛ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله جيئوني بعليّ، فقيل: إنّه أرمد؛ فقال: «أرونيه، أروني رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، ليس بفرّار». فجاؤا بعليّ، فتفل بيده ومسحها على عينيه ورأسه، فبرئ، فأعطاه الراية، ففتح الله على يديه وقتل مرحب. ووصفه عليه‌السلام بهذا الوصف يدلُّ على انتقائه عن غيره، وهو يدلّ على أفضليّته؛ فيكون هو الإمام (1).

قال ابن تيميه: والجواب من وجوه،

أحدها: المطالبة بتصحيح النقل؛ وأمّا قوله: رواه الجمهور، فإنّ الثِّقات الذين رووه لم يرووه هكذا، بل الذي في الصحيح أنّ عليّاً كان غائباً عن خيبر لم يكن حاضراً فيها، تخلّف عن الغزاة؛ لأنّه كان أرمد، فشقّ عليه التخلّف عن النبيّ فلحقه، فقال النبيّ قبل قدومه: «لأُعطينّ الراية... يفتح الله عليه»، ولم تكن الراية قبل ذلك لأبي بكر، ولا لعمر، ولا فرّ بها واحدٌ منهما، بل هذا من الأكاذيب... (2).

الثاني: أنّ إخباره بأنّ عليّاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، حقّ... لكنّ الرافضة الذين يقولون أنّ الصحابة ارتدّوا بعدَ موته، لا يُمكنهم الاستدلال بهذا؛ لأنّ الخوارج تقول لهم: هو ممّن ارتدّ أيضاً...، والرافضة لا يمكنهم إقامة

____________________

(1) منهاج السنّة 4: 97.

(2) منهاج السنّة 4: 97 - 98.


الصفحة 70

دليل على الخوارج على أنّ عليّاً مات مؤمناً! بل أيّ دليل ذكروه قدح فيه ما يبطله على أصلهم؛ لأنّ أصلهم فاسد...، وقول القائل: إنّ هذا يدلّ على انتفاء هذا الوصف عن غيره لا يلزم أن يكون أفضلَ من غيره، فضلاً عن أن يكون مختصّاً بالإمامة... (1).

الثالث: أنّه لو يُدِّر ثبوت أفضليّته في ذلك الوقت، فلا يدلّ ذلك على أنّ غيره لم يكن أفضل منه بعد ذلك.

الرابع: أنّه لو قدّرنا أفضليّته، لم يدلّ ذلك على أنّه إمامٌ معصوم منصوص عليه....

 

جوابنا:

أمّا قولُه: «المطالبة بتصحيح النَّقْل».

فجوابه: هو المطالبة بدليل تكذيب النَّقْل؟ فلو أنّه وجد متردّياً ينكر صحّته لتمسّك به وأعرض عن الأوّلين والمتأخّرين ممّن أجمعت كلمتهم على صحّته.

وثانيّا: أذعن مُكرَهاً فصرّح أنّ الثِّقات رووُا الحديث!

وثالثاً: إنّ المصادر التي بين أيدينا أثبتَت صحّة النَّقل، ولم يذكر هو مصدراً واحداً ينفي صحّته.

قولُه: «الذي في الصحيح أنّ عليّاً كان غائباً عن خيبر...»، فإنّ هذا في حال صحّته غيرُ دافع لصحّة الحديث، من هزيمتين ثمّ دعاء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأخيراً: فتحٌ

____________________

(1) نفسه.


الصفحة 71

على يد أبي الحسن عليٍّ عليه‌السلام.

قولُه: «ولم تكن الراية قبل ذلك لأبي بكر، ولا لعمر»؛ فلعمري صدق ابن تيميه في ذلك، فصاحبها عليّ عليه‌السلام وهو أهلٌ لذلك. ولكن: لم لم تكن الراية قبل خيبر لأبي بكر، ولا لعمر؟! ثمّ لم اختار النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أبا بكر، ثمّ عمر، فكان منهما ما ذُكِر؟

ونرى أنّ الحكمة الإلهيّة شاءت أن يرمد عليّ عليه‌السلام ثمّ يأخذ الرايةَ بعدهما ويفتح الله عليه.

قولُه: «ولا فرّ بها واحدٌ منهما، بل هذا من الأكاذيب!»

نفي ابن تيميه أن يكون أبوبكر وعمر صاحبي الراية قبل خيبر، ولم يقل يوم خيبر، فكذّب فرارهما يوم خيبر بحالهما قبله في حمل الراية! لا بحالهما يوم خيبر.

وقبل الانتقال إلى بقيّة كلامه، علينا أن نتحدّث عن:

 

خَيْبر:

قال ابن إسحاق: حدّثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلميّ عن أبيه سفيان، عن سلمة بن عمرو بن الأكوع قال: بعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أبابكر برايته إلى بعض حصون خيبر، فقاتل، فرجع ولم يك فتح، وقد جهد. ثمّ بعث الغد عمر بن الخطّاب فقاتل، ثم رجع ولم يك فتح، وقد جهد؛ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرّار». فدعا رسول


الصفحة 72

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً رضوان الله عليه وهو أرمد، فتفل في عينه، ثمّ قال: خذ هذه الراية، فامض بها حتّى يفتح الله عليك. قال سلمة بن عمرو بن الأكوع: فخرج والله بها يأنح - أي به نفسٌ شديد - يُهرول هرولةً، وإنّا لخلفه نتبع أثره، حتّى ركز رايته في رضم - أي حجارة مجتمعة - تحت الحصن، فاطّلع إليه يهوديّ من رأس الحصن، فقال: من أنت؟ قال: أنا عليّ بن أبي طالب. فقال اليهوديّ: علوتُم، وما أنزل على موسى! فما رجع حتّى فتح الله على يديه. (1)

ففي هذا الذي ذكره ابن إسحاق أمور تنقض مزاعم ابن تيميه، من ذلك: أن الراية كانت مع أبي بكر، وبعده كانت مع عمر.

والأمر الآخر: قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «ليس بفرّار»، أي لا يفرّ مثل سابقيه «أبي بكر، وعمر»، وقد كذب ابن تيميه إذ قال: لم يفرّا! وثمّة أمر عوّل عليه ابن تيميه آملاً التنقيص من فضيلة لأمير المؤمنين عليٍّ عليه‌السلام، إذ ذهب إلى القول أنّ عليّاً عليه‌السلام كان غائباً عن خيبر! ولم نجد في الخبر تصريحاً بذلك، ولا قرينة تدلّ عليه!

وثمّة أمر آخر: أنّ الهزيمة والفرار لم يكونا يوم خيبر فقط، فقد انهزم عمر يوم أحد فيمن انهزم... (2).

 

فرار الزبير

عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: قال الزبير: واللهِ لقد رأيتني أنظر إلى

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 349.

(2) صحيح البخاريّ 5: 101.


الصفحة 73

خَدمِ هند بنت عُتبة وصواحِبُها مشمِّراتٍ هوارب، ما دون أخذِهُنَّ قليل ولا كثير، إذ مالت الرُّماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النّهب وخلّوا ظهورنا للخيل فأتينا من أدبارنا، وصرخ صارخٌ: ألا إنّ محمّداً قد قتل! فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللّواء حتّى ما يدنو منه أحد من القوم (1).

 

إعراض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عن الزبير

وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال الزبير: عرض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سيفاً في يده يوم أحد فقال: من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ فقمت فقلت: أنا يا رسول الله فأعرض عنّي ثمّ قال: من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ قال: فقام أبو دجانة سماك بن خرشة فقال: انا آخذه بحقّه، وما حقّه؟ قال: حقّه ألاّ تقتل به مسلماً، وأن لا تفرّ به عن كافر. قال: فدفعه إليه، قال: فجعل لا يرتفع له شيء إلاّ هتكه وأفراه... (2).

 

حسَدُ الزبير لأبي دجانة

قال ابن هشام: حدّثني غير واحد من أهل العلم أنّ الزبير بن العوّام قال: وجدت (3) في نفسي حين سألتُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دُجانة...،

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 2: 196 - 197، السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 82، تاريخ خليفة بن خيّاط 39.

(2) تاريخ الطبريّ 3: 194 - 195.

(3) وجدتُ: أي غضبتُ؛ ولكن لم غضب الزبير إذ لم يعطه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله السيف وإنّما أعطاه لأبي دجانة، هل لمعرفة النبيّ أنّ الزبير سينكفئ مع الفرّارين، وهذا ما حصل واقعاً؟!


الصفحة 74

والله لأنظرنّ ما يصنع؛ فاتبعته (1)...

قال ابن إسحاق: فجعل لا يَلقى أحداً إلاّ قتله. وكان في المشركين رجلٌ لا يدع لنا جريحاً إلاّ ذفّف عليه، فجعل كلّ واحدٍ منهما يدنو من صاحبه. فدعوتُ الله أن يجمع بينهما (2)، فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دُجانة، فاتّقاه بدرقته، فعضّت بسيفه، وضربه أو دجانة فقتله... (3).

 

اعتزال عمر وطلحة القتال

قال ابن إسحاق: وحدّثني القاسم بن عبد الرحمان بن رافع أخو بني عديّ ابن النجّار قال:

انتهى انس بن النّضر، عمّ أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطّاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟! قدموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. ثمّ استقبل القوم فقاتل حتّى قتل؛ وبه سُمّي أنسُ بن مالك (4).

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 72 - 73.

(2) إنّ الزبير وقد فرّ من الحرب، ولم يتّعظ قبلُ إذ لم تُعطِه السيف ولكن أعطاه أبا دُجانة؛ فإنّه هنا يدعو الله تعالى أن يجمع بين أبي دجانة وفارس المشركين لعلّ الأخير يتمكّن من أبي دُجانة فيقتله!

(3) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 73.

(4) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 203، وتاريخ الطبريّ 2: 199.


الصفحة 75

ذكر الطبريّ: وفشا في الناس أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد قتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي «رأس المنافقين» فيأخذ لنا أمنةً من أبي سفيان يا قوم، إنّ محمّداً قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم! (1)

فرار عثمان: وفرّ عثمان بن عفّان في عدّةٍ من الرجال، حتّى بلغوا الجلعب جبلاً بناحية المدينة، فأقاموا به ثلاثاً ثمّ رجعوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فزعموا أنّ رسول الله قال لهم: لقد ذهبتُم فيها عريضةً! (2)

وذكره البلاذريّ، وفيه:... فلقيتهم أمُّ أيمن، فجعلت تحثو التراب في وجوههم وتقول لبعضهم: هاكَ المغزل فاغزل به! وكان عثمان بن عفّان ممّن ولّى يوم أحد، فعفا اللهُ عنه في عدّة من الناس (3).

 

 

إمرأة تذود عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

في وقتٍ فرّ فيه أهل الصخرة، وأهل الجلعب؛ نجد امرأةً خلّدها التاريخ هي نُسيبة بنت كعب المازنيّة؛ شهدت يوم أحد، وزوجها، وابناها؛ وخرجت معها بشنٍّ - سقاها - لها تسقي الجرحى، فقاتلت يومئذٍ وأبلت، وجرحت اثني عشر رجلاً

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 2: 203.

(2) نفسه، 201.

(3) سيرة ابن إسحاق 332، أنساب الأشراف، للبلاذريّ 1: 398.


الصفحة 76

بسيفٍ ورمح...، فضربها ابن قميئة ضربةً بالسيف على عاتقها (1). قال عمر: سمعتُ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «ما التفتّ يميناً وشمالاً يوم أحد إلاّ رأيتها تقاتل دوني» (2).

 

يهوديّ يمضي شهيداً

كان مُخيريق عالماً خبراً في أحبار اليهود، فلمّا كان يوم أحد قال لليهود: واللهِ إنّكم لتعلمون أنّ محمّداً نبيٌّ وأنّ نصره حقّ عليكم، فقالوا: إنّ اليوم يوم سبت، فقال: لا سبت لكم. فأخذ سيفه وعدّته وقال: غن أصبت فمالي لمحمّد، يصنع فيه ما شاء ثمّ غدا إلى رسول الله فقاتل معه حتي قتل، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: مخيريق خير يهود (3).

 

فائدة

إنّ الفرار الذي أنكره ابن تيميه، قد سبقه فرارٌ وذلك يوم أحد فرّ فيه عمر، وعثمان والزبير وطلحة في رجال آخرين، فهو غير ممتنع عنهم يوم خيبر؛ وهم يعلّلون فرارهم أنّ «محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله»؛ نعم هكذا باسمه من غير ما يناسب مقامه الشريف مثل: النبيّ، أو رسول الله؛ وهذا أيضاً ليس بغريب منهم! فيومَ الخميس، وما أدراك ما يوم الخميس! لمّا اشتدّ برسول الله وجعه، فطلب ورقاً وقلم ليكتب لهم كتاباً لا يضلُّون بعده» اعترضوا وكثر لغطُهم، وقال عمر يومها: إنّ الرجل

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 89، أنساب الأشراف 1: 397.

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 94، أنساب الأشراف 1: 397.

(3) نفسه.


الصفحة 77

ليهجُر» (1)، أي: يهذي لا يدري ما يقول - أعوذ بالله من ذلك - و «إنّ الرجل» لوحدها إساءة، وأيّ إساءة لمقام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله! ولذا لا نستغرب فرارهم يومَ أحد إذ صرخ الشيطانُ أنّ محمّداً قد قتل! ففرّوا ومنّوا أنفسم بالحصول على أمان من أبي سفيان، وسمّوا النبيّ باسمه، في حين وجدنا أمرأةً تناضل عن رسول الله، فجرحت اثني عشر رجلاً؛ فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بحقّها ما ذكرناه، وأنّ يهوديّاً عرف الحقَّ فاتّبعه، فمضى شهيداً!

 

موقف أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام

وأمّا الإمام عليّ عليه‌السلام فلم نجد في صفحة جهاده الخالدة شيئاً اسمه فرار، وإنّما النّصر معقود في رايته بعد أن عرف بالجهاد والإقدام والتضحية والشجاعة والبسالة. وليس هذا مكان الإفاضة عن مواقف أميرالمؤمنين عليه‌السلام وشجاعته ابتداءً من خروجه مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الطائف - وهي أوّلُ صحبة في سفرٍ معه صلى‌الله‌عليه‌وآله (2) - مروراً بمبيته على فراش النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ليلة هجرته المباركة، ثمّ مواقفه يوم بدر وما بعدها... ونتوقّف عند أحد، وخيبر؛ حيث جرى عنهما كلام. وقبل الكلام عنهما يحسن الكلام موجزاً عن وقعةٍ لو لا عليّ لركب المسلمين ما هو أدهى ممّا كان

____________________

(1) المصنّف، لعبد الرزّاق 5: 303، صحيح البخاريّ 1: 37، 5: 138، 8: 161؛ طبقات ابن سعد 2: 242، أنساب الأشراف 2: 738، تاريخ الطبريّ 2: 436، تذكرة الخواصّ 65، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 12: 21.

(2) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 127 - 128.


الصفحة 78

منهم يومَ أُحد؛ تلك هي وقعةُ الأحزاب، وهي غزوة «الخندق» ففي هذه الغزوة عبر نفرٌ من المشركين الخندق، فيهم فارسهم عمرو ب عبد ودّ؛ قال عمرو: من يبارز؟ فأحجم الجميع! وبرز له عليّ عليه‌السلام، فقال له: يا عمرو، إنّك قد عاهدت الله إلاّ يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلّتين إلاّ أخذتها منه، قال له: أجل؛ قال له عليّ: فإنّي أدعوك إلى الله، وإلى رسوله، وإلى الإسلام؛ قال: لا حاجة لي بذلك؛ قال: فإنّي أدعوك إلى النِّزال؛ فقال له: لم يا ابن أخي؟ فو الله ما أحبّ أن أقتلك، قال له عليّ: لكنّي والله أحبّ أن أقتلك. فحمي عمرو (1) عند ذلك، فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثمّ أقبل على عليّ، فتنازلا وتجاولا، فقتله عليٌّ عليه‌السلام، وخرجت خيلهم منهزمة (2).

 

جهادُ عليّ عليه‌السلام يومَ أُحد

ذكرنا بعضاً من أخبار أهل الصخرة، والجلْعَب، يوم أُحد، وحان أن ننظر في مواقف أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام، يومئذٍ، هل استجاب لصراخ الشيطان: قُتل

____________________

(1) حَمِي: اشتدّ غضبه.

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 235 - 236، المغازي، للواقديّ (ت 207 هـ) 2: 471، طبقات ابن سعد (ت 230 هـ) 2: 165 و 4: 135 تاريخ الطبريّ 2: 239 - 240، مختصر تاريخ دمشق 17: 322 - 324. وجاء الخبر موجزاً في: جمهرة النسب لابن الكلبيّ (ت 204 هـ) 110، النسب، لابن سلاّم (ت 224 هـ) نسب قريش، لمصعب الزبيريّ (ت 236 هـ) 426، المُحبَّر، لابن حبيب البغداديّ (ت 245 هـ) 174، أنساب الأشراف، للبلاذُريّ (ت 279 هـ) 1: 429، الرَّوض الأُنُف، للسُّهيليّ (ت 279 هـ) 2: 191.


الصفحة 79

محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ فألقى بيده وفرّ؟! لقد أبلى أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام يومَ أحد البلاء الحسن، وهذا هو شأنه في كلّ وقعة وواقعة.

ويومَ أحد هتفت الملائكة ببسالة أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام، فبسندٍ عن أبي رافع مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، قال: لما قتَل عليُّ بن أبي طالب أصحاب الألوية، أبصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله جماعةً من مشركي قريش، فقال لعليّ: احمل عليهم. فحمل عليهم ففرّق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي؛ قال: ثمّ أبصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله جماعةً من مشركي قريش، فقال لعليّ: احمل عليهم. فحمل عليهم ففرّق جماعتهم، وقتل شيبة بن مالك أحدَ بني عامر بن لؤَي؛ فقال جبريل: يا رسول الله، إنّ هذه للمواساة! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّه منّي وأنا منه»، فقال جبريل: وأنا منكما. قال: فسمعوا صوتاً يقول:

لا سيف إلاّ ذو الفقار      ولا  فتى إلاّ عليّ ii(1)

وفي (تذكرة الخواصّ)؛ إنّ ذلك كان يوم خيبر، وقيل: إنّ الواقعة كانت يومَ

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 2: 197، الأغاني 15: 192.

وقد ذُكر الهتاف في: السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 315، مناقب أميرالمؤمنين عليّ، للكوفيّ 1: 534 / 385 ومواضع أُخرى، وسنن البيهقيّ 3: 276، ومناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ الشافعيّ 197، المناقب، للخوارزميّ الحنفيّ 167، الروض الأنف، للسّهيليّ 2: 143، كفاية الطالب، للكنجيّ الشافعيّ 277، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 3: 380، الرياض النضرة، للمحبّ الطبريّ 2: 190، ذخائر العقبى له أيضاً 74، فرائد السمطين، للجوينيّ 1: 252 / الحديث 195، ميزان الاعتدال، للذهبيّ 3: 324 / الترجمة 6613، مجمع الزوائد، للهيتميّ 6: 114، الكامل، لابن الأثير 5: 260.


الصفحة 80

أُحُد، كما رواه أحمد عن ابن عبّاس، وقيل: إنّ ذلك كان يومَ بدر؛ والأصحّ أنّ ذلك كان يوم خيبر، فلم يطعن فيه أحدٌ من العلماء (1).

وذكر نصر الخبر موجزاً، قال: قال عليّ لأصحابه يوم صفّين: والذي نفسي بيده، لنظر إليّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أضربُ قُدّامه بسيفي فقال: لا سيف إلاّ ذوالفقار، ولا فتى إلاّ عليّ (2).

وذكروا أنّ طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمّد، إنّكم تزعمون أنّ الله يعجّلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجّلكم بسيوفنا إلى الجنّة؛ فهل منكم أحد يعجّله الله بسيفي إلى الجنّة أو يعجّلني بسيفه إلى النار؟ فقام إليه عليّ بن أبي طالب فقال: والذي نفسي بيده، لا أُفارقك حتّى أعجِّلك بسيفي إلى النار أو تعجّلني بسيفك إلى الجنّة. فضربه عليٌّ فقطع رجله، فسقط فانكشفت عورته، فقال: أنشدُك الله والرَّحِم يا ابن عمّ؛ فتركه، فكبّر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وقال لعليٍّ أصحابُه: ما منعك أن تجهز عليه؟ قال: ابن عمّي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه (3).

يذكّرنا موقف أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام هذا، بمواقفه يوم صفّين لمّا سقط عمرو بن العاص عن فرسه، وكاد يجهز عليه أميرالمؤمنين عليه‌السلام، فرفع عمرو رجليه وابدى سوأته! فأشاح أميرالمؤمنين وجهه ولم يقتله، وكذلك فعل معاوية،

____________________

(1) تذكرة الخواصّ، لسبط ابن الجوزيّ 32.

(2) وقعة صفّين، لنصر بن مزاحم 315.

(3) تاريخ الطبريّ 2: 194، الأغاني، لأبي الفرج الأصبهانيّ 15: 188.


الصفحة 81

وبسر بن أبي أرطاة (1)؛ يدرأون الموت الأحمر عن أنفسهم بعوراتهم؛ لعلمهم أنّ عليّاً عليه‌السلام رجل مبدأ يمنعه أن يبارز جباناً يستنجد بعورته عن الموت!

 

عدد قتلى أميرالمؤمنين عليه‌السلام يوم أحد

إنّ حديث أبي رافع في شأن أصحاب الألوية الذين قتلهم أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام، وقد ذكرنا بعضهم، وهذا عدد آخر منهم: طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة: عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار، قتلَه عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام (2).

وعثمان بن أبي طلحة بن عبد العزّى؛ ومسافع، وجلاس، وكلاب، والحارث؛ بنو طلحة بن أبي طلحة، هؤلاء من أصحاب الألوية ممّن عجّل بهم سيف أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام إلى جهنّم (3). وأمّا من غير أصحاب الألوية ممّن قتلهم أمير المؤمنين عليه‌السلام؛ قالوا: وقاسط بن شريح بن عثمان بن عبد الدار، قتله عليٌّ عليه‌السلام، ومعه اللِّواء (4). وأرطاة بن شرحبيل من بني عبد الدار، قتله عليّ عليه‌السلام (5).

____________________

(1) وقعة صفّين 424 و 469.

(2) السّيرة النبويّة، لابن هشام 3: 134، المغازي، للواقديّ 1: 307، الطبقات الكبرى، لابن سعد 2: 43، النّسب، لابن سَلام 204، المُحبَّر، لابن حبيب 177، المعارف، لابن قتيبة 160، الأغاني 15: 188، أنساب الأشراف 1: 407، تاريخ خليفة 38، تاريخ الطبريّ 2: 194.

(3) النَّسب 204.

(4) جمهرة النسب 65، النسب 204، أنساب الأشراف 1: 407.

(5) المغازي 1: 307، طبقات ابن سعد 2: 41، تاريخ خليفة 38، أنساب الأشراف 1: 407، الإرشاد للمفيد 81. 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة