الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 472

وبعد الوقعة نادى أمير المؤمنين في أصحابه: «لا تتّبعوا مولّياً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تنتهبوا مالاً، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن».

وكانت وقعة الجمل يوم الخميس لعشر ليالٍ خلون من جُمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين. قُتل فيها من أصحاب أمير المؤمنين ألف وسبعون شهيداً، وهلك من أصحاب الجمل عشرون ألفاً.

وقُتل من وجوه أصحاب الجمل: طلحة بن عبيد الله التّيميّ، وابنه محمّد.

وقُتل الزبير بن العوّام، وجُرح ابنُه عبد الله جراحاتٍ بليغة، وجُرح مروان.

وطلحة ابن عمّ أبي بكر وزوج ابنته أمّ كلثوم بنت أبي بكر.

وكانت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله عند عبد الله بن عبد الرحمان بن أبي بكر، وقد خلف عليها مصعب بن الزبير بن العوّام. وكان الزبير صهر أبي بكر، زوجته أسماء بنت أبي بكر، وولده منها عبد الله بن الزبير. ومروان بن الحكم بن العاص ابن عمّ عثمان وزوج ابنته أمّ أبان بنت عثمان بن عفّان.

فأمّا طلحة فإنّ مروان بن الحكم لمّا وقعت الهزيمة وفرّ أتباع الجمل، سدّد سهماً أصاب قدم طلحة. وقيل: إنّ عبد الملك بن مروان جرح طلحة في جبهته، ورماه مروان بسهمه وقال: لا أطلب بثأري في عثمان بعد اليوم أبداً!

وكان عثمان قد خيّب آمال طلحة والزبير وحرمهما من ولاية الكوفة والبصرة، فتسخّطاه، وكانا فيمن كتب إليه يذكرون له عيوبه. وحين اشتدّ الأمر


الصفحة 473

على عثمان كان طلحة والزبير قد استوليا على الأمر. (1)

وكانا في القوم الذين حصروه، وقد أشرف عليهم عثمان من جدار داره ثمّ قال: هل فيكم عليّ بن أبي طالب؟ قالوا: لا، فسكت ونزل. وبلغ ذلك عليّاً وهو في منزله، فأرسل إليه غلامه قنبر...، فجاء قنبر إلى عثمان ثمّ قال: إنّ مولاي يقول لك: ما الذي تريد؟ فقال عثمان: أردته أن يوجّه إليّ بشيء من الماء ؛ فإنّي قد مُنِعْتُه وقد أضرّ بي العطش وبَمن معي! فرجع قنبر إلى عليّ فأخبره بذلك، فأرسل إليه عليّ ثلاث قِرَب من الماء مع نفرٍ من بني هاشم، فلم يتعرّض لهم أحد حتّى دخلوا على عثمان، فأوصلوا إليه الماء...

ثم أقبل عثمان حتّى أشرف على الناس ثانية فسلّم عليهم فردّوا عليه سلاماً ضعيفاً، فقال أفيكم طلحة؟ قال: نعم ها أنا ذا، فقال عثمان: سبحان الله! ما كنتُ أظنّ أن أسلّم على جماعة أنت فيهم ولا تردّ عليّ السلام! ثمّ قال: أهاهنا سعد بن أبي وقّاص؟ أهاهنا الزبير بن العوّام؟ فقالا: نعم نحن هاهنا، فقل ما تشاء. فراح يناشدهم الله ويذكّرهم بمناقبه وأنّه لا يجوز لهم قتله، فسمع صوتاً يهدّد بقتله. (2)

وذكر البلاذري أنّ طلحة منع أن يدخل الماء العذب على عثمان، فأرسل عليّ إلى طلحة أن دَع هذا الرجل فليشرب من مائه ومن بئره ولا تقتلوه من

____________________

(1) أنساب الأشراف 6: 211.

(2) الفتوح 2: 219 - 222، مروج الذهب 2: 344.


الصفحة 474

العطش، فأبى. (1)

وبعث أمير المؤمنين ولديه الحسن والحسين مع مواليه للدفع عن عثمان، وجُرح الحسن وشُجّ قنبر. فلمّا علم عليه‌السلام بمقتل عثمان غضب، فقال له طلحة: لو دفع إليهم مروان ما قتل. (2)

وبذا يتّضح العداء الخفيّ بين طلحة ومروان: فطلحة محرّض على عثمان، فلمّا قُتل عثمان صار محرّضاً على مروان! ثم جمعهم الشيطان ليطالبوا بدم عثمان، فلمّا كانت الهزيمة قتل مروان رفيقه طلحة!!

 

مزيد بيان في أمر مروان:

إنّ قول طلحة لأمير المؤمنين عليه‌السلام: لو دفع عثمان إليهم مروان ما قتل، ذلك أنّ مروان كان أحد الأسباب المهمّة (3) في إثارة الفتنة ومسير أهل الأقاليم من مصر والعراق...

احتجاجاً على الأحداث التي صارت أيام عثمان وانتهت بمقتله. ولم يكن عند عثمان أحد يفزع إليه ويثق به إلاّ عليّ! ولذا لمّا علم بنزول الثوّار بذي خشب بعث إلى الإمام عليّ عليه‌السلام وسأله أن يخرج إليهم ويضمن لهم عنه كلّ ما يريدون من العدل وحسن السّيرة، فسار عليّ إليهم، فأجابوه إلى ما أراد

____________________

(1) أنساب الأشراف 6: 211.

(2) مروج الذهب 2: 345.

(3) لم نتعرّض لأسباب ثورة الأقاليم على عثمان إذ يطول شرحها.


الصفحة 475

وانصرفوا، فبينما هم في الطريق إذا غلام عثمان مقبل من قبل المدينة، فقرّروه فأقرّ وأظهر كتاباً إلى ابن أبي سرح صاحب مصر وفيه: «إذا قدم عليك الجيش فاقطع يد فلان، واقتل فلاناً وافعل بفلان كذا...». (1)

وعلم القوم أنّ الكتاب بخطّ مروان، فرجعوا إلى المدينة. فمروان أحد قتلة عثمان! من لون آخر ؛ فعائشة وطلحة والزبير من أشدّ المؤلّبين على عثمان، ومروان يلعب بعثمان ويقلب المواقف ويضيّع جهود أمير المؤمنين علي عليه‌السلام في إطفاء الفتنة. عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: لمّا حصر عثمان الحصر الآخر فلقيهم الآخر فلقيهم عليّ بذي خشب فردّهم عنه، وقد كان والله عليٌّ له صاحب صدق، حتى أوغر نفس عليّ عليه، جعل مروان وسعيد وذووهما يحملونه على عليّ فيتحمل ويقولون: لو شاء ما كلّمك أحد وذلك أنّ عليّاً كان يكلّمه وينصحه ويُغلِظ عليه في المنطق في مروان وذويه، فيقولون لعثمان: هكذا يستقبلك وأنت إمامه وسلفه وابن عمّه، فما ظنّك بما غاب عنك منه؟! (2)

ولم يتغيّر موقف الإمام عليّ عليه‌السلام من نصرته لعثمان في حياته عنه بعد مماته! إذ لمّا قُتل عثمان، فرّ بنو أميّة ومعهم مروان و «خرج به ناس يسير من أهله يريدون به حائطاً بالمدينة يقال له «حشّ كوكب» كانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلمّا خرج على الناس رجموا سريره وهمّوا بطرحه، فبلغ ذلك عليّاً

____________________

(1) مروج الذهب 2: 344.

(2) تاريخ الطبريّ 3: 433 - 434.


الصفحة 476

فأرسل إليهم يعزم عليهم لَيكفُنّ عنه ففعلوا، فدفن في حشّ كوكب». (1)

 

تفويت عثمان الأمر على طلحة:

ولمّا أدرك عثمان حقيقة الناس وأنّه مقتول لا محال، سعى إلى تفويت الفرصة على عائشة وطلحة «وكان طلحة قد استولى على حصار عثمان مع نفر من بني تيم - قوم عائشة وطلحة - وبلغ ذلك عثمان فأرسل إلى عليّ:

فإن كنتُ مأكولاً فكن خيرَ آكل      وإلاّ     فأدركني     ولما     iiأُمَزَّق

أترضى أن يُقتل ابن عمّتك وتُسلب ملكك - ويُسلب نعمتك وأمرك -؟ فقال عليّ: صدق والله، لا نترك ابن الحضرميّة يأكلها، يعني طلحة.

ثمّ خرج عليّ إلى الناس فصلّى بهم صلاة الظهر والعصر، وتفرّق الناس عن طلحة، ومالوا إلى عليّ. فلمّا رأى طلحة ذلك أقبل حتّى دخل على عثمان فاعتذر إليه ممّا كان منه! فقال له عثمان: يا ابن الحضرميّة، وألبّت عليّ الناس ودعوتهم إلى قتلي، حتى إذا فاتك ما كنت ترجو وعلاك عليّ على الأمر جئتني معتذراً! لا قَبِل الله ممّن قَبِل منك. (2)

فعاد طلحة إلى التأليب على عثمان، فلَمّا قُتل بايع عليّاً عليه‌السلام، ثمّ نكث وغدر فلم يُصب من دنياه إلاّ سهم مروان!

وكان عبد الملك بن مروان يقول: لو لا أنّ أمير المؤمنين - كذا! أخبرني أنّه

____________________

(1) نفسه: 438.

(2) أنساب الأشراف 6: 196 و 212، الفتوح 2: 229.


الصفحة 477

هو الذي قتل طلحة ما تركتُ من ولد طلحة أحداً إلاّ قتلتهُ بعثمان بن عفان. (1)

 

أخبار الزبير وروايات مقتله:

كتب معاوية إلى الزبير يخدعه: «أن أقبِل إليَّ أبايعْك ومَن يَحضُرني»، فكتم ذلك طلحة وعائشة، ثمّ بلغهما فكُبر ذلك عليهما، وأخبرت عائشة به ابن الزبير، فقال لأبيه: أتريد أن تلحق بمعاوية؟ فقال: نعم، ولِمَ لا أفعل وابن الحضرميّة ينازعني في الأمر؟! ثمّ بدا له في ذلك. (2)

فالزبير على أُهْبة أن يتخلّى عن عسكر الناكثين فينضمّ إلى القاسطين وليس في الأمرين إلاّ الطّمع في الإمرة الّتي قُتل دونها.

والرّوايات صريحة في مقتل الزبير في ساحة المعركة:

عن الزّهري قال: خرج عليّ على فرسه فدعا الزبير فتواقفا، فقال له عليّ: ما جاء بك؟ قال: أنت، ولا أراك لهذا الأمر أهلاً و لا أولى به منّا! فقال عليّ: لست له أهلاً بعد عثمان؟!

قد كنّا نَعُدّك من بني عبد المطّلب حتّى بلغ ابنُك ابنُ السوء ففرّق بيننا وبينك. وعظّم عليه أشياء فذكر أن النبيّ مرّ عليهما فقال لعليّ: «ما يقول ابن عمّتك؟ لَيُقاتلنّك وهو لك ظالم». فانصرف عنه الزبير وقال: إنّي لا أقاتلك. ورجع إلى ابنه عبد الله فقال: ما لي في هذه الحرب بصيرة، فقال له ابنه: إنّك خرجت

____________________

(1) الطبقات الكبرى 6: 223.

(2) أنساب الأشراف 3: 53.


الصفحة 478

على بصيرة ولكنّك رأيت رايات ابن أبي طالب وعرفتَ أنّ تحتها الموت فجبُنتَ! فأحفَظه ذلك حتّى أرعد وغضب وقال: ويحك! إنّي حلفت له ألاّ أقاتله ؛ فقال له ابنه: كفّر عن يمينك غلامك سرجس، فأعتَقَه وقام في الصفّ. (1)

وذكره الحاكم من طرق عدّة جميعاً عن أبي حرب بن أبي الأسود الديليّ قال: شهدتُ عليّاً والزبير لمّا رجع الزبير على دابّته يشقّ الصفوف، فعرض له ابنه عبد الله فقال: ما لك؟ فقال: ذكر لي عليٌّ حديثاً سمعته من رسول الله يقول: «لَتُقاتلنّه وأنت له ظالم» فلا أُقاتله. قال: وللقتال جئت، إنّما جئت لتصلح بين الناس ويصلح الله هذا الأمر بك. قال: قد حلفت أن لا أقاتل، قال: فأعتق غلامك جرجس وقف حتّى تُصلح بين الناس، فأعتق غلامه جرجس. (2)

وعن قتادة: خرج عليّ إلى طلحة والزبير، فدنا منهما حتّى اختلفت أعناق دوابّهما، فقال عليّ: لعمري لقد أعددتما خيلاً وسلاحاً ورجالاً إن كنتما أعددتما عند الله عذراً، فأتّقيا الله سبحانه ولا تكونا كالّتي نقضت غزلها من بعد قوّةٍ أنكاثاً. ألم أكن أخاكما في دينكما تحرّمان دمي وأحرّم دماءكما؟! فهل من حدثٍ أحلّ لكما دمي؟! قال طلحة: ألّبت الناس على: عثمان!! قال عليّ (يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الْحَقّ وَيَعْلَمُونَ أَنّ اللّهَ هُوَ الْحَقّ الْمُبِينُ) (3) يا طلحة، تطلب بدم عثمان؟! فلعن الله قَتَلَة عثمان!

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 53، تاريخ الطبريّ 3: 519 - 520.

(2) المستدرك على الصحيحين 3: 413 / 5575، والتلخيص للذهبيّ.

(3) النور: 25.


الصفحة 479

يا زبير، أتذكر يومَ مررتُ مع رسول الله في بني غنم فضحك وضحكت إليه فقلتَ: لا يدَعُ ابن أبي طالب زَهوَه! فقال لك رسول الله: «صَهْ! إنّه ليس به زهو، ولتقاتلنّه وأنت له ظالم»؟!

فقال: اللّهمّ نعم: ولو ذكرتُ ما سرتُ مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبداً. فانصرف عليّ إلى أصحابه ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: ما كنتُ في موطن منذ عقلت إلاّ وأنا أعرف فيه أمري، غيرَ موطني هذا. قالت: فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أدعهم وأذهب، فقال له ابنه عبد الله: جمعتَ بين هذين الغارّين حتّى إذا حدّد بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب؟! أحسستَ رايات ابن أبي طالب وعلمتَ أنّها تحملها فتية أنجاد! قال: إنّي قد حلفت ألاّ أقاتله وأحفَظه ما قال له، فقال: كفِّرْ عن يمينك وقاتِلْه. فدعا بغلام له يقال له مكحول، فأعتقه، فقال عبد الرحمان بن سليمان التميميّ:

لم  أرَ كاليوم أخا iiإخوانِ      أعجب من مُكَفِّرِ الأيمانِ

بالعِتق في معصية الرحمانِ!

وقال رجل من شعرائهم:

يُعتقُ مكحولاً لصونِ دينه      كفّارةً   لله   عن   iiيمينه

والنّكث قد لاح على جبينه! (1)

فلكنث والخروج على إمامه وإراقة الدماء، مع ما قاله له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 514.


الصفحة 480

يقاتل عليّاً ظالماً له، والأحاديث في ذلك أوفر ممّا ذكرنا... كلّ ذلك والزبير وطلحة وصاحبة الجمل طالبو إصلاح؟!

 

دَورُ ابن عوف في قتل عثمان:

لم يكن عبد الرحمان بن عوف بمنأى عن الأحداث، وإنّما له دور واضح في قتل عثمان! هذا على الرغم من أنّه هو الذي اختار عثمان بن عفّان من بين الستّة نفر الذين عيّنهم عمر بن الخطّاب لاختيار الخليفة بعده، على أن ينظُر في حال الاختلاف إلى الصفّ الذي فيه ابن عوف فيؤخذ كلامه. وقد أثرى عبد الرحمان إثراءً لا مثيل له في حاكميّة عثمان، إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه من الإنكار على عثمان والتأليب عليه، وكان قد حلف أن لا يكلّم عثمان أبداً. وذُكِر عثمان عند عبد الرحمان بن عوف في مرضه الذي مات فيه فقال عبد الرحمان: عاجلوه قبل أن يتمادى في مُلكه! فبلغ ذلك عثمان، فبعث إلى بئر كان يُسقى منها نَعَمُ «*» عبد الرحمان بن عوف فمنعه إيّاها. وأوصى عبد الرحمان بن عوف أن لا يُصلّيَ عليه عثمان، فصلّى عليه الزبير، أو سعد بن أبي وقّاص. (1)

هذا هو حال عبد الرحمان بن عوف الزهريّ أحد أصحاب الشورى وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة! لم يختلف عن رفاقه: سعد بن أبي وقّاص، وطلحة والزبير ؛ في مقاطعة عثمان والتأليب عليه والسعي في قتله، تُعينهم وتقودهم أمّ

____________________

(*) أي إبله.

(1) أنساب الأشراف 6: 170 - 171.


الصفحة 481

المؤمنين عائشة. ولم يكن لعثمان من المبشّرين وأهل الشّورى، صاحبَ صدقٍ ونصرة إلاّ عليّاً عليه‌السلام، نصح له حيّاً وميّتاً على ما أوجزناه من أخباره، فكيف صار عدوّه يطالب بدمه؟! اللّهمّ إليك المشتكى!

 

معاملة أمير المؤمنين لعائشة والأسرى

ذكر ابن تيميه أنّ ذنب عليّ! في حقّ عائشة أعظم من ذنب طلحة والزبير ؛ وقد تبين لنا أنّ ذنب طلحة والزبير بحقّ نفسيهما أعظمّ! وفيما أحدثا بحقّ أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وفي حقّ أمّهما أمّ المؤمنين، وقد أعانتهما على نفسها أوّلاً وأخيراً. وأمّا الإمام عليّ عليه‌السلام فكان نقيّ الثوب من أيّ أثر من آثار الفتنة، وقد حاربوه وهم ظالمون له، على لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وصدّقته وهو الصادق المصدّق، الأحداث. ثمّ ما الذي فعل عليّ عليه‌السلام وقد ظفر؟ إنّه عليه‌السلام عاتبها عتاباً جميلاً: «يا عائشة، رسول الله أمرك بهذا؟ ألم يأمرك أن تقرّي في بيتك» ولم يزد. وهذا العتاب سمعته من أهل الغيرة والدين من أمثال أمّ المؤمنين أمّ سَلَمة، وابن عبّاس و...

ثمّ حمّل عليه‌السلام وزَرها الذين خانوا دينهم حيث أردف قائلاً: «والله ما أنصفك الذين أخرجوك، إذ صانوا عقائلهم وأبرزوك». وأمر أخاها محمّداً أن يحملها ويدخلها البصرة ولا يدع أحداً يقترب منها. وقد ذكرنا هذا فيما سلف، إلاّ أنّنا أعدناه للضرورة. فأيّ ذنب عظيم ارتكبه عليّ أمير المؤمنين بحقّها، يا شيخ الإسلام؟! وأين مَن يُبرز أمّه عرضة للسهام والرماح ربّما أدّت إلى قتلها ؛ ولو


الصفحة 482

قُتلت لتخلّوا عن شعارهم: واعتماناه! فيرفعوا عقيرتهم: وا اُمّاه واعائشتاه!!

ولقد وجدنا سيرة الامام عليّ عليه‌السلام في أهل الجمل، في كفّ السلاح ومنع أصحابه أن يبدأوهم ؛ حيث جعل القرآن حكماً بينه وبينهم، فقتلوا حامل المصحف الشريف، ورشقوا جيشَه بالسهام فعقروا جماعة، وبذلك قامت الحجّة، وما هي إلاّ ساعات حتّى كان أصحاب الجمل رماداً اشتدّت به الرّيح في يوم عاصف.

وبعد الوقعة لم تبتعد السّيرة العلويّة عن السيّرة المحمّديّة فهو عليه‌السلام قرآن ناطق متّبع سنّة، لا يفارق الحقّ مهما عصفت الأمور، والأحاديث من الوفرة في كونه مع القرآن والقرآن معه، وأنّه مع الحقّ والحقّ معه، وهو الفاروق بين الحقّ والباطل، ومفارقته مفارقة لله ولرسوله. (1)

والإمام عليّ عليه‌السلام هو العلامة المائزة بين الإيمان والنّفاق، عن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله «صلّى الله عليه وآله»: «لا يُحبُّ عليّاً منافق، ولا يُبغضه مؤمن». (2)

____________________

(1) صحيح الترمذيّ 5: 633، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2: 570، أنساب الأشراف 2: 350، 383، المستدرك على الصحيحين 3: 124، تاريخ بغداد 2: 186، الاستيعاب 4: 170، الإصابة 4: 171، أسد الغابة 6: 270، فرائد السمطين 1: 178، الصواعق المحرقة 75.

(2) مسند أحمد 1: 84، صحيح الترمذيّ 2: 301، سنن ابن ماجة، المقدّمة 114، سنن النسائي - في الإيمان - 8: 117، تفسير فرات 115، المستدرك على الصحيحين 3: 129، تفسير الحبريّ 350، المحاسن والمساوي للبيهقيّ 1: 290، تاريخ بغداد 2: 255، مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 137، حلية الأولياء 6: 294، بشارة المصطفى للطبريّ 64، 67 وغيرها، الرياض النضرة 2: 214، كفاية الطالب 69، تذكرة الخواصّ 15.


الصفحة 483

فهل الخروج عليه‌السلام وقتاله إلاّ عن بغض له، ومفارقة للحقّ؟! ومع ذا، فقد نادى في أصحابه كما نادى أخوه المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم فتح مكّة: «لا تتّبعوا مُوَليّاً، ولا تُجهزوا على جريح، ولا تنتهبوا مالاً، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن».

 

تسيير عائشة إلى المدينة

بعث أمير المؤمنين عليه‌السلام عبد الله بن عبّاس إلى عائشة يأمرها بالخروج إلى المدينة، فدخل عليها بغير إذنها، واجتذب وسادة فجلس عليها، فقالت له: يا ابن عبّاس، أخطأت السنّة المأمور بها ؛ دخلت إلينا بغير إذنا، وجلست على رحلنا إلاّ بإذنك وما جلسنا على رحلك إلاّ بأمرك، وإنّ أمير المؤمنين يأمرك بسرعة الأوبة والتأهّب للخروج إلى المدينة ؛ فقالت: أبيتُ ما قلتَ وخالفتُ ما وصفتَ! فمضى إلى أمير المؤمنين فخبّره بامتناعها، فردّه إليها وقال: إنّ أمير المؤمنين يعزم عليك أن ترجعي، فأنعمت وأجابت إلى الخروج.

وجهّزها أمير المؤمنين وأتاها في اليوم الثاني ودخل عليها ومعه الحسن والحسين وباقي وُلده وفِتيان أهله من بني هاشم وغيرهم من شيعته من هَمْدان، فلمّا بَصُرت به النّسوان صِحنَ في وجهه وقلن: يا قاتل الأحبّة! فقال: لو كنتُ قاتل الأحبّة لقتلتُ مَن في هذا البيت، وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه: مروانُ بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عامر، وغيرهم فضرب من


الصفحة 484

كان معه بأيديهم إلى قوائم سيوفهم لمّا علموا من في البيت مخافة أن يخرجوا منه فيغتالوه، فسألَتْه عائشة أن يؤمّن ابن أختها عبدَ الله بن الزبير، فأمّنه وأمّن مروان والوليد بن عقبة وولد عثمان وغيرهم من بني أميّة، وأمّن النّاس جميعاً.

 

خروج عائشة:

خرجت عائشة من البصرة وقد بعث معها أمير المؤمنين أخاها عبد الرحمان بن أبي بكر وثلاثين رجلاً وعشرين امرأة ذوات الدين من عبد القيس وهمدان وغيرهما، ألبسهنّ العمائم وقلّدهنّ السيوف وقال لهنّ: لا تُعلِمنّ عائشةَ أنّكنّ نسوة، وتلثَّمَن كأنّكنّ رجال وكُنّ اللاّتي تلين خدمتها وحملها. فلمّا أتت المدينة قيل لها: كيف رأيتِ مسيرك؟ قالت: كنت بخير والله، لقد أعطى عليّ بن أبي طالب فأكثر، ولكنّه بعث معي رجالاً أنكرتُهم، فعرّفها النسوة أمرهنّ فقالت: ما ازددتَ واللهِ يا ابن أبي طالب إلاّ كرماً! (1)

بالله عليك يا شيخ الإسلام والإمام المطلق: ما هو ذنب عليّ أمير المؤمنين في حقّ عائشة وهذه هي سيرته معها، وقد شَهِدَتْ هي له، قبل الوقعة وأثناء ها، ولمّا وضعت الحرب أوزارها.

وهذا قولها الأخير الذي ختمنا به حديثنا عن وقعة الجمل ؛ فعليّ لم يصنع إلاّ خيراً، ولم ينتقل إلاّ من كرمٍ إلى كرم!

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 28 - 51، الأخبار الطوال 144 - 152، تاريخ الطبريّ 3: 513 - 548، الفتوح 2: 308 - 343، مروج الذهب 2: 357 - 372.


الصفحة 485
 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة