الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 447

حقيقة الأمر

ومن أجل الوقوف على حقيقة الأمر، فعلينا أن نتحدّث عن حرب الجمل بما تقتضيه الضرورة:

قُتل عثمان بن عفّان في ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين بعد حصار دام تسعةً وأربعين يوماً ن وكان لذلك أسباب يطول شرحها وألّب على قتله أناس ثمّ خرجوا بعد ذلك يطالبون أبرأ النّاس من دمه ؛ بل وأصدقهم في الدفع عنه، يقاتلونه على دم عثمان!

 

بيعة أمير المؤمنين عليه‌السلام

بويع لأميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام في الليلة التي قُتل فيها عثمان وقيل في صبيحتها، وكان أوّل من بايعه طلحة بن عبيد الله ثمّ تبعه النّاس.

عن الشعبيّ أنّ عثمان لمّا قُتل أقبل النّاس إلى عليّ بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه ليبايعوه، فمدّوا يده فكفّها، وبسطوها فقبضها وقالوا: بايع، فإنّا لا نرضى إلاّ بك ولا نأمن من اختلاف الناس وفرقتهم فبايعه الناس وخرج حتّى صعد المنبر.

وكان طلحة أوّل من بايع من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقال قبيصة بن ذؤيب: أوّل يد بايعت هذا الرجل من أصحاب محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله، شلاّء، والله ما أرى هذا الأمر يتمّ! وأخذ طلحة والزبير مفتاح بيت المال! فبعث عليّ مَن أخذ مفاتيح بيت المال. (1)

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 8.


الصفحة 448

وأقبل النّاس إلى عليّ بن أبي طالب فقالوا: يا أبا الحسن، إنّه قد قُتل هذا الرجل ولا بدّ للنّاس من إمام، وليس لهذا الأمر أحد سواك فهلمّ، فقال عليّ: لا حاجة لي في البيعة، التمسوا غيري، فإنّي أرى أمراً له وجوه لا تقوم لها القلوب... فعليكم بطلحة والزبير! قالوا: فانطلق معنا إلى طلحة والزبير، فقال عليّ: أفعل ذلك.

ثمّ خرج مع القوم حتّى صار إلى دار طلحة فقال: يا أبا محمّد إنّ الناس قد اجتمعوا إليّ في البيعة، وأمّا أنا فلا حاجة لي فيها، فابسط يدك حتّى يبايعك الناس. فقال طلحة:

يا أبا الحسن، أنت أولى بهذا الأمر وأحقّ به منّي لفضلك وقرابتك وسابقتك، فقال له عليّ: إنّي أخاف إن بايعني النّاس واستقاموا على بيعتي أن يكون منك أمرٌ من الأمور! فقال طلحة: مهلاً يا أبا الحسن، فلا والله لا يأتيك منّي شيء تكرهه أبداً.

قال عليّ: فالله تبارك وتعالى عليك راعٍ وكفيل! فقال طلحة: يا أبا الحسن، نعم.

قال عليّ: فقُم بنا إذن إلى الزبير بن العوّام، فأقبل معه طلحة إلى الزبير فكلّمه عليّ بما كلّم به طلحة، فردّ عليه الزبير شبيهاً بكلام طلحة، وعاقده وعاهده أنّه لا يغدر به ولا يحبس بيعته. فرجع عليّ إلى المسجد واجتمع النّاس فقام نفرٌ من الأنصار فتكلّموا، قالوا: إنّكم قد عرفتم فضل عليّ بن أبي طالب وسابقته وقرابته ومنزلته من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مع علمه بحلالكم و حرامكم و حاجتكم


الصفحة 449

إليه من بين الصحابة، ولن يألوكم نُصحاً، ولو علمنا مكان أحدٍ هو أفضل منه وأجمل لهذا الأمر وأولى به لدعوناكم إليه. فقال الناس كلّهم بكلمة واحدة:

رضينا به طائعين غير كارهين، فقال لهم عليّ: أخبروني عن قولكم هذا: أحقّ واجب من الله عليكم أم رأيٌ رأيتموه من عند أنفسكم؟ قالوا: بل هو واجبٌ أوجبه الله عزّ وجل لك علينا، فقال عليّ: فانصرفوا يومكم هذا إلى غدٍ.

فلمّا كان من غدٍ أقبل النّاس إلى المسجد، وجاء عليّ بن أبي طالب، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها النّاس إنّ الأمر أمركم فاختاروا لأنفسكم من أحببتم وأنا سامع مطيع لكم!

فصاح النّاس من كلّ ناحية وقالوا: نحن على ما كنّا عليه بالأمس، فابسط يدك حتّى يبايعك الناس، فسكت عليّ. وقام طلحة إلى عليّ فبايعه وضرب يده على يد عليّ، وكان به شلل من ضربة أصابته يوم أحُد، فلمّا وقعت يده على يده عليّ، قال قُبيصة بن جابر: إنّا لله وإنّا إليه راجعون!

أوّل يدٍ وقعت على كفّ أمير المؤمنين يدٌ شلاّء، لا والله لا يتمّ هذا الأمر من قِبَل طلحة بن عُبيد الله أبداً. ثمّ وثب الزبير وبايع، وبايع الناس بعد ذلك. (1)

إنّ الذي كان من أميرالمؤمنين عليه‌السلام إنّما أراد به قطع الطريق على معاذير المشاغبين لعلمِه ما تُكنّه صدور طلحة والزبير من حسدٍ له وتطلّع إلى الإمارة، وقد أعلمه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بما سيكون من الرجلين وحرب الجمل ؛ ولذا أخذ أمير

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 456، الفتوح 2: 243 - 246.


الصفحة 450

المؤمنين العهود والمواثيق والأيمان عليهما أن لا يغدرا ولا ينكثا البيعة له.

ذكر الطبريّ عن خبيّة الزبير، قال: عن موسى بن عقبة، عن أبي حبيبة مولى الزبير، قال: لمّا قتل الناس عثمان وبايعوا عليّاً، جاء عليّ إلى الزبير فاستأذن عليه فأعلمتُه به، فسلّ السيف ووضعه تحت فراشه! ثمّ قال: ائذن له فأذِنت له، فدخل فسلّم على الزبير وهو واقف بنحوه ثمّ خرج، فقال الزبير: لقد دخل الرجل ما اقصاه، قُم في مقامه فانظر هل ترى من السيف شيئاً فقمت في مقامه فرأيت ذُبابَ السيف فأخبرتُه فقال: ذاك أعجلَ الرجُلَ. (1)

فيا شيخ الإسلام! ومن تولاّك ؛ فحتّى هنا ماذا عساك قائلاً في قتال القوم عليّاً؟ أم تريد مزيداً من الوثائق؟ فسنوافيك.

 

وضع الأقاليم:

هذا هو الوضع والحال في مدينة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وفي البصرة: أخذ جارية ابن قدامة السَّعديّ البيعة لأمير المؤمنين عليه‌السلام، وكان بها عبد الله بن عامر والياً لعثمان، ففرّ منها إلى مكّة.

الكوفة: وفي الكوفة، بايع هاشم بن عتبة المِرقال أميرَالمؤمنين وقال: هذه يميني وشمالي لعليّ، وقال:

أبايع     غير    مكتتم    iiعليّاً      ولا أخشى أميري الأشعريّا (2)

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 454.

(2) أنساب الأشراف 3: 14.


الصفحة 451

وفي المدائن: بايع حذيفة بن اليمان لأمير المؤمنين واضعاً يده اليمنى على اليسرى، وقال له أبايع بعده لأحدٍ من قريش...، وقال: من أراد أن يلقى أميرالمؤمنين حقّاً فليأت عليّاً. (1)

الشام: وفي الشام كان معاوية والياً لعثمان ومن قبله لعمر بن الخطّاب، فأظهر الخلاف لأميرالمؤمنين، ومنع واليَه من دخول الشام.

مكّة: وفي مكّة كانت عائشة، وكانت قد خرجت مباينةً لعثمان ومغاضبةً له. وكان بمكّة جمع من بني أميّة فرّوا إليها بعد مقتل عثمان، منهم عبد الله بن عامر، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، وعبد الرحمان بن عتّاب بن أسيد بن أبي العاص ؛ والمغيرة بن شعبة الثقفيّ. وكان يَعلى بن مُنية عامل عثمان على اليمن، فلمّا رأى وفود اليمن تترى على المدينة لمبايعة أميرالمؤمنين عليه‌السلام خرج منها إلى مكّة ومعه أربعمائة بعير بحُملانها وأموال وفيرة، فكانوا يداً واحدة على عليّ عليه‌السلام.

تحرّك طلحة والزبير: واستأذن طلحة والزبير أميرَ المؤمنين عليه‌السلام في العمرة فقال لهما: لعلّكما تريدان البصرة! فأقسما أنّهما لا يقصدان غير مكّة. (2)

وفي رواية أبي مخنف، فقالا: اللّهمّ غفراً، إنّما نوينا العمرة. فأذن لهما فخرجا مسرعين جعلا يقولان: لا والله ما لعليّ في أعناقنا بيعة، وما بايعناه إلاّ مُكرَهين تحت السيف! فبلغ ذلك عليّاً فقال: أخذهما الله إلى أقصى دارٍ وأحرّ

____________________

(1) نفسه: 17.

(2) مروج الذهب 2: 357.


الصفحة 452

نارٍ. (1)

وفي الفتوح: قلت لكما في أوّل الأمر إنّكما تفعلان أمراً من الأمور، فأبيتما إلاّ بيعتي طائعين غير مُكرَهين، والآن فقد أذنت لكما فاذهبا حيث شئتما راشدين. فخرج الزبير وطلحة إلى مكّة، وخرج معهما عامر بن كُرَيز - وهو ابن خال عثمان - فجعل يقول لهما: أبشرا، فقد نلتما حاجتكما، والله لأمدّنّكما بمائة ألف سيف! (2)

إنّ فعل الزبير على ما مرّ بنا من سلّه السيف، وتذكير أمير المؤمنين لهما وقد طلبا الإذن، بما سيكون منهما، ثمّ ادعّا أنّهما بايعا مكرهين تحت السيف! وقد مرّ بنا أنّ عليّاً قد جعل الإمرة لطلحة فأظهر الرفض ومثله فعل مع الزبير وكلاهما قد جعلاها لعليّ وقولهما واحد في أنّه أولى بالأمر منهما ولذا أعطيا الأيمان والمواثيق أن لا يخونا...

عمر بن الخطّاب والزبير: إنّ التوجّس من الزبير وممّا يأتي منه تيقّظ له عمر بن الخطّاب فلم يأذن له بالغزو.

إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: جاء الزبير إلى عمر ابن الخطّاب يستأذنه في الغزو فقال عمر: اجلس في بيتك فقد غزوت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، قال فردّد ذلك عليه فقال له عمر في الثالثة أو التي تليها: اقعد في بيتك!

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 22.

(2) الفتوح 2: 276.


الصفحة 453

فو الله إنّي لأجد بطرف المدينة منك ومن (1) أصحابك أن تخرجوا فتفسدوا على أصحاب محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله.

 

عود على الجمل:

وكان من خبر عائشة أن بلغها - وهي بمكّة - أنّ النّاس بايعوا لطلحة فقالت: إيه ذا الإصبع لله أنت! لقد وجدوك لها محشاً، وأقبلت جذِلةً مسرورة حتّى إذا انتهت إلى «سَرِف» (2) استقبلها عبيد بن مسلمة اللّيثيّ، فسألته عن الخبر، قال: قتل النّاس عثمان. قالت: ثمّ صنعوا ماذا؟ قال: خيراً، أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز، اجتمعوا على ابن عمّ نبيّهم عليّ فبايعوه.

فقالت: أوَ فعلوها؟! وَدِدتُ أنّ هذه أطبقت على هذه إن تمّت الأمور لصاحبك الذي ذكرت! رُدّوني رُدّوني إلى مكّة وهي تقول: قُتل عثمان مظلوماً، والله لأطلبنّ بدمه! فقال لها عُبيد بن مسلمة: ولِمَ؟ فو الله إنّ أوّل من أمالَ حرفه لأنتِ، ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر!

قالت: إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه، وقد قلتُ وقالوا وقولي الأخير خير من قولي الأوّل، فقال لها عبيد:

منك  البَداءُ ومنك iiالغيرْ      ومنك الرِّياحُ ومنك المطَرْ

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 129 / 4612، قال في التلخيص صحيح.

(2) «سرف» موضع على ستّة أميال من مكّة. معجم البلدان 3: 212.


الصفحة 454

 

وأنت أمرت بقتل الإمام      وقلت  لنا: إنّه قد iiكفرْ
فَهَبْنا  أطعناك  في  iiقتله      فقاتلُه  عندنا  مَن  iiأمَرْ

فانصرفت إلى مكّة فنزلت على باب المسجد، فقصدت للحجر فسترت، واجتمع الناس إليها فقالت: إنّ عثمان قُتل مظلوماً، ووالله لأطلبنّ بدمه! (1)

فأنت تجد أنّ عائشة قد خرجت مغاضبة لعثمان تنعته بالكفر! وتسمّيه نعثلاً - اسم رجل يهوديّ بمصر، وقيل اسم رجل طويل اللحية بالمدينة كانت عائشة تشبّه به عثمان - وقبل وصولها مكّة بلغها أنّ الناس بايعوا لطلحة فملئت سروراً (2) وأدارت رأس جملها صوب المدينة فلمّا أخبرها عبيد بن مسلمة أنّ البيعة تمّت لعليّ عليه‌السلام تمنّت أنّ السماء أطبقت على الأرض!!، فلماذا يا شيخ الإسلام ذلك؟ أو ليس عليّ خليفةً راشداً، سابقاً، أعلمَ مطهّراً بحكم القرآن وأحد أصحاب الكساء، الشاري نفسه لله تعالى، الذي لم تكن لأحدٍ من الصّحابة من الفضائل ما كان له كما قال أحمد بن حنبل؟

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 18، تاريخ الطبريّ 3: 476 - 477، الفتوح 2: 249، تذكرة الخواصّ 66، الكامل في التاريخ 3: 102.

(2) وذلك أنّ طلحة كان من أشدّ المؤلّبين على عثمان هو والزّبير وعائشة. وطلحة من قوم عائشة تيميّ قال عبد الله بن وهب (160 - 240 هـ): حدّثني الليث بن سعد أنّ طلحة بن عبيد الله قال: لئن قبض رسول الله تزوّجت عائشة ؛ قال: فنزل القرآن: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنّ ذلِكُمْ كَانَ عِندَ اللّهِ عَظِيماً) (الأحزاب: 53)

قال الليث: عائشة بنت عمّه لأنّه من قومها. قال: وظننتُ أنّ عمر بن الخطّاب حين قال: لقد توفّي رسول الله، وأنّه على طلحة لعاقبٌ - لعلّه لعاتب - لهذا الأمر.

الجامع لابن وهب 2: 164 / 348.


الصفحة 455

أم لم يبلغك ما بلغنا من قول عائشة فيه؟ وكيف انقلب الموقف تماماً فصار عثمان الكافر - عندها - مظلوماً؟ وليتها قالت الحقيقة: إنّي وطلحة والزبير قتلنا عثمان فنتوب إلى الله!

 

صفقةٌ خاسرة:

وفي مكّة اجتمع إلى عائشة طلحة والزبير ومروان وعقدوا صفقةً خاسرة هي حرب أمير المؤمنين عليه‌السلام واتّهامه بما جنت أيديهم من التحريض على قتل عثمان.

 

عائشة وأم سلمة:

وأقبلت عائشة على أمّ سلمة زوجة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وهي يومئذٍ بمكّة، فقالت لها: با بنت أبي أميّة! إنّك أوّل ظعينة هاجرت مع رسول الله، وأنت كبيرةُ أمّهات المؤمنين، وقد كان رسول الله يَقسم لنا من بيتك، وقد خُبِّرت أنّ القوم استتابوا عثمان بن عفّان حتّى إذا تابَ وثبوا عليه فقتلوه! وقد أخبرني عبد الله بن عامر أنّ بالبصرة مائة ألف سيف يقتل فيها بعضهم بعضاً، فهل لك أن تسيري بنا إلى البصرة لعلّ الله أن يُصلح هذا الأمر على أيدينا؟ فقالت لها أمّ سَلَمة: يا بنت أبي بكر! بدم عثمان تطلبين! والله لقد كنت من أشدّ الناس عليه، وما كنتِ تسمّيه إلاّ نعثلاً، فما لك ودم عثمان؟ وعثمان رجل من عبد مناف وأنت امرأة من بني تيم ابن مرّة. ويحك يا عائشة! أعلى عليّ وابن عمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله تخرجين وقد بايعه


الصفحة 456

المهاجرون والأنصار؟! ثمّ جعلت أمّ سَلمة تذكّر عائشة فضائل عليّ، وعبد الله بن الزبير على الباب. يسمع ذلك، فصاح بأمّ سَلمة: يا بنت أبي أميّة!! إنّنا قد عرفنا عداوتك لآل الزبير! فقالت أمّ سلمة: والله لتوردنّها ثمّ لا تُصدرنّها أنت ولا أبوك؟ أتطمع أن يرضى المهاجرون والأنصار بأبيك الزبير وصاحبه طلحة وعليُّ بن أبي طالب حيٌّ وهو وليُّ كلّ مؤمن ومؤمنة؟! فقال عبد الله بن الزبير: ما سمعنا هذا من رسول الله ساعةً قطّ، فقالت أمّ سَلمة: إن لم تكن أنت سمِعَته فقد سمِعَته خالتُك عائشة وها هي فاسألها ؛ فقد سمعته يقول: «عليّ خليفتي عليكم في حياتي ومماتي، فمَن عصاه فقد عصاني». أتشهدين بهذا يا عائشة؟ فقالت عائشة: اللّهمّ نعم! فقالت أمّ سَلمة: فاتّقي الله يا عائشة في نفسك واحذري ما حذّرك الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ولا تكوني صاحبة الحوأب، ولا يَغرنّك الزبير ولا طلحة فإنّهما لا يُغنيان عنك من الله شيئاً.

وخرجت عائشة من عند أمّ سَلمة وهي حَنِقة عليها، ثمّ إنّها بعثت إلى حفصة فسألتها أن تخرج معها إلى البصرة، فأجابتها حفصة إلى ذلك، فلمّا نادوا بالرحيل وأرادت حفصة الخروج أتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد فقعدت، وبعثت إلى عائشة أنّ عبد الله حال بيني وبين الخروج، فقالت: يغفر الله لعبد الله! (1)

أيّ بيّنة أوضح من هذه! فعائشة صارت تطلب بدم عثمان وتتّهم به أبرأ الناس بل وأكثرهم نصرةً له ؛ ذلك هو وليّ المؤمنين وخليفة رسول الله، حيّاً كان

____________________

(1) الفتوح 2: 283، تاريخ الطبريّ 3: 470.


الصفحة 457

أو ميّتاً ؛ فطاعته واجبة على عائشة وطلحة... فكيف بخروجها عليه؟!

ولو أجابتها أمّ سلمة، وهذا ممّا لا يخطر ببال أبداً! فخرجت معها هي وحفصة التي أجابت، فلا ندري ماذا سيقول الرجل!

 

الإعداد للحرب:

ولمّا عزمت عائشة على المسير نَهتَها أمّ سَلمة وقالت لها: يا هذه، إنّ حجاب الله لن يُرفع، وما أنتِ يا هذه وهذا الأمر وقد تنازعته الأيدي وتهافت فيه الرجال، وتسكينُه أصلح للمسلمين، فاتّقي على رسول الله من الافتضاح في زوجته، واتّقي دماً لم يبُحه الله لك. فلمّا رأتها لا تصغي إلى قولها قالت:

نصحت ولكن ليس للنصح قابل      ولو  قَبِلت  ما  عَنَّفتها  iiالعواذل
كأنّي  بها قد ردّت الحربُ رحلها      وليس   لها   إلاّ  الترجّلُ  iiراحلُ

ثمّ إنّ القوم اجتمعوا في دار عائشة، وأجمعوا على المسير إلى البصرة، وانطلقوا إلى حفصة بنت عمر فقالت: رأيي تبع لعائشة إلاّ أنّ عبد الله بن عمر منعها. وجهّزهم يَعلى بن منية بالمال والجمال، وكتبت أمّ سَلمة رضي الله عنها إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام تعلمه خبر القوم، كما كتبت إليه أمّ الفضل بنت الحارث.

وكان من كلام أمّ المؤمنين أمّ سلمة مع أمير المؤمنين عليه‌السلام: يا أمير المؤمنين، لو لا أنّي أخاف أن أعصيَ الله وأنّك لا تقبله منّي لخرجت معك، ولكن هذا ابني عمر أعزّ عليَّ من نفسي يخرج معك ويشهد مشاهدك. فخرج معه ولم يزل معه واستعمله على البحرين.


الصفحة 458

سار القوم وعلى مقدّمهم عائشة، حتّى إذا بلغت بعض مياه بني عامر نَبَحت عليها الكلاب، فقالت: ما اسم هذا الموضع؟ فقال لها السائق لجملِها: الحوأب، فاسترجعت وذكرت ما قيل لها في ذلك فقالت: ردّوني لا حاجة لي في المسير.

فقال الزبير: بالله ما هذا الحوأب! ولقد غلط فيما أخبرك به. ولحقها طلحة فأقسم أنّ ذلك ليس ماء الحوأب، ثمّ جاء عبد الله بن الزبير وحلف لها على ذلك ؛ وأقاموا لها خمسين رجلاً من الأعراب يشهدون أنّه ليس ماء الحوأب، وجعلوا لهم جُعلاً - أي مالاً - وكانت أوّل شهادة زور أقيمت في الإسلام. (1)

 

التزاحم على إمامة الصلاة:

كان مؤذّنهم مروان بن الحكم - طريد رسول الله - فقال: من أدعو للصلاة؟ فقال عبد الله بن الزبير: ادعُ أبا عبد الله. وقال محمّد بن طلحة: ادع أبا محمّد. فقالت عائشة: ما لنا ولك يا مروان؟! أتريدأن تغري بين القوم وتحمل بعضهم على بعض؟! فليصلّ اكبرُهما، فصلّى الزبير. (2)

«وتشاحّ طلحة والزبير في الصلاة بالناس، ثم اتفقوا على أن يصلّي بالنّاس عبد الله بن الزبير يوماً، ومحمّد بن طلحة يوماً، في خَطبٍ طويل كان بين طلحة والزبير إلى أن اتّفقا على ما وصفنا». (3)

____________________

(1) مروج الذهب 2: 358، الفتوح 2: 288، أنساب الأشراف 3: 24، المعيار والموازنة: 55.

(2) أنساب الأشراف 3: 24.

(3) المعيار والموازنة: 56، مروج الذهب 2: 358.


الصفحة 459

وقفة قصيرة:

هذه هي مواقف المصلحين - كذا! - يكذبون، ويحلفون كذباً، ويفتحوا باب شهادة الزور...، ويتشاحّون على إمامة صلاة الجماعة ؛ فكيف إذن الإمامة الكبرى، إمامة المجتمع الإسلاميّ؟!

ولقد أنبأ أمير المؤمنين عليه‌السلام عمّا سيصير إليه القوم، لمّا بلغه مسير القوم، قال: «قد سارت عائشة والزبير وطلحة، وكلّ يدّعي الأمر دون صاحبه، يطلبه طلحة لأنّه ابن عمّ عائشة، ولا يرى الزبير إلاّ أنّه أحقُّ بالخلافة لأنّه خَتنُ عائشة. فو الله لئن ظفروا بما يريدون، ولا يرون ذلك أبداً! ليضربنّ طلحةُ عنقَ الزبير، والزبيرُ عنقَ طلحة ؛ تنازعاً شديداً على الملك». (1)

ولما اقترب القوم من البصرة بعث اليهم عثمانُ بن حُنيف والي أميرالمؤمنين على البصرة عمرانَ بن الحُصَين الخزاعيّ، وأبا الأسود الديليّ - الدّؤليّ - فلمّا دخلا عليها قالا لها: يا أمّ المؤمنين! أبعهدٍ من رسول الله خرجتِ من بيتك؟ ألم يبايع الناس لابن عمّ نبيّهم ووصيّ رسولهم كما تعلمين؟ فتركتِ بلد رسول الله وحرَمه وأتيتِ البصرة! قالت: جئنا نطلب بدم عثمان! فقال عمران ابن حصين: ليس بالبصرة أحد من قتلة عثمان. قالت: لكنّهم مع عليّ بن أبي طالب فجئنا لنقاتلهم فيمَن تَبِعَنا من أهل البصرة وغيرهم!! غضبنا لكم من

____________________

(1) المعيار والموازنة: 53.


الصفحة 460

السوط والعصا على عثمان (1)، ولا نغضب لعثمان على السيف؟! فقالا لها: وما أنت من سيفنا وسوطنا وسوط عثمان وعصاه؟ إنّما أنت حبيسة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقد أمرك أن تقرّي في بيتك وتذكري ما يُتلى فيه من آيات ربّك، فتركتِ ذلك وجئت تضربين الناس بعضهم ببعض، ولستِ من طلب الدماء وحضور القتال في شيء، وعليّ أولى بعثمان منك. فقالت: وهل أحد يقاتلني؟! قالا: إي والله قتالاً أهوَنُه الشديد.

وقال لها عمران بن حصين: اتّقي الله يا أمّ المؤمنين، فإنّ الله إنّما عظّمك وشرّفك في أعين الناس ببني هاشم، فاتّقي الله واحفظي قرابة عليّ من رسول الله وحبّه إيّاه ؛ قد بايع الناس بعد رسول الله أباك ولم يخالف ولم ينكث، ثمّ جعله عمر سادس ستّة، ثمّ كان من أحداث عثمان وأمر الناس فيه ما قد علمتِ، وكنتِ أشدّ الناس فيه قولاً وأكثرهم عليه تحريضاً. ثمّ بايعه الزبير وطلحة والناس، وأتتنا كتبهم بذلك فرضينا وبايعنا، فما الذي بدا لكم؟!

فلم يكن عندها شيء أكثر من أن قالت: القياطلحة. وقالت لأبي الأسود: قد بلغني عنك يا أبا الأسود ما تقول فيّ! فانصرف عمران وأبو الأسود إلى ابن حُنيف، وجعل أبو الأسود يقول:

____________________

(1) فمجيء عائشة وطلحة والزبير ومن تبعهم إنّما للقتال لا للإصلاح... وإقرار صريح منها بما كان منها بحقّ عثمان، وسوطه وعصاه إشارة إلى عدوان عثمان على أبي ذرّ الغفاريّ وتسييره إلى الربذة ليموت وحيداً في الفلاة، وعلى عبد الله بن مسعود حتّى أصابه الفتق وعلى عمّار بن ياسر...


الصفحة 461

 

يا ابن حُنيفٍ قد أتُيتَ فانْفِرْ      وطاعِنِ القومَ وضارِب واصبِرْ

وابرزْ لهم مُستلئِماً وشَمِّرْ

فقال عثمان بن حُنيف: إي وربّ الحرمَين لأفعلنّ. ونادى عثمان بن حنيف في الناس فتسلّحوا. (1)

 

يوم الجمل الصغير

أقبل طلحة والزبير وعائشة حتّى دخلوا المِربد، حيّ قديم من أحياء البصرة ؛ وجاء أهل البصرة مع عثمان بن حنيف رُكباناً ومشاة، وخطب طلحة والزبير أنّ عثمان أحدث أحداثاً ثمّ أعتب لمّا استعُتب، وقُتل مظلوماً. واتّهما بذلك أمير المؤمنين عليه‌السلام، فقال قائلون: نَطَقا بالحقّ! وقال آخرون: كذِبا، ولهما كانا أشدّ الناس على عثمان. وارتفعت الأصوات، وأُتي بعائشة على جمَلها، فتكلّمت، وكانت جهوريّة يعلو صوتها كثرة، فقالت: صَهْ صَهْ، فأسكت لها الناس، ثمّ قالت: إنّ عثمان خليفتكم! قُتل مظلوماً... فينبغي في الحقّ أن يُؤخذ قتلته فيُقتلوا به ويُجعل الأمر شورى. (2)

فقال قائلون: صدَقتْ. وقال آخرون: كذَبتْ حتّى تضاربوا بالنّعال وتمايزوا

____________________

(1) المعيار والموازنة: 57 - 58، أنساب الأشراف 3: 24 - 25، تاريخ الطبريّ 3: 480.

(2) العجبُ من أمّ المؤمنين! فهي تطالب بردّ الأمر شورى وهو أمر لم يعمل به أبوها أبوبكر أذ عيّن عمرَ بن الخطّاب بعده، ثمّ عيّن عمرُ ستّةً ليختاروا واحداً منهم مع ترجيح الكفّة التي فيها عبد الرحمان بن عوف، وعلى الآخرين الطّاعة في حال الاختيار وإلاّ يقتلوا! فاختار لهم عثمان بن عفّان. واختار المسلمون وفيهم طلحة والزبير عليّاً، طائعين غير مُكرهين على ما مرّ بنا.


الصفحة 462

فصاروا فرقتين، فرقة مع عائشة، وفرقة مع ابن حُنيف، وكان على خيل ابن حُنيف: حكيم بن جَبَلة العبديّ. وتأهبّوا للقتال فانتهوا إلى الزابوقة.

وأقبل جارية بن قدامة السعديّ فقال: يا أمّ المؤمنين، والله لقتلُ عثمان بن عفّان أهونُ من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضةً للسلاح ؛ إنّه قد كان لكِ من الله ستر وحرمة فهتكتِ سترك وأبحتِ حرمتكِ. إنّه مَن رأى قتالكِ يرى قتلكِ. إن كنتِ أتيتينا طائعةً فارجعي إلى منزلك، وإن كنتِ أتيتينا مُستكرَهةً فاستعيني بالناس. ثمّ أنشد:

صُنتم  حَلائلكم وقُدتم iiأُمَّكم      هذا   لَعمُرك  قلّةُ  iiالإنصاف
أمرَت   بجرّ  ذيولها  في  iiبيتها      فهوتْ  تشق  البيد iiبالإيجاف
هُتكَت بطلحةَ والزّبير سُتورُها      هذا   المُخَبَّرُ  عنهُمُ  iiوالكافي

وأقبل غلام من جُهَينة على محمّد بن طلحة فقال له: ناشدتك الله، عند من دم عثمان؟ فقال: أما إذ ناشدتني الله، فإنّ دم عثمان ثلاثةُ أثلاث: ثلث عند صاحب الكوفة - يعني عليّاً، وثلث عند صاحب الهودج - يعني عائشة، وثلث عند صاحب الجمل الأحمر - يعني طلحة. فسمعته عائشة فقالت: فَعلَ الله بلك وفَعَل! وضحك الغلام وقال: ألا أراني على ضلال! ولَحِق بعليّ وقال في ذلك شعراً:

سألت  ابن  طلحة  عن iiهالك      بجوف     المدينة     لم    iiيُقبرَ
فقال:     ثلاثةُ    رَهْط    iiهُمُ      أماتوا    ابنَ   عفّانَ،   واستعبر
فثلث   على  تلك  في  iiخدرها      وأخطأتَ في الثالث الأزهر (1)

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 482 - 483، الاشتقاق: 145. =


الصفحة 463
 

 

فقلتُ: صَدَقتَ على الأوّلَيْن      وثلثٌ  علي  راكب  iiالأحَمر

- عن الزهريّ قال: لمّا قدم طلحة والزبير البصرة أتاهما عبد الله بن حكيم التميميّ بكتب كتبها طلحة إليهم يؤلّبهم فيها على عثمان، فقال له حكيم: أتعرف هذه الكتب؟ قال: نعم. قال: فما حملك على التأليب أمس والطلب بدمه اليوم؟ فقال: لم أجد في أمر عثمان شيئاً إلاّ التوبة والطلب بدمه. (1)

 

التأهّب للقتال:

وتأهّبوا للقتال، فقام طلحة والزبير خطيبين وزعما أنّهما لم يريدا قتل عثمان... فقال الناس لطلحة: يا أبا محمّد، قد كانت كتبُك تأتينا بغير هذا! فقال الزبير: فهل جاءكم منّي كتاب في شأنه؟ ثمّ ذكر قتل عثمان... وأظهر عيب عليّ! فقام إليه رجل من عبد القيس فقال: يا معشر المهاجرين، أنتم أوّل من أجاب رسول الله، فكان لكم بذلك فضل، ثمّ دخل الناس في الإسلام كما دخلتم، فلمّا توفّي رسول الله بايعتم رجلاً منكم، والله ما استأمرتمونا في شيء من ذلك، فرضينا واتّبعناكم. ثمّ مات واستخلف عليكم رجلاً منكم، فلم تشاورونا في ذلك فرضينا وسلّمنا، فلمّا توفّي الأمير جعل الأمر إلى ستّة نفر، فاخترتم عثمان

____________________

= وهي وثيقة صادقة تضاف إلى ما سبق وما يأتي أن القتلة هم أصحاب الجمل لأنّها صادرة من رجل لصيق بالأحداث هو ابن طلحة وإن كذب في بعضها إذ أضاف عليّاً إلى القتلة! ممّا حمل الفتى على مغادرة عسكرهم والانضمام إلى معسكر عليّ عليه‌السلام.

(1) أنساب الأشراف 3: 28.

فأمّا التوبة فنعم وأمّا طلب الدم فليبداً بنفسه ومن معه من القتلة!


الصفحة 464

وبايعتموه من غير مشورة منّا، ثمّ أنكرتم من ذلك الرجل شيئاً فقتلتموه من غير مشورة منّا، ثمّ بايعتم علياً من غير مشورة منّا، فما الذي نقمتم عليه فناقتله؟ هل استأثر بفيء أو عمل بغير الحقّ أو عمل شيئاً تنكرونه فنكون معكم عليه، وإلاّ فما هذا؟! فهمّوا بقتله، فقام من دونه عشيرته، فلمّا كان من الغد وثبوا عليه وعلى من كان معه فقتلوا سبعين رجلاً. (1)

وزحف إليهم عثمان بن حُنيف فقاتلهم أشدّ القتال، فكثُرت بينهم القتلى وفشَت الجراح. ثمّ إنّهم تداعَوا إلى الصُّلح فكتبوا بينهم كتاباً بالموادعة إلى قدوم عليّ، على أن لا يعرض بعضهم لبعض في سوق ولا مشَرعة، وأنّ لعثمان بن حُنيف دار الإمارة وبيت المال والمسجد. فلمّا كان في بعض الليالي بيّتوا عثمان ابن حُنيف وهو يصلّي بالناس العشاء الآخرة، فأسَروه وأمرت عائشة بقتله! ثمّ إنّ القوم استرجعوا وخافوا على مُخلَّفيهم بالمدينة من أخيه سهل بن حُنيف وغيره من الأنصار. فاكتفوا بضربه وحلقوا رأسه ونتفوا لحيته وشاربيه وأشفار عينيه، ثمّ حبسوه. وأرادوا بيت المال فمانعهم الخزّان والموكّلون به وهم السَّبابجة، فقُتل من أولئك السبابجة سبعون رجلاً غير مَن جُرح، ضُربت أعناق سبعين منهم صبراً من بعد الأسر، وهم أوّل من قُتل ظلماً في الإسلام وصبراً، وقتلوا رئيسهم أبا سلمة الزطّيّ، وكان عبداً صالحاً.

وركب حكيم بن جبلة العبديّ، معه إخوته: الرّعل والأشراف ابنا جَبَلة، في

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 486، وأنساب الأشراف، موجزاً ماذا قال الرجل إلاّ أنّه احتجّ عليهم بما هو حقّ، فعمد طلاب الصلح - كذا! - إلى قتله وسبعين رجلاً ؛ فما لكم كيف تحكمون!


الصفحة 465

ثلاثمائة فارس، فطلب من طلحة والزّبير أن يحلاّ عثمان بن حُنيف ويرجع إلى دار الإمارة وبيت المال، فأبوا عليه ذلك ووقع القتال، فقتل حكيم وإخوته، وقُتل من قوم حكيم سبعون رجلاً. وهذا هو يوم الجمل الصغير ؛ وكانت الوقعة لخمس بقين من ربيع الآخر سنة ستّ وثلاثين. (1)

 

التزاحم على الإمامة:

بعد قتل من قُتل، تدافع الزبير وطلحة في الصلاة!! وكانا بويعا أميرين غير خليفتين... ثمّ اتّفقا أن يصلّي هذا يوماً وهذا يوماً.

وأراد الزبير أن يعطي الناس أرزاقهم فقال عبد الله ابنه: إن ارتزقوا تفرّقوا! واصطلحوا على عبد الرحمان بن أبي بكر فصيّروه على بيت المال. (2)

وعن عوف الأعرابيّ قال: جاء رجل إلى طلحة والزبير وهما بالمسجد في البصرة فقال: نشدتكما بالله في مسيركما، أعَهِد إليكما فيه رسولُ الله شيئاً؟ فقام

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 26 - 28، تاريخ الطبريّ 3: 486 - 491، الفتوح 2: 289 - 290، مروج الذهب 2: 358.

أيّ قوم هؤلاء الذين ينافح عنهم ابن تيميه! فهم غُدَّر يأسرون رجلاً بعد صلح وهو في حال صلاة! وعائشة تأمر بقتله، ولو لا خيفتهم على أهلهم بالمدينة لقتلوه ؛ فاكتفوا بما فعلوا به...

وكما أحدثوا أوّل حدث في الإسلام وهو شهادة الزّور، فقد أحدثوا أوّل حدث وهو قتل سبعين أسيراً مسلماً ظلماً وصبراً!!

(2) أنساب الأشراف 3: 27 - 69، الفتوح 3: 290، تاريخ الطبريّ 3: 490 - 491، مروج الذهب 2: 358.


الصفحة 464

طلحة ولم يُجبه، فناشد الزبير فقال: لا، ولكن بَلَغنا أنّ عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها. (1)

عن أبي عمرة مولى الزبير قال: لمّا بايع أهل البصرة الزبير وطلحة قال الزبير: ألا ألف فارس أسيرُ بهم إلى عليّ، فإمّا بيَّتُّه وإمّا صبّحتُه لَعَلّي أقتله قبل أن يصلَ ألينا! فَلم يُجبه أحد، فقال: إنّ هذه لهي الفتنة التي كنّا نُحدَّث عنها! فقال له مولاه: أتسمّيها فتنةً وتُقاتل فيها؟! قال: وَيْحَك إنّا نُبصِر ولا نبصُر، ما كان أمرٌ قطّ إلاّ علمتُ موضع قدمي فيه غير هذا الأمر ؛ فإنّي لا أدري أمُقبِل أنا فيه أم مُدبِر! (2)

وعن عبد الله بن مصعب قال: أخبرني موسى بن عقبة قال: سمعت علقمة ابن وقّاص الليثي قال: لما خرج طلحة والزبير وعائشة رأيت طلحة وأحبّ المجالس إليه أخلاها وهو ضاربٌ بلحيته على زَوْره - أي أعلى صدره - فقلت له: يا أبا محمّد، أرى أحبّ المجالس إليك أخلاها وأنت ضارب بلحيتك على زَورك، إن كرهت شيئاً فاجلس. قال: يا علقمة، بينا نحن يد واحدة على من سوانا إذ صرنا جبلين من حديد يطلب بعضنا بعضاً. إنّه كان منّي في شيء ليست

____________________

(1) المصنّف لابن ابي شيبة 7: 544 / 3775. فحركة القوم وكلّ حرف صدر منهم محض باطل، فطلحة والزبير أميران! وكلّما كانت صلاة تشاحّا على الإمامة، وليس فيهما أهل للأمانة على بيت المال، والزبير جاء طالب دراهم...!

(2) تاريخ الطبريّ 3: 492. وثيقة إدانة تتبع أختها، فمن قبل بيّتوا ابن حنيف وهو في الصلاة... وها هو يريد تبيت عليّ عليه‌السلام فلمّا لم يتمّ له ما أراد أقرّ أنّه في الفتنة سقط، فهلاً استنفذ نفسه منها؟!


الصفحة 467

توبتي إلاّ أن يُسفَك دمي في طلب دمه! (1)

 

مسير أمير المؤمنين إلى العراق:

بلغ أمير المؤمنين عليه‌السلام ما أحدث البغاة النّاكثون من قتلهم السّبابجة وحكيم ابن جبلة وأصحابه، وما فعلوه بعثمان بن حُنيف ؛ فسار في سبعمائة من المهاجرين والأنصار منهم سبعون بدريّاً، واستخلف على المدينة سهل بن حُنيف.

وبعث عليه‌السلام ابنه الحسن، وعمّار بن ياسر، إلى الكوفة، فخطبا الناس، فنفر معهما من أهل الكوفة تسعة آلاف، وانضمّ إليهم أهل المدينة والحجاز وأهل مصر... ونزلوا الموضع المعروف بالزاوية. فكانوا تسعة عشر ألف من فارس وراجل، فصلّى عليه‌السلام أربع ركعات، وعفّر خدّيه بالتراب، وقد خالط ذلك دموعه، ثمّ رفع يديه يدعو: «اللّهمّ ربَّ السماوات وما أظلّت، والأرضين وما أقلّت، وربَّ العرش العظيم ؛ هذه البصرة أسألك من خيرها، وأعوذ بك من شرّها. اللّهمّ أنزِلنا منها خير منزلٍ، وأنت خير المُنزِلين. اللّهمّ إنّ هؤلاء القوم خلعوا طاعتي وبغَوا عليّ ونكثوا بيعتي، اللّهم احقن دماء المسلمين».

وبعث إليهم من يناشدهم الله في الدماء وقال: علامَ تقاتلونني؟ فأبَوا إلاّ

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 492، المستدرك على الصحيحين 3: 419 / 5595 وقال في التلخيص: سنده جيّد.

فهذا طلحة يقرّ على نفسه بما كان منه بشأن عثمان ولا يرى كفّارة ذنبه هذا إلاّ أن يسفك دمه، فهلاّ ذبح نفسه فأراح العباد من فتنة عظيمة...؟!


الصفحة 468

الحرب.

 

تعبئة أمير المؤمنين

عبّأ أمير المؤمنين عليه‌السلام عسكره، فكان على خيل ميمنته عمّار بن ياسر، وعلى الرجّالة شُريح بن هانئ، وعلى خيل الميسرة سعيد بن قيس الهمدانيّ، وعلى رجّالتها عَديّ بن حاتم الطائيّ، وعلى خيل الجناح زياد بن كعب الأرحَبيّ، وعلى رجّالتها حجر بن عديّ الكنديّ، وعلى خيل الكمين عَمرو بن الحَمِق الخزاعيّ، وعلى رجّالتها جُندب بن زهير الأزديّ ؛ وأعطى رايته العظمى ابنه محمّد ابن الحنفية. ثمّ جعل على كلّ قبيلة سيّداً من ساداتهم يرجعون إليه في أمورهم ؛ فكان خزيمة بن ثابت الأنصاريّ ذو الشهادتين معه راية، وأبو أيّوب الأنصاريّ معه راية، وقيس بن سعد بن عُبادة معه راية، وأبو قتادة النّعمان بن ربعيّ الأنصاري معه راية، وعبد الله بن العبّاس معه لواء، وعبيد الله بن العبّاس معه راية. وتقدّم الجميع أمير المؤمنين، عن يمينه ولده الحسن، وعن شماله ولده الحسين، وبين يديه ولده محمّد ابن الحنفيّة، وخلفه عبد الله بن جعفر الطيّار ومشايخ أهل بدر من المهاجرين والأنصار.

هذه هي تركيبة جيش عليّ عليه‌السلام، ليس فيها طليق ولا لصيق، ولا خائن أمانة ولا مزوّر شهادة ولا ناكث بيعة، ولا طالب دراهم، ولا دعيّ ولا مجهول النّسب...


الصفحة 469

مبدأ عليّ في القتال

إنّ مبدأ عليّ عليه‌السلام، في كلّ حروبه: أن لا يبدأ قوماً بقتال. عن جويرية بن أسماء، عن يحيى بن سعيد، قال: حدّثني عمّي قال: لمّا كان يوم الجمل نادى عليّ في النّاس: لا ترموا أحداً بسهم ولا تطعنوا برمح ولا تضربوا بسيف ولا تطلبوا القوم ؛ فإنّ هذا مقام من أفلح فيه فلح يوم القيامة.

قال: ثمّ إنّ القوم قالوا بأجمع: يا ثارات عثمان! فمدّ عليّ يديه وقال: اللّهم أكبّ قتلة عثمان اليوم بوجوههم.

ثمّ إنّ الزبير قال للأساورة كانوا معه: ارموهم برشق، وكأنّه أراد أن ينشب القتال، فلمّا نظر أصحابه إلى الانتشاب لم ينتظروا وحملوا، فهزمهم الله ورمى مروانُ بن الحكم طلحةَ بن عبيد الله بسهم فشكّ ساقه بجنب فرسه، فقبض به الفرس حتّى لحقه فذبحه، فالتفت مروان إلى أبان بن عثمان وهو معه فقال: لقد كفيتك أحدَ قتلَةِ أبيك! (1)

 

زيادة بيان:

«أمر أميرُ المؤمنين عليه‌السلام أصحابه أن يصافّوهم ولا يبدأوهم بقتال ولا يرموهم بسهم ولا يضربوهم بسيف ولا يطعنوهم برمح، وأن لا يُجهزوا على جريح ولا يُمثّلوا بقتيل، ولا يدخلوا داراً بغير إذن ولا يشتموا أحداً ولا يلحقوا مُدبراً ولا يَهيجوا امرأة، ولا يأخذوا إلاّ ما في عسكرهم، ولا يكشفوا عورة، ولا يهتكوا

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 418 / 5593.


الصفحة 470

ستراً.

ثمّ دعا عليّ بالدرع فأفرغه عليه وتقلّد بسيفه واعتجر بعمامته واستوى على بغلة رسول الله...

ونظرت إليه عائشة وهو يجول بين الصفوف فقالت: انظروا إليه كأنّ فعله فعل رسول الله يوم بدر، أما والله ما ينتظر بكم إلاّ زوالَ الشمس. فقال عليه‌السلام: يا عائشة، «عَمّا قَلِيلٍ لّيُصْبِحُنّ نَادِمِينَ» (1).

ثمّ قال لأصحابه: أيّكم يَعرِض عليهم هذا المصحف وما فيه، فإن قُطِعت يده أخذه بيده الأخرى، وإن قُطِعت أخذه بأسنانه؟! قال فتى شابّ يقال له: مسلم المجاشعيّ من تميم: أنا ؛ فقال له أمير المؤمنين: أعرض عليهم هذا، وقل لهم: هو بيننا وبينكم من أوّله إلى آخره، والله في دمائنا ودمائكم. فحمل الفتى وفي يده المصحف فقُطعت يداه فأخذه بأسنانه حتّى قُتل. فقالت أُمّه:

يا ربّ، إنّ مسلماً دعاهُم      يتلو كتاب الله لا يخشاهُم

فَرَمَّلُوه رُمِّلت لحاهُم!

ورمى أصحابُ الجمل أصحاب أمير المؤمنين، فعقروا منهم جماعة، ثمّ جيء برجل من أصحابه من الميمنة قد رُمي بسهم فقُتل، فقال عليه‌السلام: اللّهم اشهد. ثمّ أذن بالقتال وهو يقول: الآنطاب الضِّراب. ثمّ دفع رايته إلى ابنه محمّد ابن الحنفيّة وقال: تقدّم يا بنيّ فتقدّم محمّد فطعن في أصحاب الجمل طعناً منكراً وأمير المؤمنين ينظر، فأعجبه ما رأى من فعاله فجعل يقول:

____________________

(1) المؤمنون: 40.


الصفحة 471

 

اطعن  بها  طَعْنَ أبيك iiتُحمَدِ      لا خيرَ في الحرب إذا لم تُوقَدِ

فقاتل ساعةً ثمّ رجع، وحمل أصحاب الجمل على ميمنة أمير المؤمنين وميسرته فكشفوها، فأتاه بعض ولد عقيل وأمير المؤمنين يخفِق نعاساً على قربوس سرجه، فقال له: يا عمّ، قد بَلَغَت ميمنتك وميسرتك حيث ترى، وأنت تَخفِق نعاساً؟ قال: اسكت يا ابن أخي ؛ فإنّ لعمّك يوماً لا يَعدوه، والله ما يبالي عمُّك وقع على الموت أو وقع الموت عليه. ثمّ ضرب بيده إلى سيفه فاستلّه، وأخذ الراية من ولده محمّد وحمل، وحمل معه الناس فما زال يضرب فيهم يميناً وشمالاً ثمّ رجع وقد انحنى سيفه، فجعل يسوّيه بركبته... ثمّ حمل ثانية حتّى اختلط بهم، فجعل يضرب فيهم قُدماً حتّى انحنى سيفه، ثمّ رجع إلى أصحابه وهو يقول: «والله ما أريد بذلك إلاّ وجه الله والدار الآخرة».

وقطع على خطام الجمل سبعون يداً من بني ضَبّة، وجعل بنوضبّة يأخذون بَعْرَ الجمل فيفتّونه ويشمّونه ويقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى بعر جمل أمّنا كأنّه المسك الأذفر!!

وعرقب جماعة من عسكر أمير المؤمنين الجمَل فوقع لجنبه... فبادر إليها محمّد بن أبي بكر، بأمر أمير المؤمنين لمواراتها... وجاء عليّ عليه‌السلام فقال: يا عائشة، رسول الله أمرك بهذا؟! ألم يأمرك أن تقرّي في بيتك؟! والله ما أنصفك الذين أخرجوك ؛ إذ صانوا عقائلهم وأبرزوك! فقالت: قد ظفرت فأحسن. فأمر أخاها محمّداً أن يحملها ويدخلها البصرة ولا يدع أحداً يقترب منها، فحملها فأدخلها بيت صفيّة بنت طلحة العبديّ.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة