الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 425

استأذن جبريل عليه‌السلام أن يدخل معهم فأذن له النبيّ ؛ فلم يشركهم بهذه الكرامة إلاّ نبيّ وسفير الله تعالى إلى نبيّه. ونزلت آية التطهير بهم ودعا لهم النبيّ بكلّ خير وأعلن يومئذ أنّهم أهل بيته دون غيرهم ولقد استمرّ رسول الله ستّة أشهر بعد نزول آية التطهير يمرّ على بيت عليّ عليه‌السلام ويرفع صوته وذلك إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول: الصّلاة رحمكم الله (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً) (1). (2)

وفي النّهاية لابن الأثير: «خلّفت فيكم الثقلين ؛ كتاب الله وعِتْرتي». عترة الرجل: أخَصُّ أقاربه. وعِتْرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: بنو عبد المطّلب. وقيل: أهل بيته الأقربون، وهم أولادهُ وعليّ وأولاده.(3)

فأخصُّ أقاربه يدخلُ فيهم عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين:، ويخرج منهم الأبعدون ؛ فيكف بمَن لا يمسّه برحم؟! وعلى قول بني عبد المطّلب فعليّ منهم بدأ شرفهم لسابقته وعلمه وجهاده، وغيره لا.

وعلى لفظ «أهل بيته الأقربين» فقد عرّفهم ابن الأثير فكفانا.

أضف إلى ذلك نزول آية التطهير فيهم، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيهم: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي»، يعني هؤلاء هم أهل بيتي لا غيرهم!

____________________

(1) الأحزاب: 33.

(2) ما نزل من القرآن في عليّ: ابن مردويه 301 ح 475، نور الأبصار: 226، الشرف المؤبّد 6 - 8 و 12 - 13، أنساب الأشراف 1: 353.

(3) النهاية ابن الأثير 3: 177.


الصفحة 426

وكما ذكرنا: أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله، في الأمور الخطيرة يعيد القول ويذكّر أمّته بما أوجب الله تعالى عليها لئلاّ تنسى، ولئلاّ يظهر مَن يقلّب الأمور ويُموّه الحقائق ؛ فإنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ذكّرهم بعترته في حصاره للطّائف: عن عبيد الله بن موسى، عن طلحة ابن جبر، عن المطّلب بن عبد الله، عن مصعب بن عبد الرحمان، عن عبد الرحمان ابن عوف قال: لما افتتح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مكّة، انصرف إلى الطّائف، فحاصرهم تسع عشرة أو ثمان عشرة فلم يفتحها، ثمّ ارتحل رَوْحةً أو غَدوةً، فنزل ثمّ قال: «أيّها النّاس إنّي فرطٌ لكم فأوصيكم بعترتي خيراً، وإنّ موعدَكُمُ الحَوْضُ، والذي نفسي بيده لَيُقيمَنّ الصلاةَ ولَيُؤتُنّ الزكاة أو لأَبعثَنَّ إليهم رجلاً منّي أو كنفسي، فليضربنّ أعناق مقاتلتهم ولْيَسبَينَّ ذراريهم». قال: فرأى النّاس أنّه أبو بكر أو عمر، فأخذ بيد عليّ فقال: «هذا» (1).

وكلامنا عليه مثل ما سبق من أحاديث، فقد أوصى بعترته خيراً، ووصيّته صلى‌الله‌عليه‌وآله واجب تأديتها، ثم نصب من العترة عَلَماً أقامه مقام نفسه، وهو عليّ ابن أبي طالب ولذا أقرّ أبوبكر بالحقّ فيما كبُر على ابن تيميه أن يقرّ بما اقرّبه أبوبكر وهو سَلَفُه! قال مَعقِل بن يسار المُزنيّ (2): سمعتُ أبا بكر يقول لعليّ بن

____________________

(1) المصنّف: ابن أبي شيبة (ت 235 هـ) 8: 543 / 2. والفرط: دليل القوم أو الذي يتقدّمهم بحثا عن الماء والكلأ.

(2) معقل بن يَسار: يكنّى أبا عليّ، من أصحاب النبيّ. (تاريخ الثّقات للعجليّ 434 / 1607. وفي التهذيب (10: 235): وكان ممّن بايع تحت الشجرة.


الصفحة 427

أبي طالب: عِتْرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. (1)

 

حديث السفينة

وأمّا قوله: «مَثلُ أهل بيتي مَثلُ سفينة نوح» فهذا لا يُعرف له إسناد صحيح.

جوابه: عن عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن أبي إسحاق عن حنش بن امعُتَمِر، أنّه سمع أبا ذرّ الغفاريّ يقول: سمعت رسولَ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوحٍ في قوم نوح: من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك، ومَثَلِ باب حطّة في بني إسرائيل» (2).

محاكمة السند:

عبد الله بن عبد القدّوس التميميّ السعديّ، أبو محمّد الرازيّ. روى عن جابر الجُعفيّ، وسليمان الأعمش.. حُكيَ عن محمّد بن عيسى أنّه قال: هو ثقة. (الكامل لابن عديّ 2: 137). وقال البخاريّ: هو في الأصل صدوقٌ إلاّ أنّه يروي عن أقوام ضِعاف.

استشهد به البخاريّ، وروى له الترمذيّ. قال أبو أحمد بن عَدِيّ: عامّة ما

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 18: 28.

(2) كتاب الفضائل - فضائل الحسنين: أحمد بن حنبل، حديث «55»، المعارف: ابن قتيبة: 252، تفسير ابن كثير 4: 114 ذيل آية المودّة، المستدرك على الصحيحين: 3: 150، المعرفة والتاريخ 1: 538، علل الدار قطنيّ 6: 226، المعجم الأوسط: الطبرانيّ 6: 186 / 5386 المعجم الصغير 1: 22، مناقب ابن المغازليّ 133 حديث 175.


الصفحة 428

يرويه في فضائل أهل البيت! (1)

إذن: العلّة في خَدْشِ ابن تيميه في سند حديث السفينة وقوله: لا يصحّ! هو كثرةُ ما يرويه ابن عبد القدّوس من فضائل العترة، وهو غيضٌ من فيضِ فضائلهم:. قد وثقه ابن عدي وحكم البخاريّ بصدقه، واستشهد به، وروى له الترمذيّ. (2)

وأمّا الأعمش: فهو سليمان بن مهران الأعمش، أخرج له الجماعة. ذكره العجليّ، قال: ثقة، كوفيّ، كثير الحديث وكان عالماً بالقرآن رأساً فيه... (3).

وذكره يحيى بن معين فقال: ثقة (4). قال: قال أبو معاوية الضرير: حفظتُ عن الأعمش ألفاً وستمائة. (5) وقال: هذه الأحاديث حفظتها من في الأعمش. (6)

قال يحيى: وكان عند وكيع عن الأعمش ثمانمائة. قلت - أي الدّوريّ - ليحيى: كان أبو معاوية أحسنهم حديثاً، عن الأعمش؟

قال: كانت عند الأحاديث الكبار العالية عنده. (7)

____________________

(1) الكامل: ابن عديّ 2: 137.

(2) تهذيب الكمال: المزّيّ 15: 243 / 3397.

(3) تاريخ الثّقات: العجليّ (182 - 261) 204 / 619.

(4) تاريخ يحيى بن معين (158 - 233 هـ) 1: 221 / 1433 ؛ والجرح والتعديل: الرازي 2: 3 / 96.

(5) تاريخ يحيى بن معين 276 / 1827 ؛ وتاريخ بغداد 5: 246.

(6) تاريخ يحيى بن معين 1: 276 / 1830.

(7) نفسه 1: 276 / 1828 ؛ وتاريخ بغداد 5: 246.


الصفحة 429

وذكره ابن حبّان في الثّقات. (1)

وترجم له المزّيّ ترجمة ضافية جاء فيها: رأى أنس بن مالك، وأبا بكرة الثقفيّ.

وروى عن: أنس بن مالك، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي وائل شقيق بن سلمة الأسديّ، وعامر الشّعبيّ، وعطاء بن أبي رَباح، وعطيّة العَوْفيّ، وعكرمة مولى ابن عبّاس، وأبي إسحاق عمرو بن عبد الله السّبيعيّ، وقيس بن أبي حازم، وأبي الزّبير محمّد بن مسلم المكّيّ، والمِنهال بن عمرو، وأبي صالح مولى أمّ هانئ، وسالم بن أبي الجعد، وخيثمة بن أبي خيثمة البصريّ...

روى عنه: أبان بن تغلب، وإبراهيم بن طهمان، وأسباط بن محمّد القرشيّ، وإسرائيل بن يونس، وحفص بن غياث، وحمزة بن حبيب الزيّات، وسفيان الثّوريّ، وسفيان بن عُيَينة، وشريك بن عبد الله النّخعيّ، وشعبة بن الحجّاج، وزياد ابن عبد الله البكّائيّ، وعبد الله بن عبد القدّوس الرازيّ، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن نمير، وعبيد الله بن موسى، وأبو نُعيم الفضل بن دُكين، وفُضيل بن مرزوق، ووكيع بن الجرّاح، ويحيى بن سعيد القطّان، وأبو إسحاق السبيعيّ - وهو من شيوخه - وأبو عَوانة، وأبو معاويةَ الضّرير.... (2)

قال البخاريّ، عن عليّ ابن المدينيّ: له نحو ألف وثلاثمائة حديث. (3)

____________________

(1) الثقات لابن حبّان 2: 184 / 1421.

(2) تهذيب الكمال: المزّيّ 12: 76 - 83 / 2570.

(3) نفسه 12: 83.


الصفحة 430

وقال عليّ ابن المدينيّ: حفظ العلم على أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ستّةٌ: فلأهل مكّة عمرو بن دينار، ولأهل المدينة ابن شهاب الزّهريّ، ولأهل الكوفة أبو إسحاق السّبيعيّ، وسُليمان بن مهران الأعمش... (1).

قال عاصم الأحْوَل: مرّ الأعمش بالقاسم بن عبد الرحمان فقال: هذا الشيخ أعلم النّاس بقول عبد الله بن مسعود. (تهذيب الكمال 12: 85).

وقال أحمد بن حنبل: أبو إسحاق والأعمش رجلا أهل الكوفة. (2)

وقال زهير بن معاوية: ما أدركت أحداً أعقل من الأعمش والمغيرة. (3)

وقال يحيى بن معين: كان جرير إذا حدّث عن الأعمش، قال: هذا الدّيباج الخسروانيّ. (4)

وقال شعبة: ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمش. (5)

وقال عبد الله الخُرَيبيّ: سمعت شعبة إذا ذكر الأعمش، قال: المـُصحَف المـُصحَف! (6)

____________________

(1) نفسه 12: 84.

(2) تهذيب الكمال 12: 85.

(3) نفسه ؛ وتاريخ بغداد 9: 9.

(4) تهذيب الكمال 12: 86 ؛ و تاريخ بغداد 9: 10، والمعرفة والتاريخ ليعقوب الفسويّ 2: 678، والجرح والتعديل: 4 / الترجمة 630 وزاد: وهو أستاذ أهل الكوفة.

(5) تهذيب الكمال 12: 86 ؛ و تاريخ بغداد 9: 10.

(6) تهذيب الكمال 12: 86 ؛ و تاريخ بغداد 9: 11.


الصفحة 431

وقال عمرو بن عليّ: كان الأعمش يسمّى المصحف من صِدقه. (1)

وقال عبّاس الدّوريّ، عن سهل بن حليمة: سمعت ابن عُيينة يقول: سبق الأعمش أصحابه بأربع خصال: كان أقرأهم للقرآن، واحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خصلة أخرى.(2)

ويطول الكلام عن الأعمش وما قيل فيه ؛ فنكتفي بما ذكرنا.

أبو إسحاق السبيعيّ واسمه عمرو بن عبد الله. وقد ذكرنا في ترجمة الأعمش: أنّ أبا إسحاق من شيوخه وقد حدّث كلّ واحد منهما عن الآخر ؛ ممّا يُظهر فضلهما وثقتهما.

ذكره العجليّ، قال: «كوفيّ»، تابعيّ، ثقة.

قال: وروى أبو إسحاق السّبيعيّ عن ثمانية وثلاثين من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

حدّثنا أبي: عبدُ الله، قال: كان أبو إسحاق يقول لإسرائيل: الزم هؤلاء الثلاثة، فإنّهم أصحاب علم وفصاحة: عبد الملك بن عمير، والأعمش وسِماك بن حرب. (3)

وترجم له في التهذيب: عَمرو بن عُبيد... أبو إسحاق السّبيعيّ الكوفيّ الهمدانيّ.

ذكر شريك عن أبي إسحاق أنّه وُلِدَ لسنتين بقيتا من خلافة عثمان.

____________________

(1) تهذيب الكمال 12: 87 ؛ وتاريخ بغداد 9: 11.

(2) تهذيب الكمال 12: 85 ؛ وتاريخ بغداد 9: 9.

(3) تاريخ الثّقات: العجليّ 366: 1272.


الصفحة 432

روى عن: أنس بن مالك، وأسامة بن زيد بن حارثة، والبراء بن عازب، والأشعث بن قيس الكندي، وجرير بن عبد الله البجلي، وحُبشي بن جنادة، وزيد بن أرقم، وسعيد بن جبير، وسليمان بن صُرَد الخزاعيّ، وصعصعة بن صوحان، وعامر بن شراحيل الشّعبي، وعبد الله بن الزبير بن العوّام، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطّاب، وزيد بن يُثيع، والحارث بن عبد الله الأعور، وعبد خَير الهمدانيّ، وعديّ بن ثابت الأنصاريّ، وعبد الرحمان بن أبي ليلى، وعديّ بن حاتم الطائيّ، وعطاء بن أبي ربَاح، وعِكرمة مولى ابن عبّاس، وعليّ بن أبي طالب، وعمرو بن ميمون الأودي، وقيس بن أبي حازم، وكُميل بن زياد، ومجاهد بن جبر المكّي، وأبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين، ونافع مولى ابن عمر، والنّعمان بن بشير، وأبي بُردة بن أبي موسى الأشعري...(1)

روى عنه: أبان بن تغلب، وأبو شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي، والحسن ابن صالح بن حَيّ، وسفيان الثوريّ، وهو أثبت النّاس فيه، وسفيان بن عُيينة، وسليمان الأعمش، وشريك بن عبد الله، وشعبة بن الحجاج، وفضيل بن مرزوق، و فطر بن خليفة، وقتادة بن دِعامة، ومالك بن مِغوَل، ومسعر بن كدام، ومنصور بن المعتمر، وموسى بن عقبة، وأبو بكر بن عيّاش، وأبو حمزة الثّمالي، وحمزة بن حبيب الزّيّات... (2)

____________________

(1) تهذيب الكمال 22: 102 - 108 / 4400.

(2) تهذيب الكمال: 108 - 110.


الصفحة 433

قال أحمد بن حنبل: أبو إسحاق ثقة. (1)

وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. (2)

وكذلك قال النسائي. (3)

وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وهو أحفظ من أبي إسحاق الشّيباني، ويشبه الزّهري في كثرة الرواية واتّساعه في الرّجال. (4)

وقال أبو داود الطّيالسي: قال رجل لشعبة: سمع أبو إسحاق من مجاهد؟ قال: ما كان يصنع بمجاهد! كان هو أحسن حديثاً من مجاهد، ومن الحسن وابن سيرين. (5)

حنش بن المعتمر الكنانيّ الكوفيّ:

قال العجليّ: تابعيّ، كوفيّ، ثقة. (6)

وفي التهذيب: روى عن عُلَيم الكنديّ، وعليّ بن أبي طالب، وأبي ذرّ الغفاريّ.

روى عنه: أبو إسحاق السبيعيّ، وأبو صادق وسماك بن حرب...

____________________

(1) تهذيب الكمال 22: 110 ؛ والجرح والتعديل: 6 / الترجمة 1347.

(2) تهذيب الكمال 22: 110 ؛ والجرح والتعديل: 6 / الترجمة 1347.

(3) نفسه.

(4) نفسه.

(5) نفسه.

(6) تاريخ الثقات للعجليّ 136 / 347.


الصفحة 434

قال أبو داود: حنش بن المعتمر ثقة.

قال عبد الرحمان بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هو عندي صالح.

روى له أبو داود، والتّرمذيّ، والنّسائي في خصائص عليّ وفي مُسنده. (1)

أبو ذرّ الغفاريّ: لا حاجة للحديث عنه لجلالته...

هذا هو سند الحديث الذي قال عنه شيخ الإسلام: لا يُعرف له إسنادٌ صحيحٌ.

وبنفس السند، عن حنش الكنانيّ قال: سمعت أبا ذرّ رضي‌الله‌عنه يقول وهو آخذ بباب الكعبة: مَن عرفني فأنا مَن عرفني ومَن أنكرني فأنا أبو ذرّ سمعتُ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه مَن ركبها نجا ومَن تخلّف عنها غرق». (2)

ولن نستغرق في الكلام على أسانيد الحديث من طُرقه الأخرى بعد أن ثبت لنا صحّة سند الحديث السابق ؛ فحقّ القول وبطل ما كانوا يفترون.

وعن عليّ بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «مَثَل أهل بيتي مَثَل سفينة نوح: من ركب فيها نجا، ومن تخلّف عنها غرق، ومن قاتَلَنا في آخر الزمان فكأنّما قاتل مع الدجّال». (3)

____________________

(1) تهذيب الكمال 7: 432 / 1556، والجرح والتعديل: 3 / الترجمة 1297.

(2) المعارف: ابن قتيبة (ت 276 هـ) 252، والمستدرك على الصحيحين 3: 163 / 4720.

(3) المعرفة والتاريخ للفسويّ 1: 296، ومناقب الإمام عليّ: ابن المغازليّ الشّافعيّ: 134 حديث 177، وميزان الاعتدال، حديث 1826.


الصفحة 435

وعن أبي سلمة الصّائغ، عن عطيّة - العوفيّ - عن أبي سعيد الخدريّ قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «إنّما مَثَلُ أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق. وإنّما مَثَلُ أهل بيتي فيكم مَثَلُ باب حطّة في بني إسرائيل: من دخله غُفِر له». (1)

و لحديث السفينة عن ابن عبّاس، وأبي ذرّ، طرق أخرى. (2)

ونظير حديث السفينة، ما ذكره القاضي عياض من قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «معرفةُ آلِ محمّدٍ براءةٌ من النّار، وحبُّ آلِ محمّدٍ حَوازٌ على الصِّراط، والولاية لآلِ محمّدٍ أمانٌ من العذاب». (3)

قال القاضي: قال بعض العلماء: معرفتهُم هي معرفةُ مكانتهم من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وإذا عَرَفهم بذلك عرفَ وجوبَ حقّهم وحُرمتهم بسببه. (4)

 

أهل البيت عليهم‌السلام أمان لأهل الأرض:

وبسنده أخرج الحاكم مستدركاً على الشّيخين:

عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله «النّجوم أمانٌ لأهل الأرض من

____________________

(1) المعجم الصغير للطبرانيّ 2: 22.

(2) انظر المعرفة والتاريخ: الفسويّ (ت 277 هـ) 1: 296، المعارف: ابن قتيبة: 86، عيون الأخبار، له 1: 211، حلية الأولياء 4: 306، الصواعق المحرقة: ابن حجَر: 184، و 234، الخصائص الكبرى: السيوطي 2: 266، تاريخ الخلفاء، له 573، ينابيع المودّة 28.

(3) الشفا: القاضي عياض 31.

(4) نفسه.


الصفحة 436

الغرق، وأهلُ بيتي أمانٌ لأمّتي من الاختلاف. فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس».

قال: هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرّجاه. (1)

ووقع الذي حذّر منه رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فظهر أكثرُ من ناصبيّ يعبدُ الله بعداوتهم! فكان مسلسل المآسي الذي ما زلنا نتجرّع غصّته وأثره السيِّئ، وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.

وبسندٍ عن أبي عاصم، قال: حدّثنا موسى بن عبيدة، عن إياس بن سلمة ابن الأكوع، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «النجوم أمانٌ لأهل السماء، وأهلُ بيتي أمانٌ لأُمّتي». (2)

 

وقعة الجمل

قال ابن تيميه: وأمّا الحديث الذي رواه وهو قوله لها: «تقاتلين عليّاً وأنتِ

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 162 / 4715. والمعرفة والتاريخ: يعقوب الفسويّ 1: 538 و 296.

(2) مناقب الإمام علي: محمّد بن سليمان الكوفي (القرن الرابع)، 1: 828 / 667. والأمالي الخميسيّة: المرشد بالله (ت 499 هـ) 1: 155، والمعجم الكبير: الطبرانيّ (ت 360 هـ) 7: 25، وجواهر العقدين، للسمهوديّ: 95، وموضّح أوهام الجمع والتفريق: الخطيب البغداديّ 2: 402، وكنز العمّال 12: 101. والأمالي للطوسيّ 2 / 252 باب 48، والمعرفة والتاريخ 1: 538، وفرائد السمطين 2: 241 باب 47.


الصفحة 437

ظالمة». قال: فهذا لا يُعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة... بل هو كذب قطعاً، فإنّ عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنّما خرجت بقصدِ الإصلاح بين المسلمين وظنّت أنّ في خروجها مصلحةً للمسلمين، ثمّ تبيّن لها فيما بعد أنّ تركَ الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتّى تبلّ خمارها، وهكذا عامّة السّابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير وعليّ رضي الله عنهم أجمعين. (1)

قال: (و أمّا قوله): وخالفت أمر الله في قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ وَلاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَاهِلِيّةِ الْأُولَى) (2) ؛ فهي رضي الله عنها لم تتبرّج تبرّج الجاهليّة الأولى، والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحةٍ مأمورٍ بها كما لو خرجت للحجّ والعُمرة...، فعائشة اعتقدت أنّ ذلك السفر مصلحةٌ للمسلمين... (3).

قال: وأمّا قوله: خرجت في ملأٍ من الناس تقاتل عليّاً على غير ذنبٍ فهذا كذِبٌ عليها فإنّها لم تخرج لقصد القتال ولا كان أيضاً طلحة والزبير قصدهما القتال لعليّ... (4)

قال: (وأمّا قوله) إنّ عائشة كانت تأمر بقتل عثمان وتقول: اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً، ولما بلغها قتلُه فرحت بذلك ؛ فيقال له: أوّلاً: أين النقل الثابت عن

____________________

(1) منهاج السنّة: ابن تيميه 2: 185.

(2) الأحزاب: 33.

(3) منهاج السنّة: ابن تيميه 2: 186.

(4) منهاج السنّة: ابن تيميه 2: 186.


الصفحة 438

عائشة بذلك، ويقال ثانياً: إنّ المنقول عن عائشة يكذّب ذلك ويُبيّن أنّها أنكرت قتْله وذمّت مَن قتله.

ويقال ثالثاً: هب أنّ واحداً من الصحابة، عائشة أو غيرها، قال في ذلك كلمةً على وجه الغضب لإنكاره بعضَ ما يُنكرُ، فليس قولُه حجّة! ولا يقدح في إيمان القائل ولا المقول له ؛ بل قد يكون كلاهما وليّاً لله تعالى، من أهل الجنّة، ويظنّ أحدُهما جوازَ قتْل الآخر بل يظنّ كفرَه! وهو مخطئ في هذا الظنّ... (1).

قال: ويقال رابعاً: إنّ هذا المنقولَ عن عائشة من القدح في عثمان إن كان صحيحاً، فإمّا أن يكون صواباً أو خطأً، فإن كان صواباً لم يُذكر في مساوي عائشة وإن كان خطأً لم يُذكر في مساوي عثمان، والجمع بين بُغض عائشة وعثمان باطل ؛ وأيضاً فعائشة ظهر منها من التألّم لقتل عثمان! والذمّ لقتلِته وطلب الانتقام منهم ما يقتضي الندم على ما ينافي ذلك... ؛ وأيضاً ما ظهر من عائشة وجمهور الصّحابة وجمهور المسلمين من الملام لعليّ، أعظم ممّا ظهر منهم من الملام لعثمان، فإن كان هذا حجّة في لوم عثمان، كان حجّة في لوم عليّ وإلاّ فلا... (2).

قال: وما يذكرونه من القدح في طلحة والزبير، ينقلب ما هو أعظم منه في حقّ عليّ ؛ فإن أجابوا عن ذلك بأنّ عليّاً كان مجتهداً فيما فعل وإنّه أولى بالحقّ من طلحة والزبير ؛ قيل: نعم، طلحة والزبير كانا مجتهدين وعليّ وإن كان أفضل

____________________

(1) نفسه: 188.

(2) منهاج السنّة: ابن تيميه 2: 190.


الصفحة 439

منهما، لكن لم يبلغ فعلُهما بعائشة ما بلغ فعلُ عليّ!! فعليّ أعظم قدراً منهما ولكن إن كان فعل طلحة والزبير معها ذنباً، ففعلُ عليّ أعظم ذنباً فَتقاوَم كبر القدْر وعِظَم الذنب (1).

قال: فإن قالوا: هما أحوجا عليّاً إلى ذلك لأنّهما أتيا بها، فما فعله عليّ مضاف إليهما لا إلى عليّ ؛ قيل: وهكذا معاوية، لمّا قيل له: قتلت عمّاراً وقد قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «تقتلك الفئة الباغية» قال: أوَ نحنُ قتلناه؟ إنّما قتله الذين جاؤوا به حتّى جعلوه تحت سيوفنا، فإن كانت هذه الحجّة مردودةً فحجّةُ مَن احتجّ بأنّ طلحة والزبير فعلا بعائشة ما جرى عليها من إهانة عسكر عليّ لها واستيلائهم عليها مردودة أيضاً، وإن قُبلتْ هذه الحجّة ؛ قُبلتْ حجّة معاوية رضي‌الله‌عنه! (2)

 

جوابنا:

كشف الرجل عن صفحة نفسه وأنّه ناصبيّ و...، فلو أنّه اكتفى بتسويغ خروج عائشة وطلحة والزبير، والتمس لهم المعاذير في ذلك ؛ وإن كانت مهلهلةً إذ هي أوهنُ من بيت العنكبوت!

لكان ذلك أفضل له وأستر، لكنّه كذب في تكذيب الحقائق الثابتة وخاض مناضلاً لقلب الأمور لتبرئة ساحة المذنبين وقد أقرّوا بذنبهم! ودافع عن النّاكثين والخوارج وأسقط ذنبهم على أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام، بل وذهب إلى القول بأنّ

____________________

(1) نفسه: 195.

(2) نفسه: 196.


الصفحة 440

ذنبه أعظم من ذنبهم!

والحديث معه يفرض علينا أن نتحدّث عن حرب الجمل بشكلٍ وافٍ ليكون القارئ على بيّنة، ولضيق المجال فنذكر الضروريّ منها إجمالاً.

 

النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يحذّر عائشة:

قال: وأمّا الحديث الذي رواه وهو قوله لها: «تقاتلين عليّاً وأنت ظالمة»، كذب قطعاً! وعلّل ذلك أنّها لم تقاتل! ولم تخرج لقتال وإنّما خرجت لطلب الإصلاح...

نقول: لقد حذّر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عائشة من خروجها، وأمرُه صلى‌الله‌عليه‌وآله مطاعٌ لا يجوز عصيانه، وقد عصته أمّ المؤمنين، وعصاه الزّبير - وسنذكر خبره -

وهذه بعض الآثار في ذلك:

- أبو نُعيم الفضل بن دُكين، حدّثنا عبد الجبار بن الورد، عن عمّار الدُّهنيّ، عن سالم بن أبي الجعد، عن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: ذكر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله خروج بعض أمّهات المؤمنين، فضحكت عائشة فقال: انظري يا حُميراء أن لا تكوني أنت» ثمّ التفت إلى عليّ فقال: «إنْ ولِيتَ من أمرها شيئاً فارفِق بها». (1)

ما أبينَها من حجّةٍ وما أصدقَه من دليلٍ على خروجها على عليّ محاربةً لا مُصلحةً كما زعم! وإلاّ فلِمَ استَبَق صلى‌الله‌عليه‌وآله الزمنَ وذكر ما سيكون، ولِمَ حذّر عائشة دون غيرها في الخروج على عليّ عليه‌السلام، وطلب من عليّ الرِّفق بها، والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لا

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: الحاكم 3: 129 / 4610.


الصفحة 441

ينطق عن الهوى؟

- عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله: «أيّتُكنّ صاحبة الجمل الأدبب يُقتل حولَها قتلى كثيرةٌ تنجو بعد ما كادت». (1)

فإذا لم يسمع ابن تيميه الحديث الأوّل، أو أنّه لم يفهم مفاده! فهل غاب عنه هذا الحديث الصريح بخروجها للقتال وأنّها تكاد أن تهلك؟

- عن أبي بكرة قيل له: ما منعك أن تكون قاتلتَ على بصيرتك يوم الجمل؟ قال: سمعتُ رسول الله يقول: «يخرُج قوم هَلْكى لا يُفلحون، قائدهم امرأة». (2)

فهم خارجة على إمامهم الحقّ، ولذا لن يُفلحوا ومصيرهم البَوار «هَلكى»، وقائدهم إلى الهلاك امرأة، ولم يكن معهم يومئذ إلاّ عائشة تتقدّمهم على جملٍ يخدعون النّاس بوجودها معهم ليسوقوهم إلى حربٍ خاسرةٍ ؛ وهذا من أعلام النبوّة إذ وقع الأمر كما أنبأ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

لم تنسَ عائشة كلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، إلاّ أنّها سارت على مقدّم القوم حتّى إذا نبحتها كلاب الحَوْأب (3) فقالت: ما اسمُ هذا الموضع؟ فقال لها السائق لجملها: الحوأب ؛ «فصرخت بأعلى صوتها، ثم ضربت عَضُد بعيرها فأناخته، ثمّ قالت: أنا

____________________

(1) المصنّف: ابن أبي شيبة 7: 538 / 3774.

(2) المصنّف: ابن أبي شيبة 7: 538 / 3777.

(3) الحوأب: موضع بئر في طريق البصرة. معجم البلدان 2: 314.


الصفحة 442

والله صاحبة ماء الحوأب طُروقاً، رُدّوني، تقول ذلك ثلاثاً...» (1).

وفي الفتوح: «... فقالت عائشة: ردّوني، فقيل لها: ولِمَ ذلك؟ فقالت: لأنّي سمعتُ رسول الله وهو يقول: «كأنّي بامرأة من نسائي تنبح عليها كلاب الحوأب، فاتّقي الله أن تكوني أنتِ يا حُمَيراء» (2).

وعن الشعبيّ عن ابن عبّاس، قال: طرقت عائشة وطلحة والزبير ماء الحوأب ومَن معهم ليلاً، وهو ماء لبني عامر بن صعصعة، فنبحتهم كلاب الحوأب، فنفرَت صِعابُ إبلهم، فقال قائل: لعن الله أهل الحوأب ما أكثر كلاَبهم! قالت عائشة: أيّ ماء هذا؟

فقال محمّد بن طلحة وعبد الله بن الزبير: هذا ماء الحوأب، فقالت عائشة: والله لا صحبتُكم، رُدّوني رُدّوني، إنّي سمعتُ رسول الله يقول: كأنّي بكلاب ماءٍ يُدعى الحوأب قد نبحت على امرأةٍ من نسائي في فئةٍ باغية! ثمّ قال: لعلّك أنت يا حُمَيراء، قالت: ثمّ دعا عليّاً فناجاه بما شاء» رُدّوني رُدّوني. (3)

 

أوّل شهادة زور في الأسلام:

إلاّ أنّ الرجال الذين زعم ابن تيميه أنّهم مثل عائشة لم يخرجوا لقتال عليّ، فإنّهم أقاموا لها خمسين رجلاً من الأعراب يشهدون أنّه ليس ماء الحوأب،

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 475.

(2) الفتوح: ابن أعثم 2: 288، أنساب الأشراف 3: 24.

(3) المعيار والموازنة: الإسكافيّ المعتزليّ (المتوفّى 220 هـ) 55.


الصفحة 443

وجعلوا لهم جُعلاً - أي مالاً - وكانت أوّل شهادة زور أقيمت في الإسلام. (1)

وقد حلف لها عبد الله بن الزبير فقال: ليس هذا ماء الحوأب. (2)

إنّ أمّ المؤمنين تيقّظت إلى نفسها، فهي في فئةٍ باغية أي مقاتلة لأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام، فهلاّ رجعت ولم تلتفت إلى حلف ابن الزبير ولا إلى تلك الشهادة المزوّرة؟ وهلاّ قدّمت شهادة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، على شهادة الأعراب؟! وبعد كلّ ذلك هل يصحّ قوله أنّهم جميعاً لم يخرجوا محاربين عليّاً؟

ثمّ أيّ إصلاح خرجت أمّ المؤمنين إليه في البصرة، ولم يكن فيها قتال ولا فتنة، إنّما صارت الفتنة ووقع القتال لمّا خرجوا إليها وأحدثوا فيها ما أحدثوا على ما سنذكره قدر الوسع.

ولقد ناقض ابن تيميه نفسه وهو يتحدّث عن عائشة، فأثبت ما نفاه من خروجها للقتال. قال: وأيضاً عائشة ظهر منها من التألّم لقتل عثمان! والذمّ لقتلته وطلب الانتقام منهم...

و ما جاء في الحديث الشريف من قتال عائشة لعليّ، فقد جاء في الزبير وأنّه سيقاتل عليّاً وهو ظالم له ؛ ممّا سنذكره ان شاء الله.

قال: وأمّا قولُه: وخالفت أمر الله في قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ...) الآية.

قال: فهي لم تتبرّج...

جوابه: إنّ مخالفتها للآية في خروجها من البيت الذي تركها فيه رسول

____________________

(1) نفسه.

(2) نفسه.


الصفحة 444

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وكان خروج معصية وهي الحرب وسفك دماء المسلمين الذي هو أعظم عند الله تعالى من التبرّج.

وقد احتجّ عليها بالآية كلّ من أمّ سلمة، وابن عبّاس، وعمران بن حُصَين الخزاعيّ، وأبو الأسود الدّيليّ، وجارية بن قُدامة السعديّ...

قال: وأمّا قوله: إنّ عائشة كانت تأمر بقتل عثمان وتقول: اقتلوا نعثلاً... ؛ قال: أين النقل الثابت عن عائشة بذلك، ويقال ثانياً: إنّ المنقول عن عائشة يكذّب ذلك ويبيّن أنّها أنكرت قتله...

جوابه: في الحِجاج الذي جرى بين عبيد بن مسلمة الليثي، وبين عائشة، قال: والله إنّ أوّل من أمال حرفه لأنتِ، ولقد كنتِ تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر... (1).

ومن ردّ أمّ المؤمنين أمّ سَلَمة عليها لمّا دعتها لتخرج معها إلى قتال عليّ! قالت أمّ سلمة: يا بنت أبي بكر! بدم عثمان تطلبين! والله لقد كنتِ من أشدّ النّاس عليه، وما كنتِ تسمّيه إلاّ نعثلاً، فما لكِ ودم عثمان؟... (2).

وحين وقع الخلاف بينها وبين عثمان، كانت تقول: أيّها النّاس، هذا قميص رسول الله لم يَبلَ وبَليت سنّته، اتقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً. (3) وكانت تحرّض

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 18، تاريخ الطبريّ 3: 476 - 477، الفتوح 2: 249، تذكرة الخواصّ 66، الكامل في التاريخ 3: 102.

(2) الفتوح 2: 283، تاريخ الطبريّ 3: 470.

(3) أنساب الأشراف 6: 209، الفتوح 2: 225.


الصفحة 445

وتقول: إنّي أرى عثمان سيشوم قومه كما شأم أبو سفيان قومه يوم بدر. (1)

هذا بعض من النقل الثابت في تحريضها على عثمان وقولها فيه وما يأتي أكثر بكثير.

وأمّا إنكارها قتله ؛ فإنّما كان لمّا بلغها أنّ النّاس قد بايعوا عليّاً عليه‌السلام، فعند ذلك رفعت صوتها بمظلوميّة عثمان وراحت تنادي أنّ عليّاً قتله! وأنّها ستأخذ بثأره.

وما ذكره من قوله إنّ القَدْح في طلحة والزبير، ينقلب ما هو أعظم منه في حقّ عليّ...، وإن كان فعل طلحة والزبير معها ذنباً، ففعل عليّ أعظم ذنباً!!

بربّك أيها المنصف مهما كان مذهبك أترضى بهذا القول؟ أوَ طلحة والزبير عِدْل عليّ الذي هو عدل القرآن الكريم كما في حديث الثّقلين، وهو نفس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله< وهو المعصوم كما في آية التطهير وحديث الكساء، وسبّه والعدوان عليه سبّ للنبيّ ومعاداة له، ومن ثمّ سبّ للهِ تعالى ومعاداة له.

وقد أخبر النبيّ القوم أنّهم سيقاتلون عليّاً وهم ظالمون له وقد عقدوا له البيعة ثمّ نكثوها ومَن ينكث فإنّها ينكث على نفسه ؛ فكيف سوّغ لنفسه شيخ الإسلام والإمام المطلق أن ينزل عليّاً بمنزلة الظالم ويجعل فعله أعظم من ذنب أولئك؟!

ولماذا يلوذ دائماً بعائشة ويشنّ غارته على عليّ؟ ألأنّها أمّ المؤمنين؟ فإنّ

____________________

(1) نفسه 6: 212 - 213.


الصفحة 446

أمّ سَلَمة أيضاً أمّ المؤمنين، فلمّا طلبت منها عائشة الخروج لحرب عليّ زجرتها أمّ سَلَمة وذكّرتها بمقام عليّ وبقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لها في شأن خروجها على عليّ، ولمّا رأت أمّ سَلَمة أنّه لا يجوز لها الخروج من بيتها في مثل هذا الأمر اعتذرت من عليّ عليه‌السلام وأرسلت معها ابنها عمر.

وأمّا حفصة فكادت تخرج معها إلاّ أنّ عبد الله بن عمر نهاها عن مثل هذا الخروج!

ثمّ ما الذي فعله عليّ مع عائشة؟ هل أخرجها من بيتها لحربٍ؟ أم مشى إليها في حرب، أم خرجت هي عليه محاربة في فئةٍ باغية، كما في الأحاديث التي ذكرناها؟ وهل خدعها عليّ فزوّر لها شهادة في شأن الحوأب وسنقف على معاملته لها حتّى أقرّت أنّها ما رأت منه إلاّ جميلاً!

وذهب أبعد من ذلك فأفصح عن هويّته التي احتملناها في أوّل كتابنا هذا حين قال: فإن قالوا: هما أحوجا عليّاً إلى ذلك لأنّهما أتيا بها...، قيل وهكذا معاوية لمّا قيل له: قتلت عمّاراً وقد قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «تقتلك الفئة الباغية» قال: أو نَحنُ قتلناه؟ إنّما قتله الذين جاؤا به حتّى جعلوه تحت سيوفنا...

الجواب: إنّ معاوية الباغي على إمام الحقّ، لم ينكر حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ولذا لم يُنكره شيخ الإسلام ؛ إلاّ أنّ معاوية ادعى مدّعىً شايعه عليه ابن تيميه، فجعل أميرالمؤمنين عليه‌السلام هو الذي قتل عمّاراً! وعلى هذا القياس فإنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله هو الذي قتل حمزة عليه‌السلام يوم أحد ؛ لأنّه هو الذي أخرجه إليها، وهكذا كلّ الشهداء...

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة