الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 384

غانمة تنشر مسبّات الشجرة الملعونة

بلغ غانمة بنت غانم سبّ معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم فقالت لأهل مكّة: أيّها النّاس، إنّ بني هاشم أطول الناس باعاً وأمجد الناس أصلاً وأحلم الناس حلماً، وأكثر الناس عطاءً. منّا عبد مناف الذي يقول فيه الشاعر:

كانت قريش بيضةً فتفلّمت      فالمخّ  خالصها لعبد iiمناف

وولده هاشم الذي هَشَم الثّريدَ لقومه، وفيه يقول الشاعر:

هشم  الثّريدَ لقومه iiوأجارَهم      ورجالُ مكّة مسنتُون عجافُ

ثمّ منّا عبد المطّلب الذي سُقِينا به الغيث، وفيه يقول الشاعر:

ونحنُ سِنيَّ المَحلِ قام شفيعُنا      بمكّة   يدعو   والمياهُ   تغور

وابنه أبو طالب عظيم قريش، وفيه يقول الشاعر:

آتيتُه  مَلِكاً  فقام iiبحاجتي      وترى العُلَيّجَ خائباً مذموماً

ومنّا العبّاس بن عبد المطّلب، أردفه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فأعطاه ماله، وفيه يقول الشاعر:

 

رَدِيفُ رسولِ الله لم أرَ مثلَهُ      ولا  مِثلُهُ حتى القيامةِ يُوجد

ومنّا حمزة سيّد الشهداء، وفيه يقول الشاعر:

أبا يَعلى لكَ الأركانُ هُدّت      وأنت  الماجدُ البَرُّ iiالوَصُولُ

ومنّا جعفر ذو الجناحين أحسنُ الناس وأكملهم كمالاً، ليس بغدّار ولا ختّار، بدّله الله جلّ وعزّ بكلّ يدٍ له جناحاً يطير به في الجنّة، وفيه يقول الشاعر:

هاتُوا كجعفرِنا الطيّارِ أو كعليِّنا      أليسا أعزّ الناس عند iiالخلائق؟!

الصفحة 385

ومنّا أبو الحسن عليّ بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه، أفرس بني هاشم وأكرم من احتفى وتنعّل بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ومن فضائله ما قَصُر عنكم أنباؤها، وفيه يقول الشاعر:

ومَن  يكُ جدُّهُ حقّاً iiنبيّاً      فإنّ لهُ الفضيلةَ في الأنام

ومنّا الحسين بن عليّ رضوان الله عليه، حمله جبريل عليه‌السلام على عاتقه وكفى بذلك فخراً، وفيه يقول الشاعر:

نفى  عنه  عيبَ الآدميّين ربُّهُ      ومِن مجدِه مجدُ الحسينِ المُطهّرِ

ثمّ قالت: يا معشر قريش! واللهِ ما معاوية بأميرالمؤمنين ولا هو كما يزعم، هو واللهِ شانئ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. إنّي آتيةٌ معاوية وقائلة له بما يعرق منه جبينُه ويكثر منه عَويلُه. فكتب عامل معاوية إليه بذلك، فلمّا بلغه أنّ غانمة قد قُربتْ منه أمر بدار ضيافةٍ فنُظّفت وألقي فيها فرش، فلمّا قُربتْ من المدينة استقبلها يزيد في حَشَمه ومماليكه، فلمّا دخلت المدينة أتت دار أخيها عمرو بن غانم، فقال لها يزيد: إنّ أبا عبد الرحمان يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته، وكانت لا تعرفه، فقالت: من أنت كلأك الله؟ قال: يزيد بن معاوية. قالت: فلا رعاك الله يا ناقص، لستَ بزائد! فتمعّرلونُ يزيد، فأتى أباه فأخبره، فقال: هي أسنّ قريش وأعظمهم. فلمّا قال يزيد: كم تعدّ لها؟ قال: كانت تعدّ على عهد رسول الله أربعمائة عام وهي من بقيّة الكرام. فلمّا كان من الغد أتاها معاوية فسلّم عليها، فقالت: على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان! ثم قالت: من منكم ابن العاص؟ قال عمرو: ها أنا ذا. فقالت: وأنت تسبّ قريشاً وبني هاشم وأنت أهل


الصفحة 386

السبّ وفيك السبّ وإليك يعود السبّ يا عمرو! إنّي والله عارفةٌ بعيوبك وعيوب أمّك، وإنّي أذكر لك ذلك عيباً عيباً ؛ وُلِدتَ من أمَةٍ سوداء مجنونةٍ حمقاء تبول من قيام ويعلوها اللّئام، إذا لامَسَها الفحلُ كانت نطفتها أنفذ من نطفته، ركبها في يومٍ واحد أربعون رجلاً، وأمّا أنت فقد رأيتك غاوياً غير راشدٍ، ومفسداً غير صالح، ولقد رأيتَ فحلَ زوجتك على فراشك فما غرت ولا أنكرت. (1)

وأمّا أنت يا معاوية، فما كنت في خير، ولا ربّيت في خير، فما لك ولبني

____________________

(1) قال ابن اسحاق: إنّ عمرو بن العاص وعُمارة بن المغيرة رَكِبا البحر إلى الحبشة، ومع عمرو امرأته، حتّى إذا سارا في البحر أصابا من خمر معهما، فلمّا انتشى عمارة قال لامرأة عمرو: قبّليني، فقال عمرو: قبّلي ابن عمّك! فقبّلته، فألقاها عمارة فجعل يريدها عن نفسها فامتنعت منه، ثمّ إنّ عمراً قعد على منجاف السفينة - أي ذَنَبها الذي تعدل به - يبول، فدفعه عمارة في البحر فلمّا وقع فيه سبَحَ حتّى أخذ بمنجاف السفينة فارتفع على ظهر السفينة. فقال له عمارة: أما والله لو علمت يا عمرو أنّك تحسن السّباحة ما فعلت. فاضطغنها عمرو وعلم أنّه أراد قتله.

فمضيا حتّى قدما أرض الحبشة، فلمّا الهمأنّا لم يلبث عمارة أن دبّ لامرأة النجاشيّ، وكان عمارة رجلاً جميلاً وسيماً... فوشى به عمرو إلى النجاشيّ...، فأمر النجاشي السواحر فجرّدنه من ثيابه، ثمّ أمرهنّ فنفخن في إحليله، ثمّ خلى سبيله فخرج هارباً في الوحش... حتّى مات.

وذكر شعراً لعمرو، يذكر فيه ما صنع به وما أراد من امرأته، منه:

قضى وطراً منها يسيراً فأصبحت      إذا   ذكرت  أمثاله  تملأ  iiالفما
أصبتَ  من الأمر الدقيق iiجليله      وعيشاً  إذا  لاقيت مَن قد iiتلوّما

سيرة ابن إسحاق كتاب السّير والمغازي 167 - 169، ونسب قريش: مصعب الزبيريّ (ت 236 هـ) 322، والموفّقيّات: الزبير بن بكّار (ت 256 هـ) 592، والاشتقاق: ابن دُرَيد (ت 321 هـ) 102، وأنساب الأشراف: البلاذريّ 1: 68، والأغانيّ: أبو الفرج الأصبهانيّ (ت 356 هـ) 9: 55 - 58.


الصفحة 387

هاشم؟! أنساء بني أميّة كنسائهم؟! (1)...

____________________

(1) المحاسن والأضداد: الجاحظ 88 - 90، والمحاسن والمساوئ: البيهقيّ 90 - 94.

ولم يكن معاوية بعيداً عن موضع التّهمة كما هو حال عمرو!

وربّما هذا الذي أرادته غانمة في قولها له: (فما كنتَ في خير، ولا رُبِّيب في خير... أنساء بني أميّة كنسائهم؟

والفقره الأخيرة قرينة على ما ذكرناه ؛ فقد ذكروا: أنّ معاوية يعزى إلى أربعة: إلى مسافر ابن أبي عمرو، وإلى عمارة بن الوليد - صاحب القصّة مع عمرو بن العاص - وإلى العبّاس بن عبد المطّلب، وإلى الصّبّاح مغنٍّ أسود كان لعمارة.

قالوا: كان أبو سفيان دميماً قصيراً، فدعت هند الصُّبّاحَ إلى نفسها. وقالوا: إنّ عتبة بن أبي سفيان من الصّبّاح أيضاً، وإنّها كرهت أن تضعه في منزلها، فخرجت إلى أجياد فوضعته هناك. وفي ذلك قال حسّان بن ثابت:

لِمَن  الصبيُّ بجانب iiالبَطْ      حاء ملقىً غيرَ ذي سُهدِ
نَجَلت   به  بيضاء  iiآنسةٌ      من عبد شمسٍ صَلتَةُ iiالخَدِّ

(ربيع الأبرار: الزمخشريّ 3: 551). ونجلت به: ولَدته. صَلْتَهُ الخدّ: خدّها بارز ناعم.

وفي ديوان حسّان: (في التّرب ملقىً غير ذي مهد). وفيه زيادة:

تسعى  إلى  الصّبّاح  iiمُعوِلَةً      يا  هندُ  إنّكِ  صُلبةُ  الحَرْدِ
غَلَبَت على شَبَهِ الغُلام وقد      بانَ  السّوادُ  لِحالكٍ  iiجعْدِ

(الحالك: الشعر الأسود. الجعد: المجعّد وهي صفة شعر العبيد السّود). وقال لها أيضاً:

لِمَن    سواقِطُ    صِبيانٍ    iiمُنَبَّذةٍ      باتَت  تَفَحَّصُ  في  بَطْحاءِ iiأجيادِ
باتَت  تمَخّصُ  ما  كانت  iiقوَابلُها      إلاّ   الوحوش  وإلاّ  جِنّة  iiالوادي
فيهم   صبيّ   له   أمّ   لها  iiنسبٌ      في  ذروةٍ من ذرى الأحساب iiأيّادِ
تقول  وَهْناً  وقد جدّ المخاض iiبها:      يا ليتني كنتُ أرعى الشّول للغادي
قد   غادروه   لِحُرّ   الوَجه  منعفراً      وخالها    وأبوها    سيّد    iiالنادي

(ديوان حسّان: 96 - 97). (تمخَّض: تطلق حال الولادة. =


الصفحة 388

هذا هو عمرو في نفسه، وفي أمّه ؛ فماذا في العاص الذي اختارته النّابغة من بين الرجال الذين أتوها، فنسبت عمراً إليه؟ إنّ أوّل مسبّةٍ فيه وأعظمها: أنّه مات كافراً وساء مصيراً (إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ) (1).

وكان العاص في زمرةٍ أبدت عداوتها للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقد ذكر ابن اسحاق في إسلام المهاجرين فقال: ثمّ دخل الناس في الإسلام أرسالاً من الرجال والنساء حتّى فشا ذِكر الإسلام وتحدّث به، فلمّا أسلم هؤلاء النفر وفشا أمرهم بمكّة أعظمت ذلك قريش وغضبت له، وظهر فيهم لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله البغي والحسد، وشخص له منهم رجال فبادَوه بالعداوة وطلبوا له الخصومة، منهم العاصي بن

____________________

= القوابل: جمع قابلة وهي المرأة الّتي تشرف على الولادة. الشّول: النياق لها بقيّة لبن).

وكان بين يزيد بن معاوية وبين إسحاق بن طلحة بن عبيد الله بين يدي معاوية، فقال يزيد: يا إسحاق، إنّ خيراً لك أن يدخل بنو حرب كلّهم الجنّة! فقال إسحاق: وأنت والله لخير لك أن يدخل بنو العبّاس كلّهم الجنّة! فأنكر يزيد ولم يدر ما عناه، فلمّا قام إسحاق قال معاوية: أتدري ما عناه إسحاق؟ قال يزيد: لا. قال فكيف تُشاتم رجلاً قبل أنت تعلم ما يقال لك وفيك؟ إنّه عنى ما زعم الناس أنّ أبا العبّاس أبي. وكانت هند اتّهمت به وبغيره، ولذلك لمّا جاءت إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله تُبايعه، فتلا:

(يَا أَيّهَا النّبِيّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى‏ أَن لاَ يُشْرِكْنَ بِاللّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ...) (الممتحنة: 12).

فلمّا بلغ قوله: (ولا يَزْنِينَ) قالت هند: وهل تزني الحرّة؟!

(1) البقرة: 161 - 162.


الصفحة 389

وائل و... (1).

 

زندقة العاصي

وكان العاصي أحد زنادقة قريش، تعلّموا الزندقة من نصارى الحيرة (2).

والعاص هو الأبتر:

ابن إسحاق قال: حدّثني يزيد بن رومان قال: كان العاصي بن وائل السّهميّ إذا ذُكر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: دعوه فإنّما هو رجل أبتر لا عقب له، لو قد هلك انقطع ذكره فاسترحتُم منه. فأنزل الله عزّ وجلّ: (إِنّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ) (3) حتّى قضى السورة، إنّا قد أعطيناك الكوثر ما هو خير لك من الدنيا وما فيها، أو الكوثر العظيم من الأمر، (إِنّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) (4) العاصي بن وائل. (1)

____________________

(1) سيرة ابن إسحاق كتاب السير والمغازي 144.

(2) المحبّر: ابن حبيب 161.

فنظر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عمر وتبسم. (محاضرات الأدباء: الرّاغب الأصفهانيّ 1: 353).

ومن القرائن على ما ذكروه: ما نجده من مخاطبته: يا ابن هند! وقد قال في عبد الله بن الزبير لمّا بلغه وفاة معاوية: (ما ابن أنثى بأكرم منه) الأغانيّ 17: 212. ونعاه ابن عبّاس فقال: (لله درّ ابن هند) الأغاني 17: 213.

وفي محاورة بين معاوية والدارميّة الحجونيّة، وقد أسمعها معاوية كلاماً أغضبها فقالت: يا هذا والله يضرب المثل لا أنا فاعتذر منها وترضّاها.

بلاغات النساء 106 - 107، والعقد الفريد 1: 352 - 353.

(3) الكوثر: 1 - 2.

(4) الكوثر: 3.


الصفحة 390

قال ابن دريد: وفي العاص بن وائل نزلت: (أَرَأَيْتَ الّذِي يُكَذّبُ بِالدّينِ * فَذالِكَ الّذِي يَدُعّ الْيَتِيمَ * وَلاَ يَحُضّ عَلَى‏ طَعَامِ الْمِسْكِينِ) (2). (3)

حديث المستهزئين

ابن إسحاق قال: قام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على أمر الله محتسباً مؤدّياً إلى قومه النصيحة على ما كان فيهم من النائرة (4) والأذى والاستهزاء ؛ وكان عظماء المستهزئين برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. خمسة: الأسود بن عبد يغوث بن وهب، والأسود ابن المطّلب بن أسد، والوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والحارث بن الطلاطلة أحد بني خزاعة ؛ فكانوا يهزأون برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ويغمزونه، فأتاه جبريل عليه‌السلام فوقف به عند باب الكعبة وهم يطوفون به، فمرّ به الأسود بن عبد يغوث فأشار جبريل إلى بطنه فمات حَبَناً (5)، ومرّ به الأسود بن المطّلب فرمى بوجهه بورقةٍ خضراء فعَمِي، ومرّ به الوليد بن المغيرة فأشار إلى جُرح في كعب رجله قد كان أصابه قبل ذلك بيسير، فانتقض به فقتله، ومرّ به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخض قيحاً حتّى قتله، ومرّ به العاصي بن وائل

____________________

(1) سيرة ابن إسحاق 272.

(2) الماعون: 1 - 3.

(3) الاشتقاق: ابن دريد 126 - 127.

(4) النائرة: الفتنة.

(5) الحَبَن: داء في البطن يرم كالدمل ويكون له خراج أي قيح.


الصفحة 391

فأشار إلى أخمض رجله، فركب إلى الطائف على حمار فربض به على شبرقة (1) فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته، ففيهم أنزل الله عزّوجلّ: (إِنّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (2). (3)

هذه بعض أخبار العاص بن وائل الذي انتسب إليه عمرو بن النّابغة، وبذا اكتملت صورة بيت عمرو في نفسه وفي أمّه، وفي الرجل الذي صار له أباً من بين عدّة رجال...!

فأين هذا البيت من البيت الشهيد: بيت عمّار في نفسه ووالديه وأخيه؟!

الاحتجاج بحديث الغدير

وأصدق دليل على بطلان ابن تيميه، سواء في إنكاره الحديث أو ما استظهره من معنى الوِلاية، هو الاحتجاج بالحديث في استجلاء المنزلة الخاصّة

____________________

(1) شبرقة: نبات شوكي.

(2) الحِجر: 95.

(3) سيرة ابن إسحاق 273. وذكره ابن حبيب في كتابه: «المحبرّ 158، بعنوان: المستهزئون من قريش وماتوا ميتات مختلفات كفّاراً»، وذكره في كتابه الآخر: المنمّق 310 - 311 بنفس العنوان، وذكر القصّة التي أوردها ابن إسحاق، ثمّ ذكر قصة أخرى قال: فأمّا العاص بن وائل فإنّه خرج في يوم مطير على راحلته ومعه ابنان له، يتنزّه ويتغدّى، فنزل شِعباً من تلك الشّعِاب، فلمّا وضع قدمه على الأرض صاح، فطافوا فلم يروا شيئاً، فانتفخت رجله حتّى صارت مثل عنق البعير، فمات من لدغة الأرض.


الصفحة 392

لأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام. فقد احتجّ به أميرالمؤمنين في أكثر من موضع، ولو لا علمه بالمعنى الخاصّ للحديث لما احتجّ به. كما احتجّ به عِليةُ الصّحابة، فماذا يعني ذلك يا ترى؟

 

الاحتجاج يوم الشورى

لما طُعن عمر بن الخطّاب، عيّن ستّة من الصّحابة فيهم عليّ، لاختيار خليفة من بينهم ؛ فناشدهم عليّ إنْ كان لواحدٍ منهم أحدُ فضائله الخاصّة به، وفي كلّ واحدة يقولون: «اللّهمّ لا، ومن ذلك: مؤاخاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إيّاه، وردّ الشمس له، ونزول آية الولاية فيه (المائدة: 55)، وقد مضى الكلام في كلّ ذلك.

وكان ممّا احتجّ به عليه‌السلام يومئذ: حديث الولاية يوم الغدير، قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحدٌ قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، ليبلّغ الشاهدُ منكم الغائبَ» غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا.

ولقد احتجّ أميرالمؤمنين عليه‌السلام بهذه المنقبة في أكثر من موضع:

- ابن ابي شيبة، عن شريك عن أبي إسحاق عن سعيد بن وَهْب عن زيد ابن يُثَيْع، قال: بلغ عليّاً أنّ أناساً يقولون فيه، فصعد المنبر فقال: أنشد رجلاً، ولا أنشده إلاّ من أصحاب محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله، سمع من النبيّ شيئاً إلاّ قام. فقام ممّا يليه ستّة، وممّا يلي سعيد بن وهب ستّة فقالوا: نشهد أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه». (1)

____________________

(1) المصنّف: ابن أبي شيبة 7: 496 حديث 15 من مناقب عليّ.


الصفحة 393

فمَن كان هؤلاء، وعليّ عليه‌السلام ينشدهم ما سمعوا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فيشهدوا أنّهم سمعوا حديث الولاية «من كنت مولاه...»، وقد سمعوا منه صلى‌الله‌عليه‌وآله الكثير في شأن عليّ عليه‌السلام وخصائصه؛ إلاّ لأنّهم علموا ما للحديث من دلالة وعلوّ المنزلة والشرف، وتجاهَلَه النّواصب!

- عن يحيى بن سلمة بن كهيل عن حبّة العُرَنيّ عن أبي قُلابة قال: نشد الناس عليّ في الرّحبة، فقال بضعة عشر رجلاً فيهم رجل عليه جبّة عليها أزرار حضرميّة، فشهدوا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه» (1).

- ابن عقدة، بسنده عن فِطْر بن خليفة، وأبي الجارود، وكلاهما عن أبي الطفيل: أنّ عليّاً رضي‌الله‌عنه قام فحَمدِ الله وأثنى عليه، ثمّ قال أنشد الله مَن شهد يومَ غدير خُمّ إلاّ قام، ولا يقوم رجل يقول نبّئتُ أو بلغني، إلاّ رجل سمعت أذُناه ووعاه قلبه. فقام سبعة عشر رجلاً، منهم: خزيمة بن ثابت، وسهل ابن سعد، وعديّ بن حاتم، وعقبة بن عامر، وأبو أيّوب الأنصاريّ، وأبو سعيد الخُدريّ، وأبو شريح الخزاعيّ، وأبو قدامة الأنصاريّ، وأبو يعلى، وأبو الهيثم بن التيّهان، ورجال من قريش.

فقال عليّ رضي‌الله‌عنه وعنهم: هاتوا ما سمعتم، فقالوا: نشهد أنّا أقبلنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من حجّة الوداع حتّى إذا كان الظهر خرج رسول الله فأمر بشجراتٍ فسُوِّين وألقي عليهنّ ثوب، ثمّ نادى بالصّلاة، فخرج فصلّينا، ثمّ قام

____________________

(1) الكنى والأسماء: محمّد بن أحمد الدّولابيّ (ت 310 هـ) 2: 172 / 1601.


الصفحة 394

فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أيّها الناس، ما أنتم قائلون؟» قالوا: قد بلّغت، قال: «اللّهمّ اشهد» ثلاث مرّات، قال: «إنّي أوشك أن أدعى فأجيب وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون». ثمّ قال: «ألا إنّ دماءكم وأموالكم حرام كحُرمة يومكم هذا وحرمة شهركم هذا...»، ثم قال: «أيّها النّاس، إنّي تارك فيكم الثّقلين: كتابَ الله وعترتي أهل بيتي، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض نبّأني بذلك اللطيف الخبير»، وذكر الحديث في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من كنت مولاه فعليّ مولاه».

فقال عليّ: صدقتم وأنا على ذلك من الشاهدين. (1)

- وابن عقدة بسنده عن هارون بن المغيرة، عن الجرّاح الكنديّ، عن أبي إسحاق، عن عبد خير قال: حضرنا عليّاً عليه‌السلام أنشد النّاس في الرّحبة فقال: أنشد الله من سمع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه»، فقام أثنا عشر رجلاً كلّهم من أهل بدر، منهم زيد بن أرقم، فشهدوا أنّهم سمعوا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول ذلك لعليّ.

- ومثله رواه ابن عقدة، بسنده عن حسن بن زياد، عن عمر بن سعد البصريّ، عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرّة، عن أبيه، عن جدّه يعلى - وذكر الحديث -، قال: فلمّا قِدم عليٌّ الكوفة نشد النّاس، فانتشد له بضعة عشر رجلاً

____________________

(1) تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشّاف للزمخشري: عبد الله بن يوسف الزيلعيّ (ت 762 هـ) 2: 239، جواهر العقدين: عليّ بن عبد الله السَّمْهوديّ (ت 911 هـ) 1: 80 - 82 ومناقب الإمام عليّ: ابن المغازليّ 20 / 27.


الصفحة 395

فيهم أبو أيّوب صاحب منزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وناجية بن عمرو الخزاعيّ. (1)

- ابن عقدة بسنده عن عليّ بن الحسن العبديّ، عن الأصبغ بن نباتة، قال: نشد عليّ الناس في الرحبة: من سمع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم غدير خمّ ما قال إلاّ قام، ولا يقوم إلاّ من سمع رسول الله يقول. فقام بضعة عشر رجلاً، فيهم: أبو أيّوب الأنصاريّ، وأبو عَمرة بن عمرو بن محصن، وأبو زينب، وسهل بن حُنيف، وخزيمة بن ثابت، وعبد الله بن ثابت الأنصاريّ، وحبشيّ بن جنادة السلوليّ، وعبيد بن عازب الأنصاريّ، والنعمان بن عجلان الأنصاريّ، وثابت بن وديعة الأنصاريّ، وأبو فُضالة الأنصاريّ ؛ فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «ألا إنّ الله عزّ وجلّ وليّي وأنا وليّ المؤمنين، ألا فمن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، وأحِبَّ من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وأعِنْ من أعانه». (2)

- ابن أبي شيبة: ومن حديث سعد [ بن أبي وقّاص ]: حدّثنا أبو معاوية عن موسى بن مسلم عن عبد الرحمان بن سابط عن سعد قال: قَدِم معاوية في بعض

____________________

(1) جامع المسانيد: ابن كثير 12: 191 / 9413، مجمع الزوائد 9: 104، أسد الغابة ترجمة ناجية بن عمرو، الإصابة ترجمة ناجية / الرقم 8644.

(2) أسد الغابة 3: 307 - ترجمة عبد الرحمان بن عبد ربّ الأنصاريّ، وعن ابن عقدة ذكره الزيلعيّ في: تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشّاف 2: 240، ومختصراً في: الإصابة 4: 328، وجامع المسانيد 8: 351 / 6040 وقد اختصره ابن كثير وأسقط بعض شهوده!، وخصائص النسائيّ 96، ومجمع الزوائد 9: 105، كنز العمّال 6: 403، والبداية والنهاية 7: 347.


الصفحة 396

حجّاته فأتاه سعد، فذكروا عليّاً فنال منه معاوية، فغضب سعد فقال: سمعتُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول له خصالاً لأنْ تكون لي خَصلة منها أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها! سمعت رسول الله يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، وسمعت النبيّ يقول: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»، وسمعت رسول الله يقول: «لأعطينّ الرّاية رجلاً يحبّ الله ورسوله». (1)

وأصدق دليل ما شهد به الأعداء:

ما كتبه معاوية إلى عمرو بن العاص يستنصره، فكتب إليه عمرو: «وأمّا ما نسبتَ أبا الحسن أخا رسول الله ووصيّه إلى البغي والحسد على عثمان، وسمّيتَ الصّحابة فسقة وزعمت أنّه أشلاهم على قتله، فهذا كذبٌ وغواية. وَيْحك يا معاوية! أما عملتَ أنّ أبا الحسن بذل نفسه بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وبات على فراشه؟! وهو صاحبُ السّبق إلى الإسلام والهجرة، وقد قال له رسول الله: «هو منّي وأنا منه، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»، وقال فيه يوم غدير خُمّ: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه، اللّهمّ وال مَن والاه، وعاد مَن عاداه، وانصر مَن نصره واخذل مَن خذله» (2).

- احتجاج همدانيّ على ابن العاص:

ولا غرابة أن نجد في صحيفة عمرو السوداء: أنّه يحتجّ على سيّده بحديث الغدير، ولا يقلع عن ممالأته ونصرته، وإذا احتُجّ عليه بالحديث لم ينكره، وزاد

____________________

(1) المصنّف: ابن أبي شيبة 7: 496 / 15.

(2) المناقب: 124.


الصفحة 397

عليه من مناقب عليّ عليه‌السلام، ثمّ عاد فلاذ بالفتنة ومقتل عثمان:

«ذكروا أن رجلاً من همذان يقال له برد، قدم على معاوية، فسمع عمراً يقع في عليّ، فقال له: يا عمرو، إنّ أشياخنا سمعوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، فحقٌّ ذلك أم باطل؟ فقال عمرو: حقّ، وأنا أزيدك أنّه ليس أحد من صحابة رسول الله له مناقب مثل مناقب عليّ! ففزع الفتى، فقال عمرو: إنّه أفسدها بأمره في عثمان، فقال برد: هل أمَرَ أو قَتَل؟ قال: لا ولكنّه آوى ومنع. قال: فهل بايعه الناس عليها؟

قال: نعم. قال: فما أخرجك من بيعته؟ قال: اتّهامي إيّاه في عثمان. قال له: وأنت أيضاً اتّهمت. قال صدقتَ فيها خرجتُ إلى فلسطين. فرجع الفتى إلى قومه فقال: إنّا أتينا قوماً أخذنا الحجّة عليهم من أفواههم... عليٌّ على الحقّ فاتّبعوه». (1)

 

احتجاج المأمون على الفقهاء:

إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، عن حمّاد بن زيد قال: بعث إليّ يحيى ابن أكثم وإلى عدّة من أصحابي، وهو يومئذ قاضي القضاة، فقال: إنّ أميرالمؤمنين أمرني أن أُحضِر معي غداً مع الفجر أربعين رجلاً كلّهم يَفْقه - أي يفهم - ما يُقال له ويُحسن الجواب، فسَمُّوا من تظنُّونه يصلح لما يطلب أميرالمؤمنين. فسمّينا له عدّة، وذكر هو عدّة، حتّى تمّ العدد الذي أراد... فغدونا عليه قبل طلوع الفجر...

____________________

(1) الإمامة والسياسة: ابن قتيبة الدّينوريّ (ت 276 هـ) 1: 129.


الصفحة 398

ثمّ قال: أحببت أن أُنبئكم أنّ أميرالمؤمنين أراد مناظرتكم في مذهبه الذي هو عليه والذي يَدينُ اللهَ به.

قلنا: فليفعل أميرالمؤمنين، وفّقه الله. فقال: إنّ أميرالمؤمنين يَدينُ اللهَ على أنّ عليّ بن أبي طالب خير خلق الله بعد رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأولى الناس بالخلافة له.

قال إسحاق: فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ فينا من لا يعرف ما ذَكَرَ أميرالمؤمنين في عليّ، وقد دعانا أميرالمؤمنين للمناظرة. فقال: يا إسحاق، اختر، إن شئت سألتُك أسألك، وإن شئت أن تسأل فقل. قال إسحاق: فاغتنمتُها منه، فقلت: بل أسألك يا أميرَالمؤمنين. قال سلْ. قلت: من أين قال أميرالمؤمنين إنّ عليّ بن أبي طالب أفضلُ الناس بعد رسول الله وأحقّهم بالخلافة بعده؟ قال: يا إسحاق، خبّرني عن الناس: بِمَ يتفاضلون حتّى يقال فلان أفضلُ من فلان؟ قلت: بالأعمال الصالحة. قال: صدقت، فأخبرني عمّن فَضَل صاحبَه على عهد رسول الله، ثمّ إنّ المفضول عَمِل بعد وفاة رسول الله بأفضل من عمل الفاضل على عهد رسول الله، أيَلْحق به؟ قال: فأطرقتُ، فقال لي: يا إسحاق، لا تقل نعم ؛ فإنّك إن قلت نعم أوجدتُك في دهرنا هذا مَن هو أكثر منه - أي من المفضول - جهاداً وحجّاً وصياماً وصلاةً وصدقة.

فقلت: أجل يا أميرالمؤمنين، لا يلحق المفضولُ على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الفاضلَ أبداً!

قال: يا إسحاق، فانظر ما رواه لك أصحابك ومَن أخذتَ عنهم دينَك وجعلتهم قُدوتك من فضائل عليّ بن أبي طالب، فقِس عليها ما أتوك به من


الصفحة 399

فضائل أبي بكر، فإن رأيت فضائل أبي بكر تشاكل فضائل عليّ فقل إنّه أفضل منه ؛ لا والله، ولكن فقِس إلى فضائله ما روي لك من فضائل أبي بكر وعمر، فإن وجدت لهما من الفضائل ما لعليّ وحده فقل إنّهما أفضلُ منه ؛ ولا والله، ولكن قِس إلى فضائله فضائل أبي بكر وعمر وعثمان، فإن وجدتها مثل فضائل عليّ فقل إنّهم أفضل منه ؛ لا والله، ولكن قِس بفضائل العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالجنّة، فإن وجدتها تشاكل فضائله فقل إنّهم أفضل منه.

والمناظرة طويلة احتجّ المأمون بفضائل عليّ عليه‌السلام، وأخبتَ لها إسحاق ومَن معه من الفقهاء، من ذلك: سابقة عليّ إلى الإسلام، وفضله في الجهاد، والآيات النازلة فيه، وشراء عليّ نفسه في مبيته على فراش النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ليلة هجرته الشريفة، وحديث المنزلة، وحديث الطير - وهذا الحديث أنكره ابن تيميه أيّما إنكار، نأتي عليه بعد -، ثمّ احتجّ المأمون عليه بحديث الوِلاية، قال: يا إسحاق، هل تروي حديث الوِلاية؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: اِروه، ففعلت. فقال: يا اسحاق، أرأيت هذا الحديث هل أوجب على أبي بكر وعمر ما لم يوجب لهما عليه؟ قلت: إنّ الناس ذكروا أنّ الحديث إنّما كان بسبب زيد بن حارثة لشيء جرى بينه وبين عليّ، وأنكر ولاءَ عليّ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه ؛ اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه».

قال: في أيّ موضعٍ قال هذا، أليس بعد مُنصَرفه من حجّة الوداع؟ قلت:


الصفحة 400

أجل. قال: فإنّ فتْلَ زيد بن حارثة قبل الغدير (1) ؛ كيف رضيت لنفسك بهذا؟! أخبرني لو رأيتَ ابناً لك قد أتت عليه خمس عشرة سنة يقول: مولاي مولى ابن عميّ، أيّها الناس فاعلموا ذلك ؛ أكنت منكراً ذلك عليه تعريفَه الناس ما لا ينكرون ولا يجهلون؟ فقلت: اللّهمّ نعم، قال يا إسحاق، أفتنزّه ابنك عمّا لا تنزّه عنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟ ويْحَكم! لا تجعلوا فقهاءَكم أربابكم ؛ إنّ الله جلّ ثناؤه قال في كتابه: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ) (2)، ولم يُصلّوا لهم ولا صاموا ولا زعموا أنّهم أرباب، ولكن أمَروهم فأطاعوا أمرهم. (3)

من خلال المناظرة بين المأمون العبّاسيّ، وهو غير رافضيّ! مع الفقهاء، قامت الحجّة على أنّ عليّاً عليه‌السلام أفضل الناس طُرّاً بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وهذا أمر رفضه رافضُ الحقّ: ابن تيميه.

وأبطل بالحجّة القاطعة تقدّم المفضول على الفاضل، تلك النظريّة التي تمسّك بها كثيرون لتسويغ ما حصل في تاريخنا الإسلاميّ. وليس من فضيلة أثبتها المأمون من فضائل عليّ عليه‌السلام وأخبت لها الفقهاء في محضره، إلاّ وأنكرها ابن تيميه، وسنأتي على كلّ ذلك إن شاء الله تعالى.

ومن تلك الفضائل العلويّة: حديث الوِلاية يوم غدير خمّ وأنّ ذلك كان

____________________

(1) ذلك أنّ زيد بن حارثة قتل يومَ مُؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، ويومُ الغدير هو الثامن عشر من ذي الحجّة السنة العاشرة للهجرة.

(2) التوبة: 31.

(3) العقد الفريد: ابن عبد ربّه الأندلسيّ (ت 328 هـ) 5: 349 - 359.


الصفحة 401

وكما ذكرنا أوّل البحث: الثامن عشر من ذي الحجّة من السنة العاشرة للهجرة، لا كما زعم بعضهم من حديث زيد بن حارثة! وأنّها تعني المعنى الذي ذكرناه في صدر البحث.

ومن قَبل المأمون، فقد احتجّ به عمرو بن العاص، وهو غير متّهم فيه، ولا يمكن لابن تيميه أن يقول إنّ عَمْراً قد صبا فصار رافضيّاً!

واحتجّ به سعد بن أبي وقّاص، وكان معتزلاً لعليّ، وكذلك معاوية.

 

احتجاج عمر بن عبد العزيز

أخرج أبو نعيم بسندين عن يزيد بن عمر بن مورق، قال: كنت بالشام وعمر بن عبد العزيز يُعطي الناس، فتقدّمت إليه فقال لي: ممّن أنت؟ قلت: من قريش. قال: من أيّ قريش؟ قلت: من بني هاشم. فقال: من أيّ بني هاشم؟ قلت: مولى عليّ، قال: فوضع يده على صدره فقال: أنا والله مولى عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه ؛ ثمّ قال: حدّثني عدّة إنّهم سمعوا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» ثمّ قال: يا مزاحم - مولى عمر بن عبد العزيز - كم تعطي أمثاله؟ قال: مائة أو مائتي درهم. قال: أعطِه خمسين ديناراً، لولايته عليّ ابن أبي طالب. ثمّ قال الحق ببلدك، فسيأتيك مثل ما يأتي نظراءَك. (1)

ربما قال النّاصبيّ: إنّ عمر بن عبد العزيز أمويّ، إلاّ أنّه ترفّض! بدليل: إبطاله سنّة معاوية في لعن عليّ بن أبي طالب على منابر المسلمين وفي خُطَب

____________________

(1) حلية الأولياء: 5: 364، فرائد السمطين 1: 66 - الباب العاشر، حديث 32.


الصفحة 402

الجُمَع؛ وإحسانه إلى بني هاشم ؛ وإظهاره ما كان يُبطنه من موالاته لعليّ بن أبي طالب ؛ ولذلك سقطت عدالتُه ورُدّت شهادته، ولا يمكن الاحتجاج به!

 

كلمات العلماء في الحديث

للعلماء الأعلام كلمات في الحديث، حيث صحّحوا الحديث فيها وجعلوه حُجّة في وِلاية عليّ عليه‌السلام وخلافته، مع ما لهُ من الحُجج والفضائل الأخرى الخاصّة به، قد ذكرنا بعضها عَرَضاً، ونذكر العلاّمة المسعوديّ: قال عليّ بن الحسين المسعوديّ الشّافعيّ «المتوفّى سنة 346 هـ): والأشياء التي استحقّ بها أصحابُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الفضلَ هي: السّبق إلى الإيمان، والهجرة، والنّصرة لرسول الله، والقربى منه، والقناعة، وبذل النّفس له، والعلم بالكتاب والتنزيل، والجهاد في سبيل الله ؛ والورع، والزهد، والقضاء، والحكم، العفّة، والعلم، وكلّ ذلك لعليّ عليه‌السلام منه النصيب الأوفر، والحظّ الأكبر ؛ إلى ما ينفرد به من قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حين آخى بين أصحابه: «أنت أخي» وهو صلى‌الله‌عليه‌وآله لا ضدّ له ولا ندّ. وقوله صلوات الله عليه: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».

وقوله عليه‌السلام: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه». ثمّ دعاؤه عليه‌السلام وقد قدّم إليه أنسُ الطائرَ: «اللّهم أدخلْ إليَّ أحبَّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر» فدخل عليه عليّ. (1)

الحافظ الگنجي الشافعيّ:

____________________

(1) كفاية الطالب: محمّد بن يوسف الگنجي الشافعيّ: 64.


الصفحة 403

والحافظ الگنجي الشافعيّ «المقتول سنة 658 هـ) كلام لطيف ينمّ عن إيمانٍ وعلمٍ، فهو بعد أن أورد حديث الغدير بطرقٍ كثرة قال: قلت: هذا حديث مشهور حسن، رواته الثقاة، وانضمام هذه الأسانيد بعضها إلى بعض حجّة في صحّة النقل. ولو لم يكن في محبّة عليّ إلاّ دعاء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لمُحبِّ عليّ بكلّ خيرٍ لكان فيه كفاية لمن وفّقه الله عزّ وجلّ فكيف وقد دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ربّه عزّوجلّ بموالاة من والاه وبمحبّة من أحبّه، وبنصر من نصره. (1)

ابن المغازليّ الشافعيّ:

وقال الفقيه ابن المغازليّ الشافعيّ بعد ذكره لطرق الحديث: قال أبو القاسم الفضل بن محمّد: هذا حديث صحيح عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وقد روى حديثَ غدير خمّ عن رسول الله نحوٌ من مائة نفس منهم العشرة، وهو حديث ثابت لا أعرف له علّة ؛ تفرّد عليّ عليه‌السلام بهذه الفضيلة ليس يَشرَكُه فيها أحد. (2)

أحمد بن حنبل: حدّثنا حسين بن محمّد، وأبو نعيم المعنيّ قالا: حدّثنا فطر عن أبي الطّفيل قال: جمع عليّ رضي‌الله‌عنه عنه الناس في الرحبة ثمّ قال لهم: أنشد الله كلّ امرئٍ مسلم سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول يوم غدير خم ما سمع لمّا قام. فقام ثلاثون من الناس، وقال أبو نعيم: فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذه بيده، فقال للناس: «أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فهذا مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه».

____________________

(1) مروج الذهب: عليّ بن الحسين المسعوديّ 2: 425 - 426.

(2) مناقب الإمام عليّ: الفقيه عليّ بن محمّد الشافعيّ الشهير بابن المغازليّ: 27 / الرقم 39.


الصفحة 404

قال: فخرجتُ وكأنّ في نفسي شيئاً، فلقيتُ  زيد بن أرقم فقلت له: إنّي سمعت عليّاً رضي‌الله‌عنه يقول كذا وكذا؟ قال: فما تُنكر؟! قد سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول ذلك له. (1)

فضيلة صيام يوم الغدير:

أخرج الخطيب البغداديّ (2) عن أبي نصر حبشون بن موسى بن أيّوب الخلاّك (3)، قال: حدّثنا عليّ بن سعيد الرمليّ، حدّثنا ضمرة بن ربيعة القرشيّ، عن ابن شوذب، عن مطر الورّاق، عن شهر بن حوشب، عن ابي هريرة قال: من صام يوم ثَمان عشرة من ذي الحجّة كُتب له صيام ستّين شهراً، وهو يوم غدير خمٍّ لمّا أخذ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بيد عليّ بن أبي طالب فقال: «ألستُ وليَّ المؤمنين؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه» فقال عمر بن الخطّاب: بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب، أصبحتَ مولاي ومولى كلّ مسلم فأنزل الله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ

____________________

(1) مسند أحمد - مسند زيد 5: 498 / 18815.

(2) تاريخ بغداد: الخطيب البغداديّ 8: 290.

(3) قال الخطيب: حبشون بن موسى بن أيّوب، أبو نصر الخلاّل. سمع عليّ بن سعيد بن قتيبة الرملي، وحنبل بن إسحاق الشيبانيّ...، روى عنه أبوبكر بن شاذان، وأبو الحسن الدار قطنيّ، وأحمد بن الفرج بن الحجّاج، وأبو حفص بن شاهين... وكان ثقة يسكن باب البصرة.

«تاريخ بغداد 8: 29، والمناقب للخوارزميّ 156 / الحديث 184، ومناقب الإمام عليّ: ابن المغازليّ 18 / الحديث 24». 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة