الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 363

مَن كان الله ورسوله وليّه فإنّ هذا وليّه، اللّهمّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه». (1)

- ابن عقدة بسنده عن حرب بن صبيح، عن ابن أخت حُمَيد الطويل، عن ابن جدعان، عن ابن المسيّب، قال: قلت لسعد بن أبي وقّاص: إنّي أريد أن أسألك عن شيء وإنّي أتهيّبك! قال: سل عمّا بدا لك، فإنّما أنا عمّك. قلت: مقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم غدير خمّ فيكم؟ قال: نعم، قام فينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الظهيرة، فأخذ بيد عليّ فقال: «مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه».

فقال أبو بكر وعمر: أمسيتَ يا ابن أبي طالب مولى كلّ مؤمن ومؤمنة». (2)

- ابن عقدة بسنده عن عبد الله بن شريك، عن سهم بن حُصين الأسديّ، قال: قدمتُ إلى مكّة أنا وعبد الله بن علقمة - وكان عبد الله بن علقمة سبّابة لعليّ دهراً - قال: فقلت له: هل لك في هذا يعني أبا سعيد الخدريّ - نُحدث به عهداً؟ قال: نعم. قال: فأتيناه فقال: هل سمعت لعليّ رضوان الله عليه منقبةً؟ قال: نعم ؛ إذا حدّثتُك فسلْ عنها المهاجرين والأنصار وقريش! إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قام يوم غدير خمّ فأبلغ، ثم قال: «يا أيّها النّاس ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟!» قالوا: بلى - قالها ثلاث مرّات، ثمّ قال: «أدنُ يا عليّ» فرفع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يديه حتّى نظرتُ إلى بياض آباطهما. قال: «مَن كنتُ مولاه، فعليّ مولاه» - ثلاث

____________________

(1) مناقب أميرالمؤمنين عليّ: محمّد بن سليمان الكوفيّ (ت القرن الرابع الهجريّ) 1: 498 / 347، مختصر تاريخ دمشق 17: 355.

(2) فيض القدير 6: 217، كفاية الطّالب 62 وفيه زيادة: (وانصر مَن نصره).


الصفحة 364

مرّات.

قال: فقال عبد الله بن علقمة: أنت سمعت هذا من رسول الله؟ قال أبو سعيد: نعم. وأشار إلى أذنيه وصدره وقال: سمعَتْه أُذُناي، ووعاه قلبي.

قال عبد الله بن شريك: فقدم علينا عبد الله بن علقمة، وسهم بن حصين، فلمّا صلّينا الهجير، قام عبد الله بن علقمة، فقال: إنّي أتوب إلى الله واستغفره من سبّ عليّ. (1)

- أبو عَوانة، عن سليمان الأعمش قال: حدّثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم قال: لمّا رجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من حجّة الوداع ونزل غدير خمّ، أمر بدوحات فقُممن فقال: «كأنّي قد دُعيت فأجبت ؛ إنّي قد تركت فيكم الثّقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعترتي ؛ فانظروا كيف تُخلفوني فيهما، فإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عَلَيّ الحوض». ثم قال: «إنّ الله عزّ وجلّ مولاي، وأنا مولى كلّ مؤمن» ثم أخذ بيد عليّ رضي‌الله‌عنه فقال: «من كنت مولاه فهذا وليّه، اللّهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه» وذكر الحديث بطوله.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه بطوله. (2)

قال: شاهده حديث سلمة بن كهيل، عن أبي الطفيل صحيح على شرطهما.

- سلمة بن كهيل، عن أبي الطفيل أنّه سمع زيد بن أرقم يقول:


الصفحة 365

نزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بين مكّة والمدينة عند شجرات خمس دوحات عظام، فكنس الناس ما تحت الشجرات ثمّ راح رسول الله عشيّةً فصلّى ثمّ قام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، فقال ما شاء الله أن يقول ثمّ قال: «أيّها الناس، إنّي تارك فيكم أمرين لن تضلّوا إن اتّبعتموهما، وهما: كتاب الله، وأهل بيتي عترتي». ثمّ قال: «أتعلمون إنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم» ثلاث مرّات ؛ قالوا: نعم، فقال رسول الله: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه». (1)

ومن حديث حذيفة بن أسيد:

عن معروف بن خربوذ، عن أبي الطّفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاريّ، قال: لمّا صدر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من حجّة الوداع، نهى أصحابَه عن شجراتٍ بالبطحاء متقاربات أن ينزلوا حولهنّ، ثمّ بعث إليهنّ فقُمّ ما تحتهنّ من الشوك وعمد إليهنّ فصلّى تحتهنّ، ثمّ قام فقال: «يا أيّها الناس، إنّي قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يُعمَّر نبيّ إلاّ نصفَ عمر الذي مَن قَبله، وإنّي لأظنّ أنّي يوشك أن أدعى فأجيب، وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟»، قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت وجهدت، فجزاك الله خيراً.

قال: «أليس تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ وناره حقّ، وأنّ الموت حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريبَ فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور؟!».

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 118 / 4577.


الصفحة 366

قالوا: بلى، نشهد بذلك.

قال: «اللّهمّ اشهد».

ثمّ قال: «يا أيّها الناس، إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم ؛ فمن كنتُ مولاه فهذا مولاه - يعني عليّاً -، اللّهمّ وال من والاه، وعادِ من عاداه».

ثمّ قال: «يا أيّها الناس، إنّي فرطكم - أي متقدّمكم وسابقكم - وإنّكم واردون عليّ الحوض، حوض أعَرضُ ما بين بُصرى وصنعاء فيه عدد النّجوم قدحانٌ من فضّة، وإنّي سائلكم حين تَرِدون علَيّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، الثّقل الأكبر كتاب الله عزّ وجلّ، سببٌ طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فاستمسكو به لا تضلّوا ولا تبدّلوا، وعترتي أهل بيتي، فإنّه نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن ينقضيا حتّى يَرِدا علَيّ الحوض». (1)

- وأخرج ابن عساكر، عن جابر بن عبد الله، قال: خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى نزل خم، فتنحّى الناس عنه، ونزل معه عليّ بن أبي طالب، فشقّ على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله تأخّرُ الناس عنه، فأمر عليّاً فجمعهم، فلمّا اجتمعوا قام فيهم، وهو متوسّد على عليّ بن أبي طالب، فحَمِد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «يا أيّها الناس، إنّي قد كرهت تخلّفكم وتنحّيكم عنّي حتّى خُيّل إليّ أنّه ليس شجرة أبغض إليّ من شجرة تليني. ثمّ قال: لكنّ عليّ بن أبي طالب أنزله الله منّي بمنزلتي منه، رضي

____________________

(1) المعجم الكبير: الطبرانيّ، 3: 179 / 3052، وجامع المسانيد: ابن كثير 7: 46 / 4772، وأسد الغابة: ابن الأثير 3: 92، ومختصر تاريخ دمشق 17: 353، وفرائد السمطين: الجوينيّ 2: 55.


الصفحة 367

الله عنه كما أنا عنه راضٍ، فإنّه لا يختار على قُربي ومحبّتي شيئاً. ثم رفع يديه، ثمّ قال: من كنت مولاه، فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعادِ من عاداه».

وابتدر الناس إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، يبكون ويتضرّعون إليه، ويقولون: يا رسول الله، إنّا تنحّينا كراهة أن نثقل عليك، فنتعوّذ بالله من سخط الله وسخط رسوله.

فرضي رسول الله عند ذلك، فقال أبوبكر: يا رسول الله، استغفر لنا جميعاً، ففعل. (1)

- وقال أبو سعيد الخدريّ:

لمّا نصب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً بغدير خمّ، فنادى له بالولاية، هبط جبريل عليه‌السلام بهذه الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً) (2).

وقال أبو سعيد الخدريّ:

نزلت هذه الآية: (يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ) (3).

على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم غدير خمّ في عليّ بن أبي طالب. (4)

- وعن أبي هريرة قال:

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 17: 356.

(2) المائدة: 3.

(3) المائدة: 67.

(4) مختصر تاريخ دمشق 17: 359.


الصفحة 368

أخذ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بيد عليّ بن أبي طالب، يوم غدير خمّ فقال: ألستُ وليَّ المؤمنين؟! قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه».

فقال عمر بن الخطّاب: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم. فأنزل الله عزّ وجلّ (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (1)، (2)

وعن زيد بن أرقم قال: قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من أحبّ أن يحيا حياتي ويموت موتي ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي، فليتولّ عليّاً ؛ فإنّه لن يخرجكم من هُدى، ولن يُدخلكم في ضلالة». (3)

- وعن حذيفة [ بن اليمان ] قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من أحبّ أن يحيا حياتي ويموت موتي، فليتمسّك بالقصبة الياقوت التي خلقها الله بيده وقال: كن، أو كوني، وليتولّ عليَّ بن أبي طالب». (4)

- وعن محمّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال:

أخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بيد عليّ، فقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله». (5)

- وعن جرير بن عبد الله البجليّ، قال:

____________________

(1) المائدة: 3.

(2) مختصر تاريخ دمشق 17: 358.

(3) المستدرك على الصحيحين 3: 139، ومختصر تاريخ دمشق 7: 361.

(4) مختصر تاريخ دمشق 17: 361.

(5) مختصر تاريخ دمشق 17: 357.


الصفحة 369

شهدنا الموسم في حجّة الوداع مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وهي حجّة الوداع، فبلغنا مكاناً يقال له: غدير خُمّ، فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمعنا: المهاجرون والأنصار، فقام رسول الله وسطنا، فقال: «أيّها الناس، بِمَ تشهدون؟» قالوا: نشهد أن لا إله إلاّ الله. قال: «ثمّ مه؟» قالوا: وأنّ محمّداً عبدهُ ورسوله. قال: «فمَن وليّكم؟» قالوا: الله ورسوله مولانا، قال: قال «فمَن وليّكم؟» ثمّ ضرب بِيده إلى عضد عليّ فأقامه، فنزع عضده، فأخذ بذراعيه فقال: من يكن الله ورسوله مُوْلَياه، هذا مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ من عاداه، اللهمّ من أحبّه من الناس فكن له حبيباً، ومن أبغضه فكن له مبغضاً، اللّهمّ إنّي لا أجد أحداً أستودعه في الأرض بعد العبدَين الصالحين غيرَك، فاقضِ فيه بالحسنى». (1)

وعن أبي فاختة قال:

أقبلَ عليّ، وعمر جالس في مجلسه، فلمّا رآه عمر تضعضع وتواضع وتوسّع له في المجلس، فلمّا قام عليّ قال بعض من في المجلس: يا أميرالمؤمنين، إنّك تصنع بعليّ صنيعاً ما تصنعه بأحدٍ من أصحاب محمّد! قال عمر: وما رأيتني أصنع به؟ قال: رأيتك كلّما رأيته تضعضعتَ وتواضعتَ وأوسعتَ حتّى يجلس، قال: وما يمنعني؟ والله إنّه لمولاي ومولى كلّ مؤمن. (2)

هذا عمر بن الخطّاب وهو خليفة يصنع هذا الصنيع، فإذا سُئل عن سرّ فعله

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 17: 358. (ولعلّ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله العبدَين الصالحين إشارة إلى الملكين جبرئيل وميكائيل في أنّ يحفظا عليّاً عليه‌السلام.

(2) مختصر تاريخ دمشق 17: 358.


الصفحة 370

حلف بالله تعالى أنّ عليّاً مولاه ومولى كلّ مؤمن ؛ فما معنى النّصرة التي ذهب إليها ابن تيميه، ولو صحّ قوله وتأويله لفعل عمر هذا الصنيع مع أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ولما خصّ عليّاً بذلك حتّى صار صنيعه غريباً عند البعض.

أفنصدف عن فعل وقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعليّ ؛ ونتابع ونستنّ برجلٍ بعُدت الشُّقّة بينه وبين عصر الرسالة والصحابة والتابعين قروناً طويلةً؟! (أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقّ أَحَقّ أَن يُتّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدّي) (1).

- ابن عقدة بسنده عن أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر، عن أبيه، عن عمّار بن ياسر، قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «أوصي مَن آمن بي وصدّقني بالولاية لعليّ ؛ فإنّه من تولاّه تولاني، ومن تولاّني تولّى الله، ومن أحبّه أحبّني، ومن أحبّني أحبّ الله، ومن أبغضه أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله». (2)

فما هذا التلازم بين الإيمان برسالة الإسلام والولاية لعليّ ؛ التي هي ولاية لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، المتفرّعة عن ولاية الله تعالى، وهذه الولاية على هذا النحو هي عينها التي في آية الولاية (سورة المائدة، آية 55)، وقد مضى الحديث فيها.

ويوم صفّين جرى كلام طويل بين عمرو بن العاص وعمّار بن ياسر، قال عمار في هذا بعضه:... وسأخبرك عَلامَ قاتلتُك عليه أنت وأصحابك. أمرني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن أقاتل النّاكثين وقد فعلت ؛ وأمرني أن أقاتل القاسطين، فأنتم هم. وأمّا المارقون فما أدري أدركهم أم لا. أيّها الأبتر! ألستَ تعلم أنّ رسول

____________________

(1) يونس: 35.

(2) بشارة المصطفى: محمّد بن عليّ الطبريّ (ت 525 هـ) 120.


الصفحة 371

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه اللّهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه»؟! وأنا مولى الله ورسوله وعليٍّ بعده ؛ وليس لك مولىً.

قال له عمرو: لِمَ تشتمني يا أبا اليقظان ولستُ أشتمك؟

قال عمّار ك وبِمَ تشتُمني، أتستطيع أن تقول أنّي عصيت الله ورسوله يوماً قطّ؟

قال له عمرو: إنّ فيك لمسبّاتٍ سوى ذلك! فقال عمّار: إنّ الكريم من أكرمه الله، كنتُ وضيعاً فرفعني الله، ومملوكاً فأعتقني الله، وضعيفاً فقوّاني الله، وفقيراً فأغناني الله. (1)

حاجّ عمرو عمّاراً، فحجّه عمّار، إلاّ أنّ عمراً وهو يَصدِرُ ممّا عليه وليّه معاوية من تناوش وتحارش، فهم (قَوْمٌ خَصِمُونَ) (2)، لم يملك نفسه فيستر عوراته، فوجّه إلى عمّار سُباباً هو أولى به، وبذا أثبت أمرين في آن واحد: صدق دعوى عمّار وطهارته وأنّه في جبهة الحقّ، وعمرو في جبهة أهل الباطل الذين انتهى بهم معاوية إلى جهنّم (وَأَمّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنّمَ حَطَباً) (3).

والأمر الآخر: هو إخباته لحديث الولاية الذي نفاه ابن تيميه! إذ لم يردّ ذلك على عمّار ؛ وعمرو عند ابن تيميه من الصحابة الثقاة.

وقد قطع عمّار الطريق على عمرو، فردّ الفضل كلّه إلى الله تعالى، فالكريم

____________________

(1) وقعة صفّين: نصر بن مزاحم (ت 212 هـ) 338.

(2) الزخرف: 58.

(3) الجنّ: 15.


الصفحة 372

من أكرمه الله وميزان التفاضل التقوى، والله سبحانه يقول: (إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ)(1). وأمّا المسبّات - كذا! - التي لاذ بها عمرو للنّيل من عمّار فهي ما كان عليه آل ياسر قبل الإسلام من حلفهم لبني مخزوم و «حليف القوم منهم».

وسواد أمّ عمّار وأنّها كانت مستعبَدةً فأُعتقت وتزوّجها ياسر، فكان ثمرة ذلك الزواج المبارك: عمّار، وأخوه عبد الله. ودخل هذا البيت الكريم الإسلام، فكانوا من المستضعفين، وكانت قريش تُخرجهم وقت الظهيرة حينما يشتدّ الحرّ، مجرّدين تصهرهم الشّمس ورمضاء مكّة الحارقة ويعذّبونهم ألوان العذاب، فلا تزيدهم شدّة العذاب إلاّ إيماناً وتمسّكاً بكلمة التوحيد، حتّى عدى أبو جهل على سميّة أمّ عمّار فطعنها بحربته، فكانت رضوان الله تعالى عليها أوّل شهيدٍ في الإسلام من النساء والرجال ؛ فبيّض الله وجهها في الجنّة، وسوّد وجه قاتلها في جهنّم. وبعد لحظات من ذلك استُشهد ياسر، ليزفّهما الحور العين إلى جنّات النّعيم المقيم، ثمّ استُشهد ابنهما عبد الله، فاجتمع الشمل عند مليك مقتدر.

هذه هي مسبّات عمّار في أهله! وأمّا في نفسه: فقد تركت سياط البغي آثارها في جسده. «عن محمّد بن كعب القرظيّ قال: أخبرني من رأى عمّار بن ياسر متجرّداً في سراويل، قال: فنظرت إلى ظهره فيه حَبَط - الحَبَط: أثر الجرح والسياط أو الورم المسبّب منها - كثير، فقلت: ما هذا؟! قال:

هذا ممّا كانت تعذّبني به قريش في رمضاء مكّة». (2)

____________________

(1) الحجرات: 13.

(2) طبقات ابن سعد 3: 248، أنساب الأشراف 1: 180.


الصفحة 373

ومسبّات عمّار: أنه هاجر الهجرتين، وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد، ولم يتخلّف عن مشهدٍ قطّ من مشاهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وملازمته للوصيّ عليّ عليه‌السلام ؛ فشهد معه الجمل، وصفّين وقتل شهيداً يوم صفّين، فالتحق بسلَفِه الطيّبين.

ويوم صفّين كانت له مواقف مشهودة، وكان سبباً لهداية بعض من كان مع معاوية، فلمّا علموا أنّ عمّاراً مع عليّ ؛ زالت عنهم الشبهة التي ادّعاها معاوية في خروجه على عليّ عليه‌السلام، فالتحقوا بصفّ عليّ، وذلك لِما بلغهم من أحاديث في حقّ عمّار:

أنس عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «ثلاثة تشتاق إليهم الجنّة: عليّ وسلمان وعمّار» (1).

يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: كان عمّار بن ياسر وأبوه وأمّه أهلَ بيت إسلام، وكان بنو مخزوم يعذّبونهم، فقال رسول الله: «صبراً يا آل ياسر ؛ فإنّ موعدكم الجنّة» (2).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله حين عرض عثمان - وعثمان خيرٌ من ابن العاص - لعمّار، متهدّداً: «ما لهم ولعمّار، يدعوهم إلىّ الجنّة ويدعونه إلى النّار؟! إنّ عمّاراً جلدة مابين عيني وأنفي» (3).

____________________

(1) وقعة صفّين 323، صحيح الترمذيّ حديث 3798، وصحيح ابن حبّان 3797، مختصر تاريخ دمشق 18: 212.

(2) المستدرك على الصحيحين 3: 432 / 5646. وفي السّيرة النبويّة، لابن هشام 1: 342: (صبراً آلَ ياسر، موعدكم الجنة).

(3) طبقات ابن سعد 3: 254.


الصفحة 374

عن أبي الزبير، عن جابر أنّ رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله مرّ بعمّار وأهله وهم يُعَذَّبون فقال: أبشروا آلَ عمّار وآلَ ياسر، فإنّ موعدكم الجنّة» (1).

عن أوس بن أوس قال: كنت عند عليّ فقال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «دمُ عمّار ولحمه حرام على النار أن تأكله أو تمسّه» (2).

عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ: استأذن عمّار على عليّ فقال: ائذنوا له، مرحباً بالطيّب المطيّب ؛ سمعتُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:

«إنّ عمّاراً مُلئَ إيماناً إلى مُشاشه» (3).

عن سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال له: إنّ الله عزّ وجلّ أمّننا من أن يظلمنا ولم يؤمننا من أن يفتنّا، أرأيت إن أدركتُ فتنة؟! قال: عليك بكتاب الله. قال: أرأيت إن كان كلّهم يدعوا إلى كتاب الله؟! قال: سمعتُ رسول الله يقول: «إذا اختلف الناس كان ابن سُميّة مع الحقّ» (4).

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله: «ابن سُميّة، ما عُرض أمران إلاّ أخذ بالأرشد منهما» (5).

عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن يسار، عن عائشة قالت: قال رسول

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 438 / 5666. قال في التلخيص: على شرط مسلم.

(2) مختصر تاريخ دمشق 18: 215.

(3) وقعة صفّين: 323، سنن ابن ماجة 147.

(4) مختصر تاريخ دمشق 18: 219.

(5) المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 438، ووافقه الذهبيّ في التلخيص.


الصفحة 375

الله: «ما خيّر عمّار بين أمرين إلاّ اختار أرشدَهما» (1).

وعن سَلَمة بن كهيل، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، عن عائشة أنّها قالت: انظروا عمّار بن ياسر فإنّه يموت على الفطرة إلاّ أن تُدركه هفوة من كبر (2).

وعن حذيفة بن اليمان قال: سمعت رسول الله يقول: «أبو اليقظان على الفطرة - ثلاث مرّات - لن يدعها حتّى يموت أو ينسيه الهرم» (3).

قال ابن عبس لحذيفة: إنّ عثمان قد قُتل، فما تأمرنا؟ قال: الزموا عمّاراً، قال: إنّ عمّاراً لا يفارق عليّاً! قال: إنّ الحسد أهلك الجسد، وإنّما ينفّركم من عمّار قُرب من عليّ، فو الله لعليٌّ أفضل من عمّار أبعدَ ما بين التراب والسحاب ؛ وإنّ عمّاراً من الأخيار. وهو يعلم إن لزموا عمّاراً كانوا مع عليّ. (4)

سفيان، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن عليّ رضي الله عنه قال: استأذن عمّار بن ياسر على النبيّ وأنا عنده، فقال: ائذنوا له. فلمّا دخل قال رسول الله: «مرحباً بالطيّب المطَيّب».(5)

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 438 / 5665.

(2) المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 444 وقال في التلخيص: صحيح، ومختصر تاريخ دمشق 18: 216.

(3) مختصر تاريخ دمشق 18: 215.

(4) مختصر تاريخ دمشق 18: 224.

(5) المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 437، والتلخيص، وتهذيب الكمال للمزّيّ 21: 222. وفي وقعة صفّين 223 «الطيّب ابن الطيّب».


الصفحة 376

أبو داود الطيالسيّ حدّثنا شعبة، أخبرني سلمة بن كهيل قال: سمعت محمّد بن عبد الرحمان بن يزيد، عن أبيه، عن الأشتر، عن خالد بن الوليد قال: كان بيني وبين عمّار شيء فشكوته إلى رسول الله، فقال رسول الله: «من يسبّ عمّاراً يسبّه الله، ومن يُعادِ عمّاراً يعاده الله». (1)

عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله يقول: «عمّار يزول مع الحقّ حيث يزول». (2)

مسلم بن عبد الله الأعور، عن حبّة العرنيّ قال: دخلنا مع أبي مسعود الأنصاريّ على حذيفة بن اليمان أسأله عن الفتن، فقال: دوروا مع كتاب الله حيث ما دار، وانظروا الفئة التي فيها ابن سُميّة فاتّبعوها ؛ فإنّه يدور مع كتاب الله حيث ما دار. قال: فقلنا له: ومن ابن سُميّة؟ قال: عمّار، سمعت رسول الله يقول له: «لن تموت حتّى تقتلك الفئة الباغية، وتشرب شربة ضياح تكن آخِرَ رزقك من الدنيا». (3)

الأعمش، عن أبي عبد الرحمان السلميّ قال: شهدنا صفّين مع عليّ رضي‌الله‌عنه - والحديث طويل بشأن عمّار - قال: ثمّ أخذ - أي عمّار - في وادٍ من أودية صفّين، ورأيت أصحاب محمّد يتبعون عمّاراً كأنّه لهم عَلَم. (4)

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 439 / 5667، قال في التلخيص: صحيح.

(2) مختصر تاريخ دمشق 18: 215.

(3) المستدرك على الصحيحين 3: 442 / 5676، وفي التلخيص قال: صحيح.

(4) المستدرك على الصحيحين 3: 445 / 5687.


الصفحة 377

هذا قليل من كثير ممّا جاء في السّيرة الشريفة وأقوال كبار الصحابة في شأن عمّار، ولم نذكر الآيات القرآنيّة النازلة تأييداً لعمّار وإظهار علوّ شأنه.

ولم أحد حديثاً واحداً في ابن العاص وسيّده معاوية إلاّ ما كان ذمّاً لهما.

 

سيرة عَمْرو

لا نجد في حياة عمرو إلاّ أنّه يتقلّب من خزاية إلى سَوءة ؛ فقد كان على المسلمين إلباً، وهو مبعوث قريش إلى النّجاشيّ ملك الحبشة ليسلّمه المسلمين الذين لجأوا إليه، فردّه النجاشيّ خائباً.

وإذا كان عمّار مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر، وأُحد والخندق...، فإنّ عَمْراً كان فيها مع المشركين.

والله تعالى أعلم لِمَ أظهر عمرو إسلامه سنة ثمانٍ للهجرة، أي عام الفتح؟ إلاّ أنّ سيرته بعد ذلك فيها ما فيها! فقد ولاّه أبو بكر ما فتحه من الشام، ثم ولاّه عمر مصر، وأقرّه عثمان عليها، ثمّ عزله، فقدِم المدينة يحرّض على عثمان ويطالبه على رؤوس الأشهاد أن يُعلن التوبة... فاحتدم الأمر بينهما، فقال له عثمان: يا ابن النّابغة! وإنّك ممّن تولّب عَليَّ الطغام لأنّي عزلتك عن مصر! ولمّا اشتدّ الأمر على عثمان خرج عمرو إلى فلسطين وجعل يحرّض الناس عليه، فلمّا بلغه قتل عثمان، قال: أنا أبو عبد الله، قتلتُه وأنا بوادي السباع.

ولمّا بلغه أنّ عليّاً قد بويع له، اشتدّ عليه، فلمّا نمى إليه أنّ معاوية ممتنع عن بيعة عليّ ويحرّض على الطلب بدمه، تحوّل إليه يحرّض أهل الشام على


الصفحة 378

قتال عليّ، ومعاوية يتجاهل مقامه. فدخل عليه وقال: والله لعجبٌ لك إنّي أرفدك بما أرفدك وأنت مُعرِض عنّي! أمَ واللهِ إن قاتَلْنا معك نطلب بدم الخليفة، إنّ في النّفس من ذلك ما فيها، حيث نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته! ولكنّا إنّما أردنا هذه الدنيا. فصالحه معاوية وعطف عليه. (1)

فما زال مع معاوية مشيراً ومعيناً على الوصيّ عليّ عليه‌السلام، وهو صاحب الفتنة لمّا طحنهم أبو الحسن حتّى كاد أن يطهّر الأرض منهم، فأشار عمرو على معاوية بحمل المصاحف والدعوة إلى التحكيم، وما نجم من ذلك من ظهور حركة الخوارج.

وأمّا شجاعته فأبعد رميتها أن يلوذ بسَوْءَته يدرأ بها عن نفسه! «خرج عمرو يوماً من أيّام صفّين ثمّ نادى: يا أبا الحسن، أُخرج إليَّ، أنا عمرو بن العاص. فخرج إليه عليّ فانتضى سيفه فحمل عليه، فلمّا أراد أن يُجَلّله رمى عمرو بنفسه عن فرسه ورفع إحدى رجليه فبدت عَوْرتُه، فصرف عليٌّ وجهه وتركه. وانصرف عمرو إلى معاوية، فقال له معاوية: إحمدِ اللهَ وسوداءَ إستك يا عمرو!». (2)

وفي حوار جرى عند معاوية، بين الحسن بن عليّ عليه‌السلام ومروان والمغيرة وعمرو، فطحنهم الحسن وخرج، فأقبل معاوية عليهم يوبّخهم، فكان ممّا قال

____________________

(1) طبقات ابن سعد 7: 342، تاريخ الطبريّ 3: 392 و 400 و 560، تذكرة الخواصّ 84 - 85، مختصر تاريخ دمشق 18: 215.

(2) الأخبار الطّوال: الدينوريّ (ت 282 هـ): 177.


الصفحة 379

لعمرو: «طعنك أبوه فوقيت نفسَك بخِصْيَيك». (1)

البلاذريّ، عن الهيثم بن عدي، حدّثني ابن عيّاش الهمدانيّ قال: قال معاوية لعمرو: تذكر إذ غَشِيك ابن أبي طالب فاتّقيتَه بسَوءتك! فقال: إنّي رأيت الموت مُقبلاً إليّ معه فاتّقيتُه كما رأيت، وكان ورعاً فصَدفه حياؤه عنّي (2). ولكنّي أذكّرك حين دعاك للمبارزة فقلصَتْ شفتُك ورعدُتْ فرائصُك وامتقع لونك. (3)

وجرى بينهما جدل فقال عمرو: لو لا مصر وولايتها لركبتُ المنجاة منها، فإنّي أعلم أنّ عليّ بن أبي طالب على الحقّ وأنت على ضدّه، فقال معاوية: مصر والله أعمَتْك، ولو لا مصر لألفيتُك بصيراً. ثمّ ضحك معاوية ضحكاً ذهب به كلّ مذهب. قال: مِمّ تضحك أضحك الله سنّك؟ قال: أضحك من حضور ذهنك يوم بارزتَ عليّاً، وإبدائك سوأتك، أما والله يا عمرو لقد واقعتَ المنايا ورأيت الموت عياناً، ولو شاء لَقتلك، ولكن ابن أبي طالب أبى في قتلك إلاّ تكرّماً. فقال عمرو: أما والله إنّي لَعَنْ يمينك حين دعاك إلى البراز فاحْولّت عيناك وبدا سَحْرك (4) وبدا منك ما أكره ذكره لك، فمن نفسك فاضحكْ أو دَعْ. (5)

إنّ الحقّ ينطق على لسان ألدّ الأعداء، فهذان رأسا القاسطين يختصمان

____________________

(1) صَدَفه: أعرض ومال.

(2) المحاسن والمساوئ: البيهقيّ 86.

(3) أنساب الأشراف: البلاذريّ 3: 104.

(4) السحر الرئة، أي انتقخت رئتك، كناية عن الخوف والرعب.

(5) مروج الذهب: المسعوديّ (ت 346 هـ) 3: 20.


الصفحة 380

فيُبدي أحدهما للآخر سوأته ويرميه بالجُبن وأنّ غاية شرفه ودينه أن يحمي نفسه بإظهار عورته ويجيبه الآخر بعين العار والنقيصة، ويقرّ الوزير بعَماه وأنّه طالب دنيا في اتّباعه معاوية، مع إقراره بحقّ عليّ وباطل معاوية، ولم ينكر معاوية ذلك وإنّما أضاف إلى ذلك كرمَ عليّ وترفّعه عن الدنيئة في الوصول إلى الحق.

 

نسب عمرو

هذه بعض سيرة عمرو في نفسه، وتلك سيرة عمّار ونسبه، فنسب عمّار محفوظ: عمّار بن ياسر، صريحاً ن بن يشجب المذحجيّ ثمّ العَنْسيّ، وأمّه سميّة بنت خباط، أوّل شهيد في الإسلام.

وأمّا عمرو: سأل رجل عمرو بن العاص عن أمّه، فقال: سلمى بنت حرملة، تلقّب النّابغة من بني عَنَزة، أصابتها رماح العرب، فبيعت بعُكاظ، فاشتراها الفاكه بن المغيرة، ثمّ اشتراها منه عبد الله بن جُدْعان، ثمّ صارت إلى العاص بن وائل، فولدت له فأنجبت، فإن جعل لك شيء فَخُذْه. (1)

لم يُبيِّن عمرو لِمَ لُقّبِت أمّه بـ «النّابغة»؟ ودَعْنا من سبيها وبيعها، ولكن لم يذكر ما جرى لها وهي عند الفاكه، ولا عند ابن جُدْعان - وأخبارها عندهما تُزكم الأنوف -، ولا كيف صارت إلى العاص!

والأخبار متواترة في أنّ النّابغة هذه كانت بَغِيّاً من ذوات الرّايات، وإنّما

____________________

(1) أسد الغابة 4: 244 / 3965.


الصفحة 381

لقّبت بالنّابغة لنبوغها بالزّنا، وأنّها كانت من الزواني اللاّاتي يضعن الرّايات على بيوتهنّ ليُعْرَفْن، وقد راودها في طُهرٍ واحد أربعة رجال وقيل ستّة فكان عمرو ثمرة تلك الساعة، فاختصموا فيه ثمّ حكّموا النّابغة فنسبته إلى العاص! و«الوالد للفراش، وللعاهر الحجر!».

«لقي عمرو الحسنَ بن عليّ في الطّواف فقال له - وأسمعه كلاماً - فكان ممّا ردّ الحسن عليه: لتنتهينّ يا ابن أم عمرو... ؛ وإنّي من قريش كأوسط القلادة، يُعرَف حسبي ولا أُدعى لغير أبي، وقد تحاكمَتْ فيك رجال قريش فغلب عليك ألأمُهُم نسباً وأظهرهم، فإيّاك عنّي فإنّك رِجْس، وإنّما نحن بيت الطّهارة، أذهب الله عنّا الرّجس وطهّرنا تطهيراً». (1)

واجتمع الحسن بن عليّ وعمرو بن العاص، فقال الحسن: «قد عَلِمَت قريش بأسرها أنّي منها في عزّ أُرومتها، لم أطبَع على ضعف ولم أعكس على خسف، أُعرَف بشبهي وأدُعى لأبِي... أمَا والله، لو كنتَ تسمو بحسبك وتعمل برأيك ما سلكتَ فجَّ قصد، ولا حللتَ رابيةَ مجد» (2).

وحضر مجلسَ معاوية: عبدُ الله بن عبّاس وابن العاص، فأقبل عبد الله ابن جعفر، فتنقّصه ابن العاص، فردّه ابن عبّاس قائلاً: ليس يدّعي لدعيّ، ولا يدني لدنيّ ؛ كمَن اختصم فيه من قريش شرارها، فغلب عليه جزّارها، فأصبح ألأمَها حسبَاً، وأدناها منصباً... وليت شعري بأيّ قِدَمٍ تتعرّض للرجال، وبأيّ حسَبٍ

____________________

(1) المحاسن والمساوئ: البيهقيّ 428، المحاسن والأضداد: الجاحظ 85.

(2) المحاسن والمساوئ: البيهقيّ 87.


الصفحة 382

تبارز عند النضال، أبنفسك؟! فأنت الوغد الزنيم، أمْ بِمَن تنتمي إليه؟! فأهل السَّفَه والطيش والدناءة في قريش، لا بشرف في الجاهليّة شُهِروا، ولا بقديم في الإسلام ذُكروا... (1).

وفي ردّه على ابن العاص في مجلس معاوية، قال له الحسن المجتبى: «وأمّا أنت يا ابنَ العاص، فإنّ أمرك مشترك، وضعتك أمّك مجهولاً من عُهر وسفاح فتحاكَمَ فيك أربعة من قريش، فغلب عليك جزّارُها، ألأمُهم حسباً، وأخبثُهم منصباً، ثمّ قام أبوك فقال: أنا شانئ محمّدٍ الأبتر، فأنزل الله فيه ما أنزل... (2).

ومن كلام لأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام يوم صفّين مع عمرو: يا ابن النابغة! ومتى لم تكن للكافرين وليّاً وللمسلمين عدوّاً، وهل تشبه إلاّ أمّك الّتي وضعت بك! (3)

وفي حوارٍ جرى بين عمرو بن العاص وشُريح بن هانىءٍ، قال عمرو: إنّ مثلي لا يُكلّم مثلك! فقال شريح: بأيّ أبوَيك ترغب عن كلامي؟ بأبيك الوشيظ (4)، أم بأمّك النّابغة؟! (5)

____________________

(1) المحاسن والمساوئ: البيهقيّ 90.

(2) شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد 6: 291.

(3) وقعة صفّين 508.

(4) الوشيظ: الخسيس.

(5) وقعة صفّين 543.


الصفحة 383

وعن أنس بن مالك قال: دخلَتْ أروى بنت الحارث بن عبد المطّلب، على معاوية بالموسم، وهي عجوز كبيرة. ثمّ ذكر خبراً طويلاً في تقريعها لمعاوية ومروان وعمرو بن العاص، إذ اعترضها عمرو، فقالت: يا ابن اللّخناء النّابغة (1): أتكلّمني؟! إربَعْ على ظَلْعِك، واعْنِ بشأن نفسك (2)، فو الله ما أنت من قريش في اللُّباب من حَسَبها، ولا كريم منصبها، ولقد ادّعاك ستّةٌ من قريش وكلّهم يزعم أنّه أبوك، ولقد رأيتُ أمّك بمكّة مع كلّ عبدٍ عاهر! فأتَمَّ بهم فإنّك بهم أشبه. (3)

أحمد بن حنبل: حدّثنا سفيان، حدّثنا أبو عوانة عن المغيرة، عن أبي عبيد عن ميمون أبي عبد الله قال: قال زيد بن أرقم وأنا أسمع: نزلنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بوادٍ يقال له وادي خمّ، فأمر بالصلاة، فصلاّها بهجير، قال: فخطبنا، وظلّل لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فقال: ألستم تعلمون - أو لستم تشهدون - أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟! قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فإنّ عليّاً مولاه، اللّهم عادِ من عاداه، ووالِ من والاه». (4)

____________________

(1) اللّخناء: المنتنة الرائحة. وفي العقد الفريد: فقالت له: وأنت يا ابن النّباغة - أي الزانية - تتكلّم، وأمّك أشهر أمرأة تغنّي بمكّة وآخذهنّ لأجرة.

(2) إربَعْ: أقِم. والظَلْع: العرج. مثل يضرب لمن عيوبه كثيرة وهو منشغل عنها بغيره.

(3) بلاغات النساء: ابن طيفور 40 - 43، نثر الدرّ: الآبي 4: 36 - 38. وفي العقد الفريد: ابن عبد ربّه 1: 357 - 358: «ادّعاك خمسة كلّهم يزعم أنّه أبوك، فسُئلت أمّك عنهم فقالت: كلّهم أتاني، فانظروا أشبَهَهُم به فألحِقوه به، فغلب عليك شَبهُ العاص ابن وائل فلُحِقتَ به».

(4) مسند أحمد 5: 501 / 18838. 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة