الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 324

وعكرمة مولى ابن عبّاس - وهو من أقرانه، وسلمة بن كهيل، وسليمان الأحول، وطاووس بن كيسان، وقتادة بن دِعامة، ومسلم الملاّئيّ الأعور، ومنصور بن المُعتمِر...

وأكثرهم ترجمنا لهم، فهم تابعون ثقات عندهم، ومن لم نذكر ترجمته فهو في طبقتهم ووثاقتهم، انظرهم في كتب الرجال.

وأمّا مجاهد: فقد ذكره العجليّ قال: مجاهد أبو الحجّاج، مكّيّ تابعيّ ثقة، سكن الكوفة بآخرة. حدّثني أبو أحمد الأسديّ، حدّثنا سفيان عن سَلَمة بن كُهيل قال: ما رأيت أحداً يريد بعلمِه وجهَ الله إلاّ هؤلاء الثلاثة: عطاء، وطاووس، ومجاهد (1).

وقال عبد السلام بن حرب، عن خُصَيف: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد، وبالحجّ عطاء. (2)

قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وأبو زُرعة: مجاهد ثقة. (3)

وقال أبو نعيم: قال يحيى القطّان: مُرسلات مجاهد أحبّ إليّ من مرسلات عطاء بكثير (4).

وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل مكّة. قال: كان فقيهاً عالماً ثقة

____________________

(1) تاريخ الثّقات للعجليّ 420 / 1538.

(2) الجرح والتعديل 8، الترجمة 1469، وتاريخ البخاريّ الكبير 7 / الترجمة 1805.

(3) الجرح والتعديل.

(4) الجرح والتعديل، وتاريخ البخاريّ الكبير.

(5) الطبقات الكبرى 5: 466 - 467.


الصفحة 325

كثير الحديث. (1)

مات مجاهد سنة مائة، وقيل: سنة إحدى ومائة.

ابن عبّاس: يبقى الحديث عن فرد واحد ينتهي به الحديث، فهو الذي رواه عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ونترك ذلك لابن تيميه ليحكم عليه بالقدريّة، أو التشيّع، وأنّه ثقة أو غير ثقة!

فهذا واحد من الطرق التي حكم ابن تيميه بأنّها جميعاً أوهن وأضعف في حديث «مدينة العلم»، ثم انتقل إلى الحكم الجازم ببطلان الحديث، ومداره في ذلك أبو الفرج!

بقي أن نذكر أنّ الحديث واحد من ثمانية آلاف حديث استدركها الحاكم على البخاريّ ومسلم، وهي على شرطيهما أو شرط أحدهما، ولم يخرّجاها.

وقد ظهرت لنا قوّة ووثاقة سند الحديث الأوّل، وأقرّ به ابن معين وهو قرين ابن حنبل، وتوكيداً منه على توثيق الحديث وتصحيحه من طريق أبي الصّلت فقد استشهد بالفيديّ محمّد بن جعفر، وقد رواه عن أبي معاوية مثلما رواه أبو الصّلت، وذكرنا في ترجمته أنّ البخاريّ قد روى عن الفيديّ ؛ فلعلّ الحديث لم يقع إلى البخاريّ، أو ثمّة سبب آخر!

وبذا وقع إلينا الحديث من طريقين في غاية العلوّ، بما يغني عن الفحص عن طرقه الأخرى التي حكم ابن تيميه على بطلانها!

____________________

(1) الطبقات الكبرى 5: 466 - 467.


الصفحة 326

وسُوَيد عن شريك عن سَلَمة بن كهيل عن الصُّنابحيّ، عن عليّ عليه‌السلام عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «أنا دار الحكمة وعليّ بابها، فمن أراد الحكمة فليأتها». (1)

قال ابن عبّاس في قوله تعالى: (مِنْ آيَاتِ اللّهِ وَالْحِكْمَةِ) (2): هي علمُ القرآن: ناسخه ومنسوخه، مُحكمُه ومُتشابِهُه. وقال ابن زيد: هي علمُ آياته وحِكَمِه. وقال السّدّيّ: فهمُ حقائق القرآن. (3)

والأحاديث في أنّ عليّاً عليه‌السلام أعلم الصحابة جميعاً بالسنن، وبالقرآن ظاهره وباطنه، مُحكَمِه ومتشابهه، ناسخه ومنسوخه وأسباب نزوله وفيمن نزلت آياته...، من الوفرة ممّا ينهض بالحديث إلى حدّ اليقين القطعيّ، وهيهات لابن تيميه تكذيبه! وسوف نأتي على ذكرها بعد محاكمة سند حديث «دار الحكمة» وحينها يخسر المبطلون!

سُوَيد (4): سويد بن سعيد بن سهل بن شهريار الهرويّ، أبو محمّد الحدثانيّ الأنباريّ.

روى عن: شريك بن عبد الله النّخعيّ - ستأتي ترجمته -، وسفيان بن عُيينة،

____________________

(1) سنن الترمذيّ 5 / 637 / 3723 / الباب 20 من كتاب المناقب، ومصابيح السنّة للبغويّ 2: 275، وحلية الأولياء 1: 64، وقال: رواه أيضاً الأصبغ بن نباتة عن عليّ عليه‌السلام.

(2) الأحزاب: 34.

(3) المفردات للراغب الأصفهانيّ 135.

(4) تاريخ بغداد 9: 227 / 4804، وتهذيب الكمال للمزّيّ 12: 247 / 2643، وتضمينات ابن حجر لتاريخ الثقات للعجليّ 211 / 640، والكامل لابن عديّ 2 / 59، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 4 / الترجمة 1026، ورجال صحيح مسلم لابن منجويه 72، والأنساب للسمعانيّ 4 / 80.


الصفحة 327

ومالك بن أنس، وأبي معاوية الضّرير - مضت ترجمته -، ومُعتمر بن سليمان (1)، وفُضَيل بن عياض (2)، وعبد العزيز بن محمّد الدراورديّ (3)، ومروان ابن معاوية الفزاريّ (4)، ويزيد بن زريع السدوسيّ (5)، والوليد بن مسلم (6)...

روى عنه: مسلم، وابن ماجة، وعبد الله بن أحمد بن حنبل...

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: عرضتُ على أبي أحاديث لسُويد بن سعيد عن ضِمام بن إسماعيل (7)، فقال لي: اكتُبها كلَّها، أو قال: تَتبّعْها ؛ فإنّه صالحٌ، أو قال: ثقة. (8)

وقال أبو الحسن الميمونيّ: سأل رجلٌ أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن سويد الحدثيّ فقال: ما علمتُ إلاّ خيراً. فقال له: إنسان جاءه بكتاب

____________________

(1) مُعتمر بن سليمان التّيميّ البصريّ، ثقة (تاريخ الثقات 433 / 1602، والثقات 7: 521، والتهذيب 10: 227).

(2) فضيل بن عياض، كوفيّ، ثقة، متعبّد رجل صالح. سكن مكّة. - مضت ترجمته.

(3) عبد العزيز بن محمّد بن عبيد الدراورديّ: مدنيّ، ثقة (تاريخ الثقات 306 / 1016، والثقات 7: 115، والتاريخ الكبير 3: 2: 25، وتاريخ ابن معين 2: 367، والتهذيب 6: 353).

(4) مروان بن معاوية الفزاريّ، كوفيّ ثقة (تاريخ الثّقات للعجليّ 424 / 1556).

(5) يزيد بن زُريع السّدوسيّ، بصريّ متّفق على توثيقه (تاريخ الثّقات للعجليّ 478 / 1841، والتهذيب 11: 325).

(6) الوليد بن مسلم الدمشقيّ، ثقة (تاريخ الثّقات للعجليّ 466 / 1777، والتهذيب 11: 151).

(7) ضمام بن إسماعيل المعافريّ، ثقة (تاريخ الثّقات للعجليّ 232 / 712، تاريخ البخاريّ الكبير 2: 2: 343، والثّقات 6: 485، والتهذيب 4: 458).

(8) الكامل لابن عديّ 2: 59.


الصفحة 328

فضائل، فجعل عليّاً أوّلها، وأخّر أبابكر وعمر، فعجب أبو عبد الله من هذا وقال: لعلّه أتى من غيره! قالوا له: وثَمَّ تلك الأشياء، قال: فلِمَ تسمعوها أنتم؟! لا تسمعوها. ولم أره يقول فيه إلاّ خيراً. (1)

إنّ أحمد بن حنبل هو المعيار عند العامّة، وقوله فصل في تقييم الرجال وجرحهم وتعديلهم، وبعده يحيى بن معين... وهكذا ؛ فلمّا سأله هذا الرجل عن سُويد، أطراه وذكره بخير، إلاّ أنّ هذا الرجل أشكل على أحمد في تقديم سويد على أبي بكر وعمر، ولم يتغيّر موقف أحمد من سويد لذلك السبب، وقوله: «وثمّ تلك الأشياء» يبدو أنّها من جنس أسباب تفضيل الإمام عليّ عليه‌السلام! وما زال يقول فيه خيراً.

وقال أبو القاسم البغويّ: كان - أي سُويد - من الحُفّاظ، وكان أحمد بن حنبل ينتقي عليه لولديه: صالح وعبد الله، يختلفان إليه فيسمعان منه. (2)

وهذا يعني علوّ مكانة سويد ووثاقته عند أحمد بن حنبل. قال أبو زُرعة: أمّا كُتُبه فصِحاح، وو كنتُ أتتبّع أصوله فأكتب منها، فأمّا إذا حدّث من حِفظه فلا. (3)

وهذا يعني أنّ سويداً عند أبي زرعة ثقة، إلاّ أنّه إذا حدّث أخطأ، وهو ما نجده في ترجمة كثير من الرجال العدول الثقات: عدل صدوق ثقة، إلاّ أنّه خلط

____________________

(1) تهذيب الكمال للمزّيّ 13: 250.

(2) تاريخ بغداد 9: 231، وتهذيب الكمال للمزّيّ 12: 250.

(3) نفسه.


الصفحة 329

آخِرَ عمره ؛ وثقة صدوق إذا حدّث من كتابه، وأمّا من حفظه فإنّه تغيّر بآخرة...

وسبحان من لا يخطئ! وقد مدح أحمد بن حنبل سُويداً وانتقاه شيخاً لولديه، وصحّح أبو زُرعة كتبه.

قال أبو القاسم حمزة بن يوسف السّهميّ: سألت الدار قطنيّ عن سويد بن سعيد فقال: تكلّم فيه يحيى بن معين وقال: حدّث عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عطيّة - العوفيّ -، عن أبي سعيد - الخدريّ - أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة». قال يحيى بن معين: وهذا باطل، لم يَرْوِه غير سُويد بن سعيد، وجُرِّح سُويد لروايته لهذا الحديث!

قال الشيخ أبو الحسن الدّار قطنيّ: فلم يزل يُظَنّ أنّ هذا كما قال يحيى، وأنّ سويداً أتى أمراً عظيماً في روايته هذا الحديث، حتّى دخلتُ مصر في سنة سبع وخمسين وثلاث مائة، فوجدت هذا الحديث في مُسند أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس البغداديّ المعروف بالمنجنيقيّ، وكان ثقةً، روى عن أبي كريب، عن أبي معاوية كما قال سويد سواء ؛ وتخلّص سويد وصحّ الحديث عن أبي معاوية، وقد حدّث أبو عبد الرحمان النّسائيّ عن إسحاق بن إبراهيم هكذا، ومات أبو عبد الرحمان قبله. (1)

مات سويد سنة أربعين ومائتين وزاد البغويّ: وكان قد بلغ مائة سنة، وكتبتُ عنه بالحديثة. (2)

____________________

(1) تاريخ بغداد 9: 231، وتهذيب الكمال للمزّيّ 12: 250.

(2) تاريخ بغداد، وتهذيب الكمال للمزّيّ 12: 250، وتاريخ البخاريّ الصغير 2: 373. =


الصفحة 330

____________________

= و تنقيص ابن معين لسويد ؛ لأنّه نقل حديث (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة) وحكم على الحديث بالباطل! وقد أثّر كلام ابن معين هذا بأبي الحسن الدارقطنيّ، حتّى أنّه ظنّ أنّ سويداً أتى عظيماً! ثمّ تحقّق له صحّة الحديث، فبرّأ صفحة سويد من تهمة ابن معين له. ونذكّر أيضاً بأنّ أحمد بن حنبل، على مكانته عندهم والتي لا يستطيع ناصبيّ أن يتجاوزها، فإنّه - وقد مرّ بنا - كان لا يرى الكتابة عن ابن معين، إلاّ أنّه مدح سويداً وانتقاه شيخاً لوَلَديه! وقول ابن داود فيه، لمّا ذمّ ابن معين فأُنكر عليه، قال: من جرّ ذيول الناس جرّوا ذيله! وقول يحيى بن معين في نفسه وإقراره أنّه يطعن بقومٍ لعلّهم حطّوا رحالهم في الجنّة!

وإذا كانت العلّة في تكذيب يحيى للحديث لوجود سويد فيه، فإنّ الحديث الذي ذكره حذيفة، يرد بسندٍ آخر ليس فيه سويد، ولا حتّى معاوية - بن الضّرير -: عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدّثني أبي حدّثنا أسود بن عامر، حدّثنا إسرئيل عن ابن أبي السفر، عن الشّعبيّ، عن حذيفة - بن اليمان - قال (أتيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فصلّيت معه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثمّ تبعته وهو يريد أن يدخل بعض حُجره، فقام وأنا خلفه كأنّه يكلّم أحداً، قال: ثمّ قال: من هذا؟ قلت: حُذيفة، قال: أتدري من كان معي؟! قلت: لا، قال: فإنّ جبريل جاء يبشّرني أنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، قال: فقال حذيفة: فاستغفرلي ولأُمّي، قال غفر الله لك يا حذيفة ولأمّك) (مسند أحمد 6: 542 / 22819).

وقريب منه ذكر الحاكم عن إسرائيل، عن مَيْسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن زِرّ بن حُبيش، عن حذيفة بن اليمان، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام فقال: إنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة)، ثمّ قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: (غفر الله لك ولأمّك يا حذيفة) (المستدرك على الصحيحين 3: 429 / 5630).

وليس في سنده خدش ؛ فإنّ إسرائيل هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، كوفيّ، ثقة (تاريخ الثقات 63 / 77، وتاريخ ابن معين 2: 28، والبخاريّ الكبير 1: 2: 52، وثقات ابن حبّان 6: 76).


الصفحة 331

____________________

= وأمّا ميسرة، فهو: ميسرة بن حبيب النهديّ، كوفيّ، ثقة، روى عن المنهال بن عمرو، وهو في عداد الشيوخ (تاريخ الثقات 445 / 1667).

وثّقه أيضاً ابن مَعين والنّسائيّ وابن حبّان (التهذيب 10: 386).

والمنهال بن عمرو: كوفيّ ثقة (تاريخ الثقات 442 / 1643).

ووثّقه أيضا ابن معين، والنّسائيّ، وابن حبّان (التهذيب 1: 319).

وزرّ بن حُبيش: من أصحاب عبد الله، وعليّ ؛ ثقة (تاريخ الثقات 165 / 458).

فسند الحديث من العلوّ ما هو أمام يحيى بن معين، وليس فيه سويد - كما ذكرنا - وبنفس السند الماضي، عن حذيفة، وفيه: (عن حذيفة قال: قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: أما رأيت العارض الذي عرض لي قُبيل؟! قال: قلت: بلى، قال: فهو ملَك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قبل هذه اللّيلة، فاستأذن ربّه أن يسلّم عليّ ويبشّرني أنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، وأنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة). (مسند أحمد بن حنبل 6: 541 / 22818).

وبسنده عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، وفاطمة سيّدة نسائهم، إلاّ ما كان من مريم بنت عمران) (مسند أحمد، مسند أبي سعيد / الحديث 10616). والذي في (خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه): أخبرنا يعقوب بن إبراهيم (يعقوب بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عوف: مدنيّ، ثقة، تاريخ الثقات 48 / 1867)، عن مروان (مروان بن معاوية الفزاريّ: كوفيّ ثقة. تاريخ الثقات 434 / 1556)، عن الحكم بن عبد الرحمان بن أبي نُعْم (البجليّ الكوفيّ، ثقة. البخاريّ الكبير 2 / الترجمة 2671، والمعرفة والتاريخ 2: 644، والجرح والتعديل / الترجمة 565 والثقات لابن حبّان 2: 99)، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة إلاّ ابنَي الخالة: عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريّا) (خصائص النسائيّ 124 / 139).

وهو في مشكل الآثار للطحاويّ الحنفيّ المتوفّى سنة 321 هـ، 2: 269 / 2103.

وأخرج بسندٍ آخر، عن عبد الرحمان بن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (إن حسناً وحسيناً سيّدا شباب أهل الجنّة) ما أستثني من ذلك (خصائص النسائيّ 134 / 138). =


الصفحة 332

شريك (1): وشريك الذي روى عنه سويدٌ حديث «مدينة الحكمة» هو شريك بن عبد الله بن أبي شريك النّخعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ القاضي.

أدرك زمن عمر بن عبد العزيز، وروى عن:

____________________

= وبسنده عن عبد الرحمان بن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة) (خصائص النسائيّ 134 / 137).

وفي الرياض النضرة 2: 202، قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ: (أوتيتَ ثلاثاً لم يؤتَهُنّ واحد، ولا أنا: أوتيت صهراً مثلي ولم أوت أنا مثلي. وأوتيت زوجةً صدّيقةً مثل ابنتي ولم أُوت مثلها زوجة. وأوتيت الحسن والحسين من صلبك ولم اوت من صلبي مثلهما، ولكنّكم منّي وأنا منكم).

وفي تاريخ خليفة 162: رأى معاوية - وهو في طريقه إلى مكّة الحسين فقال: مرحباً وأهلاً يا ابنَ بنت رسول الله، سيّد شباب المسلمين.

وللحديث طرق أخرى، وفي الباب نفسه عن عائشة عند مسلم (الحديث 2424)، وعن واثلة عند أحمد 4: 107، وتهذيب الكمال 6: 229.

والحديث في: أنساب الأشراف 3: 7، وتفسير الطبريّ 22: 67، والمعجم الكبير 3: 47 - 48، والترمذيّ حديث 3768، ومعجم الصحابة للبغويّ 22: 42، وسنن ابن ماجة 1: 42، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم 144، والإبانة لابن بطّة 62، وأسد الغابة 2: 19، والمستدرك على الصحيحين 3: 429، وفرائد السمطين / الحديث 414 و 415، والاستيعاب 1: 376، وتاريخ بغداد 2: 185 و 1: 140 وأجزائه الأخرى، وابن عساكر 7: 118 - 119....

(1) طبقات ابن سعد 6: 378، والمصنّف لابن أبي شيبة 13 / 15781، وتاريخ يحيى بن معين 2: 250، وتاريخ خليفة 434، ومواضع أخرى، وطبقاته 169، وفضائل الصحابة / الترجمة 243، وتاريخ البخاريّ الكبير: 4 / الترجمة 2647، وتاريخ الثقات 217 / 664، وتاريخ أسماء الثقات / الترجمة 552، والجرح والتعديل 4 / الترجمة 1602، والكامل لابن عديّ 2: 73، ورجال صحيح مسلم 81، وجمهرة ابن حزم 415، وتاريخ بغداد 9: 279، والثقات 1: 188...


الصفحة 333

سلمة بن كهيل - ثقة - سنذكر ترجمته -، وإسماعيل بن أبي خالد - ثقة ثبت، ذكرناه سابقاً، وأبي المقدام ثابت بن هرمز الحدّاد، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي إسحاق السّبيعيّ، ومحمّد بن إسحاق بن يَسار - صاحب السيرة -، وهشام بن عروة، وعمّار بن معاوية الدّهنيّ، وعبد الله بن شبرمة، ومنصور بن المعتمِر، وعِمران بن مسلم الجعفيّ، وسليمان الأعمش، وسِماك بن حرب، وشعبة بن الحجّاج، ومحمّد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى، وصالح بن صالح ابن حيّ، وطلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، وعطاء بن السائب، وعثمان بن عاصم الكوفيّ... وخلقٍ كثير.

وكلّ واحد ممّن ذكرناهم من الذين روى عنهم شريك، أقلّ ما قيل فيه: ثقة وإلاّ فالكثير منهم عندهم ثقة صدوق حجّة، وذو سنّة وَرِع....

انظرهم في: تاريخ الثقات للعجليّ، وتاريخ يحيى بن معين، وتاريخ الدوريّ، والدارميّ، وثقات ابن حبّان، والجرح والتعديل، وطبقات ابن سعد، وتاريخ بغداد، ورجال صحيح مسلم، والكامل لابن عديّ، وثقات ابن شاهين...

روى عنه: محمّد بن إسحاق - وهو من شيوخه، وسويد بن سعيد الحَدَثانيّ، وأبو أسامة حَمّاد بن أسامة، وأبو داود سليمان بن داود الطّيالسيّ، وأبو بكر عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة، وعثمان بن محمّد بن أبي شيبة، ويحيى بن سعيد القطّان، ووكيع بن الجرّاح، ويحيى بن آدم، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد الزّهريّ، وعبد الرحمان بن مهدي، وعثمان بن حكيم الأوديّ، وعليّ بن قادم، وأبو نعيم الفضل بن دكين، والهيثم بن جميل، ويحيى بن عبد الحميد الحمّانيّ،


الصفحة 334

ويزيد بن هارون، ومالك بن إسماعيل...، وأمّة واسعة من رجال الحديث.

ومثلما ذكرنا فيمن روى عنه شريك ؛ كذلك حال الذين رووا عنه، فأقلّ ما قيل بشأن أحدهم: ثقة، وفي غيره ثقة ثبت، وفي آخر ثقة نقيّ الحديث لا يحدّث إلاّ عن ثقة، وفي غيره ثقة عبد صالح أديب من حفّاظ الحديث، وفي آخر: ثقة وكان يُعدّ من حكماء أصحاب الحديث. «انظر تراجم مَن ذكرناهم في كتب الرجال».

وبذا: فشريك مثل صاحبه الذي روى عنه الحديث «سويد». فهو لم يَروِ عن ضعيف مُهمَل. وكذلك فيمن روى عنه.

وأمّا شريك في نفسه: فقد ترجم له العجليّ ترجمة ضافيةً على غير عادته، جاء فيها: شريك بن عبد الله النّخعي القاضيّ، كوفيّ ثقة، وكان حسن الحديث وكان أروى الناس عنه إسحاق بن يوسف الأزرق الواسطيّ (1)، سمع منه تسعة آلاف حديث. (2)

قال صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: سمع شريك من أبي إسحاق قديماً، وشريك في أبي إسحاق أثبت من زهير وإسرائيل وزكريّا. (3)

وقال يزيد بن الهيثم: سمعت يحيى بن معين يقول: شريك ثقة، وهو أحبّ إليّ من أبي الأحوص وجَرير، ليس يقاس هؤلاء بشريك، وهو يروي عن قوم لم

____________________

(1) تاريخ الثقات للعجليّ 62 / 73.

(2) نفسه 218.

(3) الجرح والتعديل 4 / الترجمة 1602، والمعرفة والتاريخ ليعقوب 2: 176.


الصفحة 335

يَروِ عنهم سفيان. (1)

وقال أيضاً: قلت ليحيى بن معين: روى يحيى بن سعيد القطّان عن شريك؟ قال: لم يكن شريك عند يحيى بشيء، وهو ثقة ثقة. (2)

وقال عثمان بن سعيد الدارميّ: قلت ليحيى بن معين: شريك أحبّ إليك في أبي إسحاق، أو إسرائيل؟ قال: شريك أحبّ إليُّ، وهو أقدم.

قلتُ: شريك أحبّ إليك في منصور، أو أبو الأحوص؟ فقال شريك أعلم به. (3) وقال عليّ بن حكيم الأوديّ: سمعت وكيعاً يقول: لم يكن أحدٌ أروى عن الكوفيّين من شريك. (4)

وقال أبو توبة الربيع بن نافع: سمعت عيسى بن يونس يقول: ما رأيت أحداً قطّ أورَعَ في علمه من شريك. (5)

وقال أبو توبة أيضاً: كنّا بالرّملة، فقالوا: من رجل الأمّة؟ فقال قوم: ابنُ لَهيعة، وقال قوم: مالك بن أنس، فسألنا عيسى بن يونس، فقال: رجل الأمّة: شريك بن عبد الله، - وكان يومئذ حيّاً - قيل: فابنُ لَهيعة؟ قال: رجل سمع من

____________________

(1) تاريخ بغداد 9: 283.

(2) نفسه.

(3) الجرح والتعديل 4 / الترجمة 1602، وتاريخ الدوريّ 2: 251.

(4) الجرح والتعديل.

(5) نفسه. وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السّبيعيّ: كوفيّ، ثقة، وكان ثبتاً في الحديث (تاريخ الثقات 380 / 1338، والبخاريّ الكبير 3: 2: 406، وثقات ابن حبّان 7: 238).


الصفحة 336

أهل الحجاز، قيل: فمالك بن أنس؟ قال: شيخُ أهل مصر. (1)

وقال سعيد بن سليمان (2): سمعت ابن المبارك عند خديج بن معاوية يقول: شريك أعلم بحديث الكوفيّين من سفيان الثّوريّ. (3)

هذا هو شريك في نفسه، وفي شيوخه وفي من روى عنه فهو: ثقة ثقة، وأروى الكوفيّين، وهو رجل الأمّة!!

وقد روى شريك حديث «دار الحكمة» عن سلمة بن كهيل: سلمة بن كهيل بن حصين الحضرميّ الكوفيّ. (4)

روى عن: إبراهيم بن سويد النّخعيّ (5)، وحبّة بن جُوين العُرنيّ (6)، وحُجَيّة بن عديّ الكنديّ (7)، وسعيد بن جبير، وأبي وائل شقيق بن سلمة، وعامر بن شراحيل الشّعبيّ، وأبي الطّفيل عامر بن واثلة اللّيثيّ، وعبد الله بن أبي أوفى، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عبّاس، وسويد بن غفلة، وعلقمة بن قيس النّخعيّ،

____________________

(1) الجرح والتعديل 4 / الترجمة 1602.

(2) سعيد بن سليمان: واسطيّ، ثقة (تاريخ الثقات 185 / 547).

(3) الجرح والتعديل.

(4) طبقات ابن سعد 6: 316، وتاريخ يحيى 2: 226، وتاريخ الدارميّ / الترجمة 254، وطبقات خليفة 163، وتاريخه 354، والبخاريّ الكبير 4 / الترجمة 1997، وتاريخ الثقات 197، والمعرفة والتاريخ 2: 648 و 85: 3، والثقات لابن حبّان 1: 170، وجمهرة ابن حزم 461.

(5) كوفيّ ثقة (تاريخ الثقات 52).

(6) كوفيّ تابعيّ ثقة (تاريخ الثقات 105 / 243).

(7) كوفي تابعيّ ثقة تاريخ الثقات 110 / 261، والثقات 4: 192).


الصفحة 337

ومجاهد بن جبر المكّيّ وغيرهم. وهؤلاء أشهر من أن نترجم لهم، وبعضهم ترجمنا لهم في غير هذا الموضع، وهم ثقات ذكَرتْهم كتب التراجم، فراجع.

روى عنه: إسماعيل بن أبي خالد، وسعيد بن مسروق الثّوريّ، وابنه سفيان بن سعيد الثّوريّ، وشعبة بن الحجّاج، ومِسعر بن كِدام، وعبد الرحمان ابن عبد الله المسعوديّ، ومنصور بن المعتمر، وصالح بن صالح بن حيّ، والعوّام بن حوشب، وغيرهم. وكلّهم مذكورون عندهم بالثقة والورع والصلاح، وأكثرهم تابعون، حالهم حال من روى عنهم.

وأمّا سلمة في نفسه، فقد قال العجليّ: كوفيّ تابعيّ، ثقة ثبتٌ في الحديث «تاريخ الثقات 198 / 591»، وعن أحمد بن حنبل:

سلمة بن كُهيل متقنٌ للحديث. (1)

وقال محمّد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث. (2)

وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. (3)

وقال أبو زرعة ك ثقةٌ مأمون ذكيّ. (4)

وقال أبو حاتم ثقةٌ متقنٌ. (5)

____________________

(1) الجرح والتعديل 4 / الترجمة 742.

(2) طبقات ابن سعد 6: 316.

(3) الجرح والتعديل.

(4) نفسه.

(5) الجرح والتعديل.


الصفحة 338

وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ ثبتٌ على تشيّعه. (1)

وقال النّسائيّ: ثقة ثبت. (2)

وقال ابن المبارك، عن سفيان الثّوريّ: حدّثنا سلمة بن كهيل وكان ركناً من الأركان، وشدّ قبضته. (3)

وقال عبد الرحمان بن مهديّ: لم يكن بالكوفة أثبت من أربعة: منصور، وأبي حصين، وسلمة بن كهيل، وعمرو بن مُرّة. (4)

وقال أيضاً: أربعة في الكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو يخطئ ليس هم، فذكر منهم سلمة بن كهيل. (5)

وقال خلف بن حوشب، عن طلحة بن مُصرِّف: ما اجتمعنا في مكان إلاّ غَلبَنا هذا القصير على أمرنا. يعني سلمة بن كهيل. (6)

قال يحيى بن المغيرة الرازيّ، عن جرير بن عبد الحميد: لمّا قدم شعبة البصرة، قالوا: حَدِّثْنا عن ثِقات أصحابك، فقال: إذا حدّثتكم عن ثقات أصحابي فإنّما أحدّثكم عن نفرٍ يسير من هذه الشيعة: الحَكَم بن عُتيبة، وسلمة ابن كهيل،

____________________

(1) تهذيب الكمال 11: 316.

(2) تاريخ الإسلام 8: 120.

(3) مختصر تاريخ دمشق 10 ك 92، والجرح والتعديل 4 / الترجمة 742.

(4) تاريخ البخاريّ الكبير 4 / الترجمة 1997.

(5) الجرح والتعديل 4 / الترجمة 742.

(6) مختصر تاريخ دمشق 10: 93، وتهذيب الكمال 11: 316.


الصفحة 339

وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور. (1)

مات سلمة بن كهيل سنة ثلاث وعشرين ومائة. (2)

هذه هي منزلة سلمة بن كهيل الذي روى الحديث عن الصُّنابحيّ، عن أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام. ولا نتوقّف كثيراً عند الفاصلة الزمنيّة بين ابن تيميه وبين سلمة، فهي لا تزيد على خمسة قرون إلاّ قليلاً!

الصّنابحيّ: عبد الرحمان (3) بن عُسَيلة بن عسل بن عسّال المراديّ أبو عبيد الله الصُّنابِحيّ، والصّنابح بطن من مراد من اليمن.

رحل إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقُبض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو بالجُحفة قبل أن يصل بخمس أو ستّ «أي أيّام» ثمّ نزل الشام ومات بدمشق.

روى عن: النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مرسلاً، وعليّ بن أبي طالب، وأبي بكر، وعمر ابن الخطّاب، وعائشة، وبلال بن رباح، وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصّامت، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان...

روى عنه: أسلم مولى عمر بن الخطّاب، وسويد بن غفلة، وعطاء بن يسار،

____________________

(1) تهذيب الكمال 11: 316.

(2) المصادر جميعاً.

(3) طبقات ابن سعد 7: 443، 509، وتاريخ الدوريّ 2: 353، وطبقات خليفة 293، والبخاريّ الكبير 5 / الترجمة 1021، والمعرفة والتاريخ 1: 222، 305، والجرح والتعديل 5 / الترجمة 1241، والثقات لابن حبّان 5: 74، وإكمال الإكمال لابن ماكولا 5: 199، وتهذيب الكمال 11: 282.


الصفحة 340

ومكحول الشاميّ، ويونس بن ميسرة، وعبد الله بن سعد البجليّ الكاتب، وعقيل بن مُدرِك...

ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وفي الطبقة الأولى من تابعي أهل مصر، وقال: كان ثقة قليل الحديث. (1)

وذكره العجليّ في تاريخه، قال: الصّنابحيّ، شاميّ تابعيّ، ثقة من خيار التّابعين. (2)

ولم يَبقَ في سند حديث «مدينة الحكمة» إلاّ عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام فنترك الحكم فيه إلى ابن تيميه!

 

حديث الغدير

لقد خاض ابن تيميه في حديث الغدير هائماً حيران لا يدري ما يقول! فهو ينكر الحديث جازماً بكذبه، ويعود ليذكر طرفاً من الحديث ويقول هذا هو تمام الحديث! وهذا تدليس منه على القارئ، مع تأويله تأويلاً بعيداً ؛ ومرّةً يذكر بعضه ويجعله ممّا انفرد به مسلم، ولم يذكره البخاريّ ؛ وهذا يعني - عنده - ضعف في الحديث! وفي أخرى يذكره عن الترمذيّ، ثمّ يدّعي أنّ العلماء طعنوا به! ويُدخل في الحديث ممّا ليس منه من أحاديث مثل: حديث المؤاخاة -وقد تكلّمنا عنه-

____________________

(1) طبقات ابن سعد 7: 509.

(2) تاريخ الثّقات للعجليّ 230 / 705.


الصفحة 341

والمباهلة، وحديث الثقلين وغير ذلك، ثمّ ينفي صحّة ذلك كلّه...

قال: قال الرّافضيّ: لمّا نزل قوله: (يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ) (1)، خطب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الناسُ في غدير خمّ وقال للجمع: يا أيّها الناس ألستُ أولى منكم بأنفسكم؟ قالوا: بلى ؛ قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذلْ من خذله، فقال عمر: بخٍ بخٍ، أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمنٍ ومؤمنة ؛ والمراد بالمولى هنا: الأولى بالتصرّف ؛ لتقدّم التقوى منه صلى‌الله‌عليه‌وآله، بقوله: ألستُ أولى منكم بأنفسكم».

ابن تيميه، قال «والجواب»: هذا كذب! وقوله (بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ) نزل قبل حجّة الوداع بمدّة طويلة، ويوم الغدير إنّما كان ثامن عشر ذي الحجّة بعد رجوعه من الحجّ... وإنّ آخر المائدة نزولاً قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً) (2)، وهذه الآية نزلت بعرفة تاسع ذي الحجّة في حجّة الوداع، والنبيّ واقف بعرفة كما ثبت ذلك في الصّحاح والسُّنن...، فمن قال: إنّ المائدة نزل فيها [ منها ] يوم غدير خُمّ فهو كاذب ولم يذكر في حجّة الوداع ذكر إمامة عليّ، بل ولا ذكر عليّاً في شيء من خطبته... عُلم أنّ إمامة عليّ لم تكن من الدّين الذي أُمِر بتبليغه، ولا حديث المؤاخاة وحديث الثقلين ممّا يذكر في إمامته. والذي رواه مسلم بأنّه بغدير خمّ قال: «إنّي تارك فيكم

____________________

(1) المائدة: 67.

(2) المائدة: 3.


الصفحة 342

الثّقلين: كتاب الله، فذكر كتاب الله وحضّ عليه، ثمّ قال: وعترتي أهل بيتي أذكّركم الله «ثلاثاً»، وهذا ممّا انفرد به مسلم ولم يروه البخاريّ، وقد رواه الترمذيّ وزاد فيه: وإنّهما لم يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض». وقد طعن غير واحد من الحفّاظ في هذه الزيادة... والذين اعتقدوا صحّتها قالوا: إنّما يدلّ على أنّ مجموع العترة الذين هم بنو هاشم لا يتّفقون على ضلالة، وهذا قد قاله طائفة من أهل السنّة... والحديث الذي في مسلم فليس فيه إلاّ الوصيّة باتّباع كتاب الله وهذا أمر قد تقدّمت الوصيّة به في حجّة الوداع قبل ذلك، وهو لم يأمر باتّباع العترة... ؛ لكنّ حديث المؤاخاة قد رواه الترمذيّ، وأحمد في مسنده عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، وأمّا الزيادة وهي قوله: «اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه» إلخ، فلا ريب أنّه كذب، وأمّا قوله «أنت أولى بكلّ مؤمن ومؤمنة» كذب أيضاً.

وأمّا قوله: «مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه» فليس في الصّحاح، لكن هو ممّا رواه العلماء وتنازع الناس في صحّته...، ونُقل عن أحمد بن حنبل أنّه حسّنه كما حسّنه الترمذيّ، وقد صنّف أبو العبّاس بن عقدة مصنّفاً في جميع طرقه، وقال ابن حزم: الذي صحّ من فضائل عليّ فهو قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»، وقوله: «لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله»، وعهده صلى‌الله‌عليه‌وآله: «أنّ عليّاً لا يحبّه إلاّ مؤمن، ولا يبغضه إلاّ منافق»، قال: وأمّا «من كنت مولاه فعليّ مولاه» فلا يصحّ من طرق الثقات. ثمّ خاض طويلاً في معنى المولى في الحديث، من ذلك قال: «...، فمعنى كون الله


الصفحة 343

وليّ المؤمنين ومولاهم، وكون الرسول وليّهم ومولاهم، وكون عليّ مولاهم ؛ هي ضدّ المعاداة...، وفي الجملة فرق بين الولي والمولى...» (1).

وكلامه أطول بكثير ممّا ذكرناه، وما أوردناه إنّما للمفردات التي تضمّنها وما يجب من الردّ:

نقضُ النقض: لقد بدأ ابن تيميه ردّه فقال: هذا كذب! وهذا يعني أنّه كذّب الحديث جملةً وتفصيلاً، فلا حادثة ولا حديث، ولا شيء اسمه «غدير خمّ»!!

والغريب منه: أنّه لم يقل فيه ما عهدناه منه في إنكار الحقائق من قوله مثلاً «وهذا كذب بالإجماع» أو «وهذا كذب عند أهل المعرفة بالحديث»...، فلعلّه ممّا استيقنته نفسه وجحد به ظلماً وعلوّاً.

وبعد قوله: «هذا كذب» ذكر أنّ قوله تعالى: (بَلّغْ...) نزل قبل حجّة الوداع، ويوم الغدير كان ثامن عشر ذي الحجّة، وأنّ آخر المائدة نزلت بعرفة تاسع ذي الحجّة... ؛ والحال: أنّ الآيتين نزلنا يوم الغدير ثامن عشر ذي الحجّة، تتمّم إحداهما الأخرى في المطلب، وسنأتي على تفصيل ذلك ومصادره في محلّه.

ثمّ رتّب على ذلك أثراً: «لم يذكر في حجّة الوداع ذكر إمامة عليّ، بل ولا ذكر عليّاً في شيء من خطبته...».

وهذا هو المطلوب في نضاله وعناده، كما هو شأنه في آية الولاية «التصدّق حال الرّكوع» وحديث الطّير، والمباهلة وغيرها ممّا هو ظاهر في إمامة

____________________

(1) منهاج السنّة 4: 84 - 87.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة