الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 200

 

قالوا: اللّهمّ لا. (1)

____________________

(1) كتاب الولاية لابن عقدة: 174، وهي واحدة من (29) فقرة احتجّ بها أميرالمؤمنين عليه‌السلام، فشهدوا له بتصديقها. والسند الذي ذكرناه من القوّة والوثاقة ممّا يقطع بصحّة المناشدة وإخبات القوم وتصديقهم لأميرالمؤمنين فيما احتجّ به ومنه ردّ الشمس. وذكرها ابن المغازليّ الشافعيّ المتوفّى سنة (542 هـ) في كتابه (مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب: 112 / 155)، والجوينيّ في كتابه (فرائد السمطين 1: 319 / 215)؛ والخوارزميّ الحنفيّ المتوفّى سنة (568 هـ) في كتابه (المناقب: 313 / 314) بسنده عن زافر بن سليمان بن الحارث [ زافر بن سليمان، ثقه (تاريخ يحيى بن معين 2: 273 / 4751، الجرح والتعديل للرازيّ 1: 2 / 625) ]، عن عامر ابن واثلة؛ وذكر من المناشدة (24) فقرة.

وذكرها الگنجي الشافعيّ (المقتول سنة 658 هـ) في كتابه (كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: 386) بسنده عن أبان بن تغلب [ أبان بن تغلب بن رياح القاري الربعيّ، أبو سعد الكوفيّ. مات سنة إحدى وأربعين ومائة. روى عن أبي إسحاق السبيعيّ والحَكَم، روى عنه شعبة بن الحجّاج، وحمّاد بن زيد (كتاب الثّقات لابن حبّان 3: 215 / 290). وفي (تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين 67 / 75): قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: أبان بن تغلب ثقة، كان شعبة يحدّث عنه. قيل له: أبان، وإدريس الأوديّ؟ فقال: أبان أكبر.

ووثّقه أبو حاتم الرازيّ، حيث قال عن أحمد أنّه سُئل فقال: ثقة، وكذا ابن معين (الجرح والتعديل للرازيّ 1: 1 / 296).

ذكره الطوسيّ في أصحاب عليّ بن الحسين، وفي أصحاب الباقر أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين عليهم‌السلام (رجال الطوسيّ 82، 106).

وذكره البرقيّ في أصحاب الباقر، وأصحاب الصادق عليهما‌السلام (رجال البرقيّ 9، 16).

وترجم له النجاشيّ: أبان بن تغلب بن رباح، أبو سعيد البكريّ الجُريريّ، ثقة جليل القدر عظيم المنزلة في أصحابنا، لقي عليّ بن الحسين، وأبا جعفر - الباقر - وأبا عبد الله - الصادق - عليهم‌السلام، روى عنهم، وكانت له عندهم منزلة وقَدَم. وذكره البلاذريّ قال: روى عن عطية العوفيّ [ عطيّة بن =


الصفحة 201

أقوال العلماء في الحديث: الگنجيّ الشافعيّ:

نعتضد بالله ونقول: منكر ذلك إمّا أن يُنكره من حيث الإمكان، أو من حيث صحّة النقل من عدالة الرواة. أما القسم الأوّل، فإنّ المتكلّم فيه أحد رجلين: إمّا أن يُثبت الشرايع أو ينفيها. فأمّا نُفاتها، كالدّهريّة، والفلاسفة والمنجّمين، فلا كلام معهم. وأمّا مثبتوها، فلا يتمكّنون من ذلك؛ للحديث الذي خرّجه مسلم في صحيحه في حبس الشمس:

____________________

= سعد بن جنادة العوفيّ من جديلة قيس، يكنّى أبا الحسن. قال سعد بن محمد بن الحسن بن عطيّة قال: جاء سعد بن حنادة إلى عليّ بن أبي طالب وهو بالكوفة فقال: يا أمير المؤمنين، إنّه ولد لي غلام فسمّه. قال: هذا عطيّة الله، فسمّي عطيّة. وخرج عطيّة مع ابن الأشعث علي الحجّاج، فلمّا انهزم جيش الأشعث هرب عطيّة إلى فارس، فكتب الحجّاج إلى محمّد بن القاسم الثقفيّ أن ادع عطيّة، فإن لعن عليّ بن أبي طالب وإلا فاضربه أربعمائة سوط واحلق رأسه ولحيته. فدعاه فأقرأه كتاب الحجّاج، فأبى عطيّة أن يفعل فضربه أربعمائة سوط وحلق رأسه ولحيته. قدم الكوفة بعد ذلك وتوفّي بها سنة إحدي عشرة ومائة ]. وكان ثقة إن شاء الله (الطبقات الكبرى 6: 305 / 2375). وذكره الطوسيّ والبرقيّ في أصحاب الباقر عليه‌السلام (رجال الطوسيّ: 129، رجال البرقيّ: 14): قال له أبو جعفر عليه‌السلام: اجلس في مسجد المدينة وافت الناس؛ فإنّي أحبّ أن يرى في شيعتي مثلك. وقال أبو عبد الله عليه‌السلام لمّا اتاه نعيه: والله لقد أوجع قلبي موت أبان. وذكره أبو زرعة الرازيّ في كتابه: ذكر من روى عن جعفر بن محمّد من التابعين ومن قاربهم، فقال: أبان بن تغلب روى عن أنس بن مالك، وروى عن الأعمش وعن محمّد بن المنكدر، وعن سماك بن حرب، وعن إبراهيم النّخعيّ... (رجال النجاشيّ 7 - 8، رجال ابن داود 10 - 11). وذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة وقال: ثقة، روى عنه شعبة (الطبقات الكبرى: 3426 / 2594)، عن عامر بن واثلة، وذكر المناشدة.


الصفحة 202

عن أبي هريرة عن رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «غزا نبيّ من الأنبياء حين صلاة العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللّهمّ احبِسْها عليّ شيئاً، فحبست عليه حتّى فتح الله عليه».

قلت - أي الگنجيّ - هذا حديث متّفق على صحّته، رواه البخاريّ في الغلول وأخرجه مسلم في الجهاد، كما سقناه. (1)

قال: ورواه أحمد بن حنبل في مسنده وقال: إنّ الشمس حبست ليوشع ابن نون عليه‌السلام. ورواه الطبرانيّ في معجمه، ولا يخلو إمّا أن يكون ذلك معجزةً لموسى عليه‌السلام، أو ليوشع عليه‌السلام؛ فإن كان لموسى فنبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله أفضل، وعليّ عليه‌السلام أقرب إليه من يوشع إلى موسى. وإن كان معجزةً ليوشع عليه‌السلام، فإن كان نبيّاً فعليّ مِثْلُه، وإن لم يكن نبيّاً فعليّ أفضل منه، إذ قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل»، وفي لفظ آخر: «أنبياءُ بني إسرائيل» وحذف الكاف لقوّة المشابهة.

والمعنى: أنّ أنبياء بني إسرائيل دعاةٌ إلى الله سبحانه، بالوعظ والزجر والتحذير والترغيب والترهيب، وعلماء أمّته صلى‌الله‌عليه‌وآله قائمون في هذا المقام، مُنخرطون في سلك هذا النظام، وعليّ عليه‌السلام أولى بهذا النصّ؛ لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «أقضاكم عليّ» (2).

____________________

(1) صحيح البخاريّ 2: الحديث 119، وصحيح مسلم 2: 49، ومسند أحمد 2: 318، وكفاية الطالب: 382 / 1058.

(2) الطبقات الكبرى 2: 339، أنساب الأشراف 2: 97، المستدرك على الصحيحين 3: 135، فضائل الصحابة لأحمد 2: 58، المناقب للخوارزميّ 81، ذخائر العقبى 83.


الصفحة 203

وأمّا القسم الثاني، وهو الإنكار من حيث عدالة من نقل ذلك وذكره في كتابه، فقد عدّه جماعة من العلماء في معجزاته صلى‌الله‌عليه‌وآله، ومنهم: ابن سبع ذكره في «شفاء الصدور» وحكم بصحّته، ومنهم القاضي عياض ذكره في «الشفا بتعريف حقوق المصطفى 240» وحكى فيه عن الطّحاويّ أنّه ذكر ذلك في «مشكل الآثار 2: 8 و 4: 388». وكان أحمد بن صالح - شيخ البخاريّ - يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حديث أسماء - من رواة الحديث - بنت عميس في ردّ الشمس؛ لأنّه من علامات نبوّة نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وقد شفى الصدور الإمام الحافظ أبو الفتح الموصليّ في جمع طرقه في كتابٍ مفرد، ورواه الحافظ أبو عبد الله الحاكم. (1)

 

سبط ابن الجوزيّ

يوسف بن فرغليّ بن عبد الله البغداديّ الحنفيّ، سبط أبي الفرج عبد الرحمان بن الجوزيّ؛ ردّ على جدّه لأمّه تكذيبه للحديث، قال: فإن قيل: فقد قال جدّك في «الموضوعات»: هذا حديث موضوع بلا شكّ، وروايته مضطربة؛ فإنّ في إسناده أحمد بن داود، وليس بشيء، وكذا فيه فضيل بن مرزوق وهو ضعيف، وجماعة منهم عبد الرحمان بن شريك ضعّفه أبو حاتم؛ وقال جدّك: أنا لا أتّهم به إلاّ ابن عقدة؛ فإنّه كان رافضيّاً. ولو سُلِّم فصلاة العصر صارت قضاءً بغيبوبة الشمس، فرجوع الشمس لا يفيد؛ لأنّها - أي الصلاة - لا تصير أداءً. قالوا: وفي

____________________

(1) كفاية الطالب: 387.


الصفحة 204

الصحيح أنّ الشمس لم تُحبَس على أحدٍ إلاّ على يوشع بن نون.

والجواب: إنّ قول جدّي: «هذا حديث موضوع بلا شكّ» دعوى بلا دليل؛ لأنّ قدحه في رواته الجواب عنه ظاهر، لأنّا ما رويناه إلاّ عن العدول الثّقات الذين لا مغمز فيهم، وليس في إسناده أحدٌ ممّن ضعّفه. وكذا قول جدّي: «أنا لا أتّهم به إلاّ ابن عقدة» من باب الظنّ والشّكّ، لا من باب القطع واليقين، وابن عقدة مشهور بالعدالة، كان يروي فضائل أهل البيت ويقتصر عليها، ولا يتعرّض للصحابة بمدحٍ ولا ذمّ. فنسبوه إلى الرفض.

وقوله: صارت صلاة العصر قضاءً؛ قلنا: أرباب العقول السليمة والفِطَر الصحيحة لا يعتقدون أنّها غابت ثمّ عادت وإنّما وقفتْ عن سيرها المعتاد، ولو ردّت على الحقيقة لم يكن عجباً؛ لأنّ ذلك يكون معجزةً لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وكرامةً لعليّ عليه‌السلام، وقد حُبست بالإجماع ليوشع، ولا يخلو أن يكون ذلك معجزةً لموسى أو كرامةً ليوشع؛ فإن كان لموسى فنبيّنا أفضل منه، وإن كان ليوشع فعليّ أفضل منه. قال صلى‌الله‌عليه‌وآله: «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل». وهذا في حقّ الآحاد فما ظنّك بعليّ؟! والدليل عليه أيضاً ما ذكره أحمد في الفضائل: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «الصّدّيقون ثلاثة: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجّار وهو مؤمن آل ياسين، وعليّ بن أبي طالب وهو أفضلهم». (1) وحزقيل كان نبيّاً من بني إسرائيل مثل

____________________

(1) المناقب لأحمد 156 / 193، و 194 / 239؛ وأخرجه عنه المعتزليّ في شرح نهج البلاغة 2: 451، والمحبّ الطبريّ في ذخائر العقبى: 59، والمتّقيّ في منتخب العمّال 5: 31، والقندوزيّ في ينابيع المودّة 124. وأخرجه ابن عساكر بنفس اللّفظ عن ابن أبي ليلى: =


الصفحة 205

يوشع؛ فدلّ على فضل عليّ على أنبياء بني إسرائيل. وفي وقوف الشمس يقول الصّاحب بن عبّاد كافي الكُفاة:

من    كمولايَ   عليٍّ      والوغى تحمي iiلظاها؟!
من  يصيد  الصِّيدَ فيها      بالظّبى حين انتضاها؟!
من   له  في  كلِّ  iiيوم      وَقَعاتٌ  لا  iiتُضاهى؟!
كم وكم حرب iiضروس      سدَّ   بالمُرهَف   iiفاها!
اذكروا    أفعال   iiبدر      لستُ  أبغي  iiماسواها
اذكروا    غزوة   iiأُحْد      إنّه    شمسُ   iiضُحاها
اذكروا   حربَ  iiحُنين      إنّه     بدرُ     iiدُجاها
اُذكروا  الأحزاب iiقدْماَ      إنّه     ليثُ     iiشَراها
اذكروا   مهجة  iiعمرو      كيف  أفناها  iiشجاها
اذكروا     أمر    براءة      واصدقوني  من iiتلاها؟
اذكروا  من  زوجُه iiالز      هراءُ  قد  طابَ  iiثراها
حالهُ    حالةُ   iiهارون      لموسى،       فافهماها
أعلى  حبّ  عليٍّ  iiلا      مَني   القومُ  iiسفاها؟!
أوّلُ    الناس    iiصلاةً      جعل  التقوى  iiحُلاها
ردّت   الشمسُ   عليه      بعدما   غاب   iiسَناها

____________________

= مختصر تاريخ دمشق 17: 378، وأخرجه الحسكانيّ الحنفيّ (ت 490 هـ) في شواهد التنزيل 2: 224، أخرجه بطرقٍ كثيرة. وأخرجه ابن المغازليّ بنفس السند وفيه: (... وخِرْبيل - براءٍ غير منقوطة)، وفي العرائس للثعلبيّ: 99، والسيرة الحلبيّة 1: 270: (سُبّاق الأمم ثلاثة، لم يكفروا بالله طرفة عين: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجّار صاحب ياسين، وعليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، وهو أفضلهم). والعرائس: 107: (سبّاق الأمم...، وعليّ مؤمن آل محمّد، وهو أفضلهم).


الصفحة 206

قال: وفي الباب حكاية عجيبة حدّثني بها جماعة من مشايخنا بالعراق، قالوا: شاهدنا أبا منصور المظفّر بن أردشير العباديّ الواعظ، وقد جلس بالتاجيّة مدرسة بباب أبرز، محلّة ببغداد، وكان بعد العصر، وذكر حديث ردّ الشمس لعليّ عليه‌السلام، وطرّزه بعبارته ونمّقه بألفاظه، ثمّ ذكر فضائل أهل البيت عليهم‌السلام، فنشأت سحابة غطّت الشمس حتّى ظنّ الناس أنّها قد غابت، فقام أبو منصور على المنبر قائماً وأومى إلى الشمس وأنشد:

لا  تَغْرُبي  يا شمسُ حتّى iiينتهي      مدحي  لآل المصطفى iiولنجله
واثني  عَنَانَك  إن أردتُ iiثاءَهم      أنسيت إن كان الوقوف لأجله
إن  كان للمولى وقوفُك iiفليكن      هذا   الوقوف   لخَيله  iiولرَجْله

قال: فانجاب السّحاب عن الشمس، وطلعت! (1)

الطّحاويّ: الحافظ أحمد بن محمّد الطّحاويّ الحنفيّ (توفّي سنة 321 هـ). أخرجه بلفظين، وقال: هذان الحديثان ثابتان، ورواتهما ثقات. (2)

قال: فقال قائل: كيف تقبلون هذا وأنتم تُرْوُون عن أبي هريرة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ما يدفعه، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «لم تَحْتَبس الشمس على أحدٍ إلاّ ليوشع». وأيضاً عنه قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «لم تُرَدّ الشمس منذ رُدّت على يوشع بن نون، لياليَ سار إلى بيت الـمَقْدِس».

فكان جوابنا - أي الطحاويّ - له في ذلك بتوفيق الله تعالى وعونه: إنّ هذا

____________________

(1) تذكرة الخواصّ: 53 - 56، وكفاية الطالب: 388، والشعر في ديوان الصاحب بن عبّاد: 114 - 119.

(2) مشكل الآثار للطحاويّ 2: 8 - 9، و 4: 388 - 389.


الصفحة 207

الحديث قد اختلف علينا راوياه، فأمّا ما رواه لنا عليّ بن الحسين فهو أنّ الشمس لم تحتبس على أحد إلاّ على يوشع. فإنّ كان حقيقة الحديث كذلك، فليس فيه خلاف؛ لما في الحديثين الأوّلَين؛ لأنّ الذي فيه هو حبس الشمس عن الغيبوبة، والذي في الحديثين الأوّلين هو ردُّها بعد الغيبوبة. وأمّا ما رواه لنا يحيى بن زكريّا فهو على أنّها لم تُردّ مذ رُدّت على يوشع بن نون إلى الوقت الذي قال لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هذا القول، فذلك غير دافع أن يكون: لم تُردّ إلى يومئذ، ثم رُدّت بعد هذا، وهو غير مستنكَر من أفعال الله عزّوجلّ... وكلّ هذه الأحاديث من علامات النبوّة. وقد حكى عليّ بن عبد الرحمان بن المـُغيرة، (1) عن أحمد بن صالح أنّه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّفُ عن حفظ حديث أسماء الذي رُوِي لنا عنه؛ لأنّه من أجلّ علامات النبوّة. قال الطحاويّ: وهذا كما قال، وفيه لمن كان دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله اللهَ عزّ وجلّ - أي لعليّ عليه‌السلام - بما دعا به له حتّى يكون له ذلك المقدار الجليل والرّتبة الرفيعة؛ لأنّ ذلك كان من رسول الله ليصلّي صلاته تلك التي احتبس نفسه على رسول الله حتّى غربت الشمس في وقتها على غير فوتٍ منها إيّاه؛ وفي ذلك ما قد دلّ على التغليظ في فوات العصر. ومن ذلك ما روي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، قال: «من فاتته صلاة العصر فكأنّما وتر

____________________

(1) عليّ بن عبد الرحمان بن محمّد بن المغيرة المخزوميّ مولاهم، المصريّ لقبه علاّن، وكان أصله من الكوفة، صدوق. (التقريب / الترجمة رقم 4765). قال في التحرير: بل ثقة، فقد روى عنه جمع من الثقات، منهم ابن أبي حاتم.


الصفحة208

أهله وماله»، فوقى الله عزّ وجلّ عليّاً ذلك؛ لطاعته لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. (1)

وذكره القاضي أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفيّ من مختصر الباجيّ المالكيّ المتوفّى سنة 474 هـ.(2)

فعودة الشمس إنّما كانت إرادةً من الله تعالى وحكمته، واستجابةً لدعاء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وكرامةً لوليّ الله وصنو رسوله ونفسه وأخيه عليه‌السلام، والعلّة: أن يؤدّي طاعة الله في الصلاة بعد أن كان في طاعة النبيّ، ويكونَ عبرة لغيره: فبقدر القرب من الله تعالى ومن طاعة رسوله، يُكرمَ المرء وتعلو رتبته.

نور الدين الحلبيّ الشافعيّ، ذكره في كتابه (السيرة الحلبية 1: 413)، قال: وأمّا عَوْد الشمس بعد غروبها، فقد وقع له صلى‌الله‌عليه‌وآله في خيبر.

وذكر حديثَ أسماء وقال: قال بعضهم: لا ينبغي لمن سبيلهُ العلم أن يتخلّف عن حفظ هذا الحديث؛ لأنّه من أجَلّ أعلام النّبوّة وهو حديث متّصل.

الحافظ أبوبكر البيهقيّ (المتوفى سنة 458 هـ)، رواه في كتاب «دلائل النّبوّة».

شهاب الدّين الخفاجيّ الحنفيّ (المتوفى سنة 1069 هـ)، له ردّ مفحم على ابن الجوزيّ وابن تيميه، وقال: رواه الطبرانيّ بأسانيد مختلفة، رجال أكثرها ثقات. وقد اعترض عليه - أي على الحديث - بعض الشّرّاح، وقال: «إنّه موضوع، ورجاله مطعونٌ فيهم، كذّابون وضّاعون». ولم يَدْرِ أنّ الحقّ خلافُه،

____________________

(1) مشكل الآثار 2: 9 - 12.

(2) المعتصر من المختصر للقاضي أبي المحاسن 1: 9.


الصفحة 209

والذي غرّه كلام ابن الجوزيّ، ولم يقف على أنّ كتابه أكثره مردود. وقد قال خاتمة الحفّاظ السيوطيّ وكذا السخاويّ: إنّ ابن الجوزيّ في موضوعاته تحامل تحاملاً كثيراً، حتّى أدرج فيه كثيراً من الأحاديث الصحيحة، كما أشار إليه ابن الصّلاح.

وهذا الحديث صحّحه المصنّف رحمه‌الله، أشار إلى أنّ تعدّد طرقه شاهد صدقٍ على صحّته، وقد صحّحه قبله كثير من الأئمّة، كالطحاويّ، وأخرجه ابن شاهين وابن منده وابن مردويه، والطبرانيّ في معجمه وقال: إنّه حسن، وحكاه العراقيّ في «التقريب» فقال: وإنكار ابن الجوزيّ فائدةَ ردِّها - أي ردّ الشمس - مع القضاء، لا وجه له؛ فإنّها فاتته بعذرٍ مانعٍ من الأداء، وهو عدم تشويشه على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله. وهذه فضيلةٌ أيُّ فضيلة! فلمّا عادت الشمس حاز فضيلة الأداء أيضاً. وقد صنّف السيوطيّ (شافعيّ ت 911 هـ) في هذا الحديث رسالةً مستقلّةً سمّاها «كشف اللّبس عن حديث ردّ الشمس». وسبق بمثله أبو الحسن الفضليّ، أورد طرقه بأسانيد كثيرة، وصحّحه بما لا مزيد عليه، ونازع ابنَ الجوزيّ في بعض مَن طعن فيه من رجاله.

وفي قول الطحاويّ «لأنّه من علامات النبوّة» قال: وهذا مؤيّد لصحّته؛ فإنّ أحمد - أي أحمد بن صالح المصريّ - هذا من كبار أئمّة الحديث الثّقات. ويكفي في توثيقه أنّ البخاريّ روى عنه في صحيحه، فلا يُلتفت إلى من ضعّفه


الصفحة 210

وطعن في روايته (1).

ابن حجر الهيتميّ المكّيّ الشافعيّ (المتوفى سنة 974 هـ)، ذكره في الصواعق المحرقة: 76 وقال: وحديث ردّها صحّحه الطحاويّ والقاضي - عياض - في «الشفاء»، وحسّنه شيخ الإسلام أبو زرعة، وتبعه غيره، وردّوا على جمعٍ قالوا أنّه موضوع. وزعم فوات الوقت بغروبها فلا فائدة لردّها في محلّ المنع، بل نقول: كما إنّ ردّها خصوصيّة، كذلك إدراك العصر الآن - أي بعد الشمس - أداءً خصوصيّة وكرامة. ثمّ ذكر قصّة الواعظ أبي المنصور العباديّ.

وفي شرح همزيّة البوصيريّ، في حديث شقّ القمر قال: ويناسب هذه المعجزة ردّ الشمس له صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ما غابت حقيقةً، لما نام صلى‌الله‌عليه‌وآله، فردّت ليصلّي عليٌّ العصر أداءً، كرامةً له صلى‌الله‌عليه‌وآله. هذا الحديث اختلف في صحّته جماعة، بل جزم بعضهم بوضعه، وصحّحه آخرون، وهو الحقّ.

العَينيّ الحنفيذ (المتوفّى سنة 855 هـ)، في كتابه عمدة القاري شرح صحيح البخاري 7: 146، قال: وقد وقع ذلك للإمام عليّ رضي‌الله‌عنه، أخرجه الحاكم عن أسماء بنت عميس، وذكره الطحاويّ في مشكل الآثار. قال: وهو حديث متّصل، رواته ثقات. وإعلالُ ابن الجوزيّ هذا الحديث لا يلتفت إليه!

الحافظ ابن عساكر الشافعيّ (المتوفّى سنة 573 هـ)، ذكره في تاريخه مختصر تاريخ دمشق 17: 378 من حديث أسماء بنت عميس.

أبو إسحاق الثعلبيّ (ت 427 هـ) ذكره في كتابه العرائس - أو: قصص

____________________

(1) شرح الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 11 - 15.


الصفحة 211

الأنبياء: 139.

محبّ الدّين الطبريّ الشافعيّ (ت 694 هـ) في كتابه الرياض النضرة 2: 179.

القاضي عياض اليحصبيّ (المتوفّى سنة 544 هـ) في كتابه: الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 240 بسندَيه اللذين في مشكل الآثار.

الذهبيّ محمد بن أحمد بن عثمان الحنبلي (المتوفّى سنة 748 هـ)، في ميزان الاعتدال 2: 244.

الدّولابيّ محمد بن أحمد (المتوفّى سنة 310 هـ) في كتابه الذرّيّة الطّاهرة: 244 - 310.

نور الدّين السّمهوديّ الشافعيّ (المتوفّى سنة 911 هـ) في وفاء الوفا 2: 33 روى الحديث من طريق القاضي عياض، بعين ما في مشكل الآثار.

و للحسكاني عبيد الله بن عبد الله الحنفيّ (المتوفّى سنة 490 هـ) رسالة مسألة في تصحيح ردّ الشَّمس وترغيم النّواصب الشَّمس.

الموفّق بن أحمد المكّيّ الخوارزميّ الحنفيّ المعروف بأخطب خوارزم (المتوفّى سنة 568 هـ) في كتابه المناقب: 306 / الحديث 301 و 302 من طريقين عن أسماء بنت عميس. كما أفرد له كتاباً باسم: ردّ الشّمس لأميرالمؤمنين.

الحافظ جلال الدين السيوطيّ الشافعيّ (المتوفّى سنة 911 هـ) ذكره في كتابه: الخصائص الكبرى 2: 137 رباب ردّ الشّمس بعد غروبها لعليّ رضي‌الله‌عنه من حديث أسماء من عن: ابن منده وابن شاهين والطبرانيّ، وقال: صحيح. وعن ابن


الصفحة 212

مردويه، عن أبي هريرة، وبسندٍ عن جابر، وقال: قال الطبرانيّ حسَن.

و للسيوطيّ كشف اللّبس عن حديث ردّ الشمس توسّع فيه بالكلام عن الحديث. وفي الجزء الأوّل من كتابه اللآلئ المصنوعة، ذكره بُطرقه المتعدّدة، وحكم بصحّتها متناً وسنداً، وأنّ الحديث من أعلام النبوة والكرامة لأميرالمؤمنين عليه‌السلام. ذكره في ص 336 عن فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسن، عن أسماء بنت عميس ونفس المصدر: عن فاطمة بنت عليّ بن أبي طالب، عن أسماء. وأيضاً نفس المصدر عن أبي هريرة. وفي ص 337 عن الحسين بن عليّ عليهما‌السلام. وفي ص 340 عن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام. وفي ص 341 عن أبي ذرّ في حديث الشّورى.

 

وقفة تأمّل في المصادر والرّواة

ليس في مصدر من المصادر التي أوردناها لمن هو رافضيّ! وإنّما أصحابها بين مالكيّ وحنفيّ وشافعيّ؛ مع وثاقة وصدق وعلوّ سند الحديث فتبيّن الحقّ بذلك «فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقّ إِلّا الضّلاَلُ فَأَنّى‏ تُصْرَفُونَ» (1).

لفظ الحديث

حديث أسماء بنت عميس: أحمد بن صالح المصريّ، بسنده عن أمّ جعفر،

____________________

(1) يونس: 32.


الصفحة 213

عن أسماء بنت عميس (1) أنّ النبيّ صلّي الظهر بالصَهباء، ثمّ أرسل عليّاً في حاجة، فرجع وقد صلّى النبيّ العصر، فوضع النبيّ رأسه في حجر عليّ فلم يحرّكه حتّى غابت الشمس، فقال النبيّ: اللّهمّ إنّ عبدك عليّاً احتبس بنفسه على نبيّك، فردّ عليها شرقها. قالت أسماء: فطلعت الشّمس حتّى وقعت على الجبال وعلى الأرض ثمّ قام فتوضّأ وصلّى العصر، ثم غابت، وذلك في الصهباء.(2)

وأيضاً أبو جعفر الطّحاويّ، عن أسماء قالت: كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوحى إليه ورأسه في حجر عليّ، فلم يصلّ العصر حتّى غربت الشمس، فقال له رسول الله: صلّيتَ يا عليّ؟ فقال: لا، فقال النبيّ: اللّهمّ إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردُد عليه الشمس. قالت أسماء: فرأيتها قد غربت، ثمّ رأيتها قد طلعت

____________________

(1) أسماء بنت عميس بن معد الخَثْعميّة، أسلمت قديماً، قبل دخول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله دار الأرقم بمكّة، وبايعت وهاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها: جعفر بن أبي طالب، فولدت له هناك عبد الله ومحمّداً وعوناً، ثمّ قُتل عنها جعفر بمؤتة شهيداً في جمادى الأولى سنة ثمان للهجرة.

وأسماء أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأخت لبابة أمّ الفضل زوجة العبّاس بن عبد المطّلب. ولمّا قدمت أسماء من أرض الحبشة قال لها عمر: يا حبشيّة! سبقناكم بالهجرة. فقالت: أي لَعمْري لقد صدقتَ، كنتم مع رسولَ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، يطعم جائعكم ويعلّم جاهلكم وكنّا البعداء الطّرداء، أما والله لآتين رسول الله، فلأذكرنّ ذلك له. فأنت أسماء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فأخبرته؛ فقال: «كذِب مَن يقول ذلك، لكم هجرتان: هاجرتَم إلى النجاشيّ، وهاجرتم إليّ». والقاسم بن محمّد، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن شدّاد بن الهاد وهو ابن أختها، وابن المسيّب، وغيرهم (الطبقات الكبرى 8: 219 / 4229، أسد الغابة 7: 14 / 6706، حلية الأولياء 2: 74، الاستيعاب 4: 236).

(2) مشكل الأثار للطحاويّ 4: 388.


الصفحة 214

بعد ما غربت. (1)

رواه ابن عساكر بنفس اللّفظ في مختصر تاريخ دمشق 17: 378 / الحديث 807، وابن المغازليّ في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب: 96 / الحديث 140، والقاضي عياض في الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 240، والگنجيّ الشافعي في كفاية الطالب: 388، والعينيّ في عمدة القاري شرح البخاري 7: 146، والمحبّ الطبريّ في الرياض النّضرة 2: 179.

 

الحسين بن عليّ عليه‌السلام

عن فاطمة بنت حسين، عن الحسين قال: كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في حجر عليّ، وكان يوحى إليه، فلمّا سرى عنه قال: يا عليّ، صلّيتَ العصر؟ قال: لا. قال: اللّهمّ إنّك تعلم أنّه كان في حاجتك وحاجة رسولك، فُرّد عليه الشمس. فردّها عليه، فصلّى وغابت الشمس. (2)

أبو هريرة: أخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة قال: نام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ورأسه في حِجْر عليّ، ولم يكن صلّى العصر حتّى غربت الشمس. فلمّا قام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله دعا له، فُردّت عليه الشمس حتّى صلّى، ثمّ غابت ثانية. (3)

ورواه السخاويّ في (المقاصد الحسنة: 226). قال السيوطيّ: وذكره

____________________

(1) نفسه 2: 8 و 4: 388، والخصائص الكبرى للسيوطيّ 2: 137، وتذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزيّ: 53.

(2) الذّرّيّة الطاهرة للدولابيّ (ت 310 هـ): 129 / الحديث 156. ينابيع المودّة: 138.

(3) الخصائص الكبرى للسيوطيّ 2: 137.


الصفحة 215

الحسكانيّ في رسالة ردّ الشمس / الحديث 9.

حديث جابر: وممّن ذكره الحديث: الصحابيّ الجليل جابر بن عبد الله الأنصاريّ؛ ففي الخصائص الكبرى 2: 137، قال: وأخرج الطبرانيّ بسندٍ حسَن عن جابر: أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أمر الشمس فتأخّرت ساعةً من نهار. وذكره الهيتميّ في مجمع الزوائد 8: 296، قال: رواه الطبرانيّ في الأوسط وإسناده حسَن.

حديث أبي رافع: واسمه أسلم، وكان عبداً للعبّاس بن عبد المطّلب فوهبه للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فلمّا بشّر رسول الله بإسلام العبّاس أعتقه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. شهد أحداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وزوّجه رسول الله سَلمى مولاته، وشهدت معه خيبر، وولدت لأبي رافع عبيد الله بن أبي رافع وكان كاتباً لعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام.

مات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بن عفّان، وله عقب. (1)

بسندٍ عن أبي رافع قال: رقَد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على فخذ عليّ وحضرت صلاة العصر، ولم يكن عليّ صلّى، وكره أن يوقظ النبيّ حتّى غابت الشمس، فلمّا استيقظ قال: ما صلّيت أبا الحسن؟ قال: لا يا رسول الله. فدعا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فرُدّت الشمس على عليّ كما غابت، حتّى رجعت لصلاة العصر في الوقت، فقام عليّ فصلّى العصر، فلمّا قضى صلاة العصر غابت الشمس، فإذا النجوم مشتبكة!

أخرجه ابن المغازليّ الشافعيّ في: مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب: 98 /

____________________

(1) الطبقات الكبرى 4: 54 / 358.


الصفحة 216

الحديث 141.

ابن عبّاس: محمّد بن سلمة (1)، عن خُصَيف (2)، عن مجاهد، قال: قيل لابن عبّاس: ما تقول في عليّ بن أبي طالب؟ فقال: ذكرت واللهِ أحدَ الثّقلين! سبق بالشهادتين، وصلّى القبلتين، وبايع البيعتين، وأُعطي السِّبطين الحسن والحسين، ورُدّت عليه الشمس مرّتين بعدما غابت عن الثّقلين، وجرّد السّيف تارتين، وهو صاحب الكَرّتَين، فمَثَلُه في الأمّة مَثَل ذي القَرنَين؛ ذلك مولاي عليّ بن أبي طالب. (3)

إذن: إنّ ما أكبره ابن تيميه وأنكره من ردّ الشمس لأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام بدعاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، لم يقع مرّة واحدة، ولكن وقع مرّتين كما قاله ابن عبّاس. ولم يكن راويه امرأةً كما قال ابن تيميه! ويعني بذلك: جُوَيرية ابن مُسهر العبديّ؛ وقد مضت ترجمته ووقفنا على حُسن حاله كما لم يكن مصدرنا لرافضيّ - كذا - وإنّما هو لأحد أعلام الحنفيّة.

____________________

(1) محمّد بن سَلَمه بن كُهيل الحضرميّ - مضت ترجمة أبيه - روى عنه سفيان بن عُيَينة. وروى محمّد بن سلمة عن أبيه (الطبقات الكبرى 6: 356 / 2662، رجال الطوسيّ: 289، وذكره في أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام وقال: أسند عنه).

(2) خُصَيف بن عبد الرحمان، ويكنّى أبا عون من أهل حرّان، مولى لعثمان وكان ثقة، مات سنة سبع وثلاثين ومائة (الطبقات الكبرى 7: 334 / 3960، وقال العجليّ: ثقة: 143 / 381. وكذلك ابن معين 2: 327 / 5097 والدولابيّ في الكنى والأسماء 2: 148).

(3) المناقب للخوارزميّ: 330 / الحديث 349. وفي جواب ابن عبّاس مفردات من مناقب عليّ عليه‌السلام أنكرها ابن تيميه حسب منهجه، مثل: حديث الثقلين، وسابقة عليّ، نعرض لها في محلّها.


الصفحة 217

وقد ذكر الخبر الشريف الرضيّ المتوفّى سنة 406 هـ في كتابه: خصائص أميرالمؤمنين عليه‌السلام: 24 - 25؛ ذكر عن: جويرة بن مسهر قال: قطعنا مع أميرالمؤمنين جسر الصراة في وقت صلاة العصر، فقال: إنّ هذه أرضٌ معذّبة لا ينبغي لنبيّ ولا وصيّ أن يصلّي فيها، فمن أراد منكم أن يصلّي فليصلّ.

قال: فتفرّق الناس يَمنةً ويَسرةً، وقلتُ أنا: لأقلّدنّ هذا الرجل ديني ولا أصلّي حتّى يصلّي. قال: فسرنا، وجعلت الشمس تنتقل، وجعل يَدْخُلني من ذلك أمرٌ عظيم، حتّى وجبت الشمس وقطعت الأرض، قال: فقال: يا جويرةُ أذّن، فقلت: تقول لي أذّن وقد غابت الشمس؟! قال: فأذّنت. ثمّ قال لي: أقم، فأقمت. فلمّا قلت: قد قامت الصلاة، رأيت شَفَتَيه تتحرّكان، وسمعت كلاماً كأنّه كلام العِبْرانيّة. قال: فرجعت الشمس حتّى صارت في مثل وقتها في العصر، فصلّى، فلمّا انصرف هَوَت إلى مكانها واشتبكت النّجوم. قال: فقلت أنا: أشهد أنّك وصيُّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يا جويرة، أما سمعتَ الله يقول: «فَسَبّحْ بِاسْمِ رَبّكَ الْعَظِيمِ) (1) فقلت: بلى، فقال: إنّي سألت ربّي باسمه العظيم، فردّها عَلَيّ.

وذكر الخبر الفضل بن شاذان بن جبرائيل المتوفّى سنة 660 هـ في كتابه الفضائل: 88 - 69، مع اختلاف في بعض الألفاظ، ثمّ قال: ورُدّت له عليه‌السلام في حياة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بمكّة، وقد كان النبيّ قد غشيه الوحي، فوضع رأسه في حِجْر أميرالمؤمنين، وحضر وقت العصر فلم يبرح من مكانه وموضعه حتّى غربت

____________________

(1) الواقعة: 96.


الصفحة 218

الشمس، فاستيقظ النبيّ وقال: (اللّهمّ إنّ عليّاً كان في طاعتك، فُردَّ عليه الشمس ليصلّي العصر)، فردّها الله عليه بيضاء نقيّة، حتّى صلّى ثمّ غابت وقال السيّد الحميريّ (1) في ذلك قصيدته المعروفة بالمذهّبة ومنها:

____________________

(1) ترجم له أبو الفرج الأصبهانيّ عليّ بن الحسين المتوفّى سنة 365 هـ في كتابه الأغاني 7: 229 قال: السيّد الحِمْيَريّ: إسماعيل بن محمّد بن يزيد بن ربيعة بن مُفرّغ الحِمْيَريّ، يكنّى أبا هاشم، توفّي سنة 179 هـ له أشعار في فضائل أهل البيت عليهم‌السلام؛ فمن قصيدة له:

إنّ   يوم   التطهير  يومٌ  iiعظيمٌ      خُصّ بالفضل فيه أهل الكساء

(الأغاني: 239)، إشارةً منه إلى حديث الكساء ونزول آية التطهير في النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام.

قال: تلاحى رجلان من بني عبد الله بن دارم في المفاضلة بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فرضيا بحكم أوّل من يطلع، فطلع السيّد، فقاما إليه وهما لا يعرفانه، فقال له مفضّل عليّ بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه: إنّي وهذا اختلفنا في خير الناس بعد رسول الله، فقلت: عليّ بن أبي طالب. فقطع السيّد كلامة ثمّ قال: وأيّ شيء قال هذا الآخر ابن الزانية! فضحك من حضر، وجَم الرجل ولم يِحُر جواباً (الأغانيّ 7: 241).

ومن قصيدة له جاء فيها:

أُقسم    باللهِ   iiوآلائهِ      والمرء عمّا قال مسؤولُ
إن عليّ بن أبي طالبٍ      على التّقى والبرّ مجبول

(الأغاني 7: 247).

وقال ابن سليمان بن عليّ - بن عبد الله بن العبّاس - يعرّض بالسيّد: أشعر الناس والله الذي يقول:

محمّدٌ خيرُ من يمشي على قدمٍ      وصاحباه  وعثمانُ  بن  iiعفّانا

فوثب السيّد وقال: أشعرُ والله منه الذي يقول: =


الصفحة 219
 
رُدّت   عليه   الشّمسُ  لما  فاتَهُ      وقتُ الصلاة وقد دنت iiللمغرب
حتّى   تبلّجَ   نورُها   في   وقتها      للعصر، ثم هَوتْ هُويَّ iiالكوكب
وعليه   قد  حُبست  ببابل  iiمرّة      أُخرى، وما حُبست لخلق معرب
إلاّ   ليوشع   أو   له،  iiولجِسِها      ولردّها    تأويلُ   أمرٍ   iiمُعجْبِ

 

عود الشمس بعد مغيبها - لنبيّ الله سليمان عليه‌السلام -

جرى الحديث مع ابن تيميه وفق دعواه في تكذيب حديث ردّ الشمس لأميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام بدعاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ فطعن في رواته، مع جلالتهم ووثاقتهم وتقدّمهم على ما ظهر لنا فيما تقدّم، فسقط بذلك أقوى ركني دعواه.

وتمسّك مضطرّاً بحديث ردّ الشمس ليوشع النبيّ عليه‌السلام، لكنّه قال: لم تردّ له الشمس، ولكن تأخّر غروبها، طُوِّل له النهار، فأغمض عمّا أخرجه العلماء من ردّ الشمس على يوشع لياليَ سار إلى بيت المقدس، وأيضاً عود الشمس لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، بعد غروبها، في خيبر. وقد ذكرنا ذلك فيما مضى، وحان الآن أن نتكلّم عن ردّ الشمس في موضع آخر، فقد ردّت على نبيّ الله سليمان ابن داود عليهما‌السلام، وصرح القرآن بذلك ممّا يعني أنّ ردّ الشمس بعد غروبها جرى أكثر من مرّة،

____________________

=

سائلْ قريشاً إذا ما كنت ذا عمهٍ      من  كان  أثبتَها في الدِّين iiأوتادا
من كان أعلمها علماً، iiوأحلمَها      حلماً،   وأصدقَها  قولاً  iiوميعادا
إن يصدقوك فلن يعدوا أبا iiحسنٍ      إن  أنت  لم  تلق للأبرار حُسّادا

(الأغانيّ 7: 266).

وأشعاره كثيرة تنمّ عن ولائه لأهل البيت عليهم‌السلام، وهذا الذي أثار حفيظة ابن تيميه بشأنه. 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة