الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 146

والتذرّع في ذلك بكتاب الله المجيد وقطع الطريق أمام أولئك بقوله: «إنّما حرّم رسول الله كما حرّم الله»، وذلك أنّ رسول الله لا ينطق عن الهوى؛ إن هو إلاّ وحيٌ يوحى، قرآناً أو حديثاً. وهذه بعض الأحاديث في ذلك:

أحاديث الأريكة

بسندٍ عن المِقدام بن مَعْدِ يَكرِبَ الكنديِّ؛ أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «يُوشِكُ الرجلُ منكم مُتّكِئاً على أريكته يُحدَّث من حديثي فيقولُ: بيننا وبينكم كتابُ الله عزّ وجلّ. فما وجدنا فيه من حلالٍ استحللناه. وما وجدنا فيه من حرامٍ حرّمناه. ألاَ وإِنّ ما حرّمَ رسولُ الله مثلُ ما حرّمَ اللهُ» (1).

«يوشك» من أفعال المقاربة، والأريكة رمز للحكم والحاكميّة، والاتّكاء: الاستيلاء والاستقواء ...؛ وكلّ ذلك تحقّق في أبي بكر ثمّ عمر ومَن استنّ بسنّتهما في المنع من حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. فأبوبكر صار إلى الأريكة «الحكم» في سقيفة بني ساعدة ...، وكانت الأحاديث فيها تبيان وتفصيل للعبادات، وفيها الكثير من الحديث عن منزلة عليّ أميرالمؤمنين وأنّه الوصيّ وقتاله كفر وأنّه من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بمنزلة هارون من موسى عليهما‌السلام، وأنّه بابُ مدينة علم النبيّ وأحبُّ الخلق إليه

____________________

(1) مسند أحمد 4/ 131، سنن أبي داود (كتاب السنّة) باب (5) لزوم السنّة (4/ 200، ح 4604)، سنن ابن ماجة 1/ 6، ح 12، سنن الدارمي (1/ 117 ح 592)، سنن البيهقي (9/ 331) دلائل النبوّة له (1/251)، صحيح ابن حبّان (1/147) سنن الترمذي، كتاب العلم (2/ 110)، الحازمي في: الاعتبار (7)، الخطيب في (الكفاية 39 - 40) و (الفقيه والمتفقّه 1/ 88)؛ المستدرك على الصحيحين 1/ 191/ 371).


الصفحة 147

والذي لم يكفر طرفة عين وأسبق الناس إلى الإسلام ...، هذه وغيرها من الخصائص التي تليق بالحاكم والحاكميّة؛ فضلاً عن حديث القرطاس. وهو من دلائل النبوّة، إذ لو لم يبادر أبوبكر فيحرق أحاديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ويقول: «بيننا وبينكم كتاب الله، ويتبعه عمر فيشدّد ويحرق الأحاديث ويحبس الصحابة لئلاّ يخرجوا إلى الآفاق فيحدّثوا، وكذلك عثمان الذي بلغت به الجرأة بتسيير فضلاء الصحابة المعارضين لسياسته إلى الشام ليجدوا فيها مَن هو أعظم جرأة على الله ورسوله ذلك هو معاوية الذي هتك حُرمتهم وكان أكثر نكيراً على رواة الحديث على ما سنرى.

 

لفتُ نظر

ومهما قدّم البعض من ذرائع لفعل أبي بكر أو عمر ...؛ فإنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله حذّر من فعل هؤلاء بتستّرهم بالقرآن الكريم، فقطع الطريق عليهم بقوله: «أَلاَ وإنّ ما حرّم رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مِثلُ ما حرّم الله». فالقرآن وحيٌ بلفظه ومعناه، والحديث وحيٌ بمعناه ولفظُه للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وقد ذكرنا أنّ الحديث مفسّر للقرآن شارح لمراده؛ فالسنّة امتدادٌ للقرآن وتطبيق عمليّ لمؤدّاه واتّباعها اتّباع للقرآن.

وعقد الدارميّ باباً ترجمه: «باب أنّ السُنّة قاضية على كتاب الله» نقل فيه


الصفحة 148

عن ابن أبي كثير شيخ الأوزاعي (1) قوله: «السُنّة قاضيةُ على القرآن، وليس القرآنُ بقاضٍ على السُنّة» (2).

ونقل عن مكحول قوله: القرآن أحوج إلى السنّة، من السنّة إلى القرآن (3).

قول الدارميّ، وقول مكحول؛ ذلك أنّ القرآن الكريم كما ذكرنا جاء معجزاً في أصله مبنيًّا على الإعجاز البلاغيّ في إثبات رسالة الإسلام وما فيه من أحكام وعقيدة جاءت مجملةً كلّف الله تعالى نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله تفصيلها.

وقد جاء مَن قال لعمران بن الحصين: ما هذه الأحاديث التي تحدّثوناها وتركتم القرآن؟ لا تحدّثونا إلاّ بالقرآن!

فقال عمران: أرأيتَ لو وُكّلتَ أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد الطوافَ بالبيت سبعاً، والطوافَ بالصفا والمروة؟

وبطريق آخر أضاف: والموقف بعرفة؟ ورمي الجمار، كذا، واليد من أين تُقطع؟ أمن هاهنا؟ أم هاهنا؟ أهاهنا؟ ووضع يده على مفصل الكفّ، ووضع يده عند المرفق، ووضع يده عند المنكب.

____________________

(1) يحيى بن أبي كثير الطائيّ، مولاهم. قال عليّ ابن المديني، عن سفيان بن عُيينه، قال: قال أيّوب: ما أعلمـُ أحداً بعد الزُّهري أعلم بحديث أهل المدينة من يحيى بن أبي كثير. (المعرفة والتاريخ للفَسَوي 1/ 621).

قال شُعبة: يحيى بن أبي كثير أحسن حديثاً من الزُّهري. (الجرح والتعديل 9/ الترجمة 599) وقال العِجليّ: ثقةٌ، كان يُعدُّ من أصحاب الحديث. (ثقاته 475/ الترجمة 1823).

(2) سنن الدارمي (1/ 117) الباب 49 ح 594.

(3) الكفاية في علوم الرواية، للخطيب البغداديّ: 47.


الصفحة 149

ثمّ قال: اتّبعوا حديثنا ما حدّثناكم، وخذوا عنّا، وإلاّ والله ضللتم (1).

وعن أيّوب السختياني، قال: إذا حدّثت الرجل بالسنّة، فقال: دعنا من هذا، وحدّثنا من القرآن؛ فاعلم أنّه ضالٌّ مضلٌّ (2).

وأورد في كتابه (الفقيه والمتفقّه) أحاديث استدلّ بها على أنّ السنّة معتبرةٌ في عرض الكتاب الكريم (3).

 

مزيدٌ من النصوص النبويّة في وجوب رواية الحديث

ذكرنا بعض أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في جواز وأخرى وجوب كتابة حديثه الشريف، ونذكر بعضاً آخر:

بسندٍ عن زيد بن ثابت: «نَضَّرَ اللهُ امرأ سمِع مقالتي فبلّغها. فرُبّ حامِلِ فقهٍ غيرِ فقيهٍ. ورُبَّ حامِلِ فقهٍ إلى مَن هو أَفْقَهُ منه» (4).

ومحمّد بن إسحاق، عن الزهري، عن محمّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالخِيف من مِنى (5) فقال: «نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثمّ أدّاها إلى مَن لم يسمعها، فرُبّ حامل فقه لا فقه له، وربّ حامل فقه

____________________

(1) نفسه: 48.

(2) الكفاية في علوم الرواية، للخطيب البغداديّ: 49.

(3) الفقيه والمتفقّه، للخطيب (1/ 86 - 90).

(4) سنن ابن ماجة 1: 84/230، مسند أحمد 1: 437 و 4: 80.

(5) (الخيف من مِنى) الخِيف، الموضع المرتفع عن مجرى السيل المنحدر عن غلظ الجبل. ومسجد منى سمّي مسجد الخيف لأنّه في سفح جبلها.


الصفحة 150

إلى مَن هو أفْقه منه ...» (1).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من رغب عن سنّتي منّي» (2) وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: «مَن سُئل عن علمٍ فكتمه، ألجمه الله بلجامٍ من نار يوم القيامة» (3).

وقد روى حُذيفة بن اليمان، قال: دخلتُ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في مرضه الذي قُبض فيه، فرأيته يتساند إلى عليّ، فأردتُ أن أُنَحّيه وأجلس مكانه، فقلت: يا أبا الحسن، ما أراك إلاّ تعبت في ليلتك هذه، فلو تنحّيْتَ، فأعَنْتُك.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: دَعْهُ، فهو أحقّ بمكانه منك، اُدْنُ منّي يا حُذيفة، مَن أطعم مسكيناً لله عزّ وجلّ دخل الجنّة».

قال: قلتُ: يا رسول الله، أكتمُ أم أتحدّث؟!

قال: «بل تُحدّث به» (4).

 

توجيهٌ غيرُ مقبول من الذهبيّ

بعد أن نقل الذهبيّ كلام أبي بكر في المنع من الحديث، عقّب على ذلك بقوله: إنّ مراد الصدّيق التثبُّتُ في الإخبار، والتحرّي، لا سدّ باب الرواية ... ولم يقُلْ «حسبُنا كتابُ الله» كما تقول الخوارج (5).

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 1: 162/295.

(2) مسند أحمد (2/ 263 و 305 و 353 و 495).

(3) الفقيه والمتفقّه (1: 144).

(4) مختصر تاريخ دمشق 18: 295.

(5) تذكرة الحفّاظ 1/3.


الصفحة 151

وقول الذهبيّ، مع علمه غريب! فقوله: «إنّ مراده التَثبّت في الإخبار والتحرّي ... لا سدّ باب الرواية» لا دليل عليه ولا وجود له في النصّ، ولم ترد كلمة واحدة في هذا المعنى: التَثبّت والتحرّي، كأن يقول: لا تحدّثوا بكلّ ما تسمعون أو تروون. أو لا تحدّثوا بما لا تتثبّتون ويأمرهم بالاحتياط عن الخطأ والاشتباه.

وأمّا سدّ باب الرواية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومنع نقل الحديث عنه مطلقاً؛ هل أوضح بياناً ودلالةً على عموم المنع من جملة: «لا تحدِّثوا عن رسول الله شيئاً»؟

وقوله: «بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه» قرينة واضحة على أنّ مراده نَبْذُ السنّة مطلقاً، والاكتفاء بكتاب الله تعالى؛ لا سيّما إذا نظرنا إلى النهي الذي تقدّمها: «لا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً».

وأمّا قول الذهبيّ ولم يقل أبوبكر: «حسبنا كتاب الله كما تقول الخوارج». فمن البديهيّ: أنّ كلّ جملة يقولها إنسان تؤدّي هذا المعنى فهو يمنع الاستناد إلى الحديث ويكتفي بكتاب الله تعالى.

وكلام أبي بكر: «لا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً» وبعده: «بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه»، يؤدّي نفس معنى: «حسبنا كتاب الله» تماماً!

وإذا كبُر على الذهبيّ، أو أراد أن يوجّه أو قل: اجتهد فأخطأ في فهم كلام أبي بكر؛ فدعنا نستريح هنيهةً من «حسبنا»، ولنكتفِ بجملة: «بيننا وبينكم كتاب الله» التي قالها أبوبكر، وقبلها الذهبيّ، فنقول: إنّ هذه الجملة هي عينها التي


الصفحة 152

قالها رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مجذّراً من صاحب الأريكة - أي الحُكم - الذي عهده قَرُبَ وأنّه يحذف حديث النبيّ ويمنع منه ويقول: «بيننا وبينكم كتاب الله عزّ وجلّ» وقد ذكرناه مع مصادره.

وأمّا ذكر الذهبيّ للخوارج في هذا الموضع فعجيب منه! إذ لم نعهد من الخوارج ذكرهم جملة «حسبنا كتاب الله» وإنّما شعارهم «لا حُكمَ إلاّ لله» وأمّا جملة «حسبُنا كتاب الله» فهي معروفةٌ من كلام عمر أكثرهم تشدّداً في منع تدوين حديث رسول الله، وأسبقُهم إلى ذلك! فهو الذي منع من تقديم «القرطاس» إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ليكتب لهم كتاباً لنْ يضلّوا بعده، ومضى على هذه السياسة بعد رحلة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وتشدّد بها وحبس الصحابة من الخروج إلى الأمصار خوفاً من نشر الحديث وكتب كتاباً بالمنع إلى الآفاق ...

إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، أراد وهو يُودّع أُمّته ويُودِعُها تَرِكَته:

الثَّقلين، كتاب الله وعترته الطّاهرة، وفي سعيٍ منه لتوكيد ما عهدَهُ إليهم سابقاً، أراد أن يكتب لهم كتاب هداية وعصمة، إلاّ أنّه جُوبه بمعارضةٍ شديدة اُطلقت فيها كلمة لا تنبغي في حقّ مسلم محترم، فكيف بالنبيّ؟!

عن عبد الله بن عبّاس، قال: لمّا احتُضر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب، قال: «هَلُمّ أكتبْ لكم كتاباً لن تضِلّوا بعده». فقال عمر: إنّ النبيّ غَلَبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبُنا كتابُ الله واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم مَن يقول: قرِّبوا يكتب لكم رسولُ الله كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم مَن يقول ما قال عمر!! فلمّا أكثروا اللّغط والاختلاف عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، قال: قُوموا عنّي


الصفحة 153

فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (1).

وليس الخبر بهذا اللفظ الذي هذّبته بعض الأقلام! ولكنّه كافٍ وبهذا اللفظ لتوضيح عمق المأساة! فإنّ ميّتاً من عَرَض المجتمع يتنادى ذَوُوه وأصدقاؤه وتقع جَلَبة ويُحمل نعشه إلى مثواه الأخير ظاهرة عليهم آثار الحزن والأسى لفقده؛ وهذا سيّد الخَلق طرًّا خاتم الأنبياء والرُّسل يعيش لحظاته الأخيرة مع أصحابه ويريد أن يُتمّ لهم نصيحته وهدايته لئلاّ يضلّوا من بعده فيتعرّضوا لغضب الله تعالى كما حدث لليهود والنصارى، إلاّ أنّ البعض منهم قدّم بين يَدَيْه وقطع كلامه، وهو أمرٌ منهيٌّ عنه في القرآن الكريم؛ وخالف سنّته وهو حيٌّ يمارس وظيفته في التبليغ، فكيف يكون الأمر بعد وفاته؟! وكيف كانت المقاطعة والردّ؟ كان نابياً، فإنّ «غَلَبه الوجَع» تساوي «يَهْجُر» التي تعني: يَهذي - والعياذ بالله! كما أنّ حالة اللّغو واللغط والاختلاف الناتجة عن هذا التصرّف سوء أدب في حضرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وقد نهى القرآن عن رفع الأصوات فوق صوت النبيّ وعن الجهر له بالسّوء؛ «وإنّ النبيّ ليهجر»، أو «غلبه الوجع» ما هو إلاّ جهر بالسُّوء ثمّ ماذا يعني قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لهم: «قوموا عنّي»؟ إنّه يعني أنّه ساخط وغير راض عنهم، ورضاه من رضى الله تعالى وسخطه من سخطه!

ثمّة سؤال: لماذا اعترض عمر على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في كتابة الكتاب؟ هل

____________________

(1) صحيح البخاري 1: 37، 5: 138، 8: 161، طبقات ابن سعد 2: 242، صحيح مسلم 12: 95، المصنّف، لعبد الرزّاق 5: 438 و 439 مسند أحمد 1: 336، دلائل النبوّة، للبيهقي 7: 181.


الصفحة 154

كان يُدرك ما سيكتبه؟

ورواية ابن عبّاس تؤكّد أنّه قال: أهْجَر. عن سفيان، عن سليمان بن أبي مسلم، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس قال: يومُ الخميس وما يوم الخميس! قال: اشتدّ برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وجعُه فقال: «ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي أبداً». فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبيّ أن يُتنازع - فقالوا: ما شأنه أهْجَرَ؟ استفهموه! فذهبوا يُعيدون عليه، فقال: دَعُوني، فما أنا خيرٌ ممّا تدعونني إليه. وأوصى بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفدَ بنحوٍ ممّا كنتُ أجيزهم، وسكت عن الثالثة عمداً أو قال: فنسيتُها. (1)

نعم، يومُ الخميس وما يوم الخميس؟! اشتدّ برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وجعُه، واشتدّ بقومٍ وَجْدُهم إلى أُمورٍ، فأساؤوا إلى نبيّهم بالقول الفاحش ذلك قولهم: ما شأنه؟!

أيليق هذا بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله! أنكرةٌ هو؟ هلاّ تأدّبوا فخاطبوه بما يليق بمقامه العظيم إن لم تطاوعهم أنفسهم فيسارعوا مطيعين فيقدّموا القرطاس والقلم؛ فإن لم يفعلوا فعليهم أن، يقولوا: يا رسول الله، لو بيّنت لنا مرادك ...، مثلاً. ثمّ جاؤوا بها صلعاء لا توارها عمامة؛ تلك هي مقولتهم: أهْجَرَ؟ وهي شتيمة! ذكر ابن السّكّيت في كتابه «تهذيب الألفاظ باب رَفْعِك الصوتَ بالوقيعة في الرجل والشّتم له» قال: وأهْجَرَ إهْجَاراً، إذا قال القبيح (2).

فهل يجوز على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يقول القبيح، فعند مَن تجد الأُمّة الحَسَن

____________________

(1) تاريخ الطبري 2: 436.

(2) تهذيب الألفاظ، لابن السكّيت: 264.


الصفحة 155

- إذن - لتأخذه منه فلا تضلّ؟ ومتى كان كتاب الهداية والعصمة من الضّلالة هُجْراً؟!

والرّاوي لم يُعيّن صاحب هذا الكلام المـُستهجَن، فقد استعمل لفظ الجماعة «فقالوا»!

ترى ماذا تعني كلمة «استفهموه» الواردة في الخبر، وماذا يعني أنّ القوم ما زالوا يعيدون سؤالاً ما على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى ردعهم؟ أيّ سؤال هو؟ هل هو الوصيّة الثالثة التي سكت عنها ابن عبّاس عمداً؟! فلماذا سكت؟! أمّا هذا الاستدراك: «أو قال: فنَسيتُها» فهو ممّا لا يليق بمَنْ ابن عبّاس بكثير، فكيف بحَبْر الأُمّة؟!

غير أنّ المرويّ عن ابن عبّاس - كما في البخاريّ وطبقات ابن سعد، ذكرناه - ينصّ على أنّ صاحب القول هو عمر بن الخطّاب، وحسب تلك الرّواية وقول عمر فيها: «وعندكم القرآن فحسبُنا كتاب الله» يتّضح أنّ النبيّ قد اوصى باثنين متلازمَين، هما: كتاب الله وأهل بيته، وهو ما كان يُعيده على مسامعهم في أكثر من مناسبة.

وعن عمر بن الخطّاب قال: لمّا مرِض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «ادعوا لي بصحيفةٍ ودواة أكتب كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً» فقال النُّسوة من وراء السّتر: ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟! فقلت: إنّكنّ صواحبات يُوسف: إذا مَرِض رسول الله عَصَرْتُنّ أعينَكنّ، وإذا صحّ ركِبْتُنّ عُنُقَه! فقال رسول الله: «دَعوهُنّ، فإنّهنّ خيرٌ منكم» (1).

____________________

(1) المعجم الأوسط، للطبراني 5: 288، كنز العمّال 5: 644، مجمع الزوائد 9: 34.


الصفحة 156

حصحص الحقّ وثبت أنّ عمر هو الذي قدّم بين يدّي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله. ومع أنّه لم يذكر في هذه الرواية اعتراضه على رسول الله في كتابة الكتاب، إلاّ أنّ قول النّسوة: «ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟» بَيِّن الدلالة على هذا المعنى، وذلك بعد أن صلّ أسماعَهنّ لغَطُ الرِّجال واختلافهم على أثر الكلام الذي قاله عمر كما في الروايات السّابقة، فزجرتهم النساء على سوء سلوكهم هذا. ويؤيّد أنّ عمر هو صاحب الاعتراض على النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ رفعُ صوته من جديد ليُسمِع النّسوةَ مقالَته فيهنّ، إذ اللّغط الدائر بين الرِّجال ووجود السّتر بينهم وبين النّساء يقتضي مناداتهنّ بصوت عالٍ، وإلاّ لِمَ ردّ عليهنّ دون غيره من الحاضرين؟ وقوله: «إنّكنّ صواحبات يوسف ...» فيه تنقيص لهنّ، ومَن هنّ؟ إنّهن أمّهات المؤمنين، وحاضنة الرسول، والصّحابيّات المبايعات، والمعصومة الطّاهرة فاطمة الزهراء عليها‌السلام بنت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ ووصف هؤلاء بالنّسوة اللاّتي شُغِفنَ بجمال يوسف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، أراد بذلك: إنّكنّ ما كرات وأتباع لذّة!! وكلامه لم يتنقّص من النّساء وحسب، وإنّما تطاول به على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وانتهك حرمته إذ ذكره بصيغة الغائب النّكرة من غير ما ينبغي له من النعت بالنبوّة والرّسالة. «رَكِبتُنّ عُنُقَه» فيها ما فيها من المعاني السلبيّة والتجاوز على شخص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ووصفه بالشخص الضعيف أمام النساء - والعياذ بالله ...؛ ومن هنا جاء جواب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّهنّ خيرٌ منكم» في البُعد عن الاعتراض والتقديم بين يَدَي رسول الله، والاعتراض عمّا أراد، وإنّما على العكس اعترضن سبيل أُولئك الذين آذوا رسول الله بلَغْوِهِم وتنازعهم في أن يقدّموا أو لا يقدّموا القرطاس والقلم وكان زعيم جبهة الرافضين، بل لم يحفظ لنا


الصفحة 157

التاريخ اسماً بعينه إلاّ عمر بن الخطّاب.

«وخيرٌ منكم»، إذ لم يكنّ من أصحاب السقيفة؛ وما كان من الأحداث الساخنة بعد ذلك إلاّ امتداد لرزيّة الخَميس والحيلولة بين النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وكتابته الكتاب وما وقع في السقيفة وتمخّض عنها من أُمور منها: المنع من كتابة حديث رسول الله.

وطَرْدُ رسول الله إيّاهم إلاّ عليّاً، له من المعاني: أنّه طردهم من رحمة الله، وفي ذلك: لئلاّ يقول أحدهم إنّي تشرّفت بتمريض النبيّ وبدفنه كما تشرّفت بصحبته، فقطع عليهم الطريق بذلك. صحيح أنّ سوء الأدب الذي أبدوه يستوجب ذلك الطرد، ولكن نستجلي ضمناً هذا المعنى مثلما نستجلي أن لم تكن له صلى‌الله‌عليه‌وآله ذرّيّة إلاّ من خديجة رضي الله عنها ثمّ من فاطمة الزهراء عليها‌السلام بينما حُرِمت زوجاته حتّى اللاّتي في عُمر الصِّبا فالشباب من الحمل، وإلاّ لكان الويلُ لأُمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله في ذلك الحمل! ثمّ كان من حكمة الله تعالى: أن حرّم الزواج من زوجات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فجعلهنّ بمنزلة أُمّهات المؤمنين.

وفي الصحابة مَن هم أنقياء الثوب إلاّ أنّ الفتنة عمّت، ومنهم مَن كان بعيداً عن الحدث، فأفرد عليّاً عليه‌السلام يناجيه ويختصّه وهذه ليست أوّل مرّة يفرده فيناجيه، إلاّ أنّ هذه الليلة لها خصوصيّة فهو صلى‌الله‌عليه‌وآله في آخر عهده من الدنيا، فكان لعليّ عليه‌السلام شرف الانفراد برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فهما شيء والناس شيء آخر، هما الرسالة والناس خليط بين بعيد عن ساحة الأحداث وبين مصطرع في سقيفة بني ساعدة من أجل (الأريكة) فصدق مَن لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى، مضى


الصفحة 158

اُولئك في مهمّتهم من أجل الأريكة، ومضى عليّ في مهمّته بعد أن سمع توجيهات الوحي على لسان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فتولّى غُسل النبيّ وتكفينه ...، فيما حُرِم اُولئك من كلّ هذا.

فرسول الله يخطّط لعليّ السبق في كلّ شيء: السبق في الإسلام، والسبق في الفداء، والسبق في الصحبة (إلى الطّائف فلم يصحبه غير عليّ) وبعد مبيته على فراش النبيّ وأدائه ودائع النّاس التي كانت عنده التحق بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وكان النبيّ قد افترق عن أبي بكر لمّا وصل إلى قُباء ولم يدخل المدينة، فنزل أبوبكر على خارجة بن زيد، فيما نزل النبيّ على كُلثوم بن هِدْم، فلمّا التحق به عليّ عليه‌السلام، دخلا المدينة (1).

ولقد جَرَت أحاديث ومحاورات بين ابن عبّاس وعمر بن الخطّاب - بعد وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله - أقرّ فيها عمرُ أنّه الذي منع النبيَّ من كتابة الكتاب؛ من ذلك: قال عمر لابن عبّاس: هل بقي في نَفْس عليّ شيء من أمر الخلافة؟ فقال ابن عبّاس: نعم. قال عمر: ولقد أراد رسولُ الله في مرضه أن يُصرِّح باسمِه فمنعتُه من ذلك إشفاقاً وحيطةً على الإسلام (2).

إنّ الله تعالى أعلم بمواطن الحيطة على الإسلام فيوحي بها إلى نبيِّه، ومن ذلك التبليغ بإمامة عليّ وخلافته في كلّ مَوْطن، ومنه المهرجان الكبير يوم عيد غدير خُمّ، وفي مرضه لمّا أراد أن يكتب كتاباً فمنعه عمر. ولكنْ ما الذي وجده

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 2: 138.

(2) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 12: 21.


الصفحة 159

عمر من نقصٍ في عليّ فتخوّف منه على مستقبل الإسلام، وهو الذي سلّم عليه بالإمارة يوم خُمّ؟! فهلاّ عابه يومئذٍ؟!

أم أنّه ندم على ما كان منه من التسليم على عليّ أميرالمؤمنين عليه‌السلام بالإمرة بقوله: بَخٍ بَخٍ لك يا ابنَ أبي طالب! أصبحتَ مولاي ومولى كلّ مؤمنٍ ومؤمنة، قالها على رؤوس الأشهاد يوم غدير خُمٍّ، والآن يعلم أنّ رجالاً يأتمرون في الخفاء على إزواء الخلافة عن عليّ عليه‌السلام وكتبوا بذلك عهداً، فتخوّف فشل الخطّة؟!

إنّ ما ذهبنا إليه لم يكن كلاماً يُقال جُزافاً، فالّذي يقدِّم بين يدي الله ورسوله، وهو أمرٌ منهيٌ عنه في القرآن إذ لا يجوز له إلاّ التسليم لأمرِ الله سبحانه وأمر رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ولا يعترض. وكيف كان الاعتراض؟ بتلك الصورة القاسية وهتك حرمة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ فلمّا طرده النبيّ ومَن معه صاروا إلى «السقيفة» ودخل في صراع مرير تمهيداً لـ «الأريكة» التي حذّر رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله منها ومن صاحبها الذي يوشك أن يُعلن صاحبها المنع من حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وها هو يمنع ورسول الله موجود بين المسلمين؛ فكيف سيكون الأمر بعدك يا رسول الله صلّى الله عليك وعلى أهل بيتك الطيّبين الطّاهرين؟! هذا ما سنراه. ولكن: كلمة عجلى، إنّ حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يتضمّن أحكاماً وعبادات وسُنن ...، فهل المنع يهدف ويقصد مثل هذه الأحاديث؟ قطعاً لا. فما بقي إلاّ الوصيّة والخلافة وهو الأمر الذي أقرّ به عمر وأنّه الذي حمله على منع النبيّ من كتابة الكتاب والتصريح باسم عليّ عليه‌السلام خليفة من بعده؛ وقد مرّ ذِكرُ ذلك. ثمّ صارت سنّةً لأصحاب الأريكة ممّن هم وشيكوا عهدٍ برسولِ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وامتدّت ليلقفها معاوية ومن جاء


الصفحة 160

بعده من الشجرة الملعونة في القرآن الكريم وعلى لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فلم يكتفِ بمنع الحديث في فضائل عليّ وأهل البيت عليهم‌السلام، وإنّما امتدّت يدُ النّصب لوضع الأحاديث المكذوبة للنيلِ من أمير المؤمنين وتفضيل أعدائه! وسنّ سنّته البغيضة في لعن الإمام عليّ عقب كلّ صلاة، فعاشت الشام بعيدة عن روح الإسلام تجهل مَن هو عليّ؟! وفضائل أهل البيت، أُمويّة ناصبيّة أجيالاً طويلة لا يمكن أن تنمحي آثارها. فإذا جاء ابن تَيمِيه بإرثهِ الخارجيّ وسوء تربيته وضياع نسبه وتأثير محيطه وبيئته الأولى: حرّان، ليحطّ رحاله في بيئته الجديدة؛ كان أشدّ من معاوية على عليّ وأهل البيت عليهم‌السلام في المنع من الحديث! وكان معاوية أكثر إنصافاً من ابن تَيمِيه؛ ذلك أنّ معاوية إذا أُحْصِر في الحِجَاج أقرّ لأبي الحسن عليه‌السلام فضله، أمّا ابن تَيمِيه فقد عاهد الشيطان إلاّ شنّ الغارة على أهل البيت بعد ما تجاوز حرمة الرسول والمـُرْسِل!!

وإذا كان مَن سبق معاوية اكتفوا بمنع حديث رسول الله وحبسوا الصحابة - على ما ستقف على معنى الحبس هنا - فإنّ معاوية قد أحلّ الحرام وانتهك حرمة كبار الصحابة لأجل ذلك وكان أكثر جرأةً وصراحة من غيره لمّا خطب فقال: «ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلُّوا ولا لتحجُّوا ولا لتزكُّوا، قد عرفتُ أنّكم تفعلون ذلك، ولكن إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم ...».

 

حديث رسول الله؛ وردّ عمر بلفظ آخر

ويأتي حديث رسول الله بلفظ مقارب لما ذكرناه سابقاً، وأمّا ردّ عمر


الصفحة 161

واعتراضه فإنّه يرِد أكثر جَفْوة، فقد ذكروا: لمّا مات رسول الله قال قبل وفاته بيسير: «ائتوني بدواةٍ وبياضٍ لأكتب لكم كتاباً لا تختلفوا فيه بعدي». فقال عمر: دَعُوا الرجُلَ، فإنّه لَيَهْجُر (1)!

الله أكبر!، دَعُوا الرجل، وليس النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ أي اتركوه وتخلّوا عنه ولا تلتفتوا إلى قوله، فإنّي أُؤكّد لكم «لَيَهْجُر» أنّه يهذي ولا يدري ما يقول - معاذ الله يا رسول الله أن نقول شيئاً من ذلك - وهي أبلغ من كلّ العبارات التي مضت في القُبْح والشتيمة! وهذا النصّ أقرب إلى القبول؛ وإن كان التقديم أي الاعتراض على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله منهيّ عنه في القرآن الكريم وليس من أدب الإسلام في شيء، واللّغط الذي حدث بسبب ذلك، وشتيمة عمر للنّسوة اللاّتي اعترضن عمر وشيعته وطلبن استجابة أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ...، فإنّ هذه الأمور كافية لطرد رسول الله للقوم: إلاّ أنّ في العبارة هذه زيادة على ما تقدّم: فَصْمُ العُرَى بينهم وبين الرسول، من خلال دَعُوا الرجل؛ فلا معنى بعد ذلك لكلام عمر: «حسبُنا كتابُ الله». إذ أركان الإسلام ثلاثة: التوحيد، والنبوّة، والمعاد؛ فمَن أنكر واحدة منها فليس بمسلم، وهذه الدعوة صريحة لإنكار أحد الأركان والتخلّي عنه وهو النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كلّ هذا ورسول الله بينهم يرَونه بوجهه الوضيء بنور النبوّة ويسمعون

____________________

(1) مسند أحمد 3: 346، صحيح البخاري - كتاب العلم، باب كتابة العلم، المجلّد الأوّل صفحة 39، والمجلّد 4 باب قول المريض ... صفحة 5، و 6 باب مرض النبيّ ووفاته صفحة 11، و 4 كتاب الجهاد - باب جوائز الوفد، صفحة 85، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 2: 536. مجمع الزوائد 4: 390 و 391، الكامل، لابن الأثير 2: 217، طبقات ابن سعد 2: 243، تذكرة الخواصّ: 65.


الصفحة 162

صوته، فكيف بهم إذا قبضه الله تعالى ورفعه إلى أعلى عِلّيِّين؟!

أنعجل ونقول: سيرتدّ بعضهم القَهْقرى؟

لا نجافي الحقيقة ولا نعدوها إن قُلنا: نعم؛ فالّذي وقع من عمر وأصحابه بحقّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وطرد رسول الله إيّاهم من ساحة رحمته فلم يعتذروا بل لجّوا في طغيانهم ففارقوه إلى السقيفة ولم يرجعوا إليه صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ إلاّ وقد قبض الله تعالى نفسه الزكيّة إليه - هذا في أحسن الأحوال وتنزّلاً في قبول الرّواية، وإلاّ فالمرويّ عن عائشة قولها: لم نعلم بوفاة رسول الله إلاّ بوقع المساحي والرجال يحفرون ليلاً ...، وكان أمير المؤمنين في ثلّة من بني هاشم قد تولّوا دفنه -؛ ولقد كان صلى‌الله‌عليه‌وآله حذّرهم الرِّدّة والتبديل.

 

أحاديث النبيّ في الرِّدّة

أخرج مسلم بنسده عن أبي حازم قال: سمِعتث سَهْلاً يقول: «سمعت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: أنا فَرَطُكُم على الحوض مَن وَرَدَ شرِبَ ومَن شرِب لم يظمأ أبداً، ولَيَرِدَنّ علّيَّ أقوامٌ أعرِفُهم ويعرِفوني ثمّ يُحال بيني وبينهم»، قال أبو حازم: فسمِع النُّعمان بن أبي عيّاش وأنا أُحدّثهم هذا الحديث فقال: هكذا سمِعتَ سهلاً يقول؟ قال: فقلتُ نعم قال: وأنا أشهدُ على أبي سعيدٍ الخُدْريّ لَسمِعتُه يزيدُ فيقولُ: «إنّهم منّي، فيُقال: إنّك لا تدري ما عمِلوا بعدَك فأقولُ سُحْقاً سُحْقاً لِمَن بَدّلَ بعدي» (1).

فأيّ تبديل أعظم من رفض سنّته في حياته، ثمّ المنع من تدوينها

____________________

(1) صحيح مسلم، بشرح النووي المجلّد 8، الجزء 15: 54.


الصفحة 163

والتحديث بها وحبس الصحابة على ذلك بعد وفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله؟!

وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّي على الحوض حتّى أنظرَ مَن يرِدُ علَيَّ منكم وسَيُؤخذُ أُناسٌ دوني فأقولُ يا ربِّ منّي ومن أُمّتي، فيقولُ: إنّك لا تدري ما عمِلوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم» (1).

وعن أمّ سَلَمة، قالت: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «أيّها الناس إنّي لكم فَرَطٌ على الحوض فإيّايَ لا يأتِيَنّ أحدُكم فيُذَبُّ عنّي كما يُذبّ البعيرُ الضالّ فأقول: فِيمَ هذا؟ فيُقال إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقولُ: سُحْقاً» (2).

فالذي أحدثوه «بعده» من جنس «الأريكة»، والذي يرد فيه لفظ «يوشك». ومن حديثه صلى‌الله‌عليه‌وآله في عِظم الخطر المحدق بأصحاب الأريكة:

عن عُقبة بن عامر أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خرج يوماً فصلّى على أهل أُحُد صلاتَه على الميِّت ثمّ انصرف إلى المنبر فقال: «إنّي فَرَطٌ لكم وأنا شهيدٌ عليكم وإنّي والله لأَنظرُ إلى حوضي الآن وإنّي قد أُعطيتُ مفاتيح خزائن الأرض وإنّي واللهِ ما أخافُ عليكم أن تُشركوا بعدي ولكن أخافُ عليكم أن تتنافسوا فيها» (3).

وهذا الذي وقع ليلة وفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله، فبعد ما أساؤوا الأدب كما لحظنا، راحوا إلى سقيفة بني ساعدة فكان ممّا يندى له الجبين من أجل «الأريكة»، وغُصبت الزهراء الطاهرة عليها‌السلام إرثها من أبيها صلى‌الله‌عليه‌وآله واعتدوا عليها وكادوا يحرقوا بيتها وهي

____________________

(1) نفسه: 56.

(2) نفسه.

(3) نفسه: 57. وانظر الجمع بين الصحيحين، وتاريخ دمشق 8: 109 و 3: 8 و 47: 117.


الصفحة 164

فيه! وقوتلت قبائل قد امتنعت من بيعة أبي بكر وكانت ترى أنّ الخليفة الشرعيّ هو عليّ عليه‌السلام ...

والأحاديث في هذا الحقل من الوفرة ممّا يضعنا أمام الواقع الصعب الذي كان يعاني منه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى.

إنّ ما وقع من القوم في حجرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وفيما أحدثوه بعده، سبقتها وقائع مرّة! فقد استجابوا لهتاف الشيطان وفرّوا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ونزل بهم بيان من الله سبحانه يوبّخهم على ذلك. وفرّوا بالرّاية يوم خيبر، ولم نسمع أنّهم جرحوا بطلاً فضلاً عن جندلة أبطال!

ويبقى عليّ عليه‌السلام بعيداً عن كلّ هذه اللّوثات في جمعٍ من الأتقياء ممّن لم يبدّلوا ولم يغيّروا. وكان عليه‌السلام يستبق الأحداث وكيف لا؟ وسرّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عنده.

عن عمرو بن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن سِماك، عن عِكرِمة عن ابن عبّاس: أنّ عليًّا قال في حياة النبيّ إنّ الله عزّ وجلّ يقول: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ) (1)، واللهِ لا ننقلب على أعقابنا أبداً بعد أن هدانا الله، والله لَئِن مات أو قُتل لأُقاتلنّ على ما قاتل عليه حتّى أموت، والله إنّي لأَخوهُ ووليُّه وابن عمّه ووارثه، فمَن أحقُّ به منّي (2)؟!

____________________

(1) آل عمران: 144.

(2) الفضائل، لأحمد، حديث 232، خصائص النّسائيّ: 130 ح 65، المستدرك على الصحيحين 3: 126، المعجم الكبير، للطبرانيّ 1: 107/ ح 176، وعنه أبو نعيم في معرفة الصحابة 1: 23، =

 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة