الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 126

رسول الله عليّ بن أبي طالب وتُعلن البراءة منه! والبراءة منه براءة من رسول الله ومن الإسلام الذي جاء به!!

وعمّم معاوية إلى الأقطار للعمل بذلك، فما زالت تلك البِدعة يُعمل بها وأنّها متمّمة للصلاةِ! حتّى جاء الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز فأزالها؛ إلاّ حرّان فقد ضجّ أهلها متمسّكين بلعن أبي تُراب! (1)

في خضمّ أحداث الشام، كان لابدّ لمدن الجزيرة ومنها الرُّها وحَرَّان أن تتأثّر بتلك الأحداث وتنطبع بطابعها فيغلب عليها الهوى الأُمويّ. وقد علمنا أنّ فتوحها كان أيّام عمر، وأنّ جاراتها الشامات قد ولاّها عمرُ معاويةَ، وطالت حاكميّة معاوية حتّى بلغت عشرين سنة إلاّ أشهراً، وامتدّ الحكم الأُمويّ حتّى سنة مائة واثنين وثلاثين، فقد ظهرت قوّة جديدة تلك هي دعوة بني العبّاس التي أسقطت الكيان الأُمويّ ... ورغم ذلك فقد استمرّ هوى الجزيرة والشام أُمويًّا نتيجةً للنشأة والتربية التي اتّبعها الأُمويّون، مضافاً إلى التقاء الطبائع النفسانيّة للأمويّين وسكّان تلك المناطق.

 

 

ذكر المسعودي:

«أنّ النسل لابدّ له من تخصيص قوّته بشيء يميّزه ويبيّنه من سواه، فصار الجفاء والغلظ في الرّوم وأصحاب الجبال، والأكثر من أهل الشام، وأوباش مصر، واللؤم في الخزر وأهل حَرَّان من بلاد ديار بكر ...، وهذا الذي وصفنا عند هذه الطائفة من أسرار الطبيعة وخواص تأثير الأشخاص العُلويّة والأجسام

____________________

(1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 7: 122.


الصفحة 127

السماويّة ...» (1).

 

السياسة الأُمويّة وآثارها الاجتماعيّة في الشام

استنّ معاوية ابن هند سنّةً طيلة حاكميّة الطويلة، وامتثلها الحاكمون من آل حَرْب وآل مروان، تركت آثاراً سيّئةً للغاية في المجتمع الشاميّ أبعدته إلى حدٍّ كبير عن الأصالة الإسلاميّة.

ولقد أنبأ الصادق المسدّد بالوحي؛ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بما سيكون من معاوية:

عن الحكم بن عُمير الثُّمالي - وكانت أمُّه مريم بنت أبي سفيان بن حرب: أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لأصحابه ذات يوم: يا أبابكر كيف بك إذا ولّيت؟، قال: لا يكون ذاك أبداً. قال: فأنت يا عمر؟، قال: حجراً إذا لقيتُ شرًّا، قال: فأنت يا عثمان؟، قال: آكلُ وأُطعم وأُقسم ولا أظلم. قال: فأنت يا عليّ؟ قال: أُقسم التّمرة وأحمي الجَمْرَة (2)، وآكل القوت. قال: أمَا إنّكم سَيَلي، وسيرى الله عملكم. قال: فأنت يا معاوية؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أنت رأس الخِطم، ومفتاح العِظم، يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، وتتخذ السيّئة حسنة، والحسنة قبيحة؛ أجلك يسير وجُرْمُك عظيم إلاّ أن يرحمك ربّك عزّوجلّ! (3)

فرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنبأ بما سيكون من فتنة معاوية وفساده وجُرْمه العظيم على

____________________

(1) مروج الذهب، للمسعودي 2: 147.

(2) الجمرة: القبيلة. اللسان (جمر).

(3) مختصر تاريخ دمشق 25: 26 - 27.


الصفحة 128

رؤوس أبي بكر وعمر و عثمان وعليّ؛ ومع ذلك وجدنا الثلاثة يعتمدون معاوية بين ممهّدٍ، ومرسّخٍ موسّع، وبين مُطْلِقٍ ليدهِ ممّا منحه فُرصة الخروج على أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام فكانت صفّين وما تبع صفّين ...

وذكر البلاذريّ، قال: حدّثني إسحاق وبكر بن الهَيْثَم قالا: حدّثنا عبد الرزّاق بن هَمّام أنبأنا مَعمر عن ابن طاووس عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: «يطلع عليكم من هذا الفَجّ رجلٌ يموت على غير مِلّتي، قال: وكنت تركتُ أبي قد وُضِعَ له وَضُوء، فكنتُ كحابس البَوْل مخافة أن يجيء، قال: فطلع معاوية فقال النبيّ: هو هذا» (1).

قال: وحدّثني عبد الله بن صالح حدّثني يحيى بن آدَم عن شريك عن لَيْث عن طاووس عن عبد الله بن عمرو قال: كنت جالساً عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: «يطلع عليكم من هذا الفَجّ رجلٌ يموت يومَ يموت على غير ملّتي، قال: وكنت تركت أبي يلبس ثيابه فخشيت أن يطلع، فطلع معاوية» (2).

وقطعاً لفتنة معاوية، فقد منع صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يرقى منبره فإذا فعلَ فعلى المؤمنين إزاحته بالسيف، فلمّا لم يفعلوا استفحل أمره وطالت محنته وعمّتهم فتنته.

البلاذريّ: حدّثنا يوسف بن موسى وأبو موسى إسحاق الفَرْوي قالا: حدّثنا جرير بن عبد الحميد حدّثنا إسماعيل والأعمش عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»؛ فتركوا أمره فلم يُفلحوا ولم

____________________

(1) أنساب الأشراف 5: 134.

(2) نفسه.


الصفحة 129

ينجحوا (1).

ولعلّهم يأتون بالمعاذير: أنّ معاوية مُعتمدُ العاصمة الإسلاميّة؛ ولكن هذا القول مردود لأنّ أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله واجب إنفاذه أوّلاً، وما أحدثه معاوية ممّا سنقف عليه وقد خالف فيه الشريعة وصرّح بزندقته! وهتك حرمة مَن قُلامة ظفره أرفع شأناً منه. ثانياً؛ وتصريح العاصمة بأنّ الأمر هذا لا يكون للطُّقاء وأبنائهم، ومع ذاك سلّطوا الطُّلقاء ورفعوا من شأنهم وكانوا بهم مفتونين، فلمّا أبطأ الناس عن إنفاذ حكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، تفرّد معاوية ومَن بعده بالشّام فكانت لها هويّتها الخاصّة وانماث الإيمان فيها مثلما ينماث الملح في الماء.

عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد فاقتلوه» فقام إليه رجل من الأنصار وهو يخطب بالسيف، فقال أبو سعيد: ما تصنع؟ قال: سمعتُ رسولَ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «إذا رأيتم معاوية يخطب على الأعواد فاقتلوه». فقال أبو سعيد: إنّا قد سمعنا ما سمعت ولكنّا نكره أنْ يُسلّ السيف على عهد عمر حتّى نستأمره: فكتبوا إلى عمر في ذلك، فجاء موته قبل أن يجيء جوابُه (2).

إنّ كلام أبي سعيد مبنيّ على ما كان يسمعه من عمر في معاوية: هذا كِسرى العرب، وهِرقل العرب. وإطلاق يده على الشام وتهدّده أصحاب الشورى بمعاوية ...، فهو يخاف مغبّة قتل معاوية لذلك.

____________________

(1) نفسه 136.

(2) مختصر تاريخ دمشق 25: 46.


الصفحة 130

إنّ العجب ليأخذنا من عمر وقد سمع تلك الأحاديث، وسمع ما نقله البلاذريّ عن خَلَف بن هشام البَزّاز حدّثنا أبو عَوانة عن الأعمش عن سالم بن أبي الجَعْد قال، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «معاوية في تابوت مقفل عليه في جهنّم» (1).

وأيضاً خَلَف حدّثنا عبد الوارث بن سعيد بن جُمْهان عن سَفينة مولى أُمّ سَلَمة أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كان جالساً فمرّ أبوسفيان على بعير ومعه معاوية وأخٌ له، أحدهما يقود البعير والآخر يسوقه، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «لعن الله الحامل والمحمول والقائد والسائق» (2).

قد سمع كلّ ذلك؛ وهو الذي يقول: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحَد، ثمّ في أهل أُحُد ما بقي منهم أحَد، وفي كذا وفي كذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لِمُسلمة الفتح شيء (3). ثمّ لا يجد للشّام إلاّ القائد والسائس، متابعةً لأبي بكر الذي بعث بهما ضمن أُمراء فتوح الشام، فلمّا مات يزيد بن أبي سفيان أوصى إلى أخيه معاوية وأقرّه بعد عمر ثمّ ضمّ إليه الشام جميعاً وانتزع عثمان مصر من عمرو بن العاص فضمّها إليه على ما مرّ بنا.

____________________

(1) أنساب الأشراف 5: 136.

(2) نفسه.

(3) مختصر تاريخ دمشق 25: 42.


الصفحة 131

معاوية يصدح بحقيقته

عن سعيد بن سُويد قال: صلّى بنا معاوية بالنُّخَيْله (1) الجمعة في الضُّحى، ثمّ خطبنا فقال: ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلُّوا ولا لتحجُّوا ولا لتزكُّوا، قد عرفتُ أنّكم تفعلون ذلك، ولكن إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون (2).

صدق معاوية! فهو لم ينصر ابن عمّه عثمان إذ استنصره فيما نصره أبوالحسنين عليّ عليه‌السلام ففرّق عنه وفود الأقاليم الّتي جاءت تشكوا سيرة ولاته من بني أُميّة، فلمّا كانوا في منتصف الطريق إذا بغلامه فمسكوه وفتّشوه فوجدوا معه كتاباً إلى عامله أن إذا وصولا اقطع يد فلان و ...، وكان بختمه، فرجعوا، وكان الذي يلعب به مروان بن الحكم وهو الذي سرق خاتمه، وذكرنا تفاصيل ذلك وأنّ عليّاً عليه‌السلام أرسل الحسن والحسين عليهما‌السلام للدفاع عن عثمان فجُرحا، وأدخل الماء عليه ...

فلمّا قُتل عثمان بعثت إليه أُخته أُمّ حبيبة قميص وشعر عثمان فنشره معاوية على منبر مسجد دمشق مستغلاًّ غفلة وتخلّف أهل الشام الذين حجبهم معاوية عن معرفة الحقائق وأبعدهم عن روح الإيمان، فنادى فيهم أنّ الخليفة قُتل مظلوماً وأنّه ابنُ عمّه والطّالب بثاره من عليّ بن أبي طالب لأنّه هو الذي

____________________

(1) النُّخَيْلة: موضع قرب الكوفة على سمت الشام. (معجم البلدان 5: 278، ومعجم ما استعجم 4: 1305).

(2) مختصر تاريخ دمشق 25: 43.


الصفحة 132

قتله، فكان أهل الشام يداً واحدةً معه في ذلك.

وقوله ك ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلُّوا ...؛ فهذا أمر واقع حقّ، وقد أفصح عن مكنونه فصرّح بأنّها الإمارة، إلاّ أنّه جعلها عطيّة من الله تعالى، وليست بمباركة العاصمة على ما رأينا.

(وذُكر معاوية عند عمر بن الخطّاب فقال: دعونا من ذمّ فتى قريش وابنِ سيِّدها، مَن يضحكُ في الغضَب، ولا ينالُ على الرِّضا، ومَن لا يأخذ ما فوق رأسه إلاّ من تحت قدميه) (1).

فرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يذمّ معاوية وأباه، وعمر يمجّدهما ويُعطيهما الفتوّة والسيادة والتعفّف!

ولم يكن أخوه يزيد بن أبي سفيان أحد قادة فتح الشام مع أبي عُبيدة عامر ابن الجرّاح، طاهرَ الذيل كريم السيرة وقد مرّ بنا من الأحاديث المشتركة فيه وفي أبيه وأخيه؛ وهذا شيء من سيرته:

عن ابن عمر قال: لمّا عقد أبوبكر الأمراء على الشام كنت في جيش خالد ابن سعيد بن العاص (أحد معارضي أبي بكر)، فصلّى بنا الصبح بذي المروة (2)، وهو على الجيوش كلّها. فإنّا لعنده إذْ أتاه آت فقال: قدّم يزيد بن أبي سفيان، فقال خالد بن سعيد: هذا عمل عمر بن الخطّاب، كلّم أبابكر في عزلي، وولّى يزيد بن أبي سفيان، فقال ابن عمر: فأردتُ أن أتكلّم، ثمّ عزم لي على الصمت،

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 25: 18.

(2) ذو المروة: قرية بوادي القرى. (معجم البلدان 5: 116).


الصفحة 133

قال: فتحوّلنا إلى يزيد بن أبي سفيان، وصار خالد كرجل منهم (1).

وعن يزيد بن أبي سفيان قال: شيّعني أبوبكر حين بعثني إلى الشام فقال: يا يزيد، إنّك رجلٌ تُحبّ قرابتك وإنّي سمعتُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: مَن ولّى قرابةً محاباةً، وهو يجد خيراً منه لم يجد رائحة الجنّة (2).

وعن يزيد بن أبي سفيان قال: قال لي أبوبكر حين بعثني إلى الشام: يا يزيد، إنّ لك قرابة عَسَيْت أن تؤثرهم بالإمرة، وذلك أكبر ما أخاف عليك، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلم قال: «مَن ولي من أمر المسلمين شيئاً، فأمّر عليهم أحداً محاباةً لهم له، فعليه لعنة الله، لا يقبل منه صَرْفاً ولا عدلاً، حتّى يدخله جهنّم، ومَن أعطى رجلاً من مال أخيه شيئاً محاباةً له فعليه لعنة الله، أو قال: برئت منه ذمّة الله، وإنّ الله دعا الناس إلى أن يؤمنوا بالله، فيكونوا في حمى الله، فمَن انتهك في حمى الله شيئاً فعليه لعنة الله، أو قال: برئت منه ذمّة الله» (3).

 

وعن ابن عمر:

إنّ أبابكر بعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام فمشى معهم نحواً من ميلين، فقيل له: يا خليفة رسول الله: لو انصرفتَ، فقال: لا، إنّي سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلم يقول: «مَن اغبرّتْ قدماه في سبيل الله حرّمهما الله على

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 27 ك 363 - 364.

(2) نفسه.

(3) نفسه. والحديث في مسند أحمد 1: 6.


الصفحة 134

النار» (1).

إنّ أبابكر يعلم سَلَفاً أنّ يزيد ينتهك حُرمة الله بإثرته أقاربه بالإمرة؛ ومع ذلك ينتزع خالد بن سعيد عامل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقد توفّي رسول الله وهو راضٍ عنه، ولم يكن حارصاً على الإمارة كما مرّ بنا، وأمّر يزيد بن أبي سفيان ومعاوية يحمل رايته. ولعلّه معذور في ذلك! فربّما لم يسمع الأحاديث في لعن الراكب والسائق والقائد؟ ولا الأحاديث الخاصّة بلعن معاوية وآل الحكم؛ أو أنّه اجتهد فاكتفى بالقرآن الكريم وأمّا الحديث وإن كان قد رواه وحذّر يزيد بن أبي سفيان من مغبّة نتيجته، فقد رأى في ذلك قطعاً للعذر وإقامةً للحجّة، وربّما لم يجد في أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مَن هو كفواً ليزيد وأخيه معاوية شجاعةً وفقهاً وورعاً!

وقد وقع الأمر الذي أنبأ عنه أبوبكر، ذلك أنّ يزيد أوصى إلى أخيه معاوية فلمّا مات يزيد صار ما بيده إلى معاوية.

قال أبو مسلم: غزا يزيد بن أبي سفيان بالناس فغنموا، فوقعت جاريه نفسة في سهم رجل، فاغتصبها يزيد، فأتى الرجلُ أباذرّ فاستعان به عليه، فقال: رُدّ على الرجل جاريته، فتلكّأ عليه ثلاثاً فقال: لئِن فعلت ذلك لقد سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «أوّل مَن يُبدّل سُنّتي رجل من بني أميّة يقال له يزيد»، فقال له يزيد بن أبي سفيان: نشدتك بالله أنا منهم؟ قال: لا، قال: فردّ على الرجل جاريته (2).

____________________

(1) نفسه. والحديث في مجمع الزوائد 5: 286.

(2) مختصر تاريخ دمشق 27: 366.


الصفحة 135

هذا سلوك القائد يغتصب جارية ...، وهذا يزيد الآخر الذي افتتن به ابن تَيمِيه وتابعه خارجة عصرنا فسمّوه أميرالمؤمنين!

وذكر محدّث الشام ابن عساكر، قال: رأى عمر بن الخطاب يزيد بن أبي سفيان كاشفاً عن بطنه، فرأى جلدة رقيقة، فرفع عليه الدرّة وقال: أجِلدةُ كافر؟! (1).

 

آفة معاوية تسري إلى يزيد

الروايات معقودةُ على أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قد دعا على معاوية أن لا يُشبعه الله تعالى؛ وذلك لمناسبة، فكان معاوية يأكل ولا يشبع، وبلغ من عِظم بطنه أنّه كان يُقعدها على فخذه، ووصف بأنّه كريم بالمال بخيل بالطعام، وله في ذلك أخبار كثيرة. ويبدو أنّ هذه الآفة سرت إلى أخيه يزيد بعد تولّيه الإمارة، إن لم يكن قبلها!: «بلغ عمر بن الخطّاب أنّ يزيد بن أبي سفيان يأكل ألواناً من الطعام، فقال عمر لمولاه يرفأ: إذا حضر عشاؤه فأعلمني، فلمّا حضر أعلمه، فأتاه عمر فسلّم عليه فقرب عشاءه، فجاؤوه بثريد بلحم، فأكل معه عمر، ثمّ قدّم شواء فبسط يزيد يده، وكفّ عمر يده ثمّ قال: تالله يا يزيد أطعام بعد طعام؟ والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم سنّتهم ليخالفُنّ بكم عن طريقهم» (2).

وقال المدائني: لما توفّي أبوبكر وولي عمر، ولّى يزيد بن أبي سفيان بعد وفاة أبي عُبيدة بن الجرّاح الشام، فقدم معاوية من الشام على عمر فدخل عليه

____________________

(1) نفسه.

(2) مختصر تاريخ دمشق 27: 366.


الصفحة 136

معاوية فقال له عمر: متى قدمت؟ قال: الآن، وبدأتُ بك، قال: فأتِ أبَويْك وابدأ بهِند، فانصرف معاوية فبدأ بهند، فقالت له: يا بُنيّ، إنّه والله قلّ ما ولدت حرّةٌ مثلك، وقد استنهضكم هذا الرجل فاعملوا بما يوافقه واجتنبوا ما يكرهه (1) ...

إنّ معاوية يرى في عمر وليّ نعمته فبدأ به قبل أبويه. وقول عمر: وابدأ بهند له شأن يذكّرنا ببيعة النساء لمّا جئن يبايعن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فاشترط عليهنّ أن لا يزنين، فاعترضته هند وقالت: وهل تزني الحرّة؟ فنظر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عمر وابتسم.

وأخرج ابن عساكر: لمّا ولّى عمر بن الخطّاب يزيد بن أبي سفيان ما ولاّه من الشام خرج إليه معاوية، فقال أبوسفيان لهند: كيف رأيتِ ابنكِ صار تابعاً لابني. فقالت: إن اضطرب حبل العرب فستعلم أين يقع ابنُك ممّا يكون فيه ابني (2).

وأنّ معاوية على سرّ أبيه! فقول معاوية: (ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلّوا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا ...)، هو إنفاذ لوصيّة أبيه: روى هشام بن محمّد الكلبيّ عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أنّ أبا سفيان دخل على عثمان وهو مكفوف، ثمّ خرج من عنده وهو يقول: تلقّفوها يا بني أميّة تلقّف الكرة فما الأمر على ما تقولون (3).

____________________

(1) أنساب الأشراف 5: 17.

(2) مختصر تاريخ دمشق 22: 402.

(3) نفسه 19.


الصفحة 137

وروي عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال، قال أبوسفيان حين قُبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: تلقّفوها الآن تلقّف الكُرة فما من جنّة ولا نار (1). فما أشبه كلام الابن بأبيه، والنتيجة: ما صحّ منهما إسلام ترجم ذلك القول والفعل.

 

[ معاوية يمنعُ من نشر حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ]

كان معاوية متشدّداً في المنع من حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، مستنّاً في ذلك بسنّة أولياء نعمته؛ ولو لا هم لما جرأ على ذلك.

ولقد كانت الهمّة لدى الجميع منصرفة إلى إخفاء الأحاديث النبويّة الدالّة على خلافة عليّ وأهل بيته عليهم‌السلام.

فاعتدت تلك السياسة على السنّة والحديث فأخفتها وأبادتها، وتجاوزت كرامة الصحابة فأهدرتها، واتّهمتهم! وتعدّت على حُريّاتهم فحبستهم ونفَتْهم ومنعتهم من بثّ علومهم. وأخطر ما فيها أنّها كادت أن تُؤدِّي إلى وأدِ حقّ أمير المؤمنين عليّ وأهل بيته في الخلافة والإمامة؛ وهذا أسوأ آثار سياسة المنع.

 

أبوبكر يحرق أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

لم يكن لمنع التدوين ذكر قبل جلوس أبي بكر على كرسي الحكم، وعلى العكس من ذلك، فإنّ أبابكر قام هو بعمليّة التدوين أوّل حكمه.

نقل الذهبيّ: أنّ أبابكر جَمعَ أحاديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في كتاب فبلغ عددها

____________________

(1) نفسه.


الصفحة 138

خمسمائةَ حديثٍ، ثمّ دعا بنارٍ فأحرقها. (1)

ولم يكن لأبي بكر نصٌّ شرعيّ يستند إليه في إتلافه هذا الكتاب، وإنّما ذهب إلى القول بأنّه: أتلفه مخافةَ أنْ يكونَ كتبَ شيئاً لم يَحْفَظه جيّداً (2).

ثَمّةُ سؤال: هلاّ جمع أبوبكر عِلْيَةَ الصحابة ومَن إليهم المـَفْزع ومنهم عِدْلُ القرآن - على لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله - ونفس الرسول في آية التطهير، وأخو رسول الله الذي هو منه بمنزلة هارون من موسى؛ فعرض عليهم تلك الأحاديث فأثبت ما أثبتوه وأحرق الباقي عوض أن يحرم الأُمّة ثروة هائلة من تراث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله؟!

وروى القاسم بن محمّد، من أئمّة الزيديّة عن الحاكم؛ بسنده عن عائشة قالت: جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فكانت خمسمائة حديث فبات ليلةً ... فلمّا أصبح قال: أي بُنيَّة، هلمّي الأحاديث التي عندك، فجئته بها، فدعا بنارٍ فحرقها.

فقلت: لم حرقتها؟!

قال: خشيتُ أن أموت وهي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدّثني فأكون قد نقلتُ ذلك (3).

هناك ذريعته في إحراقه حديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: خوفه من أنّه لم يحفظه جيّداً؛ وهنا علّل حرق الحديث بمجرّد خشيته المخالفة، مع تصريحه بأمانة الناقل

____________________

(1) تذكرة الحفّاظ، للذهبيّ 1: 5، وعلوم الحديث ومصطلحه، للدكتور صبحي الصالح 39.

(2) نفسه.

(3) الاعتصام بحبل الله المتين، القاسم بن محمّد الزيديّ 1: 30.


الصفحة 139

ووثاقته، إن كان بينه وبين النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله واسطة «ناقل»!

وهلاّ كان ممكناً له أن يجمع أولئك الذين نقل عنهم فيعرض عليهم ما سمع منهم فيصحّح موضع الاختلاف، إن وُجد، ويُثبت ما ليس فيه اختلاف.

ولنا أن نقول له: عشت مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فما سمعته أثْبته وما لم تسمعه احذفه حتّى لو كان ما عندك خمسة أحاديث مثلاً، ويأتي عمر بحديثين أو كذا سمعهما، وهكذا حتّى يجمتمع لنا عدد كذا على نحو السماع! ودعنا من الوثاقة والأمانة، وإن كان ثَمّة معترض يقول أحدكم ليس بأمين ولا ثقة وهنا نبدأ في مشكلة مع المشكّكين ...!

روى الذهبيّ: أنّ الصدّيق - أي أبابكر - جمع الناس بعد وفاة نبيّهم، فقال: إنّكم تُحدِّثون عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أحاديثَ تختلفون فيها، والناسُ بعدكم أشدُّ اختلافاً، فلا تُحدِّثوا عن رسول الله شيئاً فمَن سألكم فقولوا: بَيْنَنا وبَيْنَكم كتابُ الله، فاستحِلّوا حلالَه وحَرِّموا حرامَه (1).

ولا ندري مَن هم الناس، هل هم عوامّ الناس فلَهُ أن يرشدهم بالرجوع إلى مَن هم أوْلى بالحديث وفيهم بابُ علمه؛ أخصّ النّاس وأكثرهم به لُزوقاً، الذي كان ينتجيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيختصّه بكثير من علومه حتّى أثار ذلك حفيظة بعض الصحابة!

عن أبي الزُّبير، عن جابر بن عبد الله، قال: ناجى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليًّا عليه‌السلام - يوم الطّائف فطال نجواه، فقال أحدُ الرجلين: لقد أطال نجواه لابن عمّه! فلمّا

____________________

(1) تذكرة الحفّاظ 1: 3، ترجمة أبي بكر، الأنوار الكاشفة، لعبد الرحمان المعلمي اليماني: 53.


الصفحة 140

بلغ ذلك النبيّ، قال: «ما أنا انتجيتُه، ولكن الله انتجاه» (1)، وأيضاً أعلام الأُمّة ممّن لا يُنكر فضلهم في هذا الأمر.

إنّ منع أبي بكر بهذه الصورة وقوله: بيننا وبينكم كتاب الله، نظير حديث «الأريكة»، واجتهاد عمر في المنع وسيأتي تفصيله.

وقوله: (فلا تُحدِّثوا)، فإنّه منع نقل حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، روايةً وكتابةً، وأثر الكتابة أشدّ لبقائه وانتشاره أكثر ممّا هو أثر النقل.

ولم يقدِّم أبوبكر دليلاً شرعيّاً على المنع من حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وعلى العكس: فإنّ رسول الله دعا إلى كتابة حديثه وفعله الصحابة: أخرج الحاكم قال: حدّثنا أبوبكر إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل الضرير بالري، حدّثنا أبو حاتم محمّد بن إدريس، حدّثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد.

وأخبرنا أبوقتيبة سلم بن الفضل الآدمي بمكّة، حدّثنا عبد الله بن محمّد بن ناجية، حدّثنا عبدة بن عبد الله الخزاعيّ، حدّثنا زيد بن حباب، حدّثنا ليث بن سعد المصريّ، حدّثني خالد بن يزيد، عن عبد الواحد بن قيس، عن عبد الله بن عمرو قال: قالت لي قريش: تكتب عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وإنّما هو بشرٌ يغضب كما

____________________

(1) مناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ: 125. ويرد الحديث في مصادر أُخرى بنفس اللفظ أو اختلاف يسير في اللّفظ، في: صحيح الترمذي 5: 639، تاريخ بغداد 7: 402، المناقب، للخوارزمي: 138، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 2: 431، كفاية الطّالب: 328، أسد الغابة 4: 107، جامع الأُصول 9: 474، كنز العمّال 11: 599، البداية والنهاية 7: 356، العُمدة، لابن البطريق: 190.


الصفحة 141

يغضب البشر؟، فأتيتُ رسولَ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقلت: يا رسول الله، إنّ قريشاً تقول: تكتب عن رسول الله، وإنّما هو بشر يغضب كما يغضب البشر، قال: فأومأ لي شفتيه فقال: «والذي نفسي بيده ما يخرج ممّا بينهما إلاّ حقّ فاكتبْ».

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد أصل في نُسخ الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ولم يخرّجاه (1).

قال: ولهذا الحديث شاهد قد اتّفقا على إخراجه على سبيل الاختصار، عن همام بن منبّه، عن أبي هريرة أنّه قال: ليس أحد من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أكثر حديثاً منّي إلاّ عبد الله بن عمرو، فإنّه يكتب وكنت لا أكتب (2).

 

فأمّا حديث الشاهد:

فحدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، أنبأ محمّد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهب، أخبرني عبد الرحمان بن سلمان، عن عقيل بن خالد، عن عمرو ابن شعيب: أنّ شعيباً حدّثه، ومجاهداً أن عبد الله بن عمرو حدّثهم: أنّه قال: يا رسول الله أكتب ما أسمع منك؟ قال: «نعم»، قلت: عند الغضب وعند الرضا؟ قال: «نعم، إنّه لا ينبغي لي أن أقول إلاّ حقًّا» (3).

وأخرج الحاكم بسنده عن عمرو بن العاص: أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «مَن كتَم

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 1: 186/357، ووافقه الذهبي في التلخيص.

(2) نفسه.

(3) نفسه 187/ 358.


الصفحة 142

عِلماً ألْجَمه الله يوم القيامة بلجامٍ من نار» (1).

وبسنده عن عبد الله بن بريدة قال: قال عليّ عليه‌السلام: تذاكروا الحديث، فإنّكم إلاّ تفعلوا يندرس (2).

وكذلك بسنده عن أبي يحيى الحماني، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قال عبد الله تذاكروا الحديث، فإنّ ذِكر الحديث حياتُه (3).

وعن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: ما كلّ الحديث سمعنا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: كان يحدّثنا أصحابنا وكنّا مشتغلين في رعاية الإبل (4).

وعن فُضَيل بن عِياض، عن الأعمش، عن عبيد الله بن عبد الله، عن سعيد ابن جُبير، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «تسمعون، ويُسمع منكم، ويُسمع من الذين يسمعون منكم» (5).

وذكر مثله بسند آخر عن جرير، عن الأعمش عن ... (6) قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وليس له علّة، ولم يخرّجاه، وفي الباب أيضاً عن عبد الله بن مسعود، وثابت بن قيس بن شمّاس، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وابن جريج عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول

____________________

(1) نفسه 182/ 346.

(2) نفسه 173/ 324.

(3) المستدرك على الصحيحين ح 325.

(4) نفسه ح 326. قال الذهبيّ في التلخيص: هذه الأحاديث صحاح.

(5) نفسه 174/ 326.

(6) نفسه، ح 327.


الصفحة 143

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «قيّدوا العلم» قلت: وما تقييده؟ قال: «كتابته» (1).

وبسند عن عبد الله الأنصاريّ، حدثني أبي، عن ثمامة، عن أنس: أنّه كان يقول لبنيه: قيّدوا العلم بالكتاب (2).

 

فائدة

لقد كان فعل أبي بكر بحرق أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ منعه من التحديث عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله بقوله: «فمن سألكم فقولوا: ...» مخالفاً للقرآن الكريم الذي يأمر بطاعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله (وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (3)، ولا تختلف السنّة عن القرآن في الحجيّة، وما الحديث إلاّ مفسّراً للقرآن وشارحاً لمراده، فما جاء من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كلّه وحيٌ، إمّا بلفظه وهو القرآن الكريم لأنّه مُعجِز، أو أحكام وبيان بلفظ وكلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ فكيف يُؤخذ نصف الوحي ويُهمل نصفه الآخر؟!

إنّ القرآن الكريم عدا كونه معجزة النبيّ، ففيه أحكام وعبادات ذُكرت إجمالاً نجدُ تفصيلها في أحاديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وسيرته ...

أخرج الحاكم بسنده عن الحسن قال: بينما عمران بن حصين يحدّث عن سُنّة نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله إذ قال له رجل: يا أبا نجيد، حدّثنا بالقرآن، فقال له عمران: أنت وأصحابك يقرأون القرآن، أكنتَ محدّثي عن الصلاة وما فيها وحدودها، أكنت

____________________

(1) نفسه 188/ 362.

(2) نفسه، ح 361.

(3) الحشر: 7.


الصفحة 144

محدّثي عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال؟ ولكن قد شهدتُ وغبتَ أنت، ثمّ قال: فرض علينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في الزكاة كذا وكذا، وقال الرجل: أحييتني أحياك الله.

قال الحسن: فما مات ذاك الرجل حتّى صار من فقهاء المسلمين (1).

وإنّ فعله هذا مخالف لسنّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فإذا كان القرآن مبهماً له كما هو شأن آية الكلالة، والعمّة! فإنّ حديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله خاصّة في هذا الأمر لا يحتاج إلى بيان، وجوابه صلى‌الله‌عليه‌وآله «اكتب» للّذين سألوه يفهمها الصغير والكبير، إلاّ أن يقول أبوبكر لم أكن حاضراً حينما سأله كلّ أولئك! ولا بلغني أيضاً عنهم، وحتّى لو بلغني فقد قدّمت المعذرة وقلت إنّي خفت الخلاف وإن بلغني من ثقة فأحرقتها!

والأحاديث والروايات الواردة بلفظ «قيّدوا العلم بالكتاب» فتقييده بالكتاب، أي كتابته، لا يختلف فيه أحد، والعلم هنا واضح: هو السُنّة والحديث فكيف يحرقها؟!

وقد جرت سنّة البشر في تتبّع آثار الناس العاديّين وحفظ أقوالهم اعتزازاً بها فيكتبونها لئلاّ تضيع؛ فهل يجوز أن تُترك أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، بل تُحرق؟!

واعتذار أبي بكر بأنّه أحرق الأحاديث خوف الخلاف تحوّطاً، فقد سمعها من ثقات ولكن لا يدري هل سجّلها على مثل ما حدّثه الثّقة، وفي قول: مخافةَ أن يكونَ كتبَ شيئاً لم يحفظه جيّداً؛ قد نسفه أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بكتابة حديثه ومارسه الصحابة في حياته، وحديث عمران بن حصين مع الرجل الذي طلب

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 1: 192/ 372.


الصفحة 145

منه أن يحدّثه بالقرآن، فحدّثه بالسُنّة - وقد مضى - مصداق صادع عن اجتراء أبي بكر إثماً عظيماً في حرقه أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّه إن لم يكن الأدب واللّياقة حكماً في احترام أثر الرسول؛ فإن الله تعالى أمرنا بطاعته وليس لنا الخيرة بعد قضاء الله ورسوله؛ (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) (1).

وقد أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بكتابة حديثه، فإن قلت: بل أقرّ، فتقريره وأمره وفعله وقوله سُنّة. وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «قيّدوا العلم». فلمّا سُئل ما تقييده؟ قال: «كتابته». فهذا أمر صريح بالكتابة، ولكن كتابة ماذا وأيّ علم؟ إنّها أحاديثه صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يُنكر ذلك عاقل!

وحديث ابن عبّاس عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله: «تسمعون، ويُسمع منكم ويُسمع من الذين يسمع منكم». حثّ من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على التحرّز في حفظ حديثه ونقله بأمانة وممّا يعين على ذلك كتابته ز ولم يقل لهم إن أنا متُّ كفاكم كتاب الله!!، فما مستند أبي بكر في قوله: «بيننا وبينكم كتاب الله؟!»، الذي يذكّرنا بقول عمر بن الخطّاب ليلة الرزيّة - سنذكرها - لما اعترض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في كتابة الكتاب، فرفع عمر صوته: «حسبُنا كتاب الله» ولما كثر اللّغط طردهم رسول الله من رحمة الله فراحوا إلى حلبة الصراع في سقيفة بني ساعدة ولم يبق مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ عليّ عليه‌السلام يمرّضه مسنده إلى صدره ورسول الله يسرّه حتّى فاضت نفسه الزكيّة بين سَحْر ونَحْر عليّ عليه‌السلام.

ولقد تنبّأ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بما سيكون بعده من الحيلولة دون حديثه الشريف

____________________

(1) الأحزاب: 36.

 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة