الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 106

واُختلف في سنة وأسلوب فتح حَرّان وما والاها من أرض الجزيرة. فقد ذكر خليفة في تاريخه في أحداث سنة «ثمان عشرة» قال:

«قال ابن إسحاق: وفي سنة ثمان عشرة فُتحت الرُّها (1)، وحدّثني حاتم بن مسلم أنّ أبا موسى الأشعريّ افتتح الرُّها وسُمَيْساط (2) صلحاً وما والاهما عنوةً.

قال: وكان أبو عبيدة بن الجرّاح وجّه عياض بن غَنْم الفهري (3) إلى الجزيرة، فوافق أبا موسى بعد فتح هذه المدائن، فمضى ومضى معه أبو موسى، فافتتحا حَرَّان ونَصِيبيِن (4) وطوائف الجزيرة عنوةً (5)؛ ويقال: وجّه أبو عبيدة خالد بن الوليد

____________________

زاد ابن حبيب: (أم الحكم) بنت أبي سفيان، كانت عند عياض بن غنم بن شدّاد الفهريّ، ولحقت بالمشركين. (المحبّر 432)

(1) الرُّها: مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام؛ بينهما ستّة فراسخ (انظر معجم البلدان 2: 106).

وظلّت تعرف بهذا الاسم إلى وقت انتقالها إلى أيدي الترك العثمانيّين فصارت تُعرف باسم (أورف)؛ قيل: إنّ هذا الاسم تحريف (الرها) العربيّ. (انظر بلدان الخلافة الشرقيّة 135). وموقعها اليوم في الجنوب الشرقي من تركية على بضعة أميال من سورية.

(2) سُمَيْساط: مدينة على شاطئ الفرات في طرف بلاد الروم على غربي الفرات (انظر معجم البلدان 2: 258) وموقعها اليوم إلى الشمال الغربي من الرُّها.

(3) ذكر ابن عساكر: وقيل: كان عياضٌ ابنَ امرأةِ أبي عبيدةَ بنِ الجرّاح. (مختصر تاريخ دمشق 20: 61).

(4) نَصِيبين: من بلاد الجزيرة، بينها وبين سنجار تسعة فراسخ (معجم البلدان 5: 288، وبلدان الخلافة الشرقية 124، وموقعها اليوم إلى الجنوب الشرقي من تركية، وهي معدودة من أراضيها ومحاذية للحدود السورية شمالي القامشلي).

(5) تاريخ خليفة بن خيّاط (ت 240 هـ) 96.

 


الصفحة 107

 

إلى الجزيرة، فوافق أبا موسى قد افتتح الرُّها وسميساط فوجّه خالد أبا موسى وعياضاً إلى حَرَّان فصالحا أهلها (1). ثمّ مضى خالد إلى نَصيبين فافتتحها. ثمّ رجع إلى آمِد (2) فافتتحها صلحاً، وما بينهما عنوةً. وحُدّثت أنّ عياض كتب لهم كتاباً وهو عندهم اليوم يُسمّى باسم عياض (3).

الطبريّ: وفي تاريخ الطبريّ ذكر روايتين في فتح حَرَّان، وافق في إحداهما خليفة بن خيّاط، فجعل فتحها سنة ثمان عشرة، وأنّ الفتح كان على يد عياض ابن غَنْم؛ وخالفه في الأخرى - والتي لم يذكرها خليفة، فجعلها في السنة التاسعة عشر ولم يقل على يد مَن! وإن كانت القرائن ترجّح حملها على يد عياض.

قال الطبريّ في أحداث سنة ثمان عشرة:

وزعم الواقديّ (ت 207 هـ) أنّ الرقّة والرهاء وحَرَّان، فُتحت في هذه السنة على يدي عياض بن غَنْم، وأنّ عَيْن الوردة (4) فُتحت فيها على يدي عمير بن سعد (5).

____________________

(1) نفسه.

(2) آمِد: أعظم مدن ديار بكر، بلد حصن قديم على نشز دجلة ... (معجم البلدان 1: 56) تقع اليوم في الجنوب الشرقي من تركية وتسمّى ديار بكر (بلدان الخلافة الشرقية 140).

(3) تاريخ خليفة 96.

(4) عَيْنُ الوَردة: وهي رأسُ العَين، من مدن الجزيرة، وهي محاذية للحدود السوريّة التركيّة وإلى الشمال الشرقيّ من الرقّة. فيها كانت الوقعة المشهورة بين التّوّابين الأحرار الذين خرجوا للأخذ بثار دم الحسين عليه‌السلام من بني أميّة. (معجم البلدان 5: 288، وبلدان الخلافة الشرقيّة 125).

(5) تاريخ الطبري 3: 194.

 


الصفحة 108

 

رواية الطبريّ الثانية

قال: قال ابن اسحاق: كان فتح الجزيرة والرُّهاء وحَرّان ورأس العين ونَصيبين في سنة تسع عشرة (1).

ابن عساكر محدّث الشام يروي خبر فتح الجزيرة:

قال ابن عساكر (ت 571 هـ): وفي سنة تسع عشرة كتب عمر إلى سعد بن أبي وقّاص، أن ابعثْ جنداً إلى الجزيرة وأمِّرْ عليهم أحد الثلاثة: خالد بن عُرفُطَة، أو هاشم بن عتبة، أو عياض بن غَنْم؛ فلمّا انتهى إلى سعد كتابُ عمر قال: ما أخّر أميرُ المؤمنين عياضاً إلاّ أنّ له فيه هوىً أن أوّليه، وأنا مولّيه. فبعثه وبعث معه أبا موسى وابنه عمر بن سعد، وهو غلامٌ حدَثُ السنّ، وعثمان بن أبي العاص ابن بشر الثّقفيّ في سنة تسع عشرة؛ فخرج عياض إلى الجزيرة فنزل بجنده على الرُّها، ثمّ بعث أبا موسى إلى نصيبين ووجّه عمر بن سعد إلى رأس العين في خيلٍ ردءاً للناس، وسار بنفسه إلى دارا فافتتحها، وافتتح أبو موسى نصيبين، وذلك في سنة تسع عشرة، ثمّ وجّه عثمان بن أبي العاص أرمينيّة الرابعة، فكان عندها شيء من قتال ...، ثمّ صالح أهلها عثمان بن أبي العاص على الجزية.

ولمّا وجّه أبو عبيدة عياض بن غَنْم إلى الجزيرة يقال إنّه وجّه خالد بن الوليد إلى الجزيرة، فوافق أبا موسى قد افتتح الرُّها وسُمَيْساط ... ثمّ ذكر عين الخبر الذي في الطبري (2).

____________________

(1) نفسه.

(2) مختصر تاريخ دمشق 20: 62 - 63.

 


الصفحة 109

 

إنّ قصدنا ممّا ذكر وما سنذكر سواء من بيئته الأُسريّة مجهولة المعالم إلى شخصه عَلَماً فيه أكثر من سؤال وآخر لافت للنظر إلى ضياع منحدره القبليّ الذي منع التاريخ من الكتابة فيه كما منع الأوائل من كتابة الحديث النبويّ الشريف! في حين كان كتابته جارية في حياة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، إلى تربيته البيئيّة وما اشتبكت عليها الأزمان وضربتها الفِتَن بأجرانها فورث خلاصة ضلالها وباءَ ببوائِقِ فِتَنها.

وإذا كانت جارةُ حَرَّان والبوابّة التي يبدأ بها كلّ فاتح إلى حَرَّان، (الرُّها) كلّهم نصارى وفيها كنيسة عظمى ...، فحَرَّان وقد علمنا أنّها موطن الصابئة والصابئين منذ أقدم عصورهم. وكما ذكرنا تلك المبهمات في شأن ابن تَيمِيه، فقد وجدنا اختلافاً في الأمير: أبو عبيدة بن الجرّاح، وسعد بن أبي وقّاص ...؛ الفتح عنوةً أو صلحاً. والقيادة وفي بعضها خالد ابن عُرفُطة عوضاً من خالد بن الوليد ...، إلاّ أن المـُجمع عليه أنّ ذلك كان أيّام عمر بن الخطّاب. وحتّى سنة الفتح جرى فيها اختلاف بين سنة ثمان عشرة وتسع عشرة. هذا شيء من تاريخ حَرَّان.

وسنذكر شيئاً من تاريخها زيادةً في البيان، مع ما ذكرناه سابقاً لإعطاء صورةً أوضح عنها.

 

النفوذ الأُمويّ في الشام وانطباع الجزيرة بأثر ذلك

بدأ النفوذ الأمويّ يمدّ جذوره في بلاد الشّام والأصقاع المجاورة صدر

 


الصفحة 110

 

الإسلام، وتحديداً أيّام أبي بكر الذي كان عهده تمهيداً، وعصر عمر تثبيتاً وتركيزاً، وعهد عثمان توسيعاً ...

ففي سنة اثنتي عشرة جهّز أبوبكر الجيوش إلى الشام، فبعث عمرو بن العاصي قِبَل فلسطين، وبعث يزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة بن الجرّاح وشُرَحبيل ابن حَسْنة على البلقاء من علياء الشام (1).

ذكر الطبريّ: وحدّثني عمر بن شبّة بإسناده قال: ثمّ وجّه أبوبكر الجنود إلى الشام أوّل سنة ثلاث عشرة، وأوّل لواء عقده لواء خالد بن سعيد بن العاصي ثمّ عزله قبل أن يسيّره! وولّى يزيد بن أبي سفيان، فكان أوّل الأمراء الذين خرجوا إلى الشام. وكان سبب عزل أبي بكر خالد بن سعيد، فيما ذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر أن خالد بن سعيد حين قدم من اليمن بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، تربّص ببيعته شهرين يقول: قد أمّرني رسول الله ثمّ لم يعزلني حتّى قبضه الله؛ وقد لقي عليّ بن أبي طالب وعثمان بن عفّان فقال: يا بني عبد مناف لقد طبتم نفساً عن أمركم يليه غيركم! فأمّا أبوبكر فلم يَحْفلها عليه وأمّا عمر فاضطغنها عليه ثمّ بعث أبوبكر الجنود إلى الشام وكان أوّل مَن استعمل على ربُع منها خالد بن سعيد فأخذ عمر يقول: أتؤمّره وقد صنع ما صنع وقال ما قال فلم يزل بأبي بكر حتّى عزله وأمّر يزيد بن أبي سفيان (2).

وخالد قديم الإسلام أسلم بمكّة من كبار الصحابة بالإسلام. وقد ذكر

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 2: 586.

(2) نفسه 2: 586.

 


الصفحة 111

 

أبو اليقظان وغيره أنّ خالد بن سعيد أسلم قبل أبي بكر، وذلك لرؤيا رآها (1).

وكان يكتب لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في حاجاته (2) ...، وقد بعثه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عاملاً على صدقات اليمن، وأخاه عمراً على تَيْماء وخَيْبر، وأخاهما أباناً على البحرين، فلمّا توفّي رسول الله رجعوا عن أعمالهم فقال لهم أبوبكر: ما لكم رجعتم؟ فقال خالد: لا نعمل لأحدٍ بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فخرجوا إلى الشام فقُتلوا جميعاً (3).

وقد امتنع خالد بن سعيد وأخواه عمرو وأبان عن بيعة أبي بكر، إذ كان هواهم في بني هاشم وكانوا يرون أنّ الإمامة لعليّ بن أبي طالب، ولم يبايعوا أبا بكر حتّى بايعه بنو هاشم، وهذا الذي أوغر قلب عمر بن الخطّاب عليهم ...

وخالد بن سعيد أخد الاثني عشر الّذين أنكروا على أبي بكر وحاجّوه في يوم الجمعة وهو على المنبر، وهم: سلمان الفارسيّ، وأبوذرّ الغفاريّ، والمقداد الكنديّ، وعمّار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت ذوالشهادتين، وأبو أيّوب الأنصاريّ ...

لم تهدّ استرجاع الراية من عزيمة خالد وإيمانه وجهاده؛ فلمّا بعث أبوبكر الجنود إلى الشام عقد لخالد وجاء باللواء إلى بيته! فكلّم عمر أبا بكر وقال: أتولّي خالداً وهو القائل ما قال؟! فلم يزل به حتّى أرسل أبا أروى الدَّوسيّ فقال:

____________________

(1) كتاب الثقات، لابن حبّان 1: 301، والمستدرك على الصحيحين 3: 278/ 5086، والإصابة 1: 406، والموفقيّات، للزبير بن بكّار: 594 وقال: هو وأخوه عمرو أوّل مَن أسلم من قريش وأسلمت مع خالد زوجته.

(2) الوزراء والكتّاب، للجهشياري 12.

(3) الموفقيّات: 333، والمستدرك على الصحيحين 3: 278، والاستيعاب 1: 401، وأسد الغابة 2: 278.

 


الصفحة 112

 

إنّ خليفة رسول الله يقول لك: اردد إلينا لواءنا، فأخرجه فدفعه إليه وقال: والله ما سرّتنا ولايتكم ولا ساءنا عزلكم وإنّ المـَليم لَغيرُك. فما هو إلاّ قليل حتّى دخل أبوبكر على خالد يعتذر إليه ويعزم عليه ألاّ يذكر عمر بحرف! (1)

ثمّ إنّ أبابكر كتب إلى خالد بن الوليد في العراق أن يعجّل في مدّ جيوش الشّام، وقد عارضه عمر وقبّح فعلته بمالك بن نُويرة وهو مسلم إذ قتله خالد ودخل بزوجته ليلة مقتله! فقال أبوبكر: إنّ خالداً تأوّل فأخطأ! فقال: اعزله، قال: ما كنتُ أغمدُ سيفاً سلّه الله عليهم!! (2)

ومن مفارقات خالد وهو يخوض حروب الشام ولمّا بلغه وفاة أبي بكر واستخلاف ابن خاله عمر، قال: الحمدُ لله الذي قضى على أبي بكر! الموت وكان أحبّ إليَّ من عمر، والحمدُ لله الذي ولّى عمر وكان أبغض إليَّ من أبي بكر، ثمّ ألزمني حُبّه! (3)

خرج أبوبكر يشيّع قوّاده الذين ذكرنا وفيهم يزيد بن أبي سفيان ويحمل رايته أخوه معاوية بن أبي سفيان.

 

وقعة أجنادين

كانت وقعةُ أجنادَين - ويقال بكسر الدال - سنة ثلاث عشرة، ذلك أن أبا

____________________

(1) طبقات ابن سعد 4: 97، والمستدرك على الصحيحين 3: 279، ومختصر تاريخ دمشق 7: 348.

(2) تاريخ ابن الوردي 1: 136.

(3) تاريخ الطبري 2: 598.

 


الصفحة 113

 

بكر بعث عمرو بن العاص قِبَل فلسطين؛ ويزيد بن أبي سفيان، وأبا عبيدة بن الجرّاح، وشُرَحبيل بن حسنة وأمرهم أن يسلكوا على البَلْقاء، وهي كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى.

وكتب أبوبكر إلى خالد بن الوليد، فسار إلى الشام فأغار على غسّان بمَرج راهِط فقتل وسبى. ثمّ ساروا جميعاً قِبَل فلسطين، فالتقوا بأجنادين بين الرَّملة وبين بيت جبريل، والأمراء كلّ على جنده، ويقال: إنّ عمرو بن العاص كان عليهم جميعاً. وكان الروم زهاء مائة ألف فهُزموا شرّ هزيمة وقُتل قائدهم. وبعدها تُوفّي أبوبكر (1).

 

وقعة مرج الصُّفَّر

بعد وقعة أجنادين بعشرين يوماً، كانت وقعة مرج الصفَّر. ومرج الصفَّر خارج دمشق في جنوبها قرب قرية شقحب، حيث اجتمعت فيها الروم اجتماعاً عظيماً وأمدّهم هِرقَل بمَدَدٍ بعد مدّد، فلقيهم المسلمون وهم متوجّهون إلى دمشق، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتّى جرت الدماء وطحنت بهم الطاحونة، وجُرح من المسلمين زهاء أربعة آلاف. وقُتل خالد بن سعيد بن العاص، وقاتلت يومئذٍ امرأة

____________________

(1) تاريخ خليفة 79 - 80، وفتوح البلدان 120 - 121، والفتوح 1: 132 - 147، ومختصر تاريخ دمشق 1: 201.

 


الصفحة 114

 

خالد فقتلت سبعة نفر. وولّت الروم منهزمين إلى دمشق وبيت المقدس (1).

يوم فِحْل

كانت وقعة فِحْل من الأُردنّ، لليلتين بقيتا من ذي الحجّة بعد خلافة عمر بخمسة أشهر (2).

وأمير الناس يومئذ أبو عبيدة عارم بن الجرّاح، وكان عمر قد كتب إليه بولايته الشام وإمرة الأُمراء وعزل خالد بن الوليد عن ذلك، ويقال: إنّ ولايته أتته في الحرب والناس محاصرون دمشق فكتمها خالداً أيّاماً؛ لأنّ خالداً كان أمير النّاس في الحرب ... وكان سبب هذه الوقعة أنّ هِرَقْل لمّا صار إلى أنطاكية استنفر الرّوم (وأهل الجزيرة) وبعث إليهم رجلاً من خاصّته وثقاته في نفسه فلقوا المسلمين بفِحْل من الأُردنّ، فقاتلوهم أشدّ القتال وأبرحه حتّى أظهرهم الله عليهم، وقُتل بطريقهم، وزهاء عشرة آلاف معه، وتفرّق الباقون في مدن الشّام ولحق بعضم بهِرقَلْ. وتحصّن أهل (فِحْل)، فحصرهم المسلمون حتّى سألوا الأمان على أداء الجزية عن رؤوسهم والخراج عن أرضهم، فأمنوهم على أنفسهم وأموالهم وأن لا تُهدم حيطانُهم. وتولّى عقْدَ ذلك أبو عبيدة بن الجرّاح، ويقال:

____________________

(1) تاريخ خليفة 80، والفتوح 1: 150، وفتوح البلدان 125، وتاريخ الطبري 3: 96، ومختصر تاريخ دمشق 1: 201. وقد خالف البلاذريّ في تاريخ الوقعة فقال: أوّل المحرّم سنة أربع عشرة. أمّا الطبريّ فذكرها في أحداث سنة خمس عشرة.

(2) فتوح البلدان 122.

 


الصفحة 115

 

تولاّه شُرَحبيل بن حسنة (1).

وقد ذكرنا أنّ الوقعة كانت سنة ثلاث عشرة، إلاّ أنّ هناك رواية عن ابن الكلبيّ تقول أنّ وقعة «فِحْل» كانت يوم السبت لثمانٍ بقين من ذي الحجّة سنة أربع عشرة (2). وعن ابن إسحاق قال: صالح أبو عبيدة في رجب. (3)

 

وقعة اليرموك

كانت وقعة اليرموك من أشدّ الوقائع التي شهدتها الشام. كانت الوقعة يوم الإثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة. واليرموك نهر من أنهار الأردنّ.

بعد استيلاء المسلمين على مدينة حِمص، نزل بملك الرّوم همّ شديد، فجمع للمسلمين جمعاً لم يُرَ مثله، فقد قيل إنّ عدد الرّوم ومَن والاهم كانوا ثلاثمائة ألف، وقيل أربعمائة ألف فارس وراجل وأمّا المسلمون فلم يزد عددهم على خمسة وأربعين ألفاً. ونزل الرّوم على نهر اليرموك وعليهم وزير الملك يقال له «ماهان» من أهل فارس تنصّر وانضمّ إلى الرّوم. وكان مع الرّوم جَبَلة بن الأَيْهم الغسّانيّ في مستعربة الشام من لَخْم وجُذام وغيرهم.

ولما بلغ المسلمين ما جمع لهم هِرقَل من الجموع ردّوا على أهل حمص ما

____________________

(1) تاريخ خليفة 80، وفتوح البلدان 122، والفتوح 1: 189 - 195.

(2) تاريخ خليفة 85.

(3) نفسه.

 


الصفحة 116

 

كانوا أخذوا منهم من الخراج وقالوا: قد شُغلنا عن نُصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم فقال أهل حمص: لَولايَتُكم وعدلُكم احبُّ إلينا ممّا كنّا فيه من الظلم والغَشم، ولَندفعنّ جند هِرقَل مع عاملكم. ونهض اليهود، فقالوا: والتوراة لا يدخل عامل هِرقَل مدينة حمص إلاّ أن نُغلب ونجهد، فأغلقوا الأبواب وحرسوها. وعبّى الجمعان صفوفهما، وجعل أبو عبيدة النساء ومعهن الأطفال والصغار على التلّ وقال لهنّ: خُذن بأيديكنّ أعمدة السيوف وأعمدة البيوت والفساطيط، واجمعن الحجارة بين أيديكنّ، وحرّضن المؤمنين على قتال المشركين. ووقف أبو عبيدة في القلب تحت رايته، وكان على الدراجة شُرحبيل بن حَسَنة، وعلى الميمنة يزيد بن أبي سفيان، وعلى جناح الميسرة قيس بن هبيرة المراديّ. ثمّ خرج معاذ بن جبلة ففعل مثله. وكان قد انفرد من عظماء الرّوم وفرسانهم ثلاثون ألفاً، حفروا لهم حفائر ونزلوا فيها وشدّوا خيلهم بالسلاسل، واقترن كلّ عشرة في سلسلة وحلفوا بعيسى ومريم والصليب ان لا ينهزموا أو يقتلوا العرب عن آخرهم.

والتحم الجيشان في معركة قلّ نظيرها، فقُتل «جرجيس» أمير من أمراء الرّوم، قتله أبو عبيدة بن الجرّاح. فلمّا رأى «ماهان» أنّ جرجيس قد قُتل، برز بنفسه فقتل اثنين من المسلمين ثمّ برز إليه مالك بن الحارث النَّخعيّ فضربه فلمّا أحسّ بحرارة الضربة ولم تكن قاتلة ولّى منهزماً. ثمّ حمل الأمراء بمَن معهم بالتكبير والتهليل والنكشفت الروم منهزمة وأخذهم السيف من ورائهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ووقع في الأسر أعداد هائلة وغرق منهم في الماء أُمم لا تُحصى

 


الصفحة 117

 

وغنم المسلمون غنائم كثيرة. فلمّا أصبحوا لم يجدوا من الروم أحداً، وأراد أبو عبيدة أن يُحصي عدد القتلى من الروم فلم يقدر أن يحصي ذلك إلاّ بالقصب، فجعل على كلّ ألفٍ قصبة، وعدّ القصب فكان عدد القتلى مائة ألف وخمسة آلاف، وأسروا أربعين ألفاً. وقُتل من المسلمين أربعة آلاف ونيف. وانبثّ المسلمون في الجبال والأودية يطلبون الروم حتّى أدركوا ماهان في أربعين ألف فارس متوجّهاً إلى حمص، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وقتلوا ماهان.

ولمّا بلغ هِرقَل خبر أهل اليرموك هرب من أنطاكية إلى قسطنطينيّة، فلمّا جاوز الدرب قال: عليكِ يا سورية السلام ونعم البلد هذا للعدوّ، يعني أرض الشام لكثرة مراعيها (1).

 

فتح دمشق

سنة أربع عشرة، سار أبو عبيدة بن الجرّاح ومعه خالد بن الوليد فأحاطوا بدمشق.

قال خليفة بسنده: صالحهم أبو عبيدة على أنصاف كنائسهم ومنازلهم وعلى رؤوسهم على أن لا يُمنعوا من أعيادهم ولا يُهدم شيء من كنائسهم. صالح على ذلك أهل المدينة، وأخذ سائر الأرض عنوة (2).

____________________

(1) تاريخ خليفة 89، وفتوح البلدان: 140 - 143، والفتوح 1: 218 - 271، وتاريخ الطبري 590 - 628، ومختصر تاريخ دمشق 1: 212 - 223.

(2) تاريخ خليفة 84.

 


الصفحة 118

 

قال: قال ابن الكلبي: كان الصلح يوم الأحد للنصف من رجب سنة أربع عشرة، صالحهم أبو عبيدة (1).

وراح أبو عبيدة يبثّ البعوث لفتح الشّامات، فافتتح شرحبيل بن حسنة الأُردن كلّها عنوةً ما خلا طبريّة فإنّ أهلها صالحوه وذلك بأمرِ أبي عبيدة، وذلك سنة خمس عشرة. وفيها بعث أبو عبيدة خالد بن الوليد فغلب على أرض البقاع وصالحه أهل بعلبك وكتب لهم كتاباً. صالحهم على أنصاف منازلهم وكنائسهم ووضع الخراج. (2)

ثمّ خرج أبو عبيدة يريد حِمْص، وقدّم خالداً أمامه فقاتلوه قتالاً شديداً، ثمّ هُزمت الرّوم حتّى دخلوا مدينتهم، فحصرهم فسألوه الصلح على أموالهم وأنفسهم وكنائسهم وعلى أرض حمص على مائة ألف دينار وسبعين ألف دينار.

وحدّثني عبد الله بن مغيرة عن أبيه قال: صالحهم أبو عبيدة على المدينة على ما صالحهم عليه أهل دمشق وأخذ سائر مدائنهم عنوةً (3).

وبعث أبو عبيدة بعد حمص خالد بن الوليد إلى «قِنَّسرين» فزحف إليه الرُّوم وعليهم «مِيناس» وهو رأس الرّوم وأعظمهم بعد هِرقَل، فالتقوا بالحاضر (4)، فقُتل ميناس ومَن معه مقتلةً عظيمةً لم يُقتلوا مثلها. فأمّا الرّوم فماتوا على دمه حتّى لم

____________________

(1) نفسه 85، ومختصر تاريخ دمشق 1: 202.

(2) تاريخ خليفة 88، ومختصر تاريخ دمشق 1: 211.

(3) تاريخ خليفة، مصدر سابق، وتاريخ الطبري 3: 98.

(4) الحاضر: قريب من حلب يجمع أصنافاً من العرب. (معجم البلدان 2: 206).

 


الصفحة 119

 

يبق منهم أحد! وأمّا أهل الحاضر فأرسلوا إلى خالد فعقد لهم على إخراب المدينة فأخربها (1).

وذكر خليفة أنّ أبا عبيدة بعث عمرو بن العاصي بعد فراغه من اليرموك إلى قِنَّسرين، فصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية، وافتتح سائر أرض قِنَّسرين عنوةً.

وذلك سنة ست عشرة (2).

وفي سنة ثمان عشرة وجّه أبوعبيدة البعوث إلى الجزيرة، ففُتحت حَرَّان ونَصيبين وطوائف الجزيرة والرُّهَا وسُمَيساط ...؛ وقد ذكرنا تفصيل ذلك في أوّل الفصل هذا لانتساب ابن تَيمِيه إلى تلك الديار، ومن ثَمّ إلى حَرَّان، وقادنا البحث إلى تتبّع مواطن نشأته فكان بعد حَرَّان: الشّام؛ وثَمّة موطن لابدّ من الحديث عنه لأنّ ابن تَيمِيه أمضى فيه بعضاً من عمره وتأثّر بأحداثه، ذلك هو مصر.

 

فتح مصر

سنة عشرين كتب عمر إلى عمرو بن العاصي أن سر إلى مصر، فسار وبعث عمر الزبير بن العوّام وبُسر بن أبي أرطاة وعُمير الجُمَحيّ مدَداً لعمرو، ففتحوا مصر والإسكندرية عنوةً بعد قتال شديد (3).

____________________

(1) الطبريّ 3: 98، وتاريخ ابن الورديّ 1: 137، قالا: سنة خمس عشرة. وتاريخ خليفة 1: 137 وقال: سنة ست عشرة.

(2) تاريخ خليفة 93.

(3) تاريخ خليفة 100 - 101، وفتوح البلدان 214 - 225، وتاريخ الطبري 3: 195 - 199، وتاريخ ابن الوردي 1: 141.

 


الصفحة 120

 

ولاة عمر: توفّي عمر بن الخطّاب وواليه على مصر هو عمرو بن العاص وعلى الشام جميعاً معاوية بن أبي سفيان!؛ وكان على الجزيرة عياض بن غَنْم الذي بعثه أبو عبيدة ففتحها، على ما ذكرنا، فلمّا توفّي صارت الجزيرة تابعة لمعاوية وخلَفِه (1) ...

ولمّا انتهى الأمر إلى عثمان بن عفّان جعل ولاة الأمصار الإسلاميّة جميعاً من بني أُميّة وآل مروان ممّا أدّى إلى ثورة الأقاليم الإسلاميّة انتهت بقتل عثمان.

 

الخليفة يعزّي أبا سفيان

ذكر البلاذريّ: «ولما توفّي يزيد بن أبي سفيان كتب عمر إلى معاوية بتوليته ما كان يتولاّه فشكر أبوسفيان ذلك له وقال: وصِلَتُك يا أمير المؤمنين رحم!» (2).

وفي تاريخ ابن عساكر: «وعزّى عمر أبا سفيان بابنه يزيد، فقال له أبوسفيان: مَن جعلتَ على عمله؟ قال: جعلتُ أخاه معاوية؛ وابناك مصلحان، ولا يحلُّ لنا أن ننزع مصلحاً!» (3).

ويبدو أن الخليفة كان مفتتناً بمعاوية: «كان عمر بن الخطّاب إذا رأى معاوية قال: هذا كسرى العرب» (4).

____________________

(1) تاريخ خليفة 112، وتاريخ الطبري 3: 303، ومختصر تاريخ دمشق 25: 17.

(2) فتوح البلدان 146.

(3) مختصر تاريخ دمشق 25: 18.

(4) أنساب الأشراف 5: 155، ومختصر تاريخ دمشق 25: 19.

 


الصفحة 121

 

وكان عمر قول: تعجبون من دهاء هِرَقْل وكسرى وتَدَعُونَ معاوية! (1).

ولأجل العلاقة الخاصّة بين الخليفة والبيت الأُمويّ وتعيينه ليزيد بن أبي سفيان أرقى المناصب وهي ولاية عموم الشّام وإلحاق الجزيرة بها، وتعزيته أبا سفيان الذي ما صحّ منه إسلام! بوفاة ابنه يزيد، وتعويضه بأدهى خلَف لسلَف مع كَيْل المديح له وما أعقبه من سيرة عثمان بن عفّان على خطى أسلافه وتعدّي الحدود، فما من قطر إلاّ واليه أُمويّ مرواني طريد ...، ممّا طبع تلك الأقطار البعيدة عن نور الرسالة ووجود الأماثل من الصحابة، طبعها بطابع الهوى الأُمويّ الذي عمل على طرح كتاب الله تعالى للبيع في الأسواق! ومنع من تدوين الحديث بأمرٍ من معاوية، فخضع لفتوى السلطان الفاسق حتّى أنّ كثيراً منهم لا يعرف مَن هو عليّ بن أبي طالب!

 

الخليفة يتوعّد الشورى بمعاوية:

ولمعرفة عمر بحقيقة معاوية وأهل الشام فإنّه كان يتهدّد الآخرين بهم قال محدّث الشام ابن عساكر:

وعن عمر قال ك إيّاكم والفُرقة بعدي، فإنْ فعلتم فاعلموا أنّ معاوية بالشّام وستعلمون إذا وُكِلْتم إلى رأيكم كيف يستبرها دونكم (2).

ويأخذنا العجب! فالخليفة يتوعّد الصحابة في مدينة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بما

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 25: 19.

(2) مختصر تاريخ دمشق: 25. ويستبرها: يتفرّد بها.

 


الصفحة 122

 

يذكّرنا بالّذي كان في السقيفة ولكن هذه المرّة قد أناب مكانه معاوية الطليق اللصيق وأعلى كعبه على كبار الصحابة ليتفرّد بالخلافة؛ وهذا هو التمهيد والتمكين لنفوذ حكم بني أُميّة، فإذا جاء عثمان بسط سلطانهم في كلّ مكان!

ومن قول عمر لأهل الشّورى: إن اختلفتم دخل عليكم معاويةُ بن أبي سفيان من الشام، وبعده عبد الله بن أبي رَبيعة من اليمن، فلا يَريَان لكم فضلاً إلاّ سابقتكم (1).

عجب لهذا المنطق! متى صار الطليق ابن الطليق المتقلّب في المثالب وممّن سنّ لذوي العاهات مبدأهم، فكان ابن تَيمِيه فاردهم! وابن عبد الوهّاب حاديهم والشيطان سائقهم!!

أقول: متى صار ابن هند؛ وهذا ما يُعرف به أكثر ممّا يُعرف بابن أبي سفيان، شعراً وأدباً، على ألسنة محبّيه ومناوئيه، بل وعلى لسانه هو وسنورد الشواهد المئات على ذلك مع قصّة فيه!؛ متى صار الذي أدخل الله تعالى الإسلامَ بيت أبي سفيان رغم أنفه مع الفتح المبين لمكّة وما صحّ لأبي سفيان وبقي ملعوناً وبنيه على لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وإن صحّ في حقّ معاوية من شيء من الفضائل، فضيلة واحدة هي قول النبيّ لمعاوية: «لا أَشْبَع اللهُ بَطْنَهُ» (2)، سلطان يخيف به الخليفة

____________________

(1) نفسه. وعبد بن أبي ربيعة بن المـُغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم المخزوميّ، عامل عمر على اليمن. (تاريخ خليفة 54، وطبقاته 110).

(2) الاستيعاب 3: 401، وأسد الغابة 5: 210، وتذكرة الخواصّ 182، وأنساب الأشراف 5: 133 - 134، ووفيات الأعيان 1: 59 (ترجمة النسائي).

 


الصفحة 123

 

الصحابة الأوائل ومنهم المبشّرة بالجنّة؟ وهل سلطانه مستمدّ من دار الخلافة الشرعيّة ومركزها مدينة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، إن شاء الخليفة فيها أقرّه وإن شاء بدّله؟!

وفي أهل الشورى عليّ بن أبي طالب أخو رسول الله ونفسُه في آية المباهلة، وأبو سبطيه الحسن والحسين أبناء رسول الله، أيضاً في آية المباهلة، وزوج بضعته التي هي نساء النبيّ؛ كذلك في آية المباهلة، وهم مطهّرون بصريح القرآن الكريم، وعليّ من النبيّ بمنزلة هارون من موسى؛ وهارون أخو موسى، وعليّ أخو رسول الله بالمؤاخاة التي صنعها النبيّ، وعليّ هتف الوحي باسمه وبسالته إذ جبُن غيره ففرّ من ملاقاة العدوّ فيما تقدّم أبو الحسنين يفلق الهام ويشطر الأبدان، ويوم الأحزاب بُحّ صوت ابن عبد ودّ ولم يكن مجاوباً إلاّ عليّ، وهل غير عليّ لمثل ابن عبد ودّ! فلم يمهله فارس التقوى سليل الشجرة الهاشميّة المباركة أن ضربه ضربةً فلقت البيضة والمغفر وألقت نصفيه جنبيه فهو ميزان عدلٍ لا عيْن فيه.

ولم يكن غير عليّ يصلح لتبليغ براءة، ولم يفرّ يومَ خَيْبر مثلما فعل غيره إذ فرّوا يُجبّن أحدهم الآخر! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «لأُعطينّ الرّايةَ غدًا رجلاً يُحبُّ الله ورسولَهُ ويُحبُّه اللهُ ورسولُه كرّارٌ غيرُ فرّار». وكان أميرالمؤمنين عليّ أَرْمد العين فلمّا كان الغد دعا به رسول الله فوضع من ريقه على عينه فشفاها، ثمّ أعطاه الرّاية فأخذها أبو الحسنين ومضى يُهرول حتّى ركزها في أطم من آطام اليهود فاطّلع يهوديّ من فوق الحصن وسأله مَن أنت؟ قال: أنا عليّ بن أبي طالب، فقال اليهوديّ: عَلَوْتم وربّ الكعبة! ثمّ خرج إليه فارس خَيْبر: مَرْحب،

 


الصفحة 124

فضربه أبو الحسنين ضربةً قدّت البيضة والمغفر وعضت بين الأضراس وهوى مرحب ميّتاً ثمّ إنّ عليّاً عالج باب حصنٍ من حصونهم حتّى قلعه واتّخذه ترساً يدافع به عن نفسه ثمّ جعله جسراً إذ وضعه على ظهره وعبر عليه المسلمون فكان الفتح على يديه، وليس من مفخرة تبزّ فداءَ عليٍّ لرسولِ الله إذ بات على فراشه متلفّعاً بغطائه ليلة هجرته صلى‌الله‌عليه‌وآله وقد أحاطت قريش بدار النبي للفتكِ به، ولقد فرض الله تعالى ولاية عليّ وجعلها متفرّعةً من ولايته سبحانه وتعالى وولاية رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله [ المائدة/56 ] وقد أخذ له النبيّ البيعة يوم غدير خمّ، في حجّة الوداع وعمر حاضرٌ فيها. وأمّا السبق إلى الإسلام؛ فعمر هو خامس وأربعون ممّن دخل الإسلام وعليّ أوّل مَن أسلم، والعجب من عمر يتوعّد أهل الشورى بمعاوية الذي قال فيه النبيّ إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه، وأنّ معاوية لا يرى لهم إلاّ السّابقة وعدا ذلك فلا فضيلة لهم فله أن يفعل بهم الأفاعيل عبر جيوش أهل الشام!! ولا ندري حقّاً صدر هذا عن عمر، فيُعترض عليه حينها أنّه وطّأ الأمر لمعاوية وناصب عليّاً وحسده فأنكر حقل فضائله العُلْويّة؟! وهل الشجرة الملعونة في القرآن ابتداءً من الجذر «أُميّة» تصغير «أَمَة» القبطيّ المتبنّى اللصيق مروراً بزنادقة قُريش - مجازاً، وإلاّ فهم أقباط - وفسّاقهم وزناتهم من ذوي الرّايات رجالاً ونساءً، والمستهزئين برسول الله والمجلبين عليه الحرب وقادة الأحزاب؛ وجدّ الأسرة صخر والسهل خير من الصخر، وهو ابن حرب والسلم أفضل من الحرب، جدّته حَمامة، اسمٌ حُلوٌ لعاهرٍ من ذوات الرايات، وصخر نكح صَلْتَةَ الخَدِّ (هِنْد) فأنجبت معاوية وفيه قصّة ولذلك لمّا جاءت آكلة


الصفحة 125

 

الأكباد «هند» تبايع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، قال فيما شرط على قبول بيعتهنّ: على أن لا يزنين، فقالت هند: وهل تزني الحُرّة؟ فتبسّم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ونظر إلى عمر؛ وفي جروه يزيد، بل للناقص قصّة كذلك إذ لم يجدها بكراً كما ذكرت بعض المصادر ...، بيت تزكم جيفته الأُنوف، كفر صريح ونفاق عجيب وزندقة معرقة وضياع أنساب وتبنّي أبناء الزّنا وعدوان على بيت الله الحرام وهتك حرمته وهدم الكعبة وحرقها وإباحة المدينة المنوّرة ثلاثة أيّام قتلاً ذريعاً لم ينج منه حتّى طفل رضيع أخذه أحد الأبدال - كذا - جنديّ شاميّ من حضن أُمّه فضرب به الحائط فتناثر دماغه، وحبلت ألف امرأة من غير زوج ... كلّ ذلك وغيره ممّا سنذكره في محلّه واحدة من مفاسد ناقص بن معاوية الخِمّير ملاعب القِردة الجامع بين الأختين، حكم ثلاث سنوات في الأولى قتل سيّد شباب أهل الجنّة سبط رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأهل بيته وصحبه الكرام، وفي الثانية حرق الكعبة، وفي الثالثة استباح المدينة على ما أشرنا إليه وما فعلوا، وهي وقعة الحرّة الدامية ...

ولم يسلم من الشجرة الملعونة إلاّ خالد بن سعيد بن العاص وأخواه، عملوا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فلمّا توفّي وكان الذي كان من أمر السقيفة، رجعوا وامتنعوا من بيعة أبي بكر والعمل له وكانوا يرون أنّ الخليفة هو الذي أوصى به النبيّ وهو عليّ، فكانوا في جملة المعارضين لأبي بكر، ولم يبايعوا حتّى بايع أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام. وممّن لم يؤثّر به عامل الوراثة لما أراد الله تعالى به من الخير: عمر بن عبد العزيز الذي أبطل السُّنّة المـُعاوِية (التَيماوِية) إذ أصدر معاوية أيّام استيلائه على الحكم أمراً أن يُخطب بعد الصلاة يُشتم في هذه الخطبة أميرالمؤمنين نفس

 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة