الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 86

الألوف من أجل الرياسة كما قال الخارجيّ الثاني ابن تَيمِيه!

وإذا شهدت الخوارج بفضائل أميرالمؤمنين عليه‌السلام، وأنكرها الضّال ابن تيميه؛ فإنّ النّواصب الذين ألقوا ما في نفسه على ألسنتهم كما فعل مع الخوارج، ومن أولئك معاوية وبطانته نجدهم يقرّون لأميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام بفضائله وهم القاسطون الذين أخبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام يقاتلهم بعد قتاله للنّاكثين ثمّ أخيراً المارقين، صدق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إذ كان الأمر كما قال.

 

معاوية يدحض دعوى باطلة بحقّ عليّ عليه‌السلام

حدّث الزبير بن بكّار، عن رجاله قال: دخل مِحقن بن أبي محقن الضَّبيّ على معاوية فقال: يا أميرالمؤمنين جئتك من عند ألأم العرب، وأبخل العرب وأعيا العرب وأجبن العرب! قال: ومَن هو يا أخا بني تميم؟ قال: عليّ بن أبي طالب. قال معاوية: اسمعوا يا أهل الشام ما يقول أخوكم العراقي، فابتدروه أيّهم ينزل عنده ويُكرمه. فلمّا تصدّع الناس عنه قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه فقال له: ويحك يا جاهل، كيف يكون ألأم العرب وأبوه أبو طالب وجدّه عبد المطّلب وامرأته فاطمة بنت رسول الله [ صلى‌الله‌عليه‌وآله ] (1).

____________________

(1) هذه هي أعظم عُقَد (ذوي العاهات) بعد الإمامة والولاية والسابقة والمنزلة الخاصّة (حديث المنزلة) ...؛ فإنّ معاوية قد قاتل عليًّا أميرالمؤمنين عليه‌السلام يوم صفّين، وسنّ سنّة لعنه عقب الصلاة، إلاّ أنّه مثل الخوارج مع ترجيح لكفّة هؤلاء عليه! لم يكفّر عليًّا مثلما فعل الخوارج، ونطق بفضائل عليّ عليه‌السلام في حين كفّره وفسّقه ونعته بالنفاق ابن تَيمِيه ففاق الأوّلين والآخرين 1 في هذه المعاناة: (عُقْدة النقص) وقد مضى الكلام في عُقدة نسبه من طرفي أمّه وأبيه، مع انغراس صفة =

 


الصفحة 87

وأنّى يكون أبخل العرب؟ فو الله لو كان بيتان؛ بيتث تبن وبيتُ تِبر، لأنفذَ تِبرَه قبلَ تِبنه.

وأنّى يكون أجبن العرب؟! فو الله ما التَفت فئتان قطّ إلاّ كان فارسَهم غيرَ مُدافَع!

وأنّى يكون أعيا العرب! فو الله ما سَنّ البلاغة لقُريش غيرُه! ولَمَا قامت أمّ مِحقن عنه ألأمث وأبخلُ وأجبن وأعيا لبظَرِ أمّه. فو الله لو لا ما تعلم لضربت الذي فيه عيناك. فإيّاك عليك لعنة الله والعودة إلى مثل ذلك!

قال: والله أنت أظلم منّي، على أيّ شيء قاتلته وهذا محلّه؟!

قال: على خاتمي هذا، حتّى يجوز به أمري.

قال: فحسبُك ذلك عوضاً من سخط الله وأليم عذابه (1).

____________________

= الحسد فيه وفي عائلته ومحبّيه، وأثر البيئة في حَرّان والشام والرّوح الخارجيّة التي يحملها بين جنبيه، كلّ ذلك وغيره أدخله في معركة وحرب كلاميّة كالّتي نقضت غزلها من بعد قوّةٍ أنكاثاً؛ بل صاحبنا من بعد ضعفٍ أنكاثاً!! بدأت حربه الكلاميّة مع (الله عزّوجلّ) فأرداه وأخزاه فطيف به ثلاث مرّات مشهّراً به على بغلةٍ بالمقلوب حاسر الرأس مضروباً بالدرّة ومنادياً عليه أنّ مَن يعتقد عقيدته يُسجن فخاف الحنابلة واختفوا وجرت لهم بسببه مِحَن ...

(1) كشف الغُمّة، للأربلي، من أعلان القرن السابع 2: 44، وكشف اليقين، للعلاّمة الحلّيّ 474 - 475.

وفي الأخبار الطوال 260 (محقنبن ثعلبة)؛ وفي الطبري 6: 264، والإكمال، لابن ماكولا 7: 164، وتاريخ دمشق 57: 98 - 99: محفز بن ثعلبة - بالفاء - بنقطة واحدة؛ وفي جمهرة نسب قريش، لمصعب 441: محفر - من غير شدّة -.

 


الصفحة 88

 

صحيح أنّ ابن تَيمِيه أثّرت بيئتُه فيه، سواء في حَرَّان أم في دمشق مع مداراته للبيئة التي شبّ فيها وأمضى فيها أطول سنيّ عمره بعد أن فرّت أسرته الحنبليّة النشأة الأُمويّة الهوى من حَرَّان على إثر الغزو المغوليّ، فاستوطنت دمشق واصطبغت بلبوسها وهي مهيّأةً بدأ لذلك؛ وكما ذكرنا فإنّ ابن الأُسرة تلك كتب مؤلّفاته في تلك الأجواء.

فذكر بني أميّة وأشياعهم مفضّلاً إيّاهم على أهل البيت عليهم‌السلام وأشياعهم، متّبعاً منهجاً إسقاطياً حمّل أوزار أولئك على الشجرة المباركة وشيعتهم. والإشكال عليه، وما أكثره! إذ تعاضدت بيئته حَرَّان مع ما نعتقده من إرثه الخارجيّ، ففضّل الخوارج على أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب وأهل البيت وشيعتهم، وكذب على الخوارج في عقائدهم وأفكارهم ونسب إليهم ما يريد أن يقوله هو من الشتائم الوقحة التي تبلغ حدّ الكفر بحقّ أهل البيت عليهم‌السلام ...؛ فكذلك الإشكال عليه في نفسيّته المضطربة التي كان لبيئته حَرَّان، وقد احتملنا أنّ أصحاب تلك السراديب المظلمة من الصابئة كيف يصطادون الأطفال بحيلهم ويفعلون معهم أفاعيل تؤثّر في نفوسهم وتربكهم عقيديّاً، وشيوع العقيدة اليهوديّة هناك تركت آثارها في ذهنه وظهرت فيما بعد في ما كتب في عقيدته في الله تعالى من تشبيه وتجسيم، وغيرها من صفات المخلوقين.

أقول: تعاضدت تلك العوامل ليشحن منهاج ضلاله بتعظيم بني أُميّة وأتباعهم كما ذكرنا على أهل البيت وشيعتهم، وذكرنا ما فعله مع الخوارج، فوجدناهم يعظّمون عليّاً ويقولون بشأنه إمام حقّ عادل مرضيّ لم يظهر منه كفر؛

 


الصفحة 89

 

وإنّما خالفوا منهج ابن تَيمِيه! الذي مارس الإسقاط فجعل من الفاعل بريء: عائشة وطلحة والزبير ومروان ...، وبعد أن تمّت صفقتهم الخاسرة في قتل عثمان الذي كان خير ناصر له: أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام وبنوه وبنو هاشم وثُلّة من أبناء الصّحابة، فيما كان معاوية منشغلاً ببطنه التي لا تشبع بعد دعوة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وملاذّه ومترقّباًحصاد الحوادث، فما له ولابنِ عمّه عثمان، فإنْ سلم، فيدُه قد بسطها عثمان أوسع ممّا ولاّه عمر «الشام» وإنّما ضمّ إليه مصر وأقاليم أُخرى، مرّ تفصيل ذلك. وإن قُتل، فأقلّ ما بيده الشام التي عُرف أهلها أنّهم يُعطون الطّاعة من غير جدال ...

بعد تلك الصفقة توجّه القتلة صوب البصرة فكانت وقعة الجمَل، وفيها قُتل أحد أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك هو: طلحة، أوّل مَن بايع عليّاً عليه‌السلام ثمّ نكث، وكان هو والزبير أشدّ الناس على عثمان، فلمّا رأى مروان أنّ الهزيمة حلّت بهم سرّد سهماً نحو طلحة فقتله وقال: لا أطلب ثأري بدم عثمان بعد اليوم أحداً!

هؤلاء هم الصحابة الذين كفّرهم الخوارج على ما مرّ بنا، ووصفوا عليًّا عليه‌السلام بنفيه الشبهات وإقامة الحدود وإعطاء الأُمور حقّها ...

وكما ذكرنا للخوارج أقوالاً ومواقف تنقض مزاعم ابن تَيمِيه وتُظهر ناصبيّته المـُعوِقة النبيّ وأهل بيته عليهم‌السلام أجمعين، وقد ذكرنا نموذجاً من أجوبة معاوية الذي قاتل عليّاً؛ وكيف تصدّى لمـَن جاء يتنقّصه وقد علِمَ أنّما هو منافِقٌ يُصانع؛ فقلب معاوية المعادلة تماماً.

ومن أقوال معاوية في حقّ أبي الحسن عليّ عليه‌السلام:

 


الصفحة 90

 

ذكر ابن عساكر، قال: قال معاوية: ما رُمِيتُ في مُصَمِّمَةٍ مثل أبي الحسن عليّ بن أبي طالب قطّ (1).

هذا وهو معاوية! فهو إذ يُقرّ لأميرالمؤمنين بالشدّة في الأمور والشجاعة ويصفه بالأسد؛ فإنّه كنّاه أوّلاً ثمّ سمّاه باسمه الصريح. فهلاّ التفت ابنُ تَيمِيه إلى غلواء نفسه وقرينه هذا الذي لا يفارقه ثَمّة لحظة يزيده سوءً إلى سوء وبغيضةً إلى بغيضةٍ في حقّ عليّ وأهل البيت وشيعتهم ويجعلهم معدن كلّ مفسدة ورذيلة. والملتقى عند حكيم عدل وحينها يخسر المبطلون.

وذكر ابن عساكر أنّ أبا مسلم الخولانيّ جاء ومعه ناس إلى معاوية فقالوا له: أنت تُنازع عليّاً أم أنت مثله؟ فقال معاوية: لا والله، إنّي لأعلمـُ أنّ عليّاً أفضل منّي، وإنّه لأحقّ بالأمر منّي، ولكن ألستم تعلمون أنّ عثمان قُتل مظلوماً وأنا ابنُ عمّه؟ وإنّما أطلبُ بدم عثمان فقولوا له فليدفع إليَّ قتلة عثمان، وأسلّم له (2).

من نافلة القول كما يقولون ومن غير الاستغراق: فإن معاوية أقرّ أنّ عليّاً عليه‌السلام أفضل منه مثلما أقرّت الخوارج بفضله عليه‌السلام؛ وسلّم بأنّ عليّاً أحقّ بالأمر منه؛ وبذا بطلت مقولة الجاني على نفسه المنتصر لغيرِه وغيرُه يرفضه: ابن تيميه: بأنّ عليّاً قاتل على الرئاسة وأراق الدماء من أجلها ...، وتجاهلَ إصرارَ القوم على بيعته ورفضه عليه‌السلام لذلك حتّى بُويع إجماعاً طواعيةً لا سقيفيّةً ولا شَهراً لسيف ولا قتلاً عامّاً للقبائل الممتنعة عن البيعة فحبست زكاتها فسُمِّيت رِدّة عن الإسلام

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 25: 40.

(2) مختصر تاريخ دمشق 132.

 


الصفحة 91

 

وجرى ما ذكرناه؛ وكما بُويع طواعيةً وبإلحاح من أولئك النّفر الذين أخذ عليهم عهد الله وميثاقه! لمعرفته بدخائل نفوسهم وكانوا أوّل مَن بايعه البيعة العامّة في المسجد ...؛ فإنّ الأقاليم قد بايعت له من غير سيف ولا مبعوث منه عليه‌السلام إليهم إلاّ معاوية فقد أظهر التمرّد وشقّ عصا الطّاعة وخرج على الجماعة ...، ونكث أولئك النّفر فكان الذي كان يوم الجمل، ثمّ صفّين من قِبل معاوية، فالخوارج فأمّا الخوارج فقد مضوا على شبهتهم في مسألة التحكيم مع إقرارٍ لأميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام بالفضل والعدل وإنّه مع الحقّ! وأمّا معاوية فقد ذكرنا مثلين له وسنذكر أكثر وقد وجدناه رغم ناصبيّته، وحسد أُميّة الموروث لبني هاشم، فإنّ ذلك كلّه لم يمنعه أن يقرّ أنّ عليًّا عليه‌السلام أفضل منه وأحقّ بالأمر منه. إلاّ أنّه تلمّس لنفسه المعاذير مثلما فعلت الخوارج!

وكانت عائشة كلّما ذكرت مسيرها في وقعة الجمل بكت حتّى تَبِلّ خمارها (1).

وكانت إذا قرأت الآية: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ) (2)، تبكي نادمةً على مسيرها يوم الجمل حتّى تبلّ خمارها (3).

وسُئلت عائشة عن أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام، فقالت: وما

____________________

(1) طبقات ابن سعد 8: 81، تفسير القرطبي 14: 180، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 9: 200.

(2) الأحزاب ك 33.

(3) تاريخ بغداد 9: 184، تاريخ دمشق 34: 220، المناقب، للخوارزمي 182، سير أعلام النبلاء، للذهبي 2: 177.

 


الصفحة 92

 

عَسَيتُ أن أقول فيه، وهو أحبُّ الناس إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟ لقد رأيتُ رسول الله قد جمعَ شَمْلَتَه على عليّ وفاطمة والحسن والحسين وقال: «هؤلاء أهل بيتي اللّهمّ أذهِبْ عنهم الرجسَ وطهّرهم تطهيراً». قيل لها: فكيف سِرتِ إليه؟ قالت: أنا نادمة! وكان ذلك قَدراً مقدوراً (1).

 

عائشة تبكي قتالها عليّاً

ومن جنس كلامها السالف لما سألها جميع بن عُمير، قال: قلت لعائشة: حدِّثيني عن عليّ. فقالت: تسألني عن رجلٍ سالت نفسُ رسول الله في يده، ووَلِيَ غسْلَه وتغميضَه وإدخالَه قبرَه (2)! قلت: فما حملكِ على ما كان منكِ؟ فأرسلَتْ خِمارَها على وجهها وبكت، وقالت: أمرٌ كان قُضي عليَّ. (3)

إنّ عائشة قد قاتلت عليّاً عليه‌السلام إلاّ أنّ الحقّ نطق بفضائل أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام وخصائصه حالها حال الخوارج ومعاوية وكلٌّ يلتمس لنفسه عذراً؛ فعُذر عائشة أنّ قتالها لأميرالمؤمنين عليه‌السلام كان بتقدير من الله تعالى عليها وقضاء، حاشا لله عزّ وجلّ من ذلك.

____________________

(1) المحاسن والمساوئ، للبيهقي 298. ويبدو أنّ أمّ المؤمنين قَدَريّة! فهي تظهر الندم على ما فعلته يوم الجمل ثمّ تردّ الفعل إلى الله تعالى عن ذلك!

(2) وهذا ما يُبطل ما نُسب إليها: متى أوصى رسول الله وقد مات بين سَحْري ونحري؟ والغرض منه إبطال الوصيّة للوصيّ عليّ عليه‌السلام. فعليّ مشغول بأمر رسول الله ورسول الله يناجيه حتّى مات بين سحره ونحره بعيداً عن السقيفة.

(3) المحاسن والمساوئ، للبيهقي 298.

 


الصفحة 93

 

إلاّ أنّ ذلك لم يمنعها من النطق بفضائله، بل وكلّما ذكرت مسيرها المشؤوم يوم الجمل أو قرأت الآية القرآنيّة التي تأمر نساء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يَقرْنَ في بيوتهنّ، حتّى تبكي ندماً ...

عطا، قال: سألت عائشة عن عليّ فقالت: ذاك خيرُ البشر لا يشكّ فيه إلاّ كافر(1).

هذه الفِرق الثلاث التي قاتلت أميرالمؤمنين عليّاً عليه‌السلام كلّها تنطق بفضله وعدله وأنّه خيرُ البشر ...

ومع كلّ هذا فإنّ ابنُ تَيمِيه لم تُطاوعه نفسه إلاّ أن يُنافق ويكذب على الآخرين فيلقي على ألسنتهم ما هم منه أبرياء كبراءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب، ويتجاوز الحدّ هذا! فيكيل السُّباب لأمير المؤمنين عليه‌السلام.

فلا كان مع الخوارج، وإن كان خارجيّاً أصالةً، ولا كان مع النواصب القاسطين وإن كان قاسطاً وللنّواصب إماماً يُحتذى منذ نعق وحتّى الساعة ولا ندري متى تمتدّ يد المشيئة الإلهيّة المقتدرة لتطهّر الأرض من الصُمّ البُكم العُمي مخالفي القرآن؛ وأحمد ومالك والشافعيّ والحنفيّ؛ عاكفين على سليل «تَيمِيه، وسِتّ النَّعم» مجسّمين مشبّهين لذات الله تعالى، قد استحوذوا على الحرمين الشريفين: بيت الله الحرام، ومسجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، يعاقبون من يقترب من مرقد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله للتبرّك ويرفعون أصواتهم النّكرة: لا تشرك؛ مقتدين بإمامهم الذي علّمهم ذلك وأفتى بحرمة زيارة قبر الرسول وجعله بِدعة وشركاً، فتلقّفها البدوي النَجْديّ

____________________

(1) كفاية الطّالب 246.

 


الصفحة 94

 

الأعرابيّ ابن عبد الوهّاب الذي ظهر مع ظهور الإنجليز في الجزيرة العربيّة وعمل بتلك البِدعة والفتوى ونشر عقائد ابن تَيمِيه وهاجم أتباعه المراقد الشريفة في العراق وما زالوا يفعلون وسنأتي على ذكر فتاوى متأخّريهم وأفعالهم الشنيعة في هذا الحقل.

أقول: ولا كان مع أُمّ المؤمنين عائشة التي قادت النّاكثين فلمّا وضعت الحربُ أوزارَها، جهّزها أميرُالمؤمنين عليه‌السلام، فلمّا وصلت المدينة قيل لها: كيف كان مسيرك؟ قالت: لقد أعطى عليّ بن أبي طالب فأكثر، ولكنّه بعث معي رجالاً أنكرتُهم، فعرّفها النسوة أمرهنّ فقالت: ما ازددت والله يا ابن أبي طالب إلاّ كرماً. (1)

وللسنّة الذين حاول فاشلاً أن يُثيرهم على إخوانهم شيعة أهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، ففضحه الله تعالى وحكمه قُضاة المذاهب السنّيّة بالأحكام التي ذكرناها: فاسق، زنديق، منافق، كافر، وشهّروا به وسجنوه ثلاث مرّات مات في الثالثة في السجن ...

إنّ الذين حكموا على ابن تَيمِيه هذه الأحكام قد شغفهم حُبّ آل البيت، وكان هذا الحبّ ديناً يدينون الله عزّوجلّ به ويتقرّبون به إليه سبحانه ويعتقدون أنّ الصلاة عليهم من الواجبات التي لا تتمّ صلاتهم إلاّ بها.

ذكر الفخر الرازيّ في تفسيره، قال: إنّ الدعاء للآل منصِب عظيم، ولذلك جُعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة وهو قوله: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، وارحم محمّداً وآل محمّد. وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 51، تاريخ الطبري 3: 548، الأخبار الطوال 152، مروج الذهب 2: 372.

 


الصفحة 95

 

الآل؛ فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حب آل محمّد عليهم‌السلام واجب. وقال: إنّ أهل بيته ساوَوْه في خمسة أشياء: في الصلاة عليه وعليهم في التشهد، وفي السلام ...» (1).

فقول الفخر: «وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل» يعني لو دخل فيها ذكرُ غيرهم - أيّاً كان - بطلت الصلاة، وكان ذكر غيرهم حاله حال أيٍّ من المبطلات! ولا تستقيم الصلاة إلاّ بالشهادة لله تعالى بالوحدانيّة، ولمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله بالعبوديّة لله سبحانه وأنّه نبي الله، ثمّ تعظيمه بالصلاة عليه وعلى آله.

وفي الصواعق المحرقة، قال ابن حَجَر: قوله تعالى: (إِنّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلّونَ عَلَى النّبِيّ يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا صَلّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيماً) (2)، إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، قرَنَ الصلاة على آله بالصلاة عليه؛ لما سُئل عن كيفيّة الصلاة والسلام عليه. وقال: وهذا دليل ظاهر على أنّ الأمر بالصلاة على أهل بيته وبقيّة آله مُراد من هذه الآية، وإلاّ لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عقب نزول هذه الآية ولم يُجابُوا بما ذكر، فلمّا أجيبوا به دلّ على أنّ الصلاة عليهم من جملة المأمور به، وأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أقامهم في ذلك مقام نفسه؛ لأنّ القصد من الصلاة عليه مزيدُ تعظيمه ومنه تعظيمهم، ومن ثمّ لمّا دخل مَن مرّ في الكِساء قال: «اللّهمّ إنّهم منّي وأنا منهم، فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليَّ وعليهم» وقضيّة استجابة هذا الدّعاء: إنّ الله صلّى عليهم معه، فحينئذ طلب من المؤمنين صلاتَهم عليهم معه. ويُروى: «لا تُصَلُّوا عليَّ الصلاة البتراء» فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال: «تقولون: اللّهمّ صلِّ

____________________

(1) التفسير الكبير، للفخر الرازي 27: 166.

(2) الأحزاب: 56.

 


الصفحة 96

 

على محمّد، وتُمسكون! بل قولوا: اللّهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد». وقد نُقل عن الإمام الشافعيّ قوله:

يا أهلَ بيتِ رسول الله iiحبُّكُم      فرضٌ  من الله في القرآن iiأنْزَله
كَفاكُمُ من عظيم القَدْر أنّكم      مَن لم يُصلِّ عليكم iiلاصلاةَله

قال: فيُحتمل لا صلاة له صحيحةً، فيكون موافقاً لقوله بوجوب الصّلاة على الآل، ويُحتمل لا صلاة كاملةً، فيُوافق أظهرَ قولَيْه (1).

قال أخرج الدار قطني والبيهقي حديث «من صلّى صلاةً ولم يُصلِّ فيها عليَّ وعلى أهل بيتي لم تُقبل منه». وكأنّ هذا الحديث هو مستند قول الشافعي رضي‌الله‌عنه: إنّ الصلاة على الآل من واجبات الصلاة عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله. (2)

وفي الشّفا للقاضي عياض المالكيّ، عن ابن مسعود، عينُ الحديث السابق الذي ذكره ابن حجر في الصواعق صفحة 139. (3)

وفي شرح الشفا للقاضي الخفاجيّ الحنفيّ، [ عن أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام ]: «الدّعاء والصلاة معلّق بين السّماء والأرض، لا يصعد منه إلى الله شيء حتّى يُصلّى عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله، وعلى آل محمّد». (4)

وقيل للإمام الشافعيّ إنّ أُناساً لا يصبرون على سماع منقبة أو فضيلة تُذكر

____________________

(1) الصواعق المحرقة 87.

(2) نفسه 139.

(3) الشفا، للقاضي عياض 3: 505.

(4) شرح الشفا، للقاضي الخفاجيّ 3: 506.

 


الصفحة 97

 

لأهل البيت؛ فإذا رأوا أحداً يذكر شيئاً من ذلك قالوا: تجاوزوا عن هذا فهو رافضيّ! فأنشأ الشافعيّ رحمه الله تعالى يقول:

إذا   في   مجلسٍ   نذكر   iiعليّاً      وسبْطَيه      وفاطمةَ      الزكيّة
يُقال:   تجاوزوا   يا   قومُ  iiهذا      فهذا   من   حديث  الرافضيّة!
برِئتُ  إلى  المهيمن  من  iiأناسٍ      يَرَون الرّفضَ حبَّ الاطميّه (1)

فالشافعيّ لا يجد حرجاً أن يُرمى بتهمة الرفض ومشايعة أهل البيت عليهم‌السلام ويبرأ من أعدائهم وشانئيهم. وله أيضاً:

قالوا:  ترفّضتَ؟ قلت: iiكلاّ      ما الرّفضُ دِيني ولا اعتقادي
لكن  تولّيتُ  -  غيرَ iiشكٍّ      خيرَ   إمامٍ   وخيرَ   iiهادي
إن  كان  حبُّ الوليِّ iiرفضاً      فإنّني   أرْفَضُ   العِبادِ  (2)

وله أيضاً شعر يفيض حبّاً لهم عليهم‌السلام ومكابدة من أولئك الذين يقفون مَعاثِر في صراطهم المستقيم، ويهتف معلناً بأنّه رافضيّ:

يا  راكباً  قِفْ بالمُحَصَّبِ من iiمِنى      واهتُف  بساكنِ خِيفها iiوالناهضِ
سَحَراً  إذ  فاضَ الحجيجُ إلى مِنى      فَيْضاً  كمُلْتطِم  الفرات  iiالفائض
إن  كان  رفضاً  حبُّ  آل iiمحمّدٍ      فَلْيَشْهَد الثَّقَلان أنّي رافضيّ! (3)

____________________

(1) نور الأبصار، للشبلنجي 232.

(2) نور الأبصار، للشبلنجي 232.

(3) نفسه 232.

 


الصفحة 98

 

ومن شعر ابن العربيّ في أهل البيت عليهم‌السلام:

رأيتُ    ولائي   آل   طه   iiفريضةً      على  رغم  أهل  البُعدِ يورثني القُرْبا
فما طلبَ المبعوث أجراً على الهدى      بتبليغِه، «إلاّ المودّة في القربى»(ii(1

وله أيضاً:

فلا  تَعدِلْ بأهلِ البيت iiخَلْقاً      فأهلُ البيت هم أهلُ السِّيادَه
فبُغْضُهمُ  من الإنسانِ iiخُسْرٌ      حقيقيٌّ،  وحُبّهُم عبادُه(ii(2

هذه هي أقوال لعلماء المذاهب التي يلوذ بها ابن تَيمِيه، وسِتّ النَّعم نفاقاً منه في حال شنّ الغارة على خُصومه: ابتداءً من الله تعالى علوّاً كبيراً، ومروراً بالرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأهل بيته بيت العصمة عليهم‌السلام؛ وحجّته التي يصول بها ويجول هو قوله: هذا قول أهل السنّة والجماعة ...، فإذا رجعنا إليهم وجدناهم على خلافه تماماً ولذا نجد أنفسنا مضطرّين إلى إعادة القول والتذكير بأنّهم شدّدوا عليه النكير وعاقبوه وبدّعوه وطافوا به سكك دمشق على بغلة بالمقلوب مضروباً بالدرّة وحبسوه ثلاث مرّات بالأحكام التي مرّ ذكرها: النّفاق والزندقة والفسق والكفر؛ فماذا أبقى لإبليس؟! وفي كلّ نوبة يُعلن التوبة فيخرج ثمّ يرجع لأنّ الذي فيه لا يفارقه فيحرّكه ويثير الفتنة من جديد ليرجع إلى مستراحه «السجن» وهكذا حتّى هلك في الثالثة في سجنه.

وزيادةً في إغاضة التيماويّين نذكر ما جاء في الإصابة، قال: إنّ كُدَيْر

____________________

(1) الصواعق المحرقة 101.

(2) نفسه.

 


الصفحة 99

 

الضّبّيّ كان يُصلّي ويقول: اللّهمّ صلِّ على النّبيّ والوصيّ. (1) وذكر الهيتمي نقلاً عن الطبرانيّ، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام: «كلّ دعاء محجوب حتّى يُصلّى على محمّد وآل محمّد» (2).

وفي ذخائر العُقبى، عن جابر رضي‌الله‌عنه أنّه كان يقول: لو صلّيتُ صلاةً لم أُصلِّ فيها على محمّد وعلى آل محمّد ما رأيتُ أنّها تُقبل» (3). وفي تفسير قوله تعالى: (قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى‏) (4).

قال نظام الدّين الحسن بن محمّد النيسابوريّ في تفسيره غرائب القرآن ورغائب الفرقان، بهامش تفسير الطبريّ في آية المودّة: كفى شرفاً لآلِ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وفخراً ختم التشهّد بذكرهم، والصلاة عليهم في كلّ صلاة. (5)

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: معرفةُ آل محمّد براءةٌ من النّار، وحبّ آل محمّد جوازٌ على الصراط، والولاية لآل محمّد أمانٌ من العذاب» (6).

قال القاضي عياض: قال بعض العلماء: معرفتُهم هي معرفة مكانتهم من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وإذا عَرَفَهم بذلك عَرفَ وجوبَ حقّهم وحُرمتهم بسببه (7).

____________________

(1) الإصابة 3: 289/7386.

(2) مجمع الزوائد 3: 289.

(3) ذخائر العُقبى 19.

(4) الشورى: 23.

(5) غرائب القرآن ورغائب الفرقان 5: 519.

(6) الشفا 31.

(7) نفسه.

 


الصفحة 100

 

بعد كلّ هذا: أيُقبل من ابن تَيمِيه صلاة، إن كان من المصلّين! وهل لا يَحجب دعاءَه بُغضُه وناصبيّتُه لأميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام وأهل بيته الطّاهرين وشيعتهم، وكذلك حال يتاماه في كلّ قرن حتّى عصرنا، فما قُطع قرن حتّى ظهر آخر؛ فهل معه ومع أيتامه الذين أضلّهم جوازٌ على الصراط وبراءة من النّار وأمانٌ من العذاب؟!

كلام أحمد بن حنبل في قوله أميرالمؤمنين عليه‌السلام: «أنا قسيمُ النار»: قال القاضي ابن أبي يعلى الحنفيّ: سمعت محمّد بن منصور يقول: كنّا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبدالله ما تقول في هذا الحديث الّذي يروى أنّ عليّاً قال: أنا قسيمُ النّار؟ فقال أحمد: وما تنكرون من ذا؟ أليس قد روَينا أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ: «لا يُحبّك إلاّ مؤمن ولا يُبغضك إلاّ منافق»؟ قلنا: بلى، قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنّة، قال: وأين المنافق؟ قلنا: في النار، قال: فعليّ قسيمُ النّار.(1)

فأحزموا أنفسكم بالأحزمة الناسفة وأمامَكم إمامُكم ابن تَيمِيه لعلّكم تنسفون أنفسكم قبل أن يأخذ أخو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ووصيّه عليٌّ بأيديكم إلى النّار.

وأخرج الحاكم عن شريك، عن قيس بن مسلم، عن أبي عبد الله الجدليّ، عن أبي ذرّ قال: «ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ بتكذيبهم الله ورسوله والتخلّف عند

____________________

(1) طبقات الحنابلة، للقاضي ابن أبي يعلى 1: 320.

 


الصفحة 101

 

الصلوات والبغض لعليّ بن أبي طالب» (1). هذا الحديث وله شواهد نذكرها أنكره ابن تَيمِيه في منهاج ضلاله، وعلّة ذلك واضحة فهو إمام الناصبة، ما من فضيلة أو خصوصيّة لأميرالمؤمنين عليه‌السلام إلاّ وأنكرها، وإذا وجد نفسه ملزماً بذكرها عمد إلى قطع بعض ألفاظها وقال: هذه الزيادة لم تصحّ من غير أن يقيم برهاناً على قوله أو أنّه يصرف اللفظ إلى معنىً غير المعنى الذي وُضع له ويُأوّله تأويلاً بعيداً.

وما يدرينا زيادةً على ما تقدّم في سبب إنكاره الحديث هو الحكم الصادر بحقّه أنّه منافق لقوله: أنّ عليّاً [عليه‌السلام] أسلم صغيراً لا يدري ما يقول، وإسلام الصغير لا يُقبل منه! فمارس وحسب منهجه إسقاط ما في نفسه على أمير المؤمنين عليه‌السلام، فظهر نفاقه ببغضه لعليّ عليه‌السلام.

وعن أبي سعيد الخُدْريّ قال: «ما كنّا نعرف منافقي هذه الأُمّة إلاّ ببغضهم عليًّا» (2). وأبو الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ ولفظه نفس حديث أبي سعيد (3).

وفي المصنّف لابن أبي شيبة 7/505/64 - فضائل عليّ - حدّثنا خلف ابن خليفة عن أبي هارون قال: كنت مع ابن عمر جالساً إذ جاءه نافع بن الأزرق

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 139/43.

(2) سنن الترمذيّ - في المناقب ح 3800 -، و تاريخ الإسلام، للذهبيّ 3: 434.

(3) الاستيعاب 3: 46 و 47، وتاريخ الإسلام 3: 634، ومختصر تاريخ دمشق. ثمّة ملاحظة فمفارقة بين قول ابن الأزرق هنا وبين احتجاجه على ابن الزبير إذ وصف الإمام عليّ عليه‌السلام بأجمل الأوصاف على ما مرّ بنا! فلعلّ هذا بعد استعراض ابن الأزرق الناس للقتل؟!

 


الصفحة 102

 

- أحد رؤوس الخوارج - فقال: والله إنّي لأبغض عليّاً! قال: فرفع ابن عمر رأسه فقال: أبغضك الله، تُبغض رجلاً سابقة من سوابقه خيرٌ من الدنيا وما فيها.

وفي صحيح مسلم، بسندٍ عن زِرٍّ بن حُبيش قال: قال عليٌّ [عليه‌السلام]:

«والذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة إنّه لعهدُ النبيّ الأمّيّ إليَّ أن لا يُحبّني إلاّ مؤمنٌ ولا يُبغضني إلاّ منافقٌ» (1). وبنفس السند والمتن في سُنن ابن ماجة (2).

وهذه بعض المصادر التي ذكرت حديث حبّ عليّ وأنّ إيمانه، وأنّ بغضه نفاق: مسند الحَميدي ح 58، وأنساب الأشراف 1: 383، ومسند أبي يَعْلى 1/251: 291، وخصائص أميرالمؤمنين للنَّسائيّ ح 100 و 102، وصحيح ابن حبّان 15/ 367: 6924 ومعرفة علوم الحديث للحاكم 180، وشرح السنّة، للبغويّ 14/ 14: 3909، وحلية الأولياء 4: 185، ومجمع الزوائد 9: 133.

خلاصة: العجب من ابن تَيمِيه، ثمّ ابن سِتّ النَّعَم، أن يُنكر حديث: حبّ عليّ عليه‌السلام إيمان، وبُغضه نفاق، وأسانيد الحديث لا مطعن فيها وهي تنتهي بأميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام، وأبي سعيد الخُدْريّ، وجابر بن عبد الله، وأبي ذرّ.

والحكم في النقل للعلماء المتقدّمين عهداً لا للجهلة المتأخّرين زمناً، أفنعرض عن أصحاب الصحاح والمسانيد والسُنن والتاريخ صفحاً ونتمسّك بصاحب عاهات لا يفقه ما يقول أطلّ بقرنه بعد أولئك بمئات السنين؟! إنّ الفاصلة الزمنيّة بين ابن تَيمِيه وبين الحَميدي الذي ذكر الحديث في مسنده

____________________

(1) صحيح مسلم 2: 64.

(2) سنن ابن ماجة 1: 42 ح 114.

 


الصفحة 103

 

لا تزيد على (496) سنة، فقد توفّي الحَميدي سنة (219) وتوفّي ابن تَيمِيه سنة (728)، ولكنّنا مدينون للحَميدي أكثر من ابن تَيمِيه لتقدّم الحَميدي فهو ابن العقد الأوّل للقرن الثالث الهجريّ قد سمع من الأوائل وسبق ابن تَيمِيه بخمسة قرون إلاّ أربع سنين. هذا من الناحية الزمنيّة؛ وأمّا السيرة: فلم نجد في سيرة الحَميدي إلاّ الحميد فأصبح مسنده أحد المصادر التي يرجع إليها، فيما عرفتَ من سلوك وعقيدة الثاني وما انتهى إليه أمره.

وما قلناه عن الحَميدي، نقوله عن بقيّة مشيخة السَلَف: فهذا ابن أبي شيبة أبو بكر، عَلَمٌ لا يتخطّاه مشايخ الصحاح والمسانيد والسُنن ... فقد أكثروا عنه واعتبروه حجّة، وهو وإن كان متأخّراً عن الحَميدي، إلاّ أنّه أيضاً توفّي في النصف الأوّل من القرن الثالث الهجريّ، فقد كانت سنة وفاته (235 هـ) وقد ذكر الحديث كما ذكرنا. فكم تكون الفاصلة الزمنيّة بينه وبين الخارجيّ الثاني ابن تَيمِيه، بل كم تكون بينه وبين خارجة عصرنا؟

إنّها تصل اثنى عشر قرناً وهم ينفخون ببوق إمامهم الذي عكفوا عليه من دون أصحاب الصحاح والتصانيف والسُنن والمسانيد ...، ولو بُعث ابن تَيمِيه ونُشر من قبره لا ندري ما يصنع هؤلاء ومن قبل كانت نبوّة سجاح التميميّة النجديّة، ونبوّة مسيلمة التميميّ النجديّ الكذّاب الذي اشترى نبوّة سجاح بنكاح مشبوه! واتّبعهم من أسلافكم أكثر أهل نَجْد وشكّلوا خطراً على الإسلام حتّى قتل الله مسيلمة، وارتدّ طُليحة وارتدّت معه قبائل كثيرة ثمّ فرّ إلى الشام؛ فأنتم ينطبق عليكم قول الخوارج: تتّبعون الرجال على أسمائهم فما قولكم وقول إمامكم ابن

 


الصفحة 104

 

تَيمِيه في أحمد بن حنبل؟ هل عاصرتموه، أم عاصره إمامكم وما الذي خلصتم إليه من القول وهو يذكر كثيراً من فضائل أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام ومنها حديث حبّه وبغضه وأنّه علامة الإيمان والذي كذّبه إمامكم فكذّبتموه وبذا كذّبتم أحمد بن حنبل إمام الحنابلة، وتزعمون أنّكم سَلَفيّون!

إنّ أحمد توفّي سنة (241 هـ) أي قبل وفاة ابن تيميه بـ (487 سنة)، وبينه وبينكم مثل الفاصلة بين ابن أبي شيبة وبينكم. ولعلّكم تقولون: ما لنا ولأحمد فلقد صبا فصار رافضيًّا! أو القول ما قاله ابن سِتّ النِعَم وما قولكم بصحيح مسلم وصاحبه المتوفّى سنة (261 هـ) فهو ابن النصف الثاني من القرن الثالث الهجريّ وفاةً وسابق على ابن تَيمِيه مثل أحمد وأمّا صاحب الصحيح مسلم وهو ممّن ذكر الحديث، فلم يتأخّر وفاةً عن أحمد، فقد توفّي سنة (261 هـ)؛ وتأخّر عنهم ابن ماجة والترمذيّ والبلاذريّ وقد ذكروا الحديث وهم جميعاً توفّوا في النصف الثاني من القرن الثالث الهجريّ. فلقد توفّي ابن ماجة سنة (275 هـ) والترمذيّ سنة (279 هـ) ومثله البلاذريّ. وأمّا الذهبيّ الحنبليّ وهو ممّن ذكر الحديث فهو متأخّر إذ توفّي سنة (748 هـ) وهو حجّة عليكم لأنّه تلميذ ابن تَيمِيه لسنين طويلة إلاّ أنّه لمّا عرف من حاله ومن عقيدته ابتعد عنه وندم على السنوات التي أمضاها معه وكتب إليه رسالةً طويلةً يؤنّبه ويعاتبه وقد أثبتناها ضمن فصل أصحاب الردود على ابن تَيمِيه.

لقد استوجب ابن تَيمِيه ومَن والاه الحكم بالنّفاق لبغضه لأميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام، على لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، لنفيه فضائله وخصائصه بكلّ عناد وذهبت به

 


الصفحة 105

 

وقاحته إلى القول: أنّ الرافضيّ لا يمكنه أن يُثبت إيمان عليّ وعدالته وأنّه من أهل الجنّة، ورماه بالنّفاق وأنّه أوقد نار الفتنة في قتل أصحاب محمّد [ انظر من غير تسميته بالنبوّة والرسالة!! ] بُغضاً له [ أي للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله! ] وأنّه كان مباطناً للمنافقين ... وغير ذلك مما مرّ ذكره.

وكذلك استوجب وأتباعه الحكم بالنّفاق بموجب القرار الذي أصدره قضاة المذاهب الإسلاميّة المالكيّة والحنفيّة والشافعيّة والتي انضمّ إليها أخيراً القاضي الحنبليّ؛ فصار الحكمُ إجماعاً، ولم يُرفع فهو ماضٍ فيه وفي مَن اعتقد عقيدته في ذات الله جلّ وعزّ، وفي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته الكرام والأولياء ومسألة الزيارة ومجموع أفكاره التي أحياها الوهّابيّون الإرهابيّون ممّن لا يخاف المعاد، عاملهم الله بعدله في الدنيا والآخرة.

 

الإسلام يبسط سلطانه على حَرّان

دخلت حَرّان ظلّ الإسلام أيّام عمر بن الخطّاب (رض) (1)، على يد الصحابيّ: «عِياض بن غَنْم بن أبي شدّاد بن ربيعة بن هلال بن أُهَيب بن ضَبّة بن الحارث بن فِهْر، أسلم قبل الحديبيّة وشهد الحديبيّة مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله» (2).

____________________

(1) المصادر جميعاً.

(2) النّسب، لابن سلام 220، والمـُحبَّر، لابن حبيب 432، وطبقات ابن سعد 7: 398، ومختصر تاريخ دمشق 20: 60. وذكره خليفة بن خيّاط وشكّك في انتسابه إلى (غَنْم). وقال: فتح عامّة الجزيرة. وذكره ابن الكلبيّ في جمهرة النّسب ولم يُترجم له.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة