الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 66

 

وعن عوف الأعرابيّ قال: جاء رجل فناشد الزبير فقال: أعَهِد إليكما رسولُ الله شيئاً في مسيركما؟ فقال الزبير: لا، ولكن بلَغنا أنّ عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها (1).

ولقد صدقت مقولة عمر بن الخطّاب في الزبير لمعرفته بحالته النفسيّة السيّئة لما سأله ابن عبّاس على ما مرّ بنا في تصيير الأمر بعده فلمّا ذكر الزُّبير، قال ذاك يومٌ إنسان ويوم شيطان، إن كان لَيُكادِح على المِكْيَلة من بُكرةٍ إلى ظهرٍ حتّى تفوته الصلاة! فهم لا دين لهم، قتلوا وخرجوا على خليفتهم بعد اختيار وضيّقوا عليه الحصار وكفّروه ومنعوه الماء لو لا عليّاً عليه‌السلام وبني هاشم وبعضاً من الأنصار، وبعد قتله وجدوا أنفسهم فرادى حيارى فالأقطار جميعاً لعليّ أميرالمؤمنين فأظهروا غير ما يبطنون فحاق بهم ما يمكرون! إذ خرجوا على الإمام المفترض الطّاعة، وكانوا في طريقهم قطّاع طُرق قَتلَة غاصبي دراهم وسالبي بيت أموال المسلمين، ومع كلّ ذلك فإنّهم لم يُكفّروا أميرالمؤمنين عليّاً عليه‌السلام ولم يُكفّرهم أميرُالمؤمنين عليعليه‌السلام، وحتّى الخارجة التي خرجت عليه يوم صِفّين واجتمعت بالنهروان إنّما رفضت التحكيم فلم تكفّر أميرالمؤمنين عليه‌السلام ولم يكفّرها أميرالمؤمنين، وقد استأمن إليه منهم ثمانية آلاف بعد أن حاججهم! وبقي الآخرون على شعارهم في رفض التحكيم: لا حكم إلاّ لله! ولو لا أنّهم قد عاثوا في السبيل فقتلوا الصابيّ عبدالله بن خبّاب بن الأرتّ، وبقروا بطن امرأته وهي حامل مُقرِب، فيما عفوا عن نصرانيّ لأنّه في ذمّة نبيّهم كما يزعمون!

____________________

(1) المصنّف، لابن أبي شَيبة 7: 544/3775، وأنساب الأشراف 3: 62، وتاريخ الطبريّ 3: 91.

 


الصفحة 67

- وأخافوا السبيل، فطالبهم بالقتلة فصاحوا جميعاً: كلّنا قتلناه! كما قتلوا ثلات نسوة، وقتلوا أمّ سنان الصّيداويّة (1).

مع ذلك كلّه لم يبدأهم بقتالٍ وإنّما ناظرهم كما ذكرنا فحجّهم واستأمن منهم ثمانية آلاف. وطلب من أصحابه أن لا يبدأوهم بقتالٍ حتّى يبدأهم الخوارج، فرماهم الخوارج فقال أميرالمؤمنين عليه‌السلام: كُفّوا، فكرّروا عليه القول ثلاثاً وهو يأمرهم بالكفّ، حتّى أتي برجلٍ متشحّطٍ بدمه، فقال عليه‌السلام: الله أكبر، الآن حلّ قتالهم، احملوا على القوم ... (2).

إنّ الخوارج الذين خرجوا على عثمان؛ نعم كفّروه، وكان أميرالمؤمنين عليّ وبنوه ومجموعة من بني هاشم وبعض من الأنصار في نُصرة عثمان. وأمّا الخوارج الذين رفضوا التحكيم يوم صفّين، فمضوا على وجههم رافضين تحكيم الرجال - بزعمهم - وهم الذين حملوا أميرالمؤمنين عليه‌السلام على قبول حيلة ابن النّابغة في حمل المصاحف والدعوة إلى التحكيم على ما هو معروف فلمّا جرى التحكيم خرج هؤلاء مطالبين برفضه! ولم يفُهْ أحدٌ منهم بتكفير أميرالمؤمنين عليه‌السلام، ولو جرى شيء من ذلك لما رجع منهم (ثمانية آلاف) وهم يصيحون: التوبة! التوبة، يا أميرالمؤمنين. وبذا حقنوا دماءهم وصاروا مع عليٍّ

____________________

(1) الإمامة والسياسة، لابن قُتيبة 1: 122، وأنساب الأشراف 2: 367 - 368، والفتوح 4: 198، والطبريّ 4: 61، وشرح نهج البلاغة 2: 282.

(2) تاريخ خليفة 149، وأنساب الأشراف 3: 149، ومروج الذهب 2: 404 - 406، والفتوح 129 - 133، وتاريخ اليعقوبي 2: 193.

 


الصفحة 68

وشيعته خير البَرِيّة؛ فيما بقي على حربه شرّ البَرِيّة، الذين أخبر أميرُالمؤمنين عليه‌السلام أنّه لا ينجو منهم إلاّ أقلّ من عشرة (1)، انتهى أحدُهم إلى قرب حرّان فنسلُه فيها (2) لم ينقطع، وهي المدينة التي وُلد فيها ابن تَيمِيه وترعرع بها.

 

الخوارج في السّنّة

أخرج ابن ماجة في سننه قال: حدّثنا أبوبكر بن أبي شَيْبه، حدّثنا إسحاق الأزرق عن الأعمش، عن ابن أبي أوفى؛ قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله «الخوارجُ كِلابُ النّار» (3).

وبسنده عن أبي أُمامَةَ: شرُّ قتلى قتلوا تحتَ أديم السماء، وخيرُ قتيلٍ مَن قَتلوا، كلابُ أهل النّار. قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفّاراً. قلتُ: يا أبا أمامةَ! هذا شيءٌ تقولُه؟ قال: بل سمِعتُه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (4).

وعُبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سُوَيد بن غَفْلة، عن عليّ عليه‌السلام، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «يخرج قوم في آخر الزمان، يقرأون القرآن، لا يجاوز تراقِيَهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيّة، قتالُهم حقٌّ على كلّ مسلم» (5).

____________________

(1) الفتوح 4: 120، والكامل، للمبرّد 543.

(2) الفتوح 4: 269 - 275.

(3) سنن ابن ماجة 1: 61/173.

(4) نفسه 1: 62/176.

(5) مسند أحمد 1: 156، وخصائص أميرالمؤمنين علي، للنَّسائيّ 145/178.

 


الصفحة 69

 

ونظير الذي قبله، عن الأعمش، عن خيثمة، عن سويد بن غفلة، عن أميرالمؤمنين عليه‌السلام، إلاّ أنّ آخره: «فأينما أدركتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجراً لمـَن قتلهم عند الله يوم القيامة» (1).

وبسندٍ عالٍ عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّ بعدي من أمّتي قومٌ يقرأون القرآن لا يُجاوزُ حَلاقِيَهم يَخرُجون من الدين كما يخرج السهم من الرَّمِيَّة ثمّ لا يعودون فيه، هُمْ شرُّ الخَلقِ والخَليقة» (2).

وكلّ ذلك منفيّ عن شيعة عليّ وأهل البيت عليهم‌السلام ومتحقّق في الخوارج الأُوَل، فابن تَيمِيه، فنابتة عصرنا، والحَكَمُ عَدْلٌ.

وأخرج النَّسائي، قال: أخبرنا عليّ بن المنذر قال: أخبرنا عاصم بن كُليب عن أبيه، قال: كنتُ عند عليّ رضي‌الله‌عنه جالساً، إذ دخل رجل عليه ثياب السفر، وعليّ يكلّم الناس ويكلّمونه، فقال: يا أميرالمؤمنين أتأذن لي أن أتكلّم؟ فلم يلتفت إليه وشغله ما فيه، فجلس إلى رجل قال له: ما عندك؟ قال: كنتث معتمراً، فلقيتُ عائشة فقالت: هؤلاء القوم الذين خرجوا في أرضكم يُسمّون حَروريّة؟ قلتُ: خرجوا في موضع يُسمّى حروراء، فقالت: طُوبى لِمَن شَهِد منكم، لو شاء ابن أبي طالب لأخبركم خبرهم، فجئت أسأله عن خبرهم، فلمّا فرغ عليّ عليه‌السلام، قال: أين المستأذن؟ فقصّ عليه كما قصّت عليه؛ قال: إنّي دخلتُ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(1) صحيح البخاري (3611، 5057، 6930)، وصحيح مسلم (7: 167 - 168)، ومسند أحمد (1/81، 113، 131)، والفضائل، له/1198، وسنن أبي داود/4767، ومسند أبي يعلى (1/226).

(2) صحيح مسلم 7: 174.

 


الصفحة 70

 

وليس عنده غيرُ عائشة، فقال لي: كيف أنت يا عليّ وقوٌ كذا وكذا؟ قلتُ: الله ورسولُه أعلم. قال: ثمّ أشار بيده، فقال: قومٌ يخرجون من المشرق يقرأون القرآن، لا يُجاوز تراقِيَهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السَّهمُ من الرَّميّة، فيهم رجل مخدّج (1)، كأنّ يده ثدي حبشيّة، أنشدكم بالله أخبرتكم أنّه فيهم؟ قالوا: نعم. فجئتوني وأخبرتوني أنّه ليس فيهم، فحلفتُ لكم بالله أنّه فيهم، ثمّ أتيتموني به كما نعتُّ لكم؟ قالوا: نعم، صدق الله ورسوله (2).

وبسندٍ عن أبي سعيد الخُدريّ، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، أنّه ذكر أناساً يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميّة، هم شرُّ الخَلْق، تقتلهم أولى الطائفتين بالحقّ، وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق (3).

نكتفي بهذا القدر ممّا جاء في السُّنّة الشريفة بشأن ابن تيميه وسلفه الخوارج، فهم كلابُ النّار، وهم شرُّ قتلى، ومن الكفر هربوا وفيه وقعوا، وقتالهم حقّ واجب على كلّ مسلم، لا حظّ لهم من الدّين وإن علت أصواتهم بقراءة القرآن كما هو حال الوهّابيّين لأنّهم قطّاعُ طُرق قتلة سفّاكوا دماء المسلمين فهم شرّ الخلق والخليقة، فمعاذ الله تركُ الإسلام ومتابعة الخوارج!

____________________

(1) مُخَدَّج: أي ناقص اليَد.

(2) خصائص أميرالمؤمنين عليّ، للنَّسائيّ 145/178.

(3) صحيح مسلم 7: 169، والخصائص، للنَّسائيّ (140/168).

 


الصفحة 71

إمام الخوارج وشيخها

حق لأتباع ابن تَيمِيه إطلاق تسميات (الإمام المـُطلَق) و (شيخ الإسلام) على قائد مسيرتهم الذي سوّغ لهم كلّ منكر، ولمّا كانوا نواصباً فقد وجدوا ضالّتهم فيه، فهو أكذب من مسيلمة وإن كان كلّ واحد منهما في أمر. ولعلّنا لا نعدو الحقيقة إن قلنا أنّ مسيلمة أقلّ خطراً فهو ادّعى النبوّة من غير معجزة وهذا كافٍ في إنهاء أمره! ثمّ قتله الله تعالى على أيدي جند الإسلام وانمحى أثره.

أمّا ابن تَيمِيه ففتنته قد امتدّت على مدى سبعة قرون، سيق كما ذكرنا ونذكر مفصّلاً في موضعه مرّات ثلاث الى المحاكم ثمّ إلى السجون بقلعة دمشق يرافقه تلميذه ابن قيّم الجوزيّة، وتهمته: فاسق، زنديق، كافر؛ أمضاه القاضي المالكيّ والشّافعيّ والحنفيّ وأخيراً الحنبليّ. وتاب كاذباً! إذ أفرج عنه فعاد إلى السجن وهكذا حتّى خرج في الثالثة جسداً بلا روح!

إنّ مسيلمة لم يتكلّم في ذات الله، فيما خاض ابن تَيمِيه في هذا الأمر ممّا سنعرض له في عقيدته، ولذا حُوقق واُلزم في ذلك. وهذه المسألة من الإرث الجاهليّ لأعراب جزيرة العرب عكف عليها ابن عبد الوهّاب وتابعه أعراب نَجْد يقتلون ويذبحون مَن خالفهم.

والمسألة الأخرى التي تصدّر بها هذا الخارجيّ: ابن تَيمِيه، وست النَّعَم! فصار إمام الخوارج المـُطلَق وشيخ الإسلام بُغضه الذي لم يُعرف في تاريخ الخوارج! فما من فضيلة لأهل البيت عليهم‌السلام إلاّ وأنكرها أشدّ الإنكار ودليله دائماً إنّ هذا كذب بالإجماع، أو موضوع باتّفاق أهل المعرفة بالمنقولات من غير أن

 


الصفحة 72

يذكر شيئاً من ذلك. ثمّ يفرّع على ذلك فيجعل تلك الفضيلة خاصّة بالنواصب والخوارج! ونذكر مثالاً من ذلك، ثمّ نذكر بعض الموارد إدراجاً - وهي كثيرة للغاية - التي يذكر فيها الخوارج ليتيقّن القارئ على صحّة ما وصلنا إليه من خارجيّة ابن تيميه: قال ابن تيميه: قال الرافضي: البرهان الثالث والثلاثون (أي في إمامة أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام) قوله تعالى: (إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ) (1). روى الحافظ أبو نعيم بإسناده إلى ابن عبّاس لمّا نزلت هذه الآية قال رسول الله لعليّ: تأتي أنت وشيعتّك يوم القيامة راضين مرضيّين ويأتي خصماؤك غضاباً مُقحمين ... (2).

قال الخارجيّ ابن تَيمِيه: إنّ هذا معارض بمَن يقول: إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم النّواصب كالخوارج، ويقولون: إنّ مَن تولاّه فهو كافر مرتدّ فلا يدخل في الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... (3).

تعليق: لا يسعني أن أنتقل إلى بقيّة أقواله في الخوارج من تعليق سريع: مَن هذا الذي نسب إليه ابن اليتيمة القول؟ هل هو من أهل العلم بالمنقولات والمعرفة والحديث على عادته المنتظمة إذا أنكر حديثاً؟! أم أنّه تركه لبديهة البلهاء من أتباعه الذين يستبطنون دواخل كلامه ويتّبعون منكَره؟! وأمّا نحن فقد تيقّنّا أنّه في كلّ موطن يقول فيه هذه الأقوال فإنما يقصد نفسه لا غير! ثمّ متى

____________________

(1) البيّنة: 7.

(2) منهاج السنّة 4: 70.

(3) منهاج السنّة 4: 127.

 


الصفحة 73

صار كلابُ النار، الذين هربوا من الكفر وفيه وقعوا، كما أخرج ابن ماجة عن أبي أمَامة، وقوله قد ذكرناه «قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفّاراً».

ويوم النهروان، تقدّم إلى أميرالمؤمنين عليه‌السلام حبيب بن عاصم الأزدي فقال: يا أميرالمؤمنين، هؤلاء الذين نقاتلهم أكفّارٌ هم، فقال عليه‌السلام: من الكفر هربوا وفيه وقعوا (1).

إنّ الحكم على الخوارج بالكفر إنّما لأنّهم كانوا يكفّرون أهل الإيمان مثل الصحابيّ عبد الله بن خبّاب والنسوة اللاّتي ذكرناهنّ وقتلهم في وقت كانوا يعفون عن الذمِّيّ ...

هؤلاء الذين قتالهم حقٌّ على كلّ مسلم فهم شرّ الخلق والخليقة خرجوا من الدّين ثمّ لا يعودون فيه ...، وأنّ أولى الطّائفتين بالحقّ وهم أهل العراق مع أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام، يتولّون قتلهم كما أنبأ به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فكان كما قال. وبعد ذلك كلّه وغيره: يكون ابن تَيمِيه وأسلافه الخوارج هم خيرُ البريّة، وأميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام مرتدّاً! وشيعته شرّ البريّة!

 

ابنُ تَيمِيه يُصرّح بخارجيّته

ذكرنا شيئاً من البراهين على خارجيّة ابن تَيمِيه، من ذلك بعض أقواله التي يمجّد أسلافه الخوارج، ويذمّ أميرالمؤمنين عليّاً عليه‌السلام ويكفّره، ونذكر هنا بعض أقواله التي تقطع وتجزم بخارجيّته أخذناها من منهاج ضلاله «منهاج السُّنّة» من

____________________

(1) الفتوح 4: 127.

 


الصفحة 74

غير أن نعلّق عليها وإنّما اكتفينا بوضع خطّ على ما لزم ووجب: قال الخارجيّ ابن تيميه: إنّ عليّاً لم ينزهّه المخالفون، بل القادحون في عليّ طوائف متعدّدة وهم أفضل من القادحين في أبي بكر وعمر وعثمان والقادحون فيه أفضل من الغلاة فيه فإنّ الخوارج متّفقون على كفره وهم عند المسلمين كلهم خيرٌ من الغلاة الذين يعتقدون إلهيّته أو نبوّته، بل هم والذين قاتلوه من الصّحابة (طلحة والزبير وعبد الله بن الزبير ومروان ومعاوية والضحّاك ...) والتابعين خيرٌ عند جماهير المسلمين من الرافضة الاثني عشريّة الذين اعتقدوه إماماً معصوماً.

والخوارج المكفّرون لعليّ يوالون أبابكر وعمر ويترضّون عنهما، والمروانيّة الذين ينسبون عليّاً إلى الظلم ويقولون إنّه لم يكن خليفة، يوالون ابا بكر و عمر ...، فكيف يقال: إنّ عليّاً نزّهه الموافق والمخالف بخلاف الخلفاء الثلاثة؟ ومن المعلوم أن المنزّهين لهؤلاء أعظم وأكثر وأفضل وأنّ القادحين في عليّ حتّى بالكفر والفسوق والعصيان طوائف معروفة وهم أعلم من الرافضة وأدين والرافضة عاجزون معهم عِلماً ويداً فلا يمكن الرافضة أن تقيم عليهم حجّة تقطعهم بها ولا كانوا منصورين عليهم في القتال (في الجمل، وصفّين، والنهروان؟!)، والذين قدحوا في عليّ وجعلوه كافراً وظالماً، ليس فيهم طائفة معروفة بالردّة عن الإسلام ...، فمن يُكفّر عليّاً ويلعنه من الخوارج (ليس فيهم مَن لعنه وإنّما برأوا منه وبرأ منهم!) وممّن قاتله ولعنه من أصحاب معاوية وبني مروان وغيرهم فإنّ هؤلاء كانوا مقرّين بالإسلام وشرائعه يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون رمضان ويحجّون البيت العتيق ويحرّمون ما حرّم الله ورسوله ...،


الصفحة 75

فالمنزّهون لعثمان القادحون في عليّ أعظم وأدين وأفضل من المنزّهين لعليّ القادحين في عثمان (1).

قال: إنّ الرافضيّ لا يمكنه أن يثبت إيمان عليّ وعدالته وأنّه من أهل الجنّة فضلاً عن إمامته إن لم يُثبت ذلك لأبي بكر وعمر وعثمان وإلاّ فمتى أراد إثبات ذلك لعليّ وحده لم تساعده الأدلّة. فإذا قالت الخوارج الذين يكفّرون عليّاً (2) أو النواصب الذين يفسّقونه أنّه كان ظالماً للدنيا وأنّه طلب الخلافة لنفسه وقاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفاً من المسلمين حتّى عجز عن انفراده بالأمر فهذا الكلام إن كان فاسداً، ففساد كلام الرّافضيّ في أبي بكر وعمر أعظم (3) ...

قال: إذا قالت لهم الخوارج وغيرهم ممّن تُكفّره أو تُفسّقه لا نُسلِّم أنّه كان مؤمناً بل كان كافراً ...، لم يكن لهم دليل على إيمانه! وعدله إلاّ وذاك الدليل على أبي بكر وعمر وعثمان أدلّ. فإن احتجّوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده، فقد تواتر ذلك عن هؤلاء بل تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أميّة وبني العبّاس وصلاتهم وصيامهم وجهادهم للكفّار. فإن ادّعوا في واحد من هؤلاء النّفاق أمكن الخارجيّ أن يدّعي النّفاق (أي في عليّ عليه‌السلام)، وأنّه سعى في قتل

____________________

(1) منهاج السُّنّة 3: 3.

(2) نعتذر من القارئ الكريم أن نذكّره بما تقدّم من القول أنّ الخوارج لم تكفّر عليّاً عليه‌السلام، وإنّما الكلمات القارصة هذه هي لابن تَيمِيه وإلاّ لذكر اسم واحد من أولئك!

(3) منهاج السُّنّة 1: 162.


الصفحة 76

الخليفة الثالث! وأوقد الفتنة حتّى غلا في قتل أصحاب محمّد وأمّته (أصحاب الجمل الذي خرجوا عليه) بُغضاً له - أي للنبيّ! - وعداوةً وأنّه كان مباطناً للمنافقين الذين ادّعوا فيه الإلهيّة والنبوّة؛ وكان يُظهر خلاف ما يُبطن لأنّ دينه التقيّة! فلمّا أحرقهم بالنّار أظهر إنكار ذلك وإلاّ فكان في الباطن معهم، ولهذا كانت الباطنيّة من أتباعه وعندهم سرّه وهم ينقلون عنه الباطن الذي ينتحلونه (1) ...

قال: إنّ إخباره (أي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله) أنّ عليًّا يُحبّ الله ورسوله ويُحبّه الله ورسوله حقّ وفيه ردّ على النّواصب! لكن الرافضة الذين يقولون أنّ الصّحابة ارتدّوا بعد موته لا يمكنهم الاستدلال بهذا لأنّ الخوارج تقول لهم هو ممّن ارتدّ أيضاً (2).

قال: والخوارج أعقلُ وأصدق وأتبع للحقّ من الرّافضة، فإنّهم صادقون لا يكذبون أهل دين ظاهراً وباطناً، وأمّا الرّافضة فالجهلُ والهوى والكذب غالب عليهم وكثير من أئمّتهم وعامّتهم زنادقة ملاحدة (3) ...

قال: لم تكفّر الصّحابة الخوارج مع تكفيرهم - أي تكفير الخوارج - لعثمان

____________________

(1) منهاج السُّنّة 1: 163.

ما جاء به الأفّاك الأشِر، سنتكلّم عليه في موضعه، ولكن: متى كفر عليّ لينتقل إلى إيمان؟! كلّ سجد لصم وباشر رذيلة، وعليّ من رحم فاطمة بنت أسد إلى رحم الكعبة ومن ثَمَّ إلى حضن النبي ليُطعمه ريقه؛ وما قيل كرّم الله وجهه إلاّ لعليّ عليه‌السلام لتكريم وجهه عن السجود للأصنام.

(2) نفسه 4: 98.

(3) نفسه 70.


الصفحة 77

وعليّ ومَن والاهما واستحلالهم لدماء المسلمين المخالفين لهم (1).

قال: وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «لأعطينّ الرّاية رجلاً يُحبّ الله ورسوله ويُحبّه الله ورسوله» قال: فتطاولنا، فقال: ادعوا لي عليًّا فأتاه وبه رمَد فبصق في عينيه ودفع الرّاية إليه ففتح الله على يديه «أنكر مسألة الفتح أشد الإنكار في كلامه عن فتح خيبر وقد تكلّمنا عنه في محلّه» هذا الحديث أصحّ ما يُحتجّ به على النّواصب الذين يتبرّأون منه ولا يتولّونه ولا يُحبّونه بل قد يكفّرونه أو يفسّقونه كالخوارج؛ فإنّ النبيّ شهد له بأنّه يُحبّ الله ورسوله ويُحبّه الله ورسولُه، لكن هذا الاحتجاج لا يتمّ على قول الرّافضة الذين يجعلون النّصوص الدّالّة على فضائل الصّحابة كانت قبل رِدّتهم فإنّ الخوارج تقول في عليّ مثل ذلك. (2)

نكتفي بهذا المقدار من أقوال ابن تَيمِيه التي دافع باطلاً بها عن الخوارج تارةً، وأخرى، وهي الأكثر: شنّ غارة النَّصب على لسان الخوارج وهم أطهر منه وأفضل! كلمة إنصاف بحقّ الخوارج: إنّ الخوارج على ما هم عليه وما جاء فيهم من النكير ونعتهم بكلاب النّار، ووجوب قتلهم ...؛ إلاّ أنّنا وجدناهم لمّا ناظرهم أميرُالمؤمنين عليّ عليه‌السلام فإنّ ثمانية آلاف من خوارج الكوفة قد أقرّوا بخطيئتهم وأعلنوا التوبة واعتزلوا أصحابهم ...

وأمّا الذين ظهروا فيما بعد فقد اقتدوا بآثار سَلَفهم: فهم يرون أنّ عثمان قد أثار الفتنة باستيلائه على أموال بيت المسلمين وإيوائه الطريد «الحَكَم» وتسليطه

____________________

(1) نفسه 3: 23.

(2) منهاج السّنة 3: 11.


الصفحة 78

آل بني مُعيط رقابَ المسلمين، وأمّا أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام؛ فكلامهم فيه كلام سلفهم أيضاً من تحكيم الرجال من غير أن يرجع عن ذلك إلاّ أنّه إمام عدل مرضيّ لم يظهر منه كفر - كما زعم ابن تَيمِيه وألقاه على ألسنتهم -، وإن طلحة والزبير بايعا عليّاً عليه‌السلام ثمّ نكثا البيعة وأخرجا عائشة تقاتل؛ وهما «طلحة والزبير» كانوا أشدّ النّاس على عثمان. هذا هو رأي الخوارج.

ولنسمع ابن عبد ربّه الأندلسيّ ماذا يذكر في الذي ذكرناه وفي الذي قال: هم - أي الخوارج - وابن الزبير: فبلغهم خروجُ مسلم بن عُقبة إلى المدينة وقتلُه أهل حَرّة، وأنّه مُقبل إلى مكّة (1)، فقالوا: علينا أن نمنع حَرَم الله ونمتحن ابن الزبير،

____________________

(1) إنّ الخوارج الذين أكثر النّاصبيّ الخارجيّ الشّاذّ عنهم! ابن تيميه، ووصفهم بالصدق؛ فهم كذلك، على خلاف ابن تيميه إلاّ في مسألة البراءة ممّن لم يتبهم على رأيهم؛ ولذا لم يكونوا مثل الخارجيّ الناصبيّ الذي غلبت عليه بيئة تمور بعقائد الصابئة واليهود والنّصارى وأمويّة لم تنزع ثياب الجاهليّة ولها أحقادها على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله والوصيّ عليه‌السلام وأهل بيته عليهم‌السلام ولذا جاؤوا يمنعون حَرَم الله من أوباش أهل الشام الذين بعثهم الناقص ابن معاوية بعد أن أوقع بأهل المدينة وتوجّه جيشه صوب البيت الحرام إذ عاذَ به عبد الله بن الزبير.

أمّا ابن تَيميه فهو ينتصر لبني أميّة قاطبة: أبوسفيان الذي يقول عنه سيّد قريش في الجاهليّة وقائد حروبها ضدّ رسول الله! ويتكلّم عن إيمان معاوية ويزيد وصلاتهم وصيامهم وجهادهم وحجّهم، على ما ذكرنا، ويتنقّص أميرالمؤمنين عليًّا عليه‌السلام ويثلب إيمانه ويصفه بالنّفاق؛ ويفضّل أتباع بني أميّة على أتباع أهل البيت؛ إلاّ أنّ الخوارج على نقيضه تماماً! ولذلك حمّل الحسين عليه‌السلام سبب مقتله وبرّأ يزيد من ذلك؛ وكذلك حمّل أهل المدينة سبب ما حدث في وقعة الحرّة، وحمّل ابن الزبير ما وقع للحرم المكّي! وليس هنا محلّ إعطاء الأمور المذكورة حقّها وسنفرد لها باباً نتكلّم فيه عن بني أميّة في ضوء منهج ابن تَيمِيه وما خَلَف. إلاّ أنّ من المناسب =


الصفحة 79

____________________

= القول موجزاً: أنّ يزيد حكم ثلاث سنين وستّة أشهر، اشتُهر عنه معاقرة الخمور والفجور والجمع بين الأختين واللّهو مع القيان حتّى تفوته الصلوات! والظلم واتّخذ قِرداً سمّاه: قُبيس ألبسه الذهب كان يجلسه معه على منبر المسلمين يلاعبه ...

ارتكب يزيد خلال سنوات حُكمه الثلاث، ثلاث جرائم عظمى، برأ منه أعتى العتاة أن يعينه في بعضها على ما سترى، وسارع الخوارج لدفعه عن الجريمة الثالثة، وأطبق المؤرّخون: سَلَفيّون وغيرُهم بما فيهم تلامذة ابن تَيمِيه، مثل: ابن الورديّ الذي بقي ملازماً له حتّى هلك الأُستاذ في حبسه؛ والسَلَفيّ المِزّيّ الذي فارق أستاذه لمّا ظهرت له حقيقته وفساد عقيدته حتّى أنّه لم يترجم له في موسوعته (تهذيب الكمال) حتّى ضمن المجهولين والمهملين ومنهم تلميذه الذهبيّ الحنبليّ وقد فارقه كذلك، وأيضاً ابن كثير الحنبليّ. ذكرنا هؤلاء لأنّهم من أئمّة السَلَف وتلامذة مباشرة لابن تَيمِيه الذي برّأ ساحة يزيد من جرائمه الثلاث! ففي السنة الأولى من حكمه المشؤوم قتل سبط رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وريحانته سيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن علي عليهما‌السلام وأهل بيته وأصحابه الكرام وجرى لعياله من الأسر ما هو معلوم ...؛ وفي السنة الثانية أوقع بأهل المدينة المنوّرة هتك حرمة مدينة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأوكل المهمّه إلى الطّاغية ابن مرجانة (عبيد الله ابن الدعيّ زياد بن سُميّة) فقد كتب إليه: أن أغزُ ابن الزبير، فقال: لا أجمعهما للفاسقِ أبداً! أقتلُ ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه [و آله] وأغزو البيت. (تاريخ الطبري 4: 371).

تباينت كلمة الأبناء وتناقضت! فالأوّل الذي حطّ رحال نسبه عند تيميه، قد توفّي سنة (728 هـ). وأما ابن زياد ثمّ ابن سُميّة، فهوابن القرن الهجريّ الأوّل وهو الذي أوكل إليه ابن ميسون قتل الحسين وأهل بيته عليهم‌السلام وصحابته الكرام؛ فهو أعرفُ بحاله ولذا رفض أوامره مع اعترافه بجريمته في قتل ابن بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ... ووصف يزيد بالفسق، وكلّ ذلك ينفيه ابن تيميه وخلَفه. ولنا ردّ على أحد متأخّريهم إذ كتب (حقائق عن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية) ونشرته وزارة المعارف بالمملكة العربيّة السعوديّة، نفي فيه ما أثبته التاريخ من القرون الأولى، وأقرّها أئمّة السَلَف منهم مَن ذكرنا آنفاً للوشيجة بينهم وبين ابن تَيمِيه. =


الصفحة 80

فإن كان على رأينا تابعناه، فلمّا صاروا إلى ابن الزبير عرّفوه أنفسهم وما قدِمُوا له، فأظهر لهم أنّه على رأيهم، حتّى أتاهم أهل الشام ومسلم بن عُقبة، فدافعوه

____________________

= ولما رفض قاتل الحسين عليه‌السلام طاعة الناقص كتب هذا إلى عمرو بن سعيد يأمره فرفض ...، عند ذلك بعث إلى مسلم بن عُقبة فقبل المهمّة وقد أجمع المؤرّخون على تسميته: مُسرف، ومجرم، والشيخ الضال ...، فقال: وجّهني إليهم، فو اللهِ لأدعنّ أسفلها أعلاها، يعني مدينة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (تاريخ اليعقوبي 2: 250) وكان دستور يزيد لمسلم وأهل الشام هو إباحة المدينة ثلاثة أيّام ... وكان مسرف يسمّي مدينة رسول الله (نتنة) وقد سمّاها رسول الله: (طَيْبة). (مروج الذهب 3: 69).

حرق الكعبة: توجّه الجيش الشاميّ صوب البيت الحرام وطال حصار ابن الزبير حتّى السنة الثالثة من حكم الطّاغية يزيد، وكان ابن الزبير يسمّي نفسه العائذَ بالبيت. وقبل وصول أهل الشام إلى بيت الله وهم الذين سمّتهم الرعاية الأُمويّة: الأبدال؛ أي يُبدل الله بهم و يختارهم من دون غيرهم لينتصر بهم لدينه على طول التاريخ فلا يخرج إلى غيرهم! ولذا حبُلت ألف امرأة من غير زوج وافتُضّت ألف بِكْر لمّا دخلوا حرَم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (البداية والنهاية 8: 220 - 221، تاريخ الخلفاء 233)؛ وغير ذلك من الفضائح التي سوّدت وجه بني أميّة وابن تَيمِيه.

هلاك الطاغية: قبل وصول الأبدال مكّة احتُضر مُسرف، وامتثالاً لأوامر مولاه ولّى على الجيش الحُصين بن نمير السُكوني وقال له: يا برذعة الحمار! إذا قدِمت مكّة فلا يكون عملُك إلاّ الوقاف ثمّ الثقاف ثمّ الانصراف، وهلك ... (تاريخ اليعقوبي). وتوجّه أهل الشام نحو مكّة، وجاء نَجْدة الحنفيّ في أناس من الخوارج يمنعون البيت الحرام (من الأبدال!). حاصر الحصين البيت الحرام أربعاً وستّين يوماً ورموا البيت بالمنجنيق بالأحجار والنفط ... فاحترق وانهدمت أركان الكعبة والأبدال يرتجزون جذلين ... نرمي بها أعواد هذا المسجد! (الإمامة والسياسة 2: 9، تاريخ الطبري 3: 383، تاريخ اليعقوبي 252، مروج الذهب 3: 72، البداية والنهاية 8: 225؛ وخالفهم ابن تَيمِيه).

إذ برّأ يزيد من تلك الشنائع، ودأب على منهج ضلاله خارجة عصرنا!!!).


الصفحة 81

إلى أن يأتي رأي يزيد بن معاوية، ولم يتابعوا ابن الزّبير، ثمّ تناظروا فيها، فقالوا: ندخل إلى هذا الرجل فننظر ما عنده، فإن قدّم أبابكر وعمر وبرأ من عثمان وعليّ، وكفّر أباه وطلحة بايعناه، وإن تكن الأخرى ظهرَ لنا ما عنده فتشاغلنا بما يُجْدِي علينا. فدخلوا على ابن الزبير وهو مُبتذَل(1) وأصحابه متفرّقون عنه، فقالوا له: إنّا جئناك لتُخبرنا رأيَك، فإن كنت على صواب بايعناك، وإن كنت على خلافٍ دعوناك إلى الحقّ؛ ما تقول في الشيخين؟ قال: خيراً، قالوا: فما تقول في عثمان الذي حمى الحِمَى (2)، وآوى الطريد، وأظهر لأهلِ مصر شيئاً وكتبَ بخلافه , وأوطأ آل بني مُعيط رقابَ الناس وآثرهم بفيء المسلمين؛ وفي الذي بعده الذي حكّم الرجالَ في دين الله وأقام على ذلك غير تائب ولا نادم؛ وفي أبيك وصاحبه وقد بايعا عليّاً، وهو إمام عادلٌ مرضيٌّ لم يظهر منه كفر، نكثا بيعته وأخرجا عائشة تقاتل، وقد أمرها الله وصواحبها أن يَقَرْن (3) في بُيوتهنّ، وكان لك في ذلك ما يدعوك إلى التَوْبة، فإن أنت قبلتَ كلّ ما نقول، لك الزُّلفى عند الله، والنصرُ على أيدينا إن شاء الله، ونسأل الله لك التوفيق، وإن أبيت، خذلك وانتصر منك بأيدينا (4).

____________________

(1) مبتذَل: غير محتاط ومصون.

(2) حمى الحمى: يريدون أنّه خالف قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: (لا حمى إلاّ لله ورسوله) أي: لا يحمى للخيل التي تُرصد للجهاد والإبل التي يُحمل عليها في سبيل الله.

(3) يَقَرْن: يجلسن في بيوتهنّ ولا يخرجن.

(4) العقد الفريد 2: 235.


الصفحة 82

وقبل أن نسمع جواب ابن الزبير أشدّ النّاس بُغضاً لأميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام، تجلّى ذلك أوضح ما تجلّى باستماتته في حرب الجَمَل. أقول: إنّ الخوارج الذين كذب عليهم الخارجيّ الناصبيّ ابن تَيمِيه، في قولهم أنّ الخوارج قد كفّروا عليّاً وعثمان! وجدناهم هنا مثلما استنتجنا وأسعفتنا النّصوص من قبل أنّهم إنّما كفّروا طلحة والزبير؛ وقد نكثا بيعتهما لأميرالمؤمنين عليه‌السلام وأخرجا عائشة تقاتل، وليس هذا شأنها؛ وذكروا مثالب عثمان من غير تكفير مثلما أثبتوا ذلك لطلحة والزبير ولذلك طالبوا ابن الزبير أن يُعلن توبته لأنّه طرف فاعل وهو وأبوه وطلحة وغيرهم ممّن حلفوا بالله لعائشة بشأن ماء الحَوأب كذِباً، فكانت أوّل شهادة زور في الإسلام، ولذا طالبوه بالتوبة لينصروه. وأمّا بشأن أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام فهو عندهم إمامٌ عادلٌ مرضيّ لم يظهر منه كفر، إلاّ أنّهم بقوا على الشُّبهة الّتي وقع فيها سلفُهم وهي تحكيم الرجال!

[ جواب ابن الزبير ] فقال ابن الزبير: إنّ الله أمر وله العزّة والقدرة في مخاطبة أكفر الكافرين وأعتى العاتين بأرقّ من هذا القول؛ قال لموسى وأخيه صلّى الله عليهما: (اذْهَبَا إِلَى‏ فِرْعَوْنَ إِنّهُ طَغَى‏ * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لّيّناً لّعَلّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَى‏) (1). وقال رسول الله: (لا تؤذوا الأحياء بسبِّ الموتى). فنهى عن سبّ أبي جهل من أجل عِكرمة ابنه، وأبو جهل عدوّ الله ورسوله، والمقيم على الشرك والجادُّ في محاربة رسول الله قبل الهجرة والمحاربُ له بعدها، وكفى بالشرك ذنباً؛ وقد كان يُغنيكم عن هذا القول الذي سمّيتم فيه طلحة وأبي أن تقولوا: أتبرأ من الظالمين؟ فإن

____________________

(1) طه: 43، 44.


الصفحة 83

كانا منهم دخلا في غمار الناس (1)، وإن لم يكونا منهم لم تحفظوني بسبِّ أبي وصاحبه، وأنتم تعلمون أن الله عزّ وجلّ قال للمؤمن: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى‏ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدّنْيَا مَعْرُوفاً) (2) وقال: (وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً) (3). وهذا الذي دعوتم إليه أمرٌ له ما بعدَه، وليس يقنعكم إلاّ التوقيف والتّصريح، ولعمري إنّ ذلك أحْرَى بقطع الحُجج، وأوضحُ لمنهاج الحقّ، وأولى بأن يعرف كلّ صاحبه من عدوّه. فروحوا إليَّ من عشيِّتكم عذه أكشف لكم ما أنا عليه إن شاء الله تعالى (4).

 

خطبة ابن الزبير فيهم

فلمّا كان العَشي راحوا إليه، فخرج إليهم وقد لبس سلاحه، فلمّا رأى ذلك نَجدةُ (5)، قال: هذا خروج منابذٍ (6) لكم. فجلس على رفع من الأرض فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على نبيّه، ثمّ ذكر أبا بكر وعمر أحسنَ ذكرٍ، ثمّ ذكر في السنين الأوائل من خلافته؛ ثمّ وصلهنّ بالسّنين التي أنكروا سيرته فيها فجعلها كالماضية، وأخبر أنّه آوى الحكم بن أبي العاص بإذن رسول الله، وذكر الحِمَى

____________________

(1) غُمار الناس: جهلتهم.

(2) لقمان: 15.

(3) البقرة: 83.

(4) العقد الفريد 2: 235 - 236.

(5) نَحْدة بن عاصم الحنفيّ الخارجيّ.

(6) منابذ: مناجز ومعارض ومعدّ لحرب.


الصفحة 84

وما كان فيه من الصلاح! وأنّ القوم استعتبوه من أمورٍ ما كان له أن يفعلها أوّلاً مصيباً ثمّ أعتبهم بعد ذلك محسناً ...، وراح يذكر ما كان من أمور عثمان مثل كتابة الكتاب باسمه في قتل فلان وفلان وقطع يد فلان وفلان ...، ممّا مرّ تفصيله سابقاً؛ ودافع عن أبيه وصاحبه طلحة وعائشة؛ فانصرفوا عنه (1).

 

كتاب ابن الأزرق إلى ابن الزبير

وكتب بعد ذلك نافعُ بن الأزرق إلى عبد الله بن الزبير يدعوه إلى أمره: أما بعد، فإنّي أحذّرك من الله: يوم تَجدُ كلُّ نفسٍ ما عمِلت من خيرٍ مُحضراً وما عمِلت من سوء تَودّ لو أنّ بيها وبينه أمداً بعيداً، ويُحذِّرُكم الله نفسه، فاتّق الله ربّك ولا تتولَّ الظالمين، فإنّ الله يقول: (وَمَن يَتَوَلّهُم مِنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ) (2) وقال: (لاَ يَتّخِدِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِيْ شَيْ‏ءٍ) (3)، وقد حضرتَ عثمان يوم قتل. فلعمري لئن كان قتل مظلوماً لقد كفر قاتلوه وخاذلوه، ولئن كان قاتلوه مهتدين، وإنّهم لمهتدون، لقد كفر مَن تولاّه ونصره ولقد علمتَ أنّ أباك وطلحة وعليّاً كانوا أشدّ الناس عليه، وكانوا في أمره بين قاتل وخاذلٍ، وأنت تتولّى أباك وطلحة وعثمان، فكيف ولايةُ قاتلٍ متعمّدٍ ومقتول في دين واحد؟ ولقد ولي عليّ فنفى الشُّبهات، وأقام الحدود، وأجرى

____________________

(1) العقد الفريد 237.

(2) المائدة: 51.

(3) آل عمران: 28.


الصفحة 85

الأحكام مجاريها، وأعطى الأمور حقّها فيما عليه وله، فبايعه أبوك وطلحة، ثمّ خلعا بيعته ظالمين له، وإنّ القول فيك وفيهما لكما قال ابن عبّاس (رحمه الله): إن يكن عليٌّ في وقت معصيتكم ومحاربتكم له كان مؤمناً لقد كفرتم بقتال المؤمنين وأئمّة العدل، ولئن كان كافراً كما زعمتم وفي الحكم جائراً لقد بؤتم بغضبٍ من الله لفراركم من الزحف، ولقد كنتَ له عدوّاً، ولسيرته عائباً، فكيف تولّيته بعد موته؟! (1)

 

عليّ عليه‌السلام في وصف الخارجيّ: ابن الأزرق؛ والخارجيّ ابن تَيمِيه

أيُّ كذّاب أشِر، أيّ شانئ أبتر، أيّ ...؟! ظلم الخوارج بما وزر! هلاّ رحم نفسه فكان في الثمانية آلاف خارجيّ ممّن أعلنوا التَوبة فرجعوا إلى أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام، هلاّ كان خارجيّاً فلا يقول إلاّ حقّاً ويجتنب الكذب! ولو صدق فهو العجب! دعنا منه وقد ذكرنا كثيراً من منهاج ضلاله وما يصف به أميرالمؤمنين عليّاً عليه‌السلام، ولنوازن بين منطقه ومنطق الخارجيّ ابن الأزرق، مرّ بنا:

فكما ذكرنا أنّ طلحة والزبير قتلة عثمان، وذكره ابن الأزرق والخوارج قد قاتلوا عليّاً عليه‌السلام إلاّ أنّهم ينطقون بحقّه:

لقد أقام الحدود التي أبطلها غيره، وطهّر الشريعة من كلّ شبهة طارئة واجتهاد قبال الشرع! وأجرى الأحكام المعطّلة وأنصف الأمور إن كانت له أو عليه فهو ميزانُ عدلٍ لا عَيْق فيه، ولم يذكر في كتابه أنّه سفك الدماء وقتل

____________________

(1) العقد الفريد 238.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة