الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 45

 

طلحة ما كنتُ أرى أنّي أعيش إلى أن أسلِّم عليك فلا تردّ عليّ السلام» (1). وجاء الزبير إلى عثمان فقال له: إنّ في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله جماعة يمنعون من ظلمك ويأخذونك بالحقّ فاخرج فخاصم القوم إلى أزواج النبيّ، فخرج معه فوثب الناس عليه بالسلاح فقال: يا زبير! ما أرى أحداً يأخذ بحقّ ولا يمنع من ظلم، ودخل ومضى الزبير إلى منزله (2).

أرأيت! كيف كان أمر الحواري - كذا! - من عثمان: كذب عليه، والكذب في الإسلام أعظمُ الذنوب الكبائر! وإنّه خدع عثمان للفتكِ به وقتله.

إنّ الناس المذكورين الذين كانوا لعثمان بالمرصاد: فيهم طلحة، عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أشدّ على عثمان من طلحة (3).

وحين اشتدّ الأمر على عثمان كان الزبير وطلحة قد استوليا علي الأمر (4).

لم يكن موقف الغدر من (الحواري) جديداً ولا أخيراً!!، فمن قبل، وقبل أن ينكث بيعته لابن خاله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام، فقد ذكر الطبريّ (عن موسى بن عُقبة عن أبي حبيبة مولى الزبير، قال: لمّا قتل النّاس عثمان وبايعوا عليّاً، جاء عليٌّ إلى الزبير فاستأذن عليه فأعلمتُه به، فسلّ السيف ووضعه تحت فراشه! ثمّ قال: ائذن له فأذنتُ له، فدخل فسلّم على الزبير وهو واقف

____________________

(1) نفسه.

(2) نفسه.

(3) نفسه 201.

(4) نفسه 225.

 


الصفحة 46

بنحوه ثمّ خرج، فقال الزبير: لقد دخل المرءَ ما أقصاه! قُم في مقامه فانظر: فهل ترى من السيف شيئاً، فقمتُ في مقامه فرأيت ذُبابَ السيف فأخبرته فقال: ذاك أعجلَ الرجُلَ» (1).

لقد كان الزبير من العزم على قتل ابن خاله أمير المؤمنين عليه‌السلام وقد بايعه آنفاً، فما الذي يُرجى منه بعد؟!

وقال أبو مخنف وغيره: حرَس القومُ عثمان ومنعوا من أن يدخل عليه، وأشار عليه سعيد بن العاص بأن يُحرم ويُلبّي ويخرج فيأتي مكّه فلا يُقدَم عليه، فبلغهم قوله فقالوا: والله لئن خرج لا فارقناه حتّى يحكم الله بيننا وبينه، واشتدّ عليه طلحة بن عبيد الله في الحصار، ومنع من أن يُدخل إليه الماء حتّى غضب عليّ بن أبي طالب من ذلك، فأدخلت عليه روايا الماء! (2)

 

ثلاثة من أهل الشورى

«أشرف عثمان على الناس فسلّم عليهم فردّوا سلاماً ضعيفاً، فقال: أفيكم طلحة؟ قال: نعم ها أنا ذا، فقال عثمان: سبحان الله! ما كنتُ أظنُّ أن أسلّم على جماعة أنت فيهم ولا تردّ عليّ السلام، ثمّ قال: أهاهنا سعد بن أبي وقّاص؟ أهاهنا الزبير بن العوّام؟ فقالا: نعم نحن هاهنا، فقل ما تشاء: فراح يناشدهم الله

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 454.

(2) تاريخ الطبريّ 3: 188.

 


الصفحة 47

ويذكّرهم بمناقبه وأنّه لا يجوز لهم قتله، ثمّ سمع صوتاً يهدّد بقتله» (1).

فثلاثة من أركان الشورى: طلحة، والزبير، وسعد، على رأس المحاصرين لعثمان وقد منعوا الماء عنه وهدّدوا بقتله. ومن قبلهم رابعهم عبد الرحمان بن عوف. وخامس أركان الشورى عثمان وهو المحصور في داره تنتظر أمّث المؤمنين عائشة خبر مقتله، بعد أن نادت: اقتلوا نعثلاً فقد كفر. ولم يمنع الحجُّ ولا التواجد في البيت الحرام من أن تقع بعثمان فكانت تقول: «إنّي أرى عثمان سيشوم قومه كما شأم أبوسفيان قومه يوم بدر» (2).

فهؤلاء هم الخوارج الذين أولع بذكرهم الخارجيّ ابن تيميه وقال في مواطن كثيرة من منهاج ضلاله أنّهم يكفّرون عثمان بن عفّان.

 

موقف أمير المؤمنين عليّ عليه ‌السلام

بقي واحد من أهل الشورى ذاك هو أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام، وإن كنّا قد ذكرنا له خبراً من غيرته الهاشميّة العلويّة، لمّا شدّدوا الحصار على عثمان ومنع طلحة أن يدخل الماء إليه، فأدخل أبو الحسن عليه روايا الماء رغم من رغم! ولم نجد له خبراً واحداً في المحاصرين له ... وبعد فتنة مروان التي كانت الشرارة التي أضرمت اللّهب والتي كاد أميرالمؤمنين عليه‌السلام أن يطفئها، «فحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء، فأشرف على الناس فقال: أفيكم عليٌّ؟

____________________

(1) الفتوح 2: 219 - 220، ومروج الذهب 2: 344.

(2) أنساب الأشراف 6: 212 - 213.

 


الصفحة 48

فقالوا: لا، قال: أفيكم سعد؟ قالوا: لا، فسكت (ولم يسأل عن طلحة والزبير لعلمه بحالهما) ثمّ قال: ألا أحدٌ يبلّغ فيسقينا ماءً؟ فبلغ ذلك عليّاً فبعث إليه بثلاث قِرَبٍ مملوءة ماء فما كادت تصل إليه، وجُرح بسببها عدّة من موالي بني هاشم وبني أميّة حتّى وصلت. وبلغ عليّاً أنّ القوم يريدون قتل عثمان فقال: غنما أردنا قتل مروان، فأمّا قتل عثمان فلا، وقال للحسن والحسين: اذهبا بسيفيكما حتّى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحداً يصل إليه، وبعث عدّة من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أبناءهم ليمنعوا الناس من الدخول إليه ويسألوه إخراج مروان! ورمى الناس عثمان بالسهام حتّى خُضب الحسن بالدماء على بابه، وشُجَّ قنبر مولى عليّ، وأصاب مروان سهم وهو في الدار» (1).

إنّ مطلب الناس هو نفسه مطلب أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام وهو: إخراج مروان الذي كان يُقلّب الأمور علي عثمان. ولم يكن عند عثمان أحد يُسدي له النصيحة ويثق به إلاّ عليّاً عليه‌السلام لذا:

«لما عَلِم بنزول الثوّار بذي خشب (2)، بعث إلى عليّ، فأحضره وسأله أن يخرج إليهم ويضمن إليهم عنه كلّ ما يريدون من العدل وحسن السّيرة، فسار عليّ إليهم، فكان بينهم خطب طويل، فأجابوه إلى ما أراد وانصرفوا،  فبينما هم في الطريق إذا غلام عثمان مقبل من قبل المدينة، فقرّروه فأقرّ وأظهر كتاباً إلى ابن أبي سرح صاحب مصر وفيه: إذا قدم عليك الجيش فاقطع يد فلان واقتل

____________________

(1) أنساب الأشراف 6: 185.

(2) خشب: واد على مسيرة ليلة من المدينة. (معجم البلدان 2: 372).

 


الصفحة 49

 

فلاناً وافعل بفلان كذا ...» (1) وعلم القوم أنّ الكتاب بخطّ مروان، فرجعوا إلى المدينة. من هنا يستبين أن مروان ركن من أركان قتلة عثمان من لون آخر. فعائشة وطلحة والزبير من أشدّ المؤلّبين عليه، ومروان يلعب بعثمان ويقلب الموقف ويضيّع جهود أميرالمؤمنين عليه‌السلام في إطفاء الفتنة.

«عكرمة عن ابن عبّاس قال: لمّا حُصر عثمان الحصر الآخر فلقيهم عليّ بذي خشب فردّ عنه، وقد كان والله عليّ له صاحب صدق، حتّى أوغر نفس عليّ عليه، جعل مروان وسعيد وذووهما يحملونه على عليّ فيتحمل ويقولون لو شاء ما كلّمك أحد، وذلك أن عليّاً كان يكلّمه وينصحه ويغلظ عليه في المنطق في مروان وذويه، فيقولون لعثمان: هكذا يستقبلك وأنت إمامه وسلفه وابن عمّه، فما ظنُّك بما غاب عنك منه؟» (2).

بهذه الأساليب ذبح مروان وبنو أميّة عثمان وكانوا بذلك شركاء الخوارج الأشدّاء عائشة وطلحة والزبير وعبد الرحمان بن عوف، ومواقف أضعف من هؤلاء لسعد بن أبي وقّاص.

 

نفاق طلحة!

البلاذريّ: حدّثني إسحاق الفروي حدّثنا عبد الله بن إدريس حدّثنا يحيى

____________________

(1) أنساب الأشراف 6: 211. ومروج الذهب 2: 344. وعن ابن سيرين قال: لم يكن أحد من أصحاب النبيّ أشدّ على عثمان من طلحة (نفس المصدر 201).

(2) تاريخ الطبريّ 3: 433 - 434.

 


الصفحة 50

ابن سعيد قال: كان طلحة استولى على أمر الناس في الحصار، فبعث عثمان عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب إلى عليّ بهذا البيت:

إن كنتُ مأكولاً فكن أنت آكِلى      و    إلاّ    فأدركنى    ولما   iiاُمرَّق

وقال هشام ابن الكلبي: هذا البيت للمـُمَزَّق العبدي واسمه شأس بن نهار ابن الأسود بن حزيل، وبه سمّي الممزَّق (1).

وقال أبو مخنف: صلّى عليّ بالنّاس يوم النحر وعثمان محصور، فبعث إليه عثمان ببيت الممزَّق. ففرّق عليّ الناس عن طلحة؛ فلمّا رأى طلحة ذلك دخل على عثمان فاعتذر! فقال له عثمان: يا ابن الحضرميّة ألّبت عليّ النّاس ودعوتهم إلى قتلي حتّى إذا فاتك ما تريد جئت معتذراً، لا قبل الله ممّن قبل عذرك (2).

إنّنا نجد: أنّ الخوارج الذين كفّروا عثمان هم أهل الشورى وعليّ خارج عن دائرتهم وناصر لعثمان الّذي أراد الخلافة له ففوّت الفرصة علي طلحة وجعلها لعليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام.

إذن كيف قرن الخارجيّ ابن تيميه تكفير مَن خرج على عثمان بتكفيرهم عليّاً عليه‌السلام، وهم حتّى ساعة قتله - أي عثمان - لم يذكروا عليّاً بسوء، وإنّما كانت همّتهم عثمان بن عفّان؛ فلمّا رأوا الأمر قد صرفه عثمان إلى عليّ عليه‌السلام وأنّ الوفود والأقطار لا تعدل به سواه ولذا سارع طلحة والزبير إلى إظهار البيعة!

____________________

(1) أنساب الأشراف، مصدر سابق 196.

(2) نفسه.

 


الصفحة 51

البيعة لأمير المؤمنين عليه ‌السلام

قُتل عثمان بن عفّان في ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين بعد حصار دام تسعاً وأربعين يوماً، وبويع لأميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام في الليلة التي قُتل فيها عثمان وقيل في صبيحتها.

«وكان طلحة والزبير قد أخذا مفتاح بيت المال، فبعث عليّ مَن أخذ مفاتيح بيت المال» (1).

وأقبل الناسُ إلى عليّ بن أبي طالب فقالوا: يا أبا الحسن، إنّه قد قُتل هذا الرجل ولابدّ للنّاس من إمام، وليس لهذا الأمر أحد سواك فهلمّ، فبايع النّاس حتّى يُدفن هذا الرجل، فقال عليّ: لا حاجة لي في البيعة، التمسوا لهذا الأمر غيري، فإنّي أرى أمراً له وجوه لا تقوم له القلوب ... فعليكم بطلحة والزبير! قالوا: فانطلق معنا إلى طلحة والزبير، فقال عليّ: أفعل ذلك.

ثمّ خرج من منزله مع القوم حتّى صار إلى دار طلحة فقال: يا أبا محمّد إنّ النّاس قد اجتمعوا إليَّ في البيعة، وأمّا أنا فلا حاجة لي فيها، فابسط يدك حتّى يبايعك النّاس، فقال طلحة:

يا أبا الحسن، أنت أولى بهذا الأمر وأحقّ به منّي لفضلك وقرابتك وسابقتك، فقال له عليّ: إنّي أخاف إن بايعني النّاس واستقاموا على بيعتي أن يكون منك أمرٌ من الأمور! فقال طلحة: مهلاً يا أبا الحسن، فلا والله لا يأتيك منّي شيء

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 8.

 


الصفحة 52

تكرهه أبداً. قال عليّ: فاللهُ تبارك وتعالى عليك راعٍ وكفيل! فقال طلحة: يا أبا الحسن، نعم.

قال عليّ: فقُم بنا إذن إلى الزبير بن العوّام، فأقبل معه طلحة إلى الزبير فكلّمه عليّ بما كلّم به طلحة؛ فردّ عليه الزبير شبيهاً بكلام طلحة، وعاقده وعاهده أنّه لا يغدر به ولا يحبس بيعته. فرجع عليّ إلى المسجد واجتمع النّاس فيهم نفرٌ من الأنصار منهم أبو الهيثم بن التَّيِّهان، ورفاعة بن رافع، ومالك بن العجلان، وخزيمة بن ثابت، والحجّاج بن عمرو بن غزيّة، وأبو أيّوب، فكلّموا النّاس فقال الكوفيّون والمصريّون: فإنّنا قد قبلنا منكم فأشيروا علينا، فإنّكم أهلُ السابقة، وقد سمّاكم الله أنصاراً فأمرونا بأمركم. فقالت الأنصار: قد عرفتم فضل عليّ بن أبي طالب وسابقته وقرابته ومنزلته من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مع علمه بحلالكم وحرامكم وحاجتكم إليه من بين الصحابة، ولن يألوكم نُصحاً، ولو علمنا مكان أحد هو أفضل منه وأجمل لهذا الأمر وأولى به منه لدعوناكم إليه. فقال النّاس كلّهم بكلمة واحدة: رضينا به طائعين غير كارهين. فقال لهم عليّ: أخبروني عن قولكم هذا، أحقٌّ واجب من الله عليكم أم رأي رأيتموه من عند أنفسكم؟ قالوا: بل هو واجب أوجبه الله عزّ وجلّ لك علينا، فقال عليّ: فانصرفوا يومكم هذا إلى غدٍ، فلمّا كان غد أقبل النّاس إلى المسجد، وجاء عليّ ابن أبي طالب، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها النّاس إنّ الأمر أمركم فاختاروا لأنفسكم مَن أحببتم وأنا سامع مطيع لكم!

فصاح النّاس من كلّ ناحية وقالوا: نحن على ما كنّا عليه بالأمس، فابسط

 


الصفحة 53

 

يدك حتّى يبايعك الناس، فسكت عليّ. وقام طلحة إلى عليّ فبايعه وضرب يده على يد عليّ، وكان به شلل من ضربة أصابته يوم أحد، فلمّا وقعت يده على يد عليّ قال قُبيصة بن جابر: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! أوّل يدٍ وقعت على كفّ أميرالمؤمنين يدٌ شلاّء، لا والله لا يتمّ هذا الأمر من قِبَل طلحة بن عبيد الله أبداً. ثمّ وثب الزبير فبايع، وبايع النّاس بعد ذلك (1).

وفي البصرة، أخذ جاريةُ بن قدامة السّعدي البيعة لأميرالمؤمنين عليه‌السلام، وكان بها عبد الله بن عامر والياً لعثمان، ففرّ منها إلى مكّة.

وفي الكوفة، بايع هاشم بن عتبة المرقال أميرالمؤمنين عليه‌السلام، وقال: هذه يميني وشمالي لعليّ؛ وكان فيها أبو موسى الأشعريّ فقعد يثبّط أهل الكوفة عن أميرالمؤمنين! فعزله.

وفي المدائن، بايع حذيفة بن اليمان لأميرالمؤمنين واضعاً يده اليمنى وحثّ النّاس على بيعته ونصرته وقال: لا اُبايع بعده لأحد من قريش ... وقال: من أراد أن يلقى أميرالمؤمنين حقّاً فليأت عليّاً (2).

وفي الشام كان معاوية والياً لعثمان ومن قبله لعمر بن الخطّاب، فأظهر الخلاف لأميرالمؤمنين، ومنع واليَه من دخول الشام.

فالأقطار الإسلاميّة بايعت عليّاً من غير سيف ولا سفك دم كما زعم ابن

____________________

(1) المعارف، لابن قتيبة 208 - 209، وأنساب الأشراف 3: 14 - 16، وتاريخ الطبري 3: 456 - 457، والفتوح 2: 243 - 246، ومروج الذهب 2: 357.

(2) أنساب الأشراف 3: 17.

 


الصفحة 54

تيميه! كما سنوافيك، وأنّ أميرالمؤمنين قاتل من أجل الخلافة وأراق الدماء البريئة وأنّه كان متهالكاً عليها حتّى قُتل ولم يتمتّع بها بخلاف مَن سبق إذ كانت خلافتهم إجماعاً ورضىً ولم تُرق فيها دماء!

فنحن لم نجد في بيعة أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام مخالفة لوصيّته صلى‌الله‌عليه‌وآله حينما طلب أن يقدّموا له ليكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده فاعترض معترضٌ وكان اللّغط حتّى طردهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ عليّاً فإنّه لم يقدِّم بين يدَي الله ورسوله، متأدّباً بأدب القرآن الكريم، ولا رفع صوته فوق صوت النبيّ، ممتثلاً أمر الله سبحانه وتعالى، ولذا بقي عليّ عليّاً في خلُقه. ولذا لم يغادر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فلقد تربّى في حضنه وليداً وكان أوّل طعام دخل جوفه هو ريق رسول الله فهنيئاً لأبي الحسن زوج البتول، وكان للنبيّ مثل الظِلّ للشيء لا يزايله ... وبقي مع النبيّ يمرّضه ورأس النبيّ بين سَحر عليّ ونحره حتّى فاضت روحه الطاهرة في كفّ عليّ، وهو الذي تولّى غسله ودفنه ليلاً والقوم يصطرعون من أجل الخلافة وسُلّت السيوف! وصُرع سعد بن عبادة سيّد الخزرج، وديس بالأقدام، وكان عمر يقول: اقتلوا سعداً، قتله الله!

وانفضّ الاجتماع عن بيعة أبي بكر مع تخلّف ومعارضة شديدة من بعض الأنصار وامتناع أمير المؤمنين في عدد من بني هاشم ولزومهم بيتَ الصدّيقة فاطمة الزهراء عليها‌السلام، وانجفلت كثيرٌ من القبائل عن قبول خلافة أبي بكر فمنعته صدقاتها. كما رجع بعض عمّال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن أعمالهم ورفضوا أن يعملوا لأبي بكر، ولمّا سألهم أبوبكر: لِمَ رجعتم عن أعمالكم؟ قالوا: لا نعمل لأحد بعد

 


الصفحة 55

رسول الله، وكان ميلُهم إلى بني هاشم.

ويوم الجمعة وأبوبكر على المنبر تصدّى له اثنا عشر من أصحاب النبيّ فحاجّوه منكرين عليه وهم: سلمان المحمّدي، وأبوذرّ الغفاري، والمقداد الكنديّ، وعمّار بن ياسر، وبُريدة الأسلميّ، وأُبيّ بن كعب، وخُزيمة ذوالشهادتين، ومالك بن التَّيِّهان، وسهل بن حُنيف وأخوه عثمان بن حُنيف، وأبو أيّوب الأنصاريّ، وخالد بن سعيد بن العاص.

وكانت قبائل أسد، وفَزارة تقول: لا والله لا نبايع أبا الفَصيل (1) أبداً، يعنون بذلك أبابكر (2).

ولما رأى أبو بكر أنّ جُلّ القبائل قد أقامت على الإسلام إلاّ أنّها منعت الزّكاة، عزم على محاربتها، فقال أصحاب رسول الله لأبي بكر: اقبَل منهم. فقال: «لو منعوني عِقالاً ممّا أعطوا رسول الله لقاتلتُهم». وعن يحيى بن سعيد أنّ أبا بكر قال: «لو منعوني عِقالاً أو حبلاً لقاتلتهم».

ثمّ إنّ أبا بكر خرج من المدينة للنصف من جمادي الآخرة سنة إحدى عشرة إلى ذي القَصّة وهناك أمّر خالد بن الوليد على الجيش وأمره أن يقاتل من عارضه أشدّ القتال، ثمّ لم يترك أحداً قدرَ عليه إلاّ أحرقه بالنّار إحراقاً، وأن يسبي الذراري والنساء ويأخذ الأموال.

وعملاً بما أمر به أبوبكر جمع خالد أسرى بني سُلَيم فجعلهم في حظائر

____________________

(1) الفصيل: ولد الناقة أو البقرة، إذا فُصِل عن أُمّه.

(2) تاريخ الطبريّ 2: 485، والفتوح، لابن أعثم 1: 14.

 


الصفحة 56

ثمّ أضرم عليهم النّار (1).

إنّ فعل خالد هذا يختلف عن فعله مع أسرى بني أسد وفيهم عُيينة بن حصن الذي أقرّ على نفسه أمام أبي بكر أنّه كان منافقاً لم يؤمن قطّ. ومع ذلك عفا أبوبكر عنه وعن أسرى بني أسد.

و أمّا طُليحة الأسدي، وكان قد ادّعى النبوّة! وقاتل خالداً، فلمّا حلّت به الهزيمة فرّ إلى الشّام، ثمّ خرج إلى مكّة معتمراً، فقيل لأبي بكر: هذا طُليحة، فقال: ما أصنع به! خلّوا عنه فقد هداه للإسلام، ثمّ أتى فيما بعدُ فبايع عمر بن الخطّاب (2).

 

مقتل مالك بن نُوَيرة

ثمّة أمر مروّع! ذلك أنّ خالد وعملاً بدستور الخليفة، لمّا توسّط البُطاح من أرض تميم وكان بها مالك بن نُويرة، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله استعمله على بعض صدقات تميم. فلمّا توفّي رسول الله، منع مالك الزكاة، حاله في ذلك حال القبائل الأخرى التي امتنعت عن دفع الزكاة لأبي بكر، فازداد أبو بكر عليه حَنَقاً وغيظاً، وأمّا خالد بن الوليد فإنّه حلف وعاهد الله عزّ وجلّ لئن قدر عليه ليقتلنّه وليجعلنّ رأسه أُثفيَّةً للقدور! فوقعت سريّة من تلك السرايا الّتي بثّها خالد على مالك ومعه امرأته، وكان فيها مسحة من جمال، فأخذوه أسيراً وأخذوا معه

____________________

(1) تاريخ خليفة 67.

(2) تاريخ خليفة 64 - 67، وتاريخ الطبري 2: 456 - 494، والفتوح، لابن أعثم 1 - 19.

 


الصفحة 57

امرأته، وكلَّ من كان معه من بني عمّه، فأتوا به إلى خالد فأمر بضرب أعناق بني عمِّه بَديّاً (1). فقال القوم: إنّا مسلمون، فعلى ماذا تأمر بقتلنا؟! قال خالد: والله لأقتلنّكم! فوثبَ أبو قَتَادة (2) إلى خالد فقال: أشهد أنّك لا سبيلَ لك عليهم. قال خالد: وكيف ذلك؟ قال: لأنّي كنتُ في السريّة التي قد وافتهم، فلمّا نظروا إلينا قالوا: مِن أين أنتم؟ قلنا: نحن المسلمون، فقالوا: ونحن المسلمون، ثمّ أذّنّا وصلّينا فصلّوا معنا، فقال خالد: صدقتَ يا أبا قَتادة، إن كانوا صلّوا معكم فقد منعوا الزّكاة الّتي تجب عليهم ولا بدّ من قتلهم!

فقدّمهم فضرب أعناقهم عن آخرهم. وعاهَد أبو قَتادة أنّه لا يشهد مع خالد بن الوليد مشهداً أبداً بعد ذلك اليوم.

ثمّ قدّم خالد مالك بن نُويرة ليضرب عنقه، فقال مالك: أتقتلني وأنا مسلم أصلّي إلى القبلة؟ فقال خالد: لو كنتَ مسلماً لما منعتَ الزّكاة ولا أمرتَ قومك بمنعها. والله ما نلت ما في مثابتك حتّى أقتلك! فالتفت مالك إلى امرأته فنظر إليها ثمّ قال: يا خالد بهذه قتلتني!

فقال خالد: بل الله قتلك برجوعك عن دين الإسلام، وجفلك لإبلِ الصدقة، وأمرك لقومِك بحبسِ ما يجب عليهم من زكاة أموالهم. ثمّ قدّمه خالد فضرب

____________________

(1) بَديّاً: أي ابتداءً من غير سؤال أو إقامة برهان على وجوب قتلهم!

(2) اسمه الحارث بن ربعيّ، وقيل النعمان بن ربعيّ، بدريّ. وقيل بل شهد أحداً وما بعدها، وشهد مع أميرالمؤمنين عليه‌السلام مشاهده. (أنساب الأشراف 3: 35، ومروج الذهب 2: 360، وأسد الغابة 6: 250).


الصفحة 58

عنقه صبراً وتزوّج امرأته ودخل بها (1).

نجد في خبر مالك أنّ الخليفة حَنق على مالك خاصّة من بين مانعي الزكاة وأنّ خالد قد عاهد الله تعالى أن يجعل رأس مالك وقوداً للقِدر! ومالك لم يكن محارباً ولم يُرق دماً كما هو شأن طُليحة الذي تنبّأ لقومه ومنع الزكاة وقتل المسلمين، وعُيينة الذي ارتدّ ومنع الزكاة وأراق دماء المسلمين فحمله خالد وقومه إلى الخليفة فعفا عنهم. وأمّا مالك وأصحابه فقد شهد لهم أبو قتادة بالإسلام والصلاة وأن لا سبيل لخالد لقتلهم فتعلّل بالزّكاة، وهي الذريعة التي تمسّكوا بها في حرب تلك القبائل. ولقد كان مالك من الفطنة والبديهة أن علم سِرَّ إصرار خالد على قتله أن قال له: يا خالد، بهذه قتلتني، أي بزوجته! وفعلاً كان، إذ دخل خالد بامرأة مالك في ليلة قتله وهذا ما أنكره عمر عليه: «... فلمّا بلغ عمر بن الخطّاب تكلّم فيه عند أبي بكر فأكثَر وقال: عدوُّ الله عدا على امرئ مسلم فقتله ثمّ نزا على امرأته! وأقبل خالد قافلاً حتّى دخل المسجد وعليه قباءٌ معتجراً بعمامة له قد غرز في عمامته أسهُماً، فلمّا أن دخل المسجد قام إليه عُمر فانتزع الأسهُمَ من رأسه فحطمها ثمّ قال: أرئاءً قتلتَ امرءً مسلماً ثمّ نَزَوتَ على امرأته؟! والله لأرجُمنّك بأحجارك، وخالد لا يُكلّمه ولا يظنّ إلاّ أنّ رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه حتّى دخل على أبي بكر، فلمّا أن دخل عليه أخبره الخبر واعتذر إليه فعذره أبوبكر، وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك! فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر و عمر جالس في المسجد فقال: هلمّ إليَّ يا ابن اُمّ

____________________

(1) الفتوح 2: 20 - 23.

 


الصفحة 59

شملة! فعرف عمر أنّ أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلّمه ودخل بيته» (1).

وفي تاريخ خليفة: «فقال أبوبكر: هل يزيد خالد أن يكون تأوّل فأخطأ؟» (2) وذكر خليفة أيضاً: «أن أبا قتادة قدم على أبي بكر فأخبره بمقتل مالك وأصحابه فجزع من ذلك جزعاً شديداً! وودى مالك بن نُويرة وردّ السبيَّ والمال» (3). فلو كان مالك مرتدّاً أو ممّن يستحقّ القتل لما جزع عليه الخليفة وليس له أن يُؤدّي عنه الدّية، ولَما شهد له عمر بالإسلام ومن قبل عمر أبو قَتادة ثمّ هو عاملُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. ويبقى موضوع دخول خالد بزوجة الصحابيّ مالك من غير عُدّة أمراً محيّراً، وليس بأغرب منه إلاّ قول الخليفة: هل يزيد خالد على أن يكون تأوّل فأخطأ!

وبعد كلّ ذلك فقد مضى مالك بن نُوَيرة شهيداً.

تعقيب: إنّ دستور الخليفة في عدم التفريق بين الإسلام والزكاة وإنّ الممتنع عن دفع الزكاة إليه يُقتل، يدفع مقولة الردّة عن الإسلام! إلاّ ما كان من البعض مثل أسد وقد ذكرنا خبرهم. وأيضاً بنو حنيفة الذين اتّبعوا مُسيلَمة الحنفيّ التميميّ وصاحبته سِجاح التميميّة، وكلاهما ادّعى النبوّة فقاتلهم خالد، وقُتل مُسيلَمة وأصحابه وأسر مُجَّاعة وصاحبه سارية وقد ادّعيا أنّهما اتّبعا مُسيلَمة خوفاً على الأنفس والأموال والأولاد؛ فقال له خالد: فاعتزل أنت وصاحبك

____________________

(1) تاريخ الطبري 2: 503 - 504.

(2) تاريخ خليفة 68.

(3) نفسه.

 


الصفحة 60

ناحيةً من هؤلاء الكفّار. ثمّ قدّم خالد بقيّة القوم فضرب أعناقهم صبراً، ثمّ أطلق مُجّاعة وسارية.

تعقيب: إنّ خالد قتل أسرى بني سُلَيم وحرّقهم، وقتل قوم مالك ابن نويرة غدراً وهم يصلّون ثمّ قتل مالك بننويرة صاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ونزا على زوجته. إلاّ أنّه كما ذكرنا عفا عن عُيينة الذي أقرّ على نفسه بالردّة فحمله وقومه إلى الخليفة الذي منّ عليهم وأطلق سراحهم.

زواج خالد من ابنة مُجّاعة: وخطب خالد إلى مُجّاعة ابنته فزوّجها إيّاه، ودخل بها خالد هنالك بأرض اليمامة، فكان خالد يرفع من مجالس أعمام هذه الجارية على المهاجرين والأنصار، فكتب حسّان بن ثابت إلى أبي بكر بذلك، فأقبل أبوبكر على عمر فقال: يا أبا حفص، ما ترى إلى خالد بن الوليد وحرصه على الزواج وقلّة اكتراثه بمَن قُتل من المسلمين؟ فقال عمر: أما والله لا يزال يأتينا من قِبل خالد في كلّ حين ما تضيق به الصدور. ثمّ كتب أبوبكر إليه: أما بعد يا ابن الوليد، فإنّك فارغ القلب حسن العزاء عن المسلمين، إذ قد اعتكفت على النساء وبفناء بيتك دمُ ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجفف بعد، منهم سبعمائة رجل من حمَلة القرآن إن لم يخدعك مُجّاعة عن رأيك أن صالحك صُلحَ مكر وقد أمكن الله منهم، وإنّها لشبيهةٌ بفعلك الأوّل بمالك بن نُويرة، فسوأةً لك ولأفعالك هذه القبيحة التي شانتك في بني مخزوم! ولمّا نظر خالد في الكتاب قال هذا عملُ الأعَيْسِر، يعني عمر بن الخطّاب بعث وخالد بن الوليد وفداً من

 


الصفحة 61

بني حنيفة إلى أبي بكر (1).

إذن الخليفة يشهد بمظلوميّة مالك وما جرى من فعل شنيع إذ جعل خالد رأس مالك وقوداً يطبخ عليه قدره! ودخل بزوجته ليلة قتله! ومَن قُتل مع مالك مضوا على ما مضى عليه مالك فأين الردّة ولماذا سفك الدماء الذي أنكره ابن تَيمِيه؟! فإذا ذكر الزّكاة؛ فنعم، ذلك أنّ القبائل لم تر مشروعيّة ما جرى في السقيفة، فإذا وجب قتالهم وسفك دمائهم؛ وجب سفك دماء الاثني عشر من الصحابة الذين تصدّوا للخليفة وعارضوه وحاججوه، وقتل بني هاشم وأمير المؤمنين عليّاً عليه‌السلام إذ قاطعوا واعتزلوا ...، وجرت فعلاً فيما بعد أفعال ولكن لا بعنوان الردّة.

وخالد إذ شمل عفوه عُيينة وقومه ولم يسع مالكاً وقومه ونزا على امرأته فإنّ عفوه شمل مُجّاعة وخطب ابنته فتزوّجها ورفع مجالس أعمامها على مجالس الأنصار والمهاجرين، والخليفة قبّح عمله إلاّ أنّه لم ينتزعه من قيادة الجيوش.

 

بين دستورين

قرأنا دستور الخليفة الذي أصدره إلى خالد بن الوليد في قتاله للممتنعين عن بيعته أشدّ القتال وحرق من يقدر عليه وأن يسبي الذراري والنساء ويأخذ

____________________

(1) تاريخ خليفة 69 - 72، وتاريخ الطبري 2: 504 - 519، والفتوح 1: 23 - 44، وفتوح البلدان، للبلاذريّ 97 - 100.

 


الصفحة 62

الأموال.

 

دستور عليّ بن أبي طالب في القتال

كان مبدأ أمير المؤمنين عليه‌السلام يوم الجَمل أن أمر أصحابه: أن يُصافّوهم ولا يبدأوهم بقتال ولا يرموهم بسهم ولا يضربوهم بسيفٍ ولا يطعنوهم برمح، وأن لا يُجهزوا على جريح ولا يُمثّلوا بقتيل، ولا يدخلوا داراً بغير إذن، ولا يشتموا أحداً ولا يلحقوا مُدبراً ولا يهيجوا امرأة، ولا يأخذوا إلاّ ما في عسكرهم، ولا يكشفوا عورة، ولا يهتكوا ستراً (1).

وبعد الوقعة نادى أميرالمؤمنين عليه‌السلام: «لا تتّبعوا مُوَلّياً ولا تُجهزوا على جريح ولا تنتهبوا مالاً، ومَن ألقى سلاحه فهو آمِن، ومَن أغلق بابَه فهو آمِن» (2).

 

تسيير عائشة إلى المدينة

بعث أميرالمؤمنين عليه‌السلام عبدالله بن عبّاس إلى عائشة يأمرها بالخروج إلى المدينة، فدخل عليها بغير إذنها، واجتذب وسادة فجلس عليها، فقالت له: يا ابن عبّاس: أخطأتَ السنّة المأمورَ بها دخلتَ إلينا بغير إذننا، وجلستَ على رحلنا بغيرِ أمرنا! فقال لها: لو كنتِ في البيت الذي خلّفكِ فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ما دخلنا إلاّ بإذنك وما جلسنا على رحلك إلاّ بأمرك وإنّ أميرالمؤمنين يأمرك بسرعة الأوبة والتأهّب للخروج إلى المدينة، فقالت: أبيتُ ما قلتَ وخالفتُ ما وصفتَ فمضى

____________________

(1) تاريخ الطبري 3: 545، وأنساب الأشراف 6: 136، ومروج الذهب 2: 332.

(2) نفس المصادر السابقة.

 


الصفحة 63

إلى أميرالمؤمنين فخبّره بامتناعها، فردّه إليها وقال: إنّ أميرالمؤمنين يعزم عليكِ أن ترجعي، فأنعمتْ وأجابت إلى الخروج.

وجهّزها أميرُالمؤمنين وأتاها في اليوم الثاني ودخل عليها ومعه الحسن والحسين وباقي ولده وفِتيان أهله من بني هاشم وغيرهم من شيعته من همدان، فلمّا بَصُرت به النّسوان صِحنَ في وجهه وقلن: يا قاتلَ الأحبّة! فقال: لو كنتُ قاتل الأحبة لقتلتُ من في هذا البيت، وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر بن كُرَيز وغيرهم.

فسألته عائشة أن يؤمّن ابن اختها عبد الله بن الزبير، فأمّنه وأمّن مروان بن الحكم والوليد بن عُقبة وولد عثمان وغيرهم من بني أُميّة وأمّن النّاس جميعاً. وخرجت عائشة من البصرة وقد بعث معها أميرالمؤمنين أخاها عبدالرحمان بن أبي بكر وثلاثين رجلاً وعشرين امرأةً من ذوات الدين من عبد القيس وهمدان وغيرهما، ألبسهنّ العمائم وقلّدهنّ السيوف وقال لهنّ: لا تُعْلِمن عائشة أنّكنّ نسوة، وتلثَّمنَ كأنّكنّ رجال وكُنّ اللاّتي تَلِين خدمتها وحملها. فلمّا أتت المدينة قيل لها: كيف رأيتِ مسيركِ؟ قالت: كنتُ بخير والله، لقد أعطى عليّ بن أبي طالب فأكثر، ولكنّه بعث معي رجالاً أنكرتُهم، فعرّفها النسوة أمرهنّ فقالت: ما ازددت والله يا ابن أبي طالب إلاّ كرماً (1)!

فأميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام لم يُقاتل من أجل الخلافة ولم يسفك دماء المسلمين لأجلها كما زعم الخارجيّ ابن تَيمِيه، إنّما خرج عليه الذين خرجوا

____________________

(1) المصادر السابقة.

 


الصفحة 64

على عثمان وانضمّ إليهم بنو أُميّة لا قبولاً بزعامتهم وإنّما جمعهم بُغض عليٍّ أميرالمؤمنين عليه‌السلام؛ وإلاّ فإنّ مروان كان في منزل عثمان وطلحة والزبير من أشدّ المحاصرين لعثمان، وعائشة تكفّر عثمان وتحرّض على قتله؛ فلمّا قُتل عثمان رفعت عقيرتها أنّ عثمان قُتل مظلوماً وأنّ عليَّ بن أبي طالب هو الذي قتله وذهبت إلى مكّة حيث اجتمع إليها عدد من بني أُميّة قد فرّوا بعد مقتل عثمان، منهم مروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة و ... وخرجوا جميعاً والتحق بهم طلحة والزبير وعبد الله بن الزبير، وفعلوا أفعالاً شنيعةً حين اجتماعهم بالبصرة تذكّرنا بإخوانهم الّذين اقتفوا أثر خوارج الجَمل فخرجوا يوم صِفّين ثمّ توالت راية الخوارج حتّى انتهت إلى ابن تَيمِيه أشدّهم على الرحمان عتيّاً! فتلقّفها من بعده أعراب نَجْد الوهّابيّون.

إنّ الَّذي وقع من هؤلاء الخوارج: أن قتلوا واحداً وسبعين رجلاً لأنّهم حاججوهم فحجّوهم ابتداءً من السقيفة إلى الشورى ثمّ قتل عثمان فبيعة أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام، ونكثهم البيعة وخروجهم بغير حقّ، فما كان جواب أتباع البعير إلاّ السيف! فقتلوهم (1). فماذا يقول الخارجيّ ابن تَيمِيه؟!

مفارقة: لمّا سار القوم إلى البصرة تقودهم عائشة، حتّى إذا بلغت بعض مياه بني عامر نَبَحت عليها الكلاب، فقالت: ما اسم هذا الموضع؟ فقال لها السائق لجملِها: الحَوْأب. فتذكّرت قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «كأنّي بامرأةٍ من نسائي تنبح عليها كلاب الحوأب، فاتّقي الله أن تكوني أنت يا حُميراء» فقالت: رُدّوني ...، فقال

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 486، وأنساب الأشراف 3: 28.

 


الصفحة 65

الزبير: باللهِ ما هذا الحوأب ...، وأقسم طلحة كذلك، وشهد خمسون رجلاً ممّن كان معهم، فكان ذلك أوّل شهادة زور في الإسلام! (1)

نعم يا ابن تيميه: قَتَلةُ عثمان، هم الخارجون على عليّ عليه‌السلام يقتلون الأبرياء لا لذنبٍ إلاّ لأنّهم أقاموا عليهم البرهان والبيّنة في خطأهم وهم لا ورع لهم فيحلفون بالله ويشهدوا شهادة الزّور، وهم وأنت معهم بهذه الصفات كيف صرتم خَيْرُ البَرِيّة! ونفيت أن تكون الآية قد نزلت في عليّ أميرالمؤمنين عليه‌السلام؟! وكان من عمل أولئك الخوارج: أن قاتلوا عثمان بن حُنيف والي أميرالمؤمنين على البصرة وكثرت القتلى والجرحى ثمّ تداعوا إلى الصُّلح ...، فلمّا كان في بعض الليالي بَيَّتوا عثمان بن حَنيف وهو يُصلّي بالنّاس العشاء الآخرة، فأسَروه وأمرت عائشة بقتله! ثمّ إنّ القوم استرجعوا وخافوا على مخلَّفيهم بالمدينة من أخيه سهل بن حُنيف وغيره من الأنصار. فاكتفوا بضربه وحلقوا رأسه ونتفوا لحيته وأشفار عينيه، ثمّ حبسوه. وأجهزوا على خزّان بيت المال فقتلوا منهم سبعين رجلاً غير مَن جرح، وخمسون من السبعين ضُربت أعناقهم صبراً من بعد الأسر (2).

وفي وقعة أخرى قتلوا سبعين آخرين وتدافع الزبير وطلحة الصلاة (3)!

____________________

(1) مروج الذهب 2: 358. وتاريخ الطبريّ 3: 475، والفتوح 2: 288، وأنساب الأشراف 3: 24، والمعيار والموازنة، للإسكافي 55، والمصنّف، لابن أبي شيبة 7: 538/3774.

(2) أنساب الأشراف 3: 26 - 28، وتاريخ الطبريّ 3: 486 - 491، والفتوح 2: 289 - 290 ومروج الذهب 2: 358.

(3) المصادر السابقة.

 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة