الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 24

هِمّة وبأسٍ شديد، وفي أخلاقهم حِدّة، وإنّ تلك الصفات كانت واضحة جليّة فيه ...) (1).

 

خلاصة

فكما سُمِّيت الجارية باسم (تَيْماء) الموضع الذي مرّ به أب أو جدّ صاحب الترجمة؛ والشكّ ليس منّا وإنّما من الجدّ الأعلى ما قبل تَيمِيه على ما قرأت! وإليها نُسبت العشيرة؛ فكذلك صاحب الترجمة يُنسب إلى موضعين هما: (تَيماء) والثاني (حَرّان).

فهو: تَيْماوي حَرّانيّ، نزيل دمشق. وكذلك حال أتباعه، بالتبعة، إلاّ دمشق بالنسبة لخارجة عصرنا فهم تَيْماويون نَجْديّون تميميّون وهّابيّون.

 

صفاته البدنية

رجل أبيض أعين ربعة بين الرجال أسود الشعر يصل شعر رأسه إلى شحمة أُذنه، جهوري الصوت، تأخذه حدّة ورِعدة عند الجدال ولم تغيّر النوائب على شدّتها وقد بلغ من العمر سبعاً وستّين سنة حين وفاته سنة (728 هـ) إذ وُلد سنة (661 هـ) إلاّ شعراتٍ في لحيته، بعيد ما بين المنكبين قويّ الساعد.

مع صفات الجمال البدنيّة التي ذكرها ابن الورديّ تلميذه؛ فقد ذكر أنّه لم يتزوّج ولا تسرّى! ولا كان له من العلوم إلاّ شيء قليل، وكان أخوه يقوم

____________________

(1) ابن تيميه، لأبي زهرة، مصدر سابق 18.

 


الصفحة 25

 

بمصالحه ...، والله لو لا تعرّضه للسَّلَف لزاحمهم بالمناكب (1).

يسأل القارئ وأنا معه عن السرّ؛ وحياة أحمد بن تَيمِيه كلّها ألغاز ومبهمات منذ شرعنا بالبحث وما يأتي أكثر! يسأل: هذا الذي اتّخذه أعراب نَجْد الوهّابيّون مثلما اتّخذوا أسلافه معاوية ويزيد، وقطام وكحيلة وغيرهما من مجتهدات الخوارج النَّجْديّات التميميّات قدوةً، حتّى رفع راية النّصب الخارجيّة سلفهم الذي أنساهم ذكر الرحمان، فعبدوه إذ جسّده وقاسه لهم بنفسه ...، فهو أولى أن يُعبَد ويطاع من هُبل وإساف؛ وقد أفتاهم بحرمة زيارة القبور؛ فخرّبوها! وسيأتي اليوم الذي لا يخشون أحداً فيخرّبوا قبر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله، والمسلمون في سُبات!.

والسؤال: رجل في العقد السابع من عمره، لا عيب في بدنه أبيض، أعين (أي واسع العين)، ربعة وهو بين الطول والقصر، شعره مسترسل أسود، فماذا تريد المرأة بعد؟! أم هناك سبب بدنيّ خفيّ لا نعلمه ويعلمه هو فيخاف من عاقبة الزواج؟ أو أنّ السبب ما ذكره ابن الورديّ من أنّه كان كَلاًّ على أخيه، فهو الذي يقوم بمصالحه ويوفّر له عيشه، فيما هو منشغل بالخصومات مع الأطراف جميعاً إلاّ اليهود والشيطان. ومَن هذا دأبه فهو في خوف من عالة الزوجة والذرّيّة إن كان له الإمكان على الإنجاب.

____________________

(1) تاريخ ابن الورديّ 2: 279.

فابن تَيمِيه قليل العلم بإقرار تلميذه؛ وهو غير سنّيّ إذ لا يأخذ برأي المذاهب الأربعة المعروفة وإنّما بما يقوم لديه الدليل، وهو عدوّ وخصم للأشعريّ رأس السنّة ويبرأ من المعتزلة والصوفيّة ويكفّر الشيعة ثمّ يتعرّض للسلف!!

 


الصفحة 26

ثمّ إنّ ابن الورديّ كان جريئاً فلم تمنعه حنبليّته ولا تلمذته التي بقي عليها وودُّه لابن تَيمِيه أن يُقرّ أنّ أُستاذه كان قليل العلم!

ولعلّ البعض يعذر ابن تَيمِيه وهو يسلك هذا المنهج الذي كانت فيه حياته، فلو كان غيره لنهج منهجه لاشتباك العُقَد والعاهات التي ذكرناها وتأثيرها في نفسه، ثمّ: بيئته، وعامل الوراثة والتقلّبات السياسيّة والأجواء الدينيّة في عصره ... فلنرَ.

 

بيئتُه

تلاقحت حَرّان (1)، ودمشق في تكوين شخصيّة ابن تَيمِيه، خَلا سنين قليلة قلقة أمضاها بمصر بعد أن جاوز الخامسة والأربعين، ثمّ عاد إلى دمشق.

ففي حَرّان وُلد، وهي موطن آبائه الأوّل ومنها تحوّلوا إلى دمشق. وفي حَرّان أمضى سنِيَّه السبع الأُولى، وفي مثل هذا العمر يكون ابن آدم أكثر استعداداً للتلقّي والتأثّر بمحيطه وأفكار عصره. وتأسيساً على ذلك أولت التربية الحديثة هذه المرحلة من العمر عناية فائقة وأوصت بتهيئة الجوّ الأمثل للطفل خلالها ذلك أنّ تأثير البيئة أسرع وأشدّ من تأثير عامل الوراثة التي مع خطرها فإنّها غير مرتبطة بسنٍّ معيّنة.

وأعطى الإسلام عنايته بهذه المرحلة إذ قسّم عمر الإنسان إلى مراحل فركّز على هذه المرحلة من وجوب حسن التربية والعناية لأنّها الأساس لما

____________________

(1) شمال سورية، وهي ضمن الأراضي التركيّة الآن.

 


الصفحة 27

بعدها. وكان العرب قبل الإسلام يختارون لمواليدهم مرضعات من البادية، ولا يستردّونهم حتّى يبلغوا السادسة من العمر. فكيف كانت ملامح موطن ابن تَيمِيه، حَرّان؟

حَرّان موطن الصابئة والصابئين من أقدم عصور الإسلام. ويزعم الصابئون أنّ ماني الثَنَويّ من أهل حرَرّان، قال بالاثنين: أي أصلين للمخلوقات هما النور والظلمة، أو الخير والشرّ، فضارع قول المجوس. ووضع أناجيلَ وتسمّى مسيحاً فضارع قول النصارى، وقتله سابور على الزندقة.

ولهم قول أنّ دَيْصان الزنديق هو من أهل حرَرّان، وقد وُلد من زناً، وُجد منبوذاً على نهر دَيْصان، فسُمّي به.

ولهم أعيادُ عند نزول الكواكب الخمسة المتحيّرة بيوت أشرافها، والمتحيّرة: زُحل والمـُشتري والمرّيخ والزُّهرة وعطارد، وبظاهر حَرّان مكان يحجّونه، ويقولون: إن أهرام مصر أحدها قبر شيث بن آدم، والآخر قبر إدريس وهو خنوخ، والآخر قبرُ صابئ بن إدريس الذي ينتسبون إليه ويعظّمون يوم دخول الشّمس الحمل فيتزيّنون ويتهادون فيه(1).

وذكر المسعوديّ، قال: وقد حكى رجل من ملكية النصارى من أهل حَرّان

____________________

(1) تاريخ ابن الورديّ 1: 69 - 70، ومعجم البلدان، لياقوت الحمويّ 2: 235، ومروج الذهب، للمسعوديّ 1: 35، ومختصر كتاب البلدان، لابن الفقيه: 126، ورحلة ابن جُبير، لابن جُبير الأندلسيّ 220، وصبح الأعشى، للقلقشنديّ 4: 319، والبداية والنهاية، لابن كثير ج 12 و 13 ومواضع متعدّدة، وخطط المقريزيّ 221، وعقيدة الشيعة: دوايت م. روندلسن 175.

 


الصفحة 28

 

يُعرف بالحارث بن سنباط عن الحرّانيّين أشياء ذكرها من قرابين يقرّبونها من الحيوان ودخن للكواكب يبخّرون بها وغير ذلك (1) ...

قال المسعوديّ: والذي بقي من هياكلهم المعظّمة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثمائة - بيت لهم بمدينة حَرّان في باب الرَّقّة، وهو هيكل آزر وابنه إبراهيم ...، ولابنِ عيشون الحَرّانيّ القاضي - وكان ذا فَهمٍ ومعرفة، وتوفّي بعد الثلاثمائة - قصيدة طويلة يذكر فيها مذاهب الحرّانيّين المعروفين بالصابئة، وذكر فيها هذا البيت وما تحته من السراديب الأربعة المتّخذة لأنواع صور الأصنام التي جعلت مثالاً للأجسام السماويّة وما ارتفع من ذلك الأشخاص العُلويّة، و أسرار هذه الأصنام، وكيفيّة إيرادهم لأطفالهم إلى هذه السراديب وعرضهم لهم على هذه الأصنام، وما يُحْدِث ذلك في ألوان صبيانهم من الاستحالة الى الصفرة وغيرها لما يسمعون من ظهور أنواع صبيانهم من الاستحالة الى الأصنام والأشخاص، بحيلٍ قد اتُّخذت ومنافيخ قد عُملت: تقف السَدَنةُ من وراء جُدُر فتتكلّم بأنواع من الكلام، فتجري الأصوات في تلك المنافيخ والمخاريق والمنافذ إلى تلك الصور المجوّفة والأصنام المشخّصة، فيظهر منها نطق على حسب ما قد عمل في قديم الزمان، فيصطادون به العقول، وتُسترق بها الرقاب، ويُقام بها المـُلك والممالك، وممّا ذُكر في هذه القصيدة قوله:

إنّ  نفيسَ العجائب      بيتٌ لهم في سرداب

____________________

(1) مروج الذهب 2: 237.

 

الصفحة 29

 

تُبد      فيه      iiالكواكب      أصنامهم خلف غائب (1)

في مثل هذه البيئة التي وصفنا عاش ابن تَيمِيه سِنِيَّه السبع الأولى التي قلنا إنّها أخطرُ مرحلة في حياة الإنسان لسرعة تأثّره بمحيطه الاجتماعيّ وتلقّيه لما يسمع ويُشاهد.

ومهما بلغ الإنسان من العمر، وارتقى في سُلّم المعرفة؛ تبقى خواطر تلك المرحلة تداعب ذهنه وتهبط على نفسه وربّما أثّرت في سلوكه وإن بلغ الهرم! وبقدر الحالة النفسيّة للصبيّ، يكون الجذب والطرد للمحيط الاجتماعيّ في تكوينه.

وقال المسعوديّ أيضاً في الطباع البشريّة:

«إنّ النسل لابدّ له من تخصيص قوّته بشيء يميّزه ويُبيّنه من سواه، فصار الجفاء والغلظ في الرّوم وأصحاب الجبال، والأكثر من أهل الشام وأوباش مصر، و اللُّؤم في الخَزَر وأهل حَرّان من ديار بكر، والشُّحُ بفارس، واللُّؤم في الطعام بأصفهان، وصار تفرطح الرِجلين وفَطَس الأُنوف في السودان، والطرب في الزنج خاصّة» (2).

وأضاف: «وهذا الذي وصفنا عند هذه الطائفة من أسرار الطبيعة وخواصّ تأثير الأشخاص العُلويّة والأجسام السماويّة» (3).

____________________

(1) نفسه.

(2) نفسه 147.

(3) مروج الذهب 2: 147.

 


الصفحة 30

 

إنّ ما ذهب إليه الشيخ أبو زهرة من احتماله في أنّ أصل ابن تَيمِيه كرديّاً، لما عُرف عن الأكراد وهم رجال الجبال من الشدّة والصلابة والحدّة؛ وهذه الصفة الأخيرة كانت واضحة في ابن تَيمِيه، إذ تعتريه رِعدة شديدة تُخرجه عن الصواب فلا تجعله يعرف ماذا يريد أن يقول ويناقض نفسه في المجلس الواحد مرّات كثيرة فكلّما أُشكل عليه وأُلزم الحُجّة قال: ما أردتُ هذا إنّما أردتُ كذا، ثمّ يذكر قولاً آخر، وهكذا. ولا غرابة فقد قال تلميذه المخلص - وقد ذكرنا قوله سابقاً - قال: «لا كان له من العلوم إلاّ شيء قليل».

وأمّا اللّؤم: فقد وجدنا جدَّ ابن تَيمِيه الثالث، وفي قولٍ الرابع! يذكر قصّة تسمية «تَيمِيه» الواعظة، التي انتمت الأُسرة كلّها إليها وبها عُرِفت، فإنّ هذا الجدّ الخطيب الواعظ الحنبليّ تلميذ شهدة بنت الإبري «لم نجد لها ترجمة»؛ قال عنه سبط ابن الجوزيّ: كان ضنيناً (أي حسوداً) فإذا قيل: إنّ أُسرته حنبليّة؛ فذلك غيرُ شافع في تحصين وليدهم المتمرّد! لما فيه من طباع الحدّة والعناد، ولم تكن أُسرة عِلم بقدر ما هي أُسرة وعظ في أحسن الأحوال، مع مجاهيل كثيرة ذكرناها وشرٍّ في أحدهم لا يُطاق وشرّ قليل في آخر، وذِكر خامل في آخرين فهي أُسرةٌ لا ضابط لها أن تُنشّأ وليدها وتُحصّنه من تلك المزالق. فانطبع بطابعهم من حيث التقلّب في المواقف والأقوال حتّى قال له القاضي المالكيّ في محاكمته: يا ابن تَيمِيه! أنت مثل العصفور كلّما أردتُ أن أمسكك فررتَ من غُصنٍ إلى غصن.

وأثّرت تلك المرحلة من عمر ابن تَيمِيه في نسج أفكاره ومعتقداته بعد، من تشبيه وتجسيم لذات الله تعالى وأنّ له حرفاً وصوتاً وأعضاءً مثل الإنسان ...،

 


الصفحة 31

تعالى الله ربّنا عن ذلك علوّاً كبيراً؛ وعامل ابن تَيمِيه وأتباعه بعدله.

 

ابن تَيمِيه خارجيّ، الجزيرة تستضيف الخوارج

في وقعة النهروان بين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام والخوارج، لم يفلت من الخوارج وعدّتهم أربعة آلاف، إلاّ بضعة نفر.

قال ابن أعثم: فهرب منهم رجلان إلى خراسان إلى أرض سجستان وفيها نسلهما إلى الساعة، وصار رجلان إلى بلاد اليمن فيها نسلهما إلى الساعة، ورجلان صارا إلى بلاد الجزيرة إلى موضع يُقال له: سوق التوريخ، وإلى شاطئ الفرات فهناك نسلهما إلى الساعة، وصار رجلٌ إلى تلّ مَوْزن(1).

ابن أعثم (ت 314 هـ) ذكر لنا أنّ الخوارج الذين فلتوا من النهروان قد انتهى منهم ثلاثة إلى الجزيرة؛ واحدٌ منهم حطّ رحاله على مشارف حَرَّان. وإنّ الخوارج أولئك كان نسلهم موجود إلى أيّام المؤلّف (ابن أعثم) ولا توجد قرينة على انقراضهم، وعلى عكس ذلك فتلك الخوارج الإباضيّة في أيّامنا هذه، وتلك خارجة نَجْد، وذاك الممهّد لهم بالتمكين والذي يُطلق عليه العلماء والمفكّرون: الخارجيّ الثاني: لأنّ سَلَفه «ذو الخويصرة التميميّ النّجديّ» خرج على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وخرج هو على عليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام.

____________________

(1) الفتوح، لابن أعثم (ت 310 هـ) 4: 132 - 133. وفي معجم البلدان 2: 45، تل مَوْزن بلد قديم بين رأس عَيْن وسُروج. وفي 3: 14 رأس عين مدينة مشهورة من مدن الجزيرة بين حَرّان ونصيبين، وفي 5: 221، سَرُوج: بلدة قريبة من حَرّان من ديار مضر.

 


الصفحة 32

وقفة قصيرة

مضى الكلام عن أثر البيئة البالغ في تكوين الشخصيّة وبلورة أفكارها، وهنا يبرز عامل آخر ذاك هو عامل الوراثة الذي أَوْلاه الإسلام عناية كبيرة؛ والأحاديث كثيرة في تخيّر الزوجة الصالحة والتحذير من الانخداع بالمرأة الحسناء في منبت سوء، وأنّ الخال أحد الضجيعين!

أقول: تعاضدت البيئة المضطربة «حَرّان» وهي تمور بالفِتَن والديانات المنحرفة، وكونها محطّة الفاتحين والغزاة وعشّ الأمويّين، مع الاحتمال الوارد أن يكون في دماء الأُسرة أُصول خارجيّة، وابن تَيمِيه يكاد أن يصرّح بذلك!

هذا هو كتابه «منهاج السُّنّة» بأجزائه الأربعة، بمناسبة ومن غير مناسبة مشحون بذكر الخوارج فيصفهم أنّهم أهلُ دين وعبادة وصدق وأنّهم على الحقّ، فيما الشيعة أهل باطل في كلّ ما يقولون ...، وليته يقف عند هذا! إنّما حمله الذي فيه إلى أن قال في شأن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام: أنّه منافق، و كافر، وطالب رياسة وحكم وقُتل من أجل ذلك ...؛ كلّ ذلك يقوله ويلقيه على ألسنة الخوارج، وينفي أن تكون لأمير المؤمنين عليه‌السلام فضيلة خاصّة في القرآن الكريم ولا يوجد نصّ في كتاب الله يثبت إسلام عليّ عليه‌السلام -؛ مع دفاعٍ شديدٍ عن بني أُميّة: سفيانهم وعاويهم، ناقصهم ووليدهم، أدعيائهم - وهم كُثرٌ! -، وخلفائهم؛ حتّى وصل الأمر به أن يُفصح عن خارجيّته فيحتجّ بتواتر إسلام وجهاد معاوية ويزيد وحكّام بني أُميّة وبني العبّاس، وأي شبهة تُذكر فيهم ففي عليّ أعظم!! واللاّفتُ للنّظرِ أنّ ابن تَيمِيه يُكثر من ذكر الخوارج ويرفع من شأنهم أكثر من ذكره لبني أُميّة، ثمّ يستقلّ

 


الصفحة 33

بالكلام على طريقته المعهودة التي أخرجته عن المذاهب الأربعة المعروفة في العقيدة والفقه والأصول؛ فسمّاه أتباعه لذلك بشيخ الإسلام؛ وسمّاه من درس سيرته بالخارجيّ الثاني تمييزاً له كما قلنا عن الخارجيّ الأوّل الذي خرج على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: ذو الخويصرة التميميّ؛ وخرج ابن تَيمِيه على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام؛ وأطلقوا على خارجة نَجْد أتباع ابن عبد الوهّاب التميميّ الذي أحيى سنّة سَلَفَيه: ذي الخُوَيْصِرة التميميّ، وابن تَيمِيه الحرّانيّ، الخارجيّ الثالث، وذلك لوحدة الأفكار وأنّها نسيجٌ واحد.

حان أن نذكر نصوصاًمن في ابن تيميه، توكيداً لما وصلنا إليه من نتيجة بشأن خارجيّته، من كتابه (منهاج السّنّة النبويّة في نقض كلام الشيعة والقدريّة، وبهامشه كتابه: بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول).

 

لفت نظر

تحوّلت أُسرة ابن تَيميه تحمل مشؤومها أحمد صاحب الترجمة من حرّان الّتي بقت على ولائها لبني أُميّة، ولأجل هذا الولاء الشديد اتّخذها مروان الحمار عاصمةً دون دمشق وقُتل بها على أيدي العبّاسيّين، فلمّا كان الغزو المغوليّ تحوّلت الأُسرة إلى دمشق معقل حكم بني أُميّة وعاصمتهم، وهناك تدرّج وتعلّم بعض المعارف. وعلى أيّ حال ففي هذه الأجواء كتب مؤلّفاته، فكان فيها مزدوج الشخصيّة! كيف لا وهو يفتح عينه على بيئة تمور بالأفكار الفاسدة تلك هي حَرّان التي فتحها أبو عُبيدة، وسلبها بنو أُميّة. ومن حَرّان إلى الشام التي

 


الصفحة 34

صارت في حيّز بني أُميّة أياّم أبي بكر تمهيداً، وفي عهد عمر ترسيخاً إذ ضمّ إلى معاوية جميع الشام وكان يُسمّيه كِسرى العرب، وفي عهد عثمان توسيعاً إذ ضمّ إليه مصر وأقاليم أُخرى، وكانت سياسة معاوية وحاشيته وخَلَفه هي حَجْب أهل الشام عن معرفة أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم‌السلام، بل أفلحوا أن يجعلوا من أكثر أهلها نواصب؛ فابنُ تَيمِيه بما عُرف منه من الناصبيّة فهو يلوذ بحمى بني أُميّة وأتباعهم فينتصر للشجرة الملعونة تشفيًّا من الشجرة المباركة.

أمّا أنْ يقال: إنّ الخوارج قاتلوا بني أُميّة على طول التاريخ، وبدأوا بابن هِنْد ففلقوا إسته؛ فإن الخوارج قاتلوا بني العبّاس وغيرهم، وابن تيميه يدفع عن بني العبّاس، إلاّ انّ عدوّه «عليّ أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم‌السلام» أشغله ذلك عن كلّ شيء وعاهد قرينه أن يموت خارجاً على عليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام!

وقد عقدتُ فصلاً مستقلاً عن الخوارج ضمن هذا الكتاب اقتضته الضرورة. ولنذكر بعض أقوال ابن تيميه الدالّة على خارجيّته، عامله الله بعدله: قال الخارجيّ ابن تيميه: «إنّ أبابكر وعمر كان بُعدُهما عن شبهة طلب الرياسة والمال أشدُّ من بُعد عليّ عن ذلك. وشُبهة الخوارج الذين ذمّوا عليًّا وعثمان وكفّروهما أقربُ من شُبهة الرافضة الذين ذمّوا أبابكر وعمر وكفّروهما» (1).

أيُّ رِعديد ابن تيميه؟! فهو يصاول بأوراق وأسماء سرعان ما يولّي شيطانه القرين لأنّه لم يُحسن التسديد وحلّت بساحته قراءة التعاويذ واللّعنات لكثرة الظنون أنّه صار مطيّة الشيطان!

____________________

(1) منهاج السنّة 1: 163.

 


الصفحة 35

انظر قوله: «إنّ أبابكر وعمر كان بُعدُهما عن شُبهة طلب الرياسة والمال أشدُّ من بُعد عليّ عن ذلك».

فهؤلاء خلفاء راشدون ومن العشرة المبشّرة بالجنّة؛ أيليق الكلام عنهم بمثل هذا الكلام؟! ثمّ دقّق في كلامه تجده متّهماً للصدّيق والفاروق في طلب الرياسة والمال؛ فهو لم ينفِ عنهما ذلك من قبيل: لم يثبت، لم يسعيا، لم يعملا، لم يعرضا لها، لم يتهالكا عليها، لم يقاتلا من أجلها، لم يعارضا مَن هو أحقّ بها، لقد جعلاها شورى بين أهل الحلّ والعقد، ونظراً في القرآن والسُنّة ...

وأمّا كلام ابن تيميه في البُعد والقُرب، إنّما هي من أساليبه في خداع العامّة، وإلاّ فالمعنى واحد: عليّ وأبوبكر وعمر، كلُّهم طالبوا رئاسة ومال وإن تفاوتت النسبة بينهم فيما زعم!.

ثمّ ما بال الخارجيّ ابن تَيميه في سورة غضبه الشيطانيّة ينال من عثمان فيكفّره على ألسنة الخوارج؟! ولو وسعه لزعم أنّ الخوارج قد كفّروا العشرة «المذكورين في حديث المبشّرة بالجنّة» ولذكر كثيراً غيرهم. وهو إذ يشنّ غاراته الخائبة على فتى الإسلام، نفس رسول الله، أوّلهم إسلاماً وآخرهم عهداً بالنبيّ، أحد الثّقلين وأبو السّبطين فارس بدر وأُحد وخيبر وحُنَين زوج البتول الطّاهرة بأمر الله تعالى، الأُذن الواعية، القلب الطاهر، سيّد العرب، خيرُ البريّة بعد رسول الله، حبُّه إيمان وبُغضه نفاق، وليّ المسلمين بحكم التنزيل والتتويج يوم الغدير، وليد الكعبة، ما سجد لغير الله عزّ وجلّ حتّى مضى شهيداً محتسباً ... أقول: إذ يشنّ غاراته الخائبة ضائع النسب آباءً وأمّاً، كلاًّ على أخيه قليل العلم بشهادة

 


الصفحة 36

محبّيه، فلم يسلم من لسانه صوفيّ ولا مالكيّ ولا شافعيّ ولا حنفيّ؛ وتجرّأ على ذات الله تعالى فحوقق وأُلزم الحُجّة فأظهر التوبة، ثمّ عاد، فعاد إلى السجن وهكذا ثلاثاً لينتهي إلى الهلاك.

أقول: إنّه في مرّات كثيرة إذ يطعن بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام يقرن به عثمان بن عفّان فيكفّرهما على لسان الخوارج، وفي مواضع أخرى يدافع عن بني أمية حاكمين وأتباعاً، مهما قصرت بهم الهمم وسفلت بهم العزائم واشتبكت عُقد نقص النسَب وسوء السيرة من ظلم وتجاوز الحدود ومعاقرة الخمور ومقارفة الزنا؛ فكما ذكرنا سابقاً أنّه يعيش في كنف بني أُميّة وكتب مؤلّفاته هناك فكان لابدّ أن يحابي ويدفع حتّى عن السقط من بني أُميّة إن وُجد، إرضاءً لهم وتأثّراً بالبيئة التي عاشها في حَرّان ودمشق، وخلطاً للأمور وتقليبها.

وهل عثمان إلاّ أمويّاً، فلِمَ الإصرار على تكفيره على لسان أسلافك الخوارج وإنّي أظنّ قويّاً أنّه إنّما يعني بهم: عائشة أمّ المؤمنين التي كانت أوّل مَن نادى بكفر عثمان وتحرّض على قتله، وتبعها على ذلك طلحة والزبير بعد أن بايعا أميرالمؤمنين عليّاً عليه‌السلام فنكثا البيعة ...

أمّا الباعث على تفجّر غضب عائشة على عثمان حتّى بلغ بها الأمر أن تنعته بالكفر وتدعو إلى قتله، ذلك أنّ عثمان أخّر بعض أرزاقها عنها إلى وقت من الأوقات، فغضبت ثمّ قالت: يا عثمان، أكلتَ أمانتك وضيّقت - وضيّعت - رعيّتك وسلّطت عليهم الأشرار من أهل بيتك؛ لا سقاك الله الماء من فوقك

 


الصفحة 37

 

وحَرمَك البركة من تحتك! أما والله لو لا الصلوات الخمس لمشى إليك قوم ثياب (1) وبصائر يذبحوك كما يُذبح الجمل! (تمهيد لوقعة الجمل!)، فقال لها عثمان: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ) (2) فكانت تحرّض على قتل عثمان جهدها وطاقتها وتقول: أيّها النّاس، هذا قميص رسول الله لم يَبْلَ وبليت سنّته، اقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً! (3). ووجدت عائشة في مجريات الأمور مناسبات للإيقاع بعثمان، من ذلك: شكوى أهل مصر من عامل عثمان عليهم: ابن أبي سَرح «عبد الله بن سعد»؛ وهو أخو عثمان من الرضاعة (4) ويوم فتح مكّة عَهِد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أمرائه أن يدخلوا مكّة فلا يقاتلوا إلاّ مَن قاتلهم، إلاّ أنّه قد عهد في نفر سمّاهم، أمر بقتلهم وإن وُجدوا تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وإنّما أمر بقتله لأنّه قد كان أسلم، وكان يكتب لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فارتدّ مشركاً راجعاً إلى قريش. فلمّا كان الفتح فرّ إلى عثمان، فغيّبه حتّى أتى به رسول الله بعد أن اطمأنّ الناس، فاستأ من له، فزعموا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله صمَتَ طويلاً، ثمّ قال: نعم، فلمّا انصرف عنه عثمان، قال رسول الله لمن حوله من أصحابه: لقد صَمَتُّ ليقوم إليه بعضُكم فيضرب

____________________

(1) هكذا في المصدر، ولعلّ الصحيح: ذووثبات.

(2) التحريم: 10، الفتوح، لابن أعثم 2: 224.

(3) أنساب الأشراف 6: 209. (ونَعْثَل رجل يهوديّ بمصر، وقيل هو اسم رجل طويل اللحية بالمدينة كانت عائشة تُشبّه به عثمان بن عفّان!).

(4) السيرة النبويّة، لابن هشام 4: 52، وطبقات ابن سعد 7: 344.

 


الصفحة 38

عنقه. فقال رجل من الأنصار: فهلاّ أو مأتَ إليَّ يا رسول الله؟ قال: إنّ النبيّ لا يقتل بالإشارة (1).

ووجدت فرصة أُخرى في تسعير الحرب على عثمان وقتله، إذ لم يُجرِ عثمان الحدّ على الوليد بن عُقبة؛ ومن قصّته أنّ الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيْط أخو عثمان لأمّه، فلمّا انتهت الحاكميّة إلى عثمان عزل سعد بن أبي وقّاص عن الكوفة، وأبدله بالوليد الفاسق، وذلك: «أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وجّه الوليد على صدقات بني المـُصْطَلِق فجاء فقال: إنّهم منعوا الصدقة، فنزل فيه: (إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ) (2،3) فتبيّنوا الآية. ونرجئ أخبار الوليد هذا، من صلاته سكراناً ...، إلى منادمته نصرانيّاً في المسجد وإطعامه الخنزير والخمر ...، فأقام عليه علي عليه‌السلام الحد!

إلاّ أنّ عائشة مضت بالنداء: إنّ عثمان أبطل الحدود وتوعّد الشهود.

ثمّ إنّ عائشة أغلظت لعثمان وأغلظ لها وقال: وما أنتِ وهذا؟! إنّما أُمرتِ أن تَقرّي في بيتِك. فقال قومٌ مثلَ قوله وقال آخرون: ومَن أولى بذلك منها؟! فاضطربوا بالنّعال، وكان ذلك أوّل قتال بين المسلمين بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله (4).

ولما اشتدّ الأمر على عثمان قرّبت عائشة راحلتها وعزمت على الحجّ

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 4: 52.

(2) الحجرات: 6.

(3) تفسير مقاتل 3: 259، والسيرة النبويّة، لابن هشام 3: 309، والمغازي، للواقديّ 3: 980، وتفسير عبد الرزّاق 3: 220، وتفسير ابن زمنين 2: 336، وأنساب الأشراف 6: 144، وأسباب النزول، للواحدي 261، وتفسير ابن جرير 26/124.

(4) أنساب الأشراف 6: 144.

 


الصفحة 39

فجاءها مروان بن الحكم فقال لها: لو أقمتِ فلعلَّ الله يدفع بكِ عن هذا الرجل! فقالت: قد قرّبتُ ركابي وأوجبتُ الحجّ على نفسي، ووالله لا أفعل، فجعل مروان يتمثل شعراً:

وحَرَّقَ     قيسٌ    عَليّ    iiالبلا      دَ حتّى إذا اضطرمت أجذما(1)

فقالت: قد فهمت ما قلت يا مروان. فقال مروان: قد بيّنتُ لكِ ما في نفسكِ. فقالت: هو ذاك. ثمّ قالت: يا مروان، ودِدتُ واللهِ أنّه في غِرارة من غرائري هذه وأنّي طُوِّقتُ حملُه حتّى ألقيه في البحر!

ومرّ عبد الله بن عبّاس بعائشة فقالت: يا ابن عبّاس، إنّ الله قد آتاك عقلاً وفهماً وبياناً، فإيّاك أن تردّ النّاس عن هذا الطاغية! (2)

وضربت عائشة صوب مكّة وكلّها أملٌ أنّ الفتنة تنتهي بالبيعة لابن عمّها طلحة بن عبيدالله التيميّ أشدّهم على عثمان ولذا لم يطلب مروان بثأره لعثمان غيره!

وأمّا شركاء عائشة في ثورتها على عثمان، وهو ما يعنيه الخارجيّ ابن تَيمِيه فهم: طلحة بن عُبيد الله التيميّ، ابن عمّ أبي بكر وزوج ابنته أمّ كلثوم. وكانت عائشة بنت طلحة عند عبد الله بن الرحمان بن أبي بكر، وقد خلَف عليها مصعب بن الزبير بن العوّام.

والزبير بن العوّام، كان صهر أبي بكر، زوجته أسماء بنت أبي بكر، وولده

____________________

(1) وفي طبقات ابن سعد 5: 27: حتّى إذا استَعَرَتْ أجْذما.

(2) أنساب الأشراف 6: 192 - 193، والفتوح 2: 225 - 226.

 


الصفحة 40

 

منها عبد الله بن الزبير. ثمّ طلّقها الزبير.

ولم يكن للزبير وطلحة شأن أيّام عمر وكان يتنقّصهما! فيصف الزبير بأنّه يدافع من أجل الدرهم، وينعت طلحة بالبَأو، أي: الفَخْر والزَهْو، من ذلك حواره لابن عبّاس:

قال ابن عبّاس: طَرَقَني عمر بن الخطّاب بعد هدأة اللّيل. فقال: اخرُج بنا نحرس نواحي المدينة! فخرج وعلي عُنقه دِرّته، حتّي أتي بقيع الغرقد (1)، فاستلقي علي ظهره وجعل يضرب أخمصَ قدميه وتأوّه صعداً، فقلت له: ما أخرجك إلي هذا الأمر؟ فقال: أمرُ الله يا ابن عبّاس.

قلتُ: إن شئتَ أخبرتُك بما في نفسك! قال: غص غوّاص، إن كنت تقول فتُحسن.

قلت: ذكرت هذا الأمر وإلي من تصيّره. قال: صدقتَ.

فقلتُ له: أين أنت عن عبد الرحمان بن عوف؟ فقال: ذاك رجل ممسك - أي: بخيل محبّ للمال - وهذا الأمر لا يصلح إلاّ لمعطٍ من غير سرف ومانع في غير إقتار (2).

فقلت: سعد بن أبي وقّاص؟ قال: ذاك مؤمن ضعيف (3).

____________________

(1) بقيع الغرقد: مقبرة أهل المدينة. (معجم البلدان 4: 194).

(2) في شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: رجلٌ ضعيف لو صار الأمر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته.

(3) في شرح نهج البلاغة: صاحب سلاح ومقنب، أي: جماعة الخيل.

 


الصفحة 41

فقلت: طلحة بن عبيد الله؟ قال: ذاك رجل يناول للشرف - أي: السُّمعة والشُّهرة - والمديح، يعطي مالَه حتّي يصل إلي مال غيره، وفيه بأو وكبر (1).

قلت: فالزبير بن العوّام، فهو فارس الإسلام؟! قال: ذاك يوم إنسان ويوم شيطان! إن كان ليكادح علي المكيلة من بكرة إلي الظّهر حتّي تفوته الصلاة (2).

فقلت: عثمان بن عفان؟ قال: إن ولي حمل بني أبي معيط، وبني أميّة علي رقاب النّاس، وأعطاهم مال الله، ولئن فعل لتسيرنّ العرب إليه حتّي تقتله في بيته (3).

ثمّ سكت. قال: فقال: أمضها يا ابن عبّاس، أتري صاحبكم (يعني عليّاً) لها موضعا؟! فقلت: وأين يبتعد من ذلك مع فضله وسابقته وقرابته وعلمه؟ قال: هو والله كما ذكرت، ولو وليهم تحمّلهم علي منهج الطريق فأخذ المحجّة الواضحة، إلاّ أنّ فيه خصالاً: الدعابة في المجلس، واستبداد الرأي، والتبكيت للناس مع حداثة السنّ!

قلتُ: هلاّ استحدثتم سنّه يوم الخندق إذ خرج عمرو بن عبد وَدّ، وقد كعم (4) عنه الأبطال، وتأخّرت عنه الشيوخ؟! ويوم بدرٍ إذ كان يقُطّ الأبطال قطّاً؟! ولا

____________________

(1) في شرح نهج البلاغة: قال: ذو البأو، وبإصبعه المقطوعة.

(2) في شرح نهج البلاغة: قال: سكس لقس - أي سيّئ الخلق - يلاطم في النّقيع في صاع من برٍّ.

(3) في شرح نهج البلاغة: قال: أوّه! ثلاثاً. والله لئن وليها ليحملنّ بني معيط على رقاب الناس، ثمّ لتنهضنَّ إليه العرب.

(4) كعم: جبن.

 


الصفحة 42

سبقتموه بالإسلام.

فقال: إليك عنّي يا ابن عبّاس، إنّ عليّاً ابن عمّك لأحقّ النّاس بها، ولكن قُريشاً لا تحتمله! ولئن وليهم ليأخذنّهم بمرّ الحقّ لا يجدون عنه رخصة، ولئن فعل لينكثنّ بيعته ثمّ ليتحاربُنّ (1).

وكان الأمر كما قال، إذ حين أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام وكان أوّل مَن بايعه طلحة والزبير، ثمّ نكثا البيعة وخرجا على أميرالمؤمنين بقيادة عائشة، فقتلا مع خارجة النّاكثين يوم الجمل.

 

ملاحظة جديرة بالاهتمام

من خلال الكلام بين عمر وابن عبّاس، وجدنا الخليفة لم يثبت من مجموع الستّة أشخاص المذكورين إلاّ أمير المؤمنين عليّاً عليه‌السلام فقد أقرّ له بالسابقة إلى الإسلام وبالعلم وأنّه أحقّ النّاس بالخلافة.

أمّا الآخرين فذكرهم بما مرّ بنا من عيوبهم ومثالبهم ولم يذكر لأحدٍ منهم فضيلة واحدة ومع هذا وذاك عيّن الأشخاص الستّة المذكورين للشورى من أجل اختيار الخليفة من بعده، وفي حال الاختلاف ينظر إلى صفّ عبد الرحمان بن عوف فيأخذ برأيه.

وعلى رغم اختيار ابن عوف عثمان بن عفّان، وأنّه قد أثرى إثراءً لا مثيل له في حاكميّة عثمان، إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه من الإنكار على عثمان والتأليب

____________________

(1) تاريخ اليعقوبيّ 2: 158 - 159، وشرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 12: 51.

 


الصفحة 43

عليه، وكان قد حلَف إلاّ يُكلّم عثمان أبداً. وذكر عثمان عند عبد الرحمان بن عوف في مرضه الذي مات فيه فقال عبد الرحمان: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه! فبلغ ذلك عثمان، فبعث إلى بئر كان يسقى منها نعم عبد الرحمان بن عوف فمنعه إيّاها. وأوصى عبد الرحمان بن عوف أن لا يُصلّي عليه عثمان، فصلّى عليه الزبير، أو سعد بن أبي وقّاص (1).

فحالُ عبد الرحمان بن عوف، حالُ عائشة وطلحة والزبير ... في خروجهم علي عثمان وتكفيرهم إيّاه، وبهم اقتدى الخارجيّ ابن تيميه.

 

موقف طلحة والزبير من عثمان

ذكرنا أنّ طلحة والزبير لم يكن لهما شأن أيّام عمر وكان يتنقّصهما، ثمّ منّ عليهما أن جعلهما في الشورى! وبعد عمر طمعا طمعاً كاذباً بالكوفة والبصرة، إلاّ أنّ عثمان خيّب آمالهما، إذ كان عبد الله بن عامر بن كُريز الأمويّ، عامله على البصرة، وعلى الكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط (2)، فلمّا شكاه أهل الكوفة (ذكرنا بعض خبره) استبدل به سعيد بن العاص، فلمّا ولاّه عثمان قال: «ويلٌ للأشراف منّي! وقال: إنّما السواد بستان لقريش، فأخرجه أهلها عنها، وولاّهُ معاوية المدينة وولاّه الموسم» (3).

____________________

(1) أنساب الأشراف 6: 170 - 171.

(2) أسر عقبة بن أبي معيط يوم بدر ثم قتله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله صبراً (المصادر جميعاً).

(3) أنساب الأشراف 6: 48.

 


الصفحة 44

وكان عمرو بن العاص على مصر أيّام عمر بن الخطّاب وفترة من أيام عثمان ثمّ عزله عنها، واستعمل عليها أخاه من الرضاعة ابن أبي سرح - كما أسلفنا - ممّا أثار حفيظة ابن النّابغة، فراح يوري زناد الفتنة على عثمان، وهو القائل: «أنا أبو عبد الله! إنّي إذا حككت قرحة نكاتها. وقد قال له عثمان وهو بالمدينة: يا ابن النّابغة، إنّك لممّن تؤلّب عليّ الطّغام! لأن عزلتك عن مصر، فخرج إلى فلسطين» (1) غير أنّ ابن النّابغة مضى في عزمه في التأليب على عثمان. وعلى الرغم من إثراء طلحة والزبير وعبد الرحمان بن عوف وغيرهم أيّام عثمان إثراءً فاحشاً لم يكن لأحدهم من قبل عشر معشار ما ملك أيّامه! (2) إلاّ أنّ ذلك لم يمنعهم من الخروج على عثمان ومعارضته أشدّ المعارضة وقد ذكرنا ما كان من عبد الرحمان بن عوف، وعمرو بن العاص؛ وبعضاً من مواقف عائشة وسنعود إليها.

إنّ الذي أثار طلحة والزبير كما ذكرنا هو عدم استجابة عثمان لمطمعهما في الإمارة والولاية «فقام طلحة مع عائشة وكلّم عثمان بكلام شديد» (3) وذلك حين جاءته الوفود تشكوا عمّاله.

«وسلّم - أي عثمان - على جماعة فيهم طلحة فلم يردّوا عليه فقال: يا

____________________

(1) نفسه 6: 193.

(2) انظر تفاصيل ذلك في طبقات ابن سعد (الجزء الثالث: تراجم عثمان وطلحة والزبير وابن عوف وسعد بن أبي وقّاص)، وأنساب الأشراف 6: 136 فما بعد، ومروج الذهب 2: 332 فما بعد.

(3) أنساب الأشراف 6: 195.

 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة