الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 422

و سجن ...

وفي سنة 712 واتت الفرصة ابن تَيمِيه ليتحرّر من السجن بسبب ما وقع من حرب مع التتر وانشغال الجميع بهذا الأمر، فشفعوا له عند القاضي المالكيّ «فاشترط القاضي أنْ لا يعود ابن تيميه فقيل له: إنّه قد تاب، فأفرج عنه ووصل دمشق مستهل ذي القعدة سنة 712» (1).

وفي عام 718 عُقد له مجلس، إذ أنكر عليه القضاة فتواه في مسألة الحلف بالطلاق، وتمّ الاتّفاق على عدم عودته إلى تلك الفتيا. وفي شهر رمضان سنة 719 قاموا عليه من جديد بسبب عودته إلى الفتوى، فأكّد عليه المنع من الفتيا وقرئ في البلد مرسوم السلطان الّذي يتضمّن ذلك، ثمّ حُبس بالقلعة بعد أن عقدوا له مجلساً في رجب سنة عشرين، واُفرج عنه في عاشوراء سنة 721 (2).

إنّ هذه الحقبة الزمنيّة شهدت نشاطاً لابن تَيمِيه يكاد أن ينحصر في الفقه بعد أن أمضى على نفسه كتاباً برجوعه عن بعض عقائده والكلام فيها، ولأجله حُوقق وسُجن على فتاواه.

وفي عام 725 وقع للشيخ شهاب الدين البعلبكي من الحساب بسبب متابعته لابن تَيمِيه في بعض آرائه: «وفيها منع شهاب الدين بن مرى البعلبكيّ من الكلام على النّاس بمصر، على طريقة الشيخ تقي الدين بن تَيمِيه، ثمّ سُفّر إلى

____________________

(1) نفسه 1: 149.

(2) نفسه، والبداية والهاية 14: 87، 93، 97، 98.


الصفحة 423

الشام بأهلِه ...» (1).

نهاية المطاف: وانتهى المطاف بابنِ تَيمِيه أن أودع السجن في شعبان سنة 726 بسببِ عودته إلى الكلام، فكان ذلك خاتمة حياته حيث مات في معتقل القلعة في ليلة الإثنين، العشرين من ذي القعدة سنة 728 هـ. قال البرزالي: «يوم الإثنين سادس عشر شعبان اعتقل ابن تيميه بقلعة دمشق حيث ورد مرسوم السلطان بذلك. وفي يوم الجمعة عاشر الشهر المذكور قرئ بجامع دمشق الكتاب السلطاني الوارد باعتقاله ومنعه من الفتيا، وهذه الواقعة سببها فتيا وجدت بخطّهِ في السفر وإعمال المطي غلى زيارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقبور الصالحين» (2).

«وفي يوم الأربعاء منتصف شعبان أمر قاضي القضاة في حبس جماعة من أصحاب الشيخ تقي الدّين في سجن الحكم، وذلك بمرسوم نائب السلطنة وإذنه له فيه، فيما تقتضيه الشريعة في أمرهم، وعزّر جماعة منهم على دوابّ ونودي عليهم ثمّ أطلقوا، سوى شمس الدّين محمّد بن قيّم الجوزيّة، فإنّه حُبس بالقلعة، وسكتت القضيّة» (3).

إنّ الإبقاء على ابن الجوزيّة في المعتقل يرجع إلى ما عرف عنه من اندكاكه في البوتقة الفكريّة لابنِ تيميه، فكان يحذوه في المعتقد والآراء، - وهو شديدٌ

____________________

(1) البداية والنهاية 14: 117.

(2) نفسه: 123.

(3) نفسه 14: 123.


الصفحة 424

مثلُه على الشيعة ورجالهم -.

تعصّب مقيت: أن التعصّب صفة مذمومة، إذ تحمل صاحبها على العناد والإصرار على الباطل مع وضوح البرهان. والغريب من ابن كثير الحنبليّ أنّ تعصّبه لابنِ تيميه لم يحمله على تمجيده وإطرائه بأفضل النعوت وتخريج آرائه وتوجيهها لتكون مقبولة؛ وإنّما ذهب أبعد من ذلك حيث أنكر بعض آرائه الّتي حوقق عليها فسُجن لأجلها من قبيل مسألة الزيارة، وهو ما لم ينكره ابن تيميه وإنّما أصرّ عليه ومؤلّفاتُه حافلةٌ به!.

قال: «ثمّ يوم الخميس دخل القاضي جمال الدين بن جملة، وناصر الدين مشيد الأوقاف، وسألاه عن مضمون قوله في مسألة الزيارة، فكتب ذلك في درج وكتب تحته قاضي الشافعيّة بدمشق: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خطّ ابن تَيمِيه إلى أن قال: وإنّما المحزّ جعله زيارة قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وقبور الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصية بالإجماع مقطوعاً بها. قال ابن كثير: فانظر الآن هذا التحريف على شيخ الإسلام، فإنّ جوابه على هذه المسألة ليس فيه منع زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنّما فيه ذكر قولين في شدّ الرحل والسفر إلى مجرّد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شدّ رحل إليها مسألة، وشدّ الرحل لمجرّد الزيارة مسألة أخرى، والشيخ لم يمنع الزيارة الخالية عن شدّ رحل، بل يستحبّها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرّض إلى هذه الزيارة في هذا الوجه في الفتيا، ولا قال إنّها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها، ولا هو جاهل قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله «زوروا القبور فإنّها تذكّركم


الصفحة 425

الآخرة» والله سبحانه لا يخفى عليه شيء ...» (1).

وما ذكره ابن كثير في محاولة منه لتبرئة ساحة ابن تيميه ممّا وُجّه إليه من التّهم، لا معنى لم وذلك لإقرار ابن تَيمِيه بها وتوبته ثمّ عودته إلى أفكاره ...

____________________

(1) البداية والنهاية 14: 124.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة