الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 384

سُمّي بـ (الجعفريّات) (1).

وهناك مجموعة من الكتب نسبها إليه الرُواة منها.

1 - وصيّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: ذكرها الإشبيلي في فَهْرَسَة ما رواه، وأورد طريقه إلى جعفر بن محمّد الصادق عليه‌السلام (2). وذكره الطيّبي في الخلاصة (3).

وذكره من أعلامنا، أحمد بن محمّد، أبو غالِب الزُراريّ (ت 368) في فهرست ما رواه، قال: عن أبي العبّاس ابن عُقْدة، وعلى ظهره إجازتُه لي جميع حديثه لي، بخطّه (4).

وقد أسنَد الصدوقُ إلى ما سمّاه (وصيّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ عليه‌السلام) من طريق أهل البيت عليهم‌السلام (5).

2 - كتاب الحجّ:

رواه أبانبن عبد الملك الثقفيّ (6).

3 - مناسكُ الحجّ وفرائضُه، وما هو مسنونٌ في ذلك:

سمعه كلّه من الإمام عليه‌السلام رواية عمر بن محمّد أبو الأسود، بيّاع السابِري،

____________________

(1) الذريعة 2/109 رقم 436.

(2) الفهرسة، لأبي خَيْر الأندلسي 277 - 278.

(3) الخلاصة في علم الحديث، للطيبي 10.

(4) رسالة أبي غالب الزُراري في آل أعيَن 181 رقم 107.

(5) من لا يحضره الفقيه 4/134.

(6) رجال النجاشي 14 رقم 9.


الصفحة 385

ذكره النجاشي، ورواه بثلاثة أسانيد (1).

4 - كتاب مبوّبٌ في الحلال والحرام.

رواه إبراهيم بن محمّد، أبو إسحاق المدنيّ (2).

5 - كتاب نوادر: رواه داود بن عَطاء المدني (3).

وعدد ما يندرج تحت عنوان «كتاب» و «نسخة» وكلّها للإمام أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام كثير غير ما ذكرنا.

ولقد بلغت حركة التأليف قوّتها في عهد الإمام الصادق عليه‌السلام ببركة توجيهاته وإرشاداته القيّمة، فكان في تلامذته الكثيرون ممّن ألّفوا الكتب، ودوّنوا الحديث في المصنّفات والمسانيد (4).

 

ما ورد عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه‌السلام (ت 183 هـ)

1 - الأقوال:

عن زيد النهشلي، قال: كان جماعة أبي الحسن عليه‌السلام من أهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه، ومعهم في أكمامهم ألواح أبنوس لِطاف وأميالٌ، فإذا نطق أبو الحسن عليه‌السلام، بكلمةٍ أو أفتى في نازلةٍ؛ أثْبتَ القومُ ما سمِعوا منه في ذلك (5).

____________________

(1) نفسه 283 رقم 751.

(2) نفسه 15 رقم 12.

(3) نفسه 157 رقم 412.

(4) المصطلح الرجالي 122، 1125.

(5) مُهَجُ الدعوات، لابن طاووس 219 - 220.


الصفحة 386

وقد اُثرت عنه عليه‌السلام المؤلّفات التالية:

1 - مسند الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام:

مجموعة من الروايات المسندة المرفوعة إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، التي أسندها الإمام الكاظم عليه‌السلام بطريق آبائه عليهم‌السلام. رواها عنه موسى بن إبراهيم، أبو عِمران المروزيّ، البغداديّ؛ قال: إنّه سمِعها من الإمام عليه‌السلام عندما كان الإمام في سجن هارون العبّاسيّ. ذكره الطوسي (1) والنجاشي (2).

وقد طُبع الكتاب عدّة طبعات في: النجف الأشرف، وبطهران، وفي أمريكا وفي بيروت.

وللإمام الكاظم عليه‌السلام مسائل وكتب ورسائل؛ رواها أصحابه (انظر رجال النجاشي والكافي...).

 

ما ورد عن الإمام عليّ بن موسى أبي الحسن الرضا عليه‌السلام (ت 202 هـ).

1 - الأقوال:

1 - قال الراوي: كتبتُ على ظهر قِرْطاسٍ: «إنّ الدنيا ممثَّلةٌ للإمام كَفَلَقَةِ الجَوْزة» فدفعتُه إلى أبي الحسن عليه‌السلام، وقلتُ: جُعلتُ فداك، إنّ أصحابنا رَوَوْا حديثاً ما أنكرتُه، غير أنّي أحبَبْتُ أنْ أسمعَه منك!.

قال: فنظَر فيه، ثمّ طواه ... ثمّ قال: هو حقٌّ فحوّلُه في أديم. وفي نقلٍ آخر،

____________________

(1) الفهرست، للطوسي 191 رقم 721.

(2) رجال النجاشي 407 رقم 1082.


الصفحة 387

قال: وهو حقّ، فانقلوه إلى أديم (1).

2 - وفي تفسير قوله تعالى: (وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا) (2).

قال عليّ بن أسباط: قلتُ له عليه‌السلام: جُعلتُ فداك، اُريد أنْ أكتبَ.

قال: فضرب يده إلى الدواة، فتناولتُ يدَهُ، فتناولتُها، وأخذتُ الدواة، فكتبتُه (3).

3 - عن أحمد بن عمر الحلاّل، قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه‌السلام: الرجلُ من أصحابنا يُعصيني الكتابَ، ولا يقول: إرْوِه عنّي؛ يجوزُ لي أن أرويَه عنه؟

قال: فقال: «إذا علِمتَ أنّ الكتابَ له، فارْوِه عنه» (4).

وقد نُسبت إلى الإمام الرضا عليه‌السلام:

1 - صحيفةُ الرضا عليه‌السلام:

ويُسمّى أيضاً: (مُسْندُ الإمام الرضا عليه‌السلام).

وهو مجموع ما أسنده الإمام عليه‌السلام عن آبائه عليهم‌السلام عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، برواية العديد من أصحابه، وأشهرهم أحمد بن عامر بن سليمان الطائيّ.

وهذه الصحيفة مشهورةٌ متواترةُ النقل عنه عليه‌السلام، لدى كافّة الطوائف الإسلاميّة، فلها طُرُقٌ كثيرة عند الشيعة الإماميّة، والزيديّة، كما هو عند العامّة.

____________________

(1) الاختصاص، للمفيد 217، بحار الأنوار 2/145 ح 11 و 12.

(2) الكهف: 82.

(3) بحار الأنوار 2: 146.

(4) الكافي 1/52 ح 6، روضة المتّقين، للمجلسي 1/26.


الصفحة 388

وذكرها أربابُ الفهارس، والمعاجم (1).

وقد طُبعت عدّة طبعات ...

2 - الرسالة الذهبيّة:

رسالة في بعض النصائح الطبيّة، كتبها الإمام عليه‌السلام للمأمون العبّاسيّ فأمر هذا بكتابتها بماء الذهب؛ فسُمّيت بالذهبيّة. وهي مطبوعة.

3 - أمالي الإمام الرضا عليه‌السلام:

رواه أبو الحسن عليّ بن عليّ الخُزاعيّ، أخو دِعْبل الشاعر، قال: حدّثنا أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه‌السلام، بطُوس، إملاءً، في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر ... أورد ذلك الشيخ الطوسي، ونقل عنه أحاديث عديدة (2). ولعلّ هذا الكتاب هو الذي ذكره النجاشي، وأنّ الخزاعي رواه عن الإمام (3).

4 - كتاب الإهليلجة:

نُسب إليه عليه‌السلام.

قال السيّد الأمين، فيه حُجَجٌ بالغةٌ ومطالبٌ جليلةٌ في علم الكلام.

وله عليه‌السلام مجالس وكتب ومسائل ونُسخ، مذكورةٌ في كتب الرجال.

____________________

(1) رجال النجاشي 100 رقم 250، الذريعة 15/17 و 21/26 و 24/149. أعيان الشيعة 1 ق 1/374.

(2) أمالي الطوسي 370 - 382.

(3) رجال النجاشي 277 رقم 737.


الصفحة 389

ما ورد عن الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ الجواد عليه‌السلام (ت 220 هـ).

عن محمّد بن الحسن بن أبي خالد، شَيْنُولة، قال: قلتُ لأبي جعفر الثاني عليه‌السلام: جُعلتُ فداك، إنّ مشايخَنا روَوا عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليهما‌السلام، وكانت التقيّة شديدةً، فكتموا كتبَهم، فلم تُرْوَ عنهم، فلمّا ماتوا صارت الكُتُب إلينا؟

فقال: «حَدِّثوا بها، فإنّها حقٌّ» (1).

 

ما ورد عن الإمام عليّ بن محمّد أبي الحسن الهادي عليه‌السلام (ت 254 هـ).

نُقلت عنه الكتب التالية:

1 - رسالة الردّ على أهْل الجبر والتفويض (2).

2 - كتاب في أحكام الدين.

ذكره السيد العامليّ (3).

3 - نسخة: رواها أبو طاهر، ابن حمزة بن اليَسع، أخو أحمد (4).

4 - نسخة: رواها عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور، السرّ مَنْ رائي (5).

5 - نسخة: رواها عليّ بن الريّان بن الصَلْت الأشعريّ القُميّ (1).

____________________

(1) الكافي 1/53 ح 15 وعنه في بحار الأنوار 2/167.

(2) أعيان الشيعة 3 ق/380.

(3) نفسه.

(4) رجال النجاشي 460 رقم 1256.

(5) نفسه 297 رقم 806.


الصفحة 390

6 - مسائل: رواها عليّ بن جعفر الهُمَاني البرمكي. (2)

 

ما ورد عن الإمام الحسن بن عليّ أبي محمّد العسكري عليه‌السلام (ت 260 هـ).

1 - عن داود بن القاسم الجعفريّ، قال: عرضتُ على أبي محمّد صاحب العَسْكر عليه‌السلام (كتاب يوم وليلة) ليونُس، فقال لي: «تصنيفُ مَنْ هذا؟». فقلتُ: تصنيفُ يونُس مولى آل يقطين.

فقال: «أعطاه الله بكلّ حرفٍ نوراً يوم القيامة» (3).

والمأثور عنه من الكتب:

1 - كتاب المنقبة:

قال الشيخ الطهراني: المشتمل على أكثر الأحكام، ومسائل الحلال والحرام (4).

2 - نسخة: رواها عبد الله بن محمّد، أبو معاد الحويمي (5).

3 - مسائل: رواها محمّد بن سليمان الزُراري، جدّ أبي غالب (6).

4 - مسائل: رواها محمّد بن الريّان بن الصَلْت الأشعري القميّ (1).

____________________

(1) نفسه 278 رقم 731.

(2) رجال النجاشي 280 رقم 740.

(3) نفسه 447 رقم 1208، بحار الأنوار 2/150 ح 25.

(4) الذريعة 23: 149.

(5) نفسه/152.

(6) رجال النجاشي 347 رقم 937.


الصفحة 391

ما ورد عن الإمام محمّد بن الحسن المهديّ المنتظر عليه‌السلام

فقد خرجت من ناحيته المقدّسة أجوبةُ المسائل مكتوبة بشكل «توقيعات» على الأسئلة الموجّهة إلى ناحيته المقدّسة. وقد جمعها عدّة من العلماء منهم: أبو العبّاس الحِمْيَريّ، عبد الله بن جعفر بن الحسين بن مالك بن جامع، القميّ - من أصحاب الإمام أبي محمّد الحسن العسكريّ عليه‌السلام - المتوفّى سنة 299 هـ (2) ومن خلال العرض السريع لروايات أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام وجدنا إجماعهم جميعاً مع جواز التدوين قولاً وعملاً.

 

عصره السياسي

امتدّت حياة ابن تَيمِيه (661 - 728 هـ) في العصر المماليكي الأوّل، عصر المماليك البحريّة الذي ابتدأ بسيطرتهم على مصر سنة 648 هـ، ثمّ بلاد الشام سنة 658 هـ حتى كانت نهايتهم في سنة 784 هـ ليبتدئ عهد المماليك البُرجية، وحتّى عام 923 هـ حيث نهاية دولتهم على أيدي العثمانيّين.

قام العصر المملوكيّ الأوّل على أنقاض الدولة الأيّوبيّة التي حكمت مصر والشام منذ عام 567 هـ، حيث كانت نهاية العهد الفاطميّ الذي امتدّ قرابة ثلاثة قرون (296 - 567 هـ) حتّى أنهكته الحروب المتوالية، فبعد السلاجقة الذين بسطوا سلطانهم على بغداد سنة 451 هـ، ثمّ اندفعوا نحو الشام ينازعون الدولة

____________________

(1) نفسه 370 رقم 1009.

(2) رجال النجاشي 220 رقم 573.


الصفحة 392

الفاطميّة ...، بعد ذلك كانت الحروب الصليبيّة التي ابتدأت في سنة 488 هـ بمهاجمة الثغور الشاميّة في آسيا الوسطى، ثمّ انحدر الصليبيّون نحو الرُّها التي أصبحت ولايتهم الثانية، كلّ ذلك انتزعوه من السلاجقة، ثمّ انحدروا جنوباً فانتزعوا من الفاطميّين مدن الساحل ووادي نهر العاصي، وحاصروا القدس أربعين يوماً حتّى تمكّنوا منها في شهر رجب من سنة 492 هـ، فأشاعوا فيها الذبح الذريع دون تمييزٍ في سنٍّ أو جنس - شبيه ذلك وقعة الحرّة! -

ومن الطريف أنّ صلاح الدين الأيّوبيّ الذي خطّط مبكّراً لإنهاء الحكم الفاطميّ؛ تردّد كثيراً في قطع الخطبة الفاطميّة، حتّى انبرى لها أعجميّ يدعى نجم الدين الخبشاني، فخطب للمستضيء العبّاسيّ الذي لا يعدو كونه رمزاً ضعيفاً مقيّداً في بغداد بعيداً عن كلّ ما يجري. فانفرد صلاح الدين بملك مصر موجّهاً أنظاره نحو الشام حتّى ضمّها إليه بموت نور الدين سنة 569 هـ ليؤسّس الدولة الأيّوبيّة في مصر والشام.

ثمّ توجّه صوب الصليبيّين فأفلح في طردهم من معظم المدن التي احتلّوها، ولم يبق في أيديهم من المدن الكبرى سوى صور وطرابلس وأنطاكية. ولكن بعد مضيّ صلاح الدين بدأ النزاع بين بنيه وأخيه العادل وأبناء أخيه، واشتدّ النزاع بين خَلَفهم، وكلّما أحسّ أحدهم بالضعف استعان بالصليبيّين على أخيه أو ابن عمّه ومنحهم ما لا يملكون من المدن، حتّى استعادوا أغلب ما انتزعه منهم صلاح الدين، وحتّى القُدس، تخلّى لهم عنها الملك الكامل ابن العادل على أن ينصروه على ألدّ خصومه، أخيه! صاحب دمشق.


الصفحة 393

فلمّا اشتدّ النزاع بين بني أيّوب عمد ملوكهم إلى شراء مماليك من الأتراك يقومون على حراستهم، واستكثر منهم الملك الصالح في سنة 647 هـ وأقطعهم الأراضي ومنحهم جزيرة بحر النيل (روضة نهر النيل)، فمن أجل ذلك سُمّوا بالمماليك البحريّة. وازداد نفوذهم حتّى تمكّنوا بعد موت الملك الصالح في سنة 647 هـ بأشهر فقط من قتل ابنه طوران شاه سنة 648 هـ ليؤول ملك الأيّوبيّين إلى الإمرأة شجرة الدرّ زوجة الملك الصالح، فكانت آخر رموز الأيّوبيّين، أوّل ملكة في تاريخ الإسلام.

ولأجل أن تحظى بتأييد الخليفة العبّاسي الرمز! في بغداد؛ اتّخذت عزّ الدين أيبك المملوكي زوجاً وجعلت منه وجهاً صورياً للحكم، حتّى دسّت له مَن قتله في الحمّام، فهاج عليها المماليك فقتلوها ونصبوا سيف الدين قُطز المظفّر المملوكيّ، وخطبوا له بالسلطنة كأوّل سلطان فعليّ للمماليك في سنة 657 هـ، بعد عام واحد على سقوط العاصمة العبّاسيّة بغداد بأيدي التتار المغول واجتياحهم مدن الشام والإجهاز على بقايا الدولة الأيّوبيّة هناك.

وفي أقلّ من سنة مرّت على سلطنته استطاع قُطز أن يهزِم التتار في معركة عين جالوت الشهيرة. ولم يمضِ على ملكه غير أحد عشر شهراً حتّى قتله الظاهر بيبرس، ليجلس على كرسيّ السلطنة سنة 658 هـ وكان بيبرس أقوى سلاطين المماليك على الإطلاق وأحسنهم سيرةً، وقد حاول أن يعيد الرمز العبّاسيّ حين عثر على رجل جاء به بعض الأعراب فزعموا أنّه من البيت العبّاسيّ نجا بنفسه فارّاً من بغداد إثر الغزو التتري، فبايعه بالخلافه وأرسله على


الصفحة 394

رأس جيش إلى بغداد ليجدّد عهد آبائه، غير أنّ التتار قتلوه غربي بغداد وأفنوا جنده. وواصل الظاهر بيبرس مطاردة التتار في بلاد الشام، كما أفلح في دحر الصليبيّين واسترجاع معظم ما احتلّوه، حتّى استعاد منهم أنطاكية التي عجز عن استعادتها صلاح الدين، وكادت تستوي له جميع بلاد الشام، حتّى كانت وفاته سنة 676 هـ؛ ليبتدئ بعده عهد من الفِتن وتعدُّد الملوك وشيوع القتل بينهم وكانوا على الترتيب:

السعيد بركة ابن الظاهر بيبرس: خلعه أُمراء العسكر سنة 678 هـ.

سلامش بن بيبرس: كان عمره سبع سنين، وخُلع بعد أربعة أشهر.

قلاوون المنصور: كان سلطاناً قويّاً انتظم على عهده أمر البلاد حتى وفاته سنة 689 هـ، وهو ثاني مَن مات على السلطنة بعد الظاهر بيبرس، في حين توزّع الآخرون بين مقتول ومخلوع.

الملك الأشرف ابن قلاوون: انتزع عكّا من الإفرنج واستعاد كامل البلاد الساحليّة، وقُتل في سنة 693 هـ على أيدي مماليك أبيه.

بيدرا القاهر: ملك أقلّ من أُسبوعين فقتله مماليك أبيه.

الملك الناصر ابن المنصور قلاوون: وفي عهده هذا غزا التتار البلاد سنة 699 هـ؛ واحتلّوا حلب وحماه ودمشق وغزّة والقدس والكرك وهزموا الملك الناصر إلى مصر، فأعاد عليهم الكرّة في العام التالي في جيش قاده سالاّر وزميله بيبرس، فاستعادوا البلاد وهزموا التتار.

بيبرس: القائد، وزميله سالاّر اتّفقا على خلع الناصر سنة 708 هـ واستقلاّ


الصفحة 395

في الحكم عاماً واحداً.

الملك الناصر: عاد إلى السلطنة سنة 709 هـ وأقصى بيبرس، وصَحِبه سالاّر هذه المرّة من جديد، واستوت له البلاد، وعَدِم المنافسين؛ فكان آخر سلطان يعاصره ابن تَيمِيه.

تميّز هذا العهدُ بغَلبة السيف على الوراثة في الحكم، وتجسُّد التجزئة السياسيّة بغياب الرمز العبّاسيّ إلى الأبد، تلك التجزئة التي كانت قد ابتدأت في الواقع منذ فقد البيت العبّاسيّ هيمنته، حيث كان أحمد الراضيّ - المتوفّى سنة 329 هـ - آخر خليفة عبّاسيّ ينفرد بتدبير الجيوش والأموال والسياسة، وآخر مَن خطب على المنبر يوم الجمعة من بني العبّاس (1).

إنّ ابن تَيمِيه الذي ورث النّاصبيّة الخارجيّة التي تحدّثنا عنها، ولم تُسعفه أُسرةٌ بالتربية الصالحة؛ فقد وجدناها مفكّكةً لا تعرف لها انتماءً قبليًّا تعتزّ به، وإنّما هي تنتهي إلى امرأة واعظة اسمها: تَيمِيه؛ مع تشكيك جدّهم الذي وضع لهم شجرة نسبهم المقطوعة! هل أنّ تَيمِيه هي الجدّ الرابع أو دونَه؟! ثمّ لم يكن لهم حظّ من العلم: فجدٌّ حسودٌ وإن كان واعظاً، متى حلّ بحرّان واعظٌ ما زال وراءه حتّى أخرجه منها! وجدٌّ آخر أقلّ شرًّا وإن لم يكن يعرف بعلم، وأمّا أخوه، فلا له ولا عليه، وهو القائم على شؤون أخيه المعاشيّة لأنّ الأخير مشتغل بالفِتن والحروب الكلاميّة ...، ثمّ وهو صبيّ حامت الشكوك حوله في ارتياد الأماكن السرّيّة للصابئة وماذا كانوا يفعلون بالصبيان ممّا يُؤثّر على عقولهم سلباً.

____________________

(1) باختصار شديد عن تاريخ ابن الوردي ج 2: 97 - 247.


الصفحة 396

وقلنا هناك أنّ المشار إليه أمضى في حَرّان التي كانت أشدّ الأقطار ناصبيّة حتّى أنّها لم تخضع لدستور عمر بن عبد العزيز في رفع السبّ عن أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام.

فتآزرت عوامل الوراثة مع عامل البيئة المصطبغة بألوان الديانات من يهوديّة ونصرانيّة وصابئة وكانت الأخيرة أكثر انتشاراً، مع عامل الأُسرة وروح التمرّد لدى الصبيّ، في عمر أكثر ما يكون فيه الإنسان قابلاً على التّلقّي والأخذ، وعامل آخر قد ذكرناه في جملة هذه العوامل سابقاً - ولكن للتذكير - هو عدم زواجه الذي لا نعلم سببه؟! فلعلّه لو تزوّج لخفّت حدّته وانشغل عن الناس قليلاً؛ والله أعلم.

وما رآه من هجوم المغول على حَرَّان، ففَرّت أُسرته تحمله وحطّت رحالها في دمشق.

ولم تذق أُسرة ابن تَيمِيه طعم الأمان في دمشق بسبب الحروب والتقلّبات السياسيّة، فتارة الصولة للصليبيّين، وأخرى للتتار، ومرّة للفاطميّين، واُخرى للمماليك، ثمّ عودة للرمز العبّاسيّ، مضافاً إلى السلاجقة ... وينتصر أحد بالصليبيّين على ابن عمّه ويعطيهم مقابل النصرة مدناً شاميّة، وهكذا.

إنّما نذكر هذه الأُمور لتأثيرها السلبيّ في العائلة التي فرّت من الحروب لتجد أشدّ منها ممّا حملها على أن ترحل إلى مصر، فلم تكن الأخيرة بعيدة عن تلك المؤثّرات فعادت إلى دمشق.

وكان تأثير تلك الأحداث أكثر في النفس المضطربة لابن تَيمِيه والذي


الصفحة 397

يهمّنا من هذه المسألة أنّ الرجل المزدوج الشخصيّة المضطرب لمجموع الأسباب التي ذكرناها؛ قد دخل حروباً كلاميّة مع الفِرَق الإسلاميّة على نهج الخوارج! والغريب في الأمر أنّه اختصّ بالقسط الأوفر منها أهل البيت عليهم‌السلام وشيعتهم وعلاّمتهم الجليل: العلاّمة الحلّيّ مع بُعد الشُّقّة بينه وبينه، فابن تَيمِيه، والحلّيّ في العراق! وقبل الولوج في هذا الأمر الذي هو الباعث الواقعيّ لهذه الدراسة، نتكلّم موجزاً عن الحالة الاجتماعيّة لدمشق في عصر ابن تَيمِيه:

 

عصره الاجتماعي والثقافي

ماذا ينتظر مجتمعاً ضربته الفِتن بأجرانها وتعاقبت عليه العصور لا يرى فيها من الاستقرار إلاّ كطيف الوسنان المسهّد ح وتعاقبت عليه ملوك وأُمراء لا يرون له حقّاً ولا يرعون له ذمّةً ولا يفهمون للأمان معنىً إلاّ ما حاط قصورهم!.

أمراء وسلاطين لا يعرفون حدّاً من حدود الله تعالى؛ يتنازعون الملك تنازع الصبيان على لُعَبِهم، ولا فرق عندهم أن تُراق الخمرة على موائدهم أو تُسفك الدماء تحت حوافر خيولهم!.

فماذا ينتظر المجتمع إذن وحاكموه هكذا؛ غير الفقر والجهل والبلاء؟ ففي سنة 656 هـ اشتدّ الوباء بالشام وخصوصاً بدمشق حتّى عزّ مغسّلوا الموتى.

وفي سنة 680 هـ غرقت دمشق.

وفي سنة 694 هـ جفّت مصر جفافاً هائلاً تبعه غلاءٌ فاحش حتّى أُكِلت المـَيتة.


الصفحة 398

وفي سنة 718 هـ وقعت مجاعة في شمالي بلاد الشام والموصل كانت سبباً لجلاء الناس وموت الكثير منهم، وغلاء فاحش حتّى باثع الأمّهات أولادها للنصارى! فإذا امتنع من شراء الأولاد جعلت المرأةُ نفسها نصرانيّةً ليرغب في الشراء!.

وفي سنة 720 هـ زُلزلت مصر والشام.

وفي سنة 724 غرقت مصر.

واستشرى الجهل، الوليدُ الطبيعيّ للفقر، وشاعت أساليب جديدة من التكسّب، فتكسّبوا بالشعر، وبالخرافات والأباطيل، كما تكسّبوا بالمنكرات كالخمرة والحشيشة، وصارت الحشيشة جزءاً من ثقافة الأدباء والشعراء، وفاضلوا بينها وبين الخمرة وأكثروا من ذلك حتّى سقط في شراكها ذوو وجاهةٍ، كَعلَمِ الدين أحمد بن يوسف (688 هـ) الذي عُرف فيما بعد بالشيخ الماجن ومن قوله فيها:

يا  نفسُ  ميلي  إلى  iiالتصابي      فاللهو    منه   الفتى   iiيعيشُ
ولا   تملّي   من   سُكرِ  iiيومٍ      إنْ أعْوَزَ الخمرُ فالحشيشُ (1)

ومع ذلك فإنّ السواد الأعظم من المسلمين كان يستنكر تلك المظاهر ويتأذّى منها ... ففي سنة 691 هـ رفع أهل معرّة النعمان دعاوى إلى الملك الأشرف مطالبين بإبطال الخمّارة، فأُبطلت وخُرّبت من ساعتها.

____________________

(1) البداية والنهاية 13: 333.


الصفحة 399

وفي سنة 720 هـ أُريقت الخمور في خندق قلة المدينة السلطانيّة واُحرقت الظروف، وذلك أنّه وقع بَرَدٌ كبار أهلك المواشي وأعقبه سيلٌ مخوف، فسأل السلطان الفقهاء عن سببه، فقالوا: من الظُلم والفواحش. فأبطل الحانات في مملكته، وأبطل مكس - ضريبة - الغلّة الذي كان يُثقل كاهل الناس.

وبين الفقر والجهل تجد الخُرافات والأباطيل أرضها الخصبة لتنمو، والناس حينئذ أشدّ تعلّقاً بها من تعلّقهم بالحقائق وبضرورات الدين المـُسندة، ففُتح بذلك بابٌ جديد للتكسّب كان ضحيّته السُّذّج على الدوام. وتواترت أخبار العوام برؤية المنامات، وكثرة الظواهر، وتحدّثوا بقيام المرضى والزَّمنى وفَتْح أعين الأضرّاء عند قبور اكتشفوها في المنامات، ونقل بعض عن بعض أشياء لا أصل لها ... وبطل الناس من معايشهم وأشغالهم بسبب ذلك ... (1).

وترقّى الخيال ببعض المتكسّبين، فادّعوا علم النجوم، ورسموا تقاويم كتبوا عليها أحكاماً بحسب الأبراج، فمنعهم السلطان من ذلك سنة 718 هـ وشاء الله أن يبير تجارتهم فأشاعوا أنّ الشمس ستكسف في دمشق في الساعة السابعة بعد الظهر من يوم الخميس الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة 726 هـ، وذكروا أنّ ذلك ثابت في جميع التقاويم وأنّه حساب لا يُخْرَم. فتهيّأ الناس للصلاة فلم

____________________

(1) الحوادث الجامعة، لابن الفوطي 194. (وقد أفردنا فصلاً كاملاً في كتاب منهاج السالكين، في الردّ على ابن القيّم، فيه كثير من عظائم تلك الخرافات فهذا يحيي عظام دجاجة فيردّها سالمة، وآخر من كرامته أنّ الله تعالى ينزل لزيارته في قبره!! ...).


الصفحة 400

تنكسف الشمس، بل انكسف المنجّمون (1)!

وفي أجواء الفقر والبلبلة يكثر اللصوص وقطّاع الطُّرُق، وهذا ما حصل في تلك السنين إذ قُطع طريق الحاجّ عدّة مرّات.

وإلى جانب ذلك كانت طبقات منعّمة أوّلهم السلطان والمقرّبون إليه، ثمّ الولاة والأمراء ونوّابهم وحرسهم.

ثمّ طبقة القضاة وكثير من الفقهاء الذين كانوا يحظون بعناية السلطان والولاة، وعدد من رجال الدين اُطلق عليهم طبقة (المـُعمّمين).

 

عصره العلميّ والأدبيّ

نشط التأليف في هذا العصر نشاطاً ملموساً. ومن أبرز ما ظهر فيه التأليف الموسوعيّ الذي كان رائده نصير الدين الطوسيّ (672 هـ) الذي ألّف في الفقه وفي الفلسفة والرياضيّات والفيزياء والفلك والطبّ وعلم المعادن؛ وكان صاحب أكبر مرصد فلكيّ أنشأه بنفسه في ذلك العصر.

وظهر علماء آخرون كتبوا في علوم متعدّدة، منهم: زكريّا بن محمّد القزوينيّ (682 هـ) و جمال الدين الوطواط (718 هـ) و أبو حيّان الأندلسيّ (754 هـ).

وبرع في الطبّ: ابن النفيس (687 هـ) مكتشف الدورة الدمويّة الصغرى.

وفي الفيزياء: العالمان الكبيران: قطب الدين الشيرازيّ (710 هـ)، وتلميذه كمال الدين الفارسيّ (720 هـ).

____________________

(1) تاريخ ابن الوردي 2: 270.


الصفحة 401

وفي الرياضيات: سعيد بن محمّد الصفديّ (712 هـ).

وفي علم الاجتماع وفلسفة التاريخ: ابن الطِقطِقي (709 هـ) في كتابه (الفخريّ في الآداب السلطانيّة والدول الإسلاميّة) وكان سابقاً لابن خلدون.

وفي اللغة: بعد أبي حيّان الأندلسي كان ابن منظور (711 هـ)، ثمّ ابن هشام الأنصاريّ (761 هـ).

وبرز من المؤرّخين عدد كبير، كأبي شامة (665 هـ)، وابن العديم (666 هـ)، وابن خلّكان (681 هـ)، وابن الفوطي (723 هـ) ن والمِزّي (742)، والذهبيّ (748 هـ)، وآخرون.

وأمّا أوسع الناس تصنيفاً في العلوم الدينيّة خاصّة كالفقهِ والأُصول والتفسير والحديث فكان: العلاّمة ابن المطهّر الحلّي (726 هـ) وله تآليف أُخرى كالهيئة والرياضيات والفلسفة، شرح فيها كثيراً من كتب شيخه نصير الدين الطوسيّ حتّى قيل: لو لا شرح ابن المطهّر لم يفهم أحد كلام نصير الدين.

وإمام الزيديّة يحيى بن حمزة المؤيّد بالله (669 - 749 هـ) والشيخ عليّ بن عبد الكافي السُّبكي (686 - 756 هـ) إمام الشافعيّة، وله نح من مائة وخمسين مصنّفاً في العلوم الدينيّة.

 

عصره الدينيّ

الحالة الدينيّة في هذا العصر مليئة بكلّ ما هو مثير.

فالعصر الذي شهد سقوط عاصمة الخلافة على أيدي التتار المغول وما تبعه

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة