الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

هذا الكتاب

طبع ونشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة


الصفحة 2


الصفحة 3

إهداء

إلى سادة الورى

- محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله سيّد الأنبياء والرسل.

- عليّ عليه‌السلام نفس رسول الله وسيّد العرب.

- فاطمة عليها‌السلام بنت رسول الله سيّدة نساء العالمين.

- الحسن والحسين عليهما‌السلام سبطي رسول الله سيّدي شباب أهل الجنّة.

- الكوثر الطيّب الطّاهر الذي حباكَ الله إيّاه سيّدي يا رسول الله، لتسري السيادة فيه حتّى يخرج مهديّكم فيقطع قرن الشيطان.

والسلام عليكم سادتي؛ راجياً شفاعتكم لي ولوالديّ فننهل من حوضكم.

مقدّمة

(وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرّحْمنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنّهُمْ لَيَصُدّونَهُمْ عَنِ السّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنّهُم مُهْتَدُونَ) (1).

(وَمَن يَكُنِ الشّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً) (2).

(وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى‏ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلّى‏ سَعَى‏ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الْفَسَادَ

____________________

(1) الزخرف: 36 - 37.

(2) النساء: 38.

 


الصفحة 4

* وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) (1).

شهد القرن الهجريّ السابع وقائع عظام عصفت بالعالم الإسلاميّ وغير الإسلاميّ؛ فقد ظهرت قوّة متغطرسة تلك هي (المغول) التي دكدكت ممالك ودوّخت أخرى فركعت تخطب ودّها، وكانت حاضرة الدولة العبّاسية ببغداد لا تحسد على ما هي عليه، فمثلها مثل بيت العنكبوت، إذ القصر الحاكم يمور بالفساد والعسف وبؤرة موبوءة بالدسائس والمؤامرات بين أفراد الأُسرة الحاكمة! وللمرأة يدٌ طولى في تحريك وتثوير الأُمور؛ وللعنصر الأجنبيّ دورٌ في إفساد الراعي والرعيّة؛ منه أُمّ الحاكم وزوجته ونساء اللّهو والغناء، وبعض قادة الجيش ... وقد ذكروا أنّ هولاكو أمر بأن يُفرز جميع النساء اللّواتي باشرهنّ المستعصم وبنُوه، فعُزلنَ عن غيرهنّ فكنّ سبعمائة امرأة أُخرِجنَ ومعهنّ ألف وثلاثمائة وصيف وخامدم!

كانت أخبار المغول وتهديداتهم تترى على بغداد، والمستعصم سادر في ملذّاته غافل عن الطلب الذي أرسله إليه هولاكو يأمره فيه أن يرسل إليه مجانيق ليدكّ بها بغداد!!

وفي كلّ نَوبة لم يكن للمستعصم من يمحضه النُّصح والرأيَ في معالجة المغول إلاّ الوزير ابن العلقميّ، فيتبادر رجالُ السوء ممّن حسد ابن العلقميّ حُظوته عند المستعصم فما يزالون به حتّى يستزلّوه، وهكذا حتّى وقعت النُوبّة ودخل المغول بغداد وكان الذي كان.

____________________

(1) البقرة: 204 - 206.

 


الصفحة 5

 

زامَنَ عاصفة المغول فتنة أعظم وأشدّ انبعثت من داخل الكيان الإسلاميّ؛ فإنّ الفاتح لم يمضِ عليه حين حتّى ضعف وانمحى أثره وبغداد ضمّدت جراحها ولو بعد حين؛ إلاّ أنّ حالب ضَرْع شيطان قد حمل لواء فتنته لنشر أفائك وبدع خالف بها القرآن الكريم وسنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله و إجماع مذاهب المسلمين؛ وما زالت فتنته تمدّ ظلالها وضلالها حتّى يومنا متّخذة من أرض الزلازل والفتن حيث يطلع منها قرن الشيطان (نجد) مأوىً لها في حركة تكفيريّة إرهابيّة وهّابيّة تيميه؛ فلا عدم الشيطان أتباعاً!! صاحب الفتنة تلك: ابن تيميه، واسمه أحمد، وتيميه هي الجدّ الرّابع! التي إليها ينتهي كلّ اخوانه وأعمامه؟! وهذه واحدة من عقده التي سنعرض لها.

من عقيدة ابن تيميه هذا القول بتشبيه الله وتجسيمه ورؤيته في الدنيا وأنّه على عرشه بذاته، وأنّه يتحرّك وينتقل ويصعد وينزل ويتكلّم بحرف وصوت، وأنّه خلق آدم عليه‌السلام على صورته. ولأمرٍ سيتّضح أنكر خلود جهنّم! وأنّ جهنّم لا يسكت زفيرها حتّى يضع الرحمان ساقه فيها!! هاجم الأشعريّة، والمعتزلة، والصوفيّة ...، واختصّ أهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وشيعتهم، بالقسط الأوفر خصوصاً في كتابه (منهاج السُنّة) سباباً مقذعاً وكذباً لا حدّ لوصفه، وأنكر كلّ فضيلة لأهل البيت عليهم‌السلام وفضّل عليهم بني أُميّة والخوارج والنّواصب!!!

والذي أثار عليه حفيظة الأُمّة الإسلاميّة بشامها ومصرها: أنّ ابن تَيميه هذا، نال من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ فقد أفتى بتحريم شدّ الرّحال لزيارة قبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وزيارة إبراهيم الخليل عليه‌السلام، والأولياء، وجعل السفر إليهم سفر معصية! فاعتقل

 


الصفحة 6

 

و طيف به في سكك دمشق مضروباً بالدِّرّة، ثمّ عُقد له مجلس قضاء وحُبس بقلعة دمشق ثلاث مرّات في كلّ مرّة يُعلن توبته وبراءته من عقيدته! فيخرج فيعود لفتنته (وَمَن يَكُنِ الشّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً)، ليعود إلى السجن بحكم القضاة للمذاهب الثلاث: الشّافعيّ والمالكيّ والحنفيّ؛ وهكذا في المرّة الثالثة إذ انضمّ إليهم القاضي الحنبليّ. وأمّا التُّهم المـُوجّهة لابن تيميه فهي: الفِسق، الزندقة، الكفر، النّفاق ...؛ وفي المرّة الثالثة من سجنه لم يتبرّأ من عقيدته ومات عليها في سجن دمشق سنة 728 هـ؛ ليحمل راية عقيدته رجال أوفياء له منهم: ابن قيّم الجوزيّة الحنبليّ الدمشقيّ، الذي اُشرب في نفسه الولع والإكبار لابن تيميه وتعشّق آراءه وفتاواه فناله العقاب وسُجن مرّات عدّة ولكنّه نجا ليشيّع اُستاذه ويعاهده على أن يكون القيّم الوفيّ على إحياء عقيدته وآرائه. ومنهم تلميذه ابن عبد الهادي الذي تجاوز الحدود فلم يكتفِ بإظهار الحماس لعقيدة ابن تيميه في ذات الله تعالى، ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وإنّما شنّ الغارة الشديدة على علماء وقضاة المذاهب الإسلاميّة الذين عارضوا شيخه وأصدروا أحكامهم العادلة بحقّه.

ومن تلامذته يوسُف المِزّيّ (ت 742 هـ) السَلَفيّ، كان معجباً في أوّل أمره بابن تَيميه؛ ثمّ لمّا تبيّن له حاله وخُبث طويّته، ابتعد عنه حتّى أنّه لم يُترجم له في موسوعته (تهذيب الكمال في أسماء الرجال). وتلميذ آخر كان مسحوراً بابن تيميه، لا يخرج عن قول يقوله! ذلك هو الذهبيّ الحنبليّ؛ فلمّا انكشف حال ابن تَيميه؛ باعدَهُ وكتب إليه كتاباً طويلاً ينصحه على ترك سفاسفه الّتي أدّت إلى إضعاف الأُمّة الإسلاميّة ... ويأسف على الأيام التي أمضاها معه!

عصم الله أُمّتنا الإسلاميّة من مضلاّت الهوى ومرديات الفِتَن وقطع قرن

 


الصفحة 7

الشيطان المنبعث من أرض النبوّات الكاذبة: مسيلمة الكذّاب، وسجاح التميميّين النَّجديّين، وقد ضمّ مسيلمة نبوّة سجاح إلى نبوّته في ليلة! وقَطام وكحيلة.. من تميم قوم ابن عبد الوهّاب النّجدي التميميّ الخارجيّ الثالث الذي انتهت إليه راية ضلالة الخارجي الثاني: ابن تيميه.

تأخّر إسلام نجد حتّى العام التاسع وجاء وفدُ تميم يظهرون إسلامهم وفيهم وفي قبائل نجديّة اُخرى نزلت سورة الحجرات، وآيات من سورة (المنافقون)؛ ولم يستقم إسلامهم، وظهر فيهم رجال ونساء من تميم ادّعوا النبوّة وشكّلوا خطراً على الإسلام؛ ومن نَجد من تميم رهط ابن عبد الوهّاب كان الخارجيّ الأوّل ذو الخويصرة التميميّ الذي خرج على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وحذّر منه النبيّ إذ قال: (يخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرقُ السهمُ من الرمِّية ...)، وقد عقدنا باباً ذكرنا فيه رؤوس الخوارج ومجتهديهم نساءً ورجالاً نادراً من هو غير تميميّ نجدي!، وما خارجة يومنا إلاّ أبناء نجد وأتباع أعراب نَجد حاملي لواء الضّلالة التيميه؛ وهم يعفون عن الكافر ويقتلون المسلم كأسلافهم. هذه هي فتنة ابن تيميه وأفراخ السامرة، وليس فيهم ثمّة مغوليّ. (وَالّذِي خَبُثَ لاَيَخْرُجُ إِلّا نَكِداً) (1).

وكان مجمع البحوث الإسلاميّة قد رأى أنّ من الأوجه أن يقدّم هذا الكتاب في ثلاث مجلّدات، تييسيراً لتناوله ومراجعته، وبيانا لمواضيعه المتعددة التي يصعب تناولها أو جمعها تحت عنوان واحد.

____________________

(1) الأعراف: 58.

 


الصفحة 8

 


الصفحة 9

تمهيد

لم تحملني أحكام قُضاة المذاهب الإسلاميّة الأربعة التي أدانت ابن تَيميه بالفِسق، والكفر، والزندقة، والنّفاق..؛ وتعزيره والتشهير به مكشوف الرأس على بغلةٍ في سكك دمشق محذّرين من اتّباعه، ونال الحنابلة بسببه أذًى كثيراً وحُبس منهم خلق واختفى آخرون؛ وسجنه ثلاثاً ثمّ موته في السجن.

ولا انفصال أشدّ تلامذته وأقرانه انبهاراً به، وفصم العُرى معه.

ولا الحملة ضدّه والتي صارت إجماعاً لم ينقطع من يومه وحتّى يومنا، لم يشذّ في ذلك مذهب من المذاهب وقد أثبتّ جدولاً بأسماء العلماء والمشايخ والأساتذة ممّن تكلّموا في هذا الشأن.

كلّ ذلك لم يكن هو الدافع عن الكتابة عن الرجل وإن كان مثيراً للانتباه والتساؤل: علامَ هذه الصاخبة؟! فلنبحث بموضوعيّة.

قرأ ابن تيميه بأقلام روّاد، ورجعت إلى المـُنصفين، ثمّ عوّلت على كتبه التي هي بخطّه مثل: العقيدة الحمويّة، والتفسير الكبير، والفتاوى الكبرى، وبيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، والعقيدة الواسطيّة، والتوسّل والوسيلة؛


الصفحة 10

وضممتُ إليها ما وجدته في مصنّفات تلميذيه الوفيّين: ابن عبد الهادي (ت 744 هـ) وابن القيّم الجوزيّة (ت 751 هـ)؛ فوجدتُ الهول لما رأيت وسمعت! رجل أبيض بض لم تصبه من سمرة العرب شيء، شعره أسود فاحم يصل شحمة أُذنيه، تجاوز الستّين من عمره وهو في كلّ نشاطه، ولم يتحمّل أعباء الزواج والذرّيّة بعد! يحاجج في الله تعالى وصفاته.. وتعتريه حِدّة غير معهودة لدى أهل الكلام! وقد أوقف كتبه تلك على ما ذكرنا من عقيدته في تشبيه الله وتجسيمه ... وكلّ ما ذكرنا من الحوادث وصفات النقص التي هي صفات المخلوقات، تعالى ربّنا الواحد الأحد عن كلّ ذلك.

وقرأت ابن تيميه في عقيدته بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ في كتابه: قاعدة جليلة في التوسّل والوسيلة، وكتاب الزيارة؛ فوجدته يمنع من الشفاعة والتوجّه برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد موته، وناضل النضال الشديد في تحريم زيارة قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وقبر الخليل عليه‌السلام وقبور الأولياء واعتبر ذلك سفر معصية.

هذا في عقيدته في المـُرسِل تعالى، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله. وأمّا في أهل بيت رسول الله وعترته؛ الثقل الثاني بعد القرآن الكريم وبهم غلب النبيّ نصارى نَجران يوم المباهلة، فكانوا معجزة النبيّ يومئذ وعليّ نفسه وفاطمة نساءه والحسن والحسين أبناءه وبهم أنزل الله تعالى آية التطهير، وفرض سبحانه مودّتهم ...

فقد وجدت ابن تيميه ناصبيّاً خارجيّاً، وكتابه (منهاج السُّنّة) بأجزائه الأربع من القطع الكبير يبدأ وينتهي بالحطّ من أهل بيت النبيّ وتكذيب فضائلهم وخصائصهم، استكمالاً منه لمنهجه: المـُرسِل، والرسول، وآل الرسول.

 


الصفحة 11

 

تتبّعت ابن تيميه نسَباً منقطعاً ينتهي إلى امرأة (تَيمية)؛ فكانت هذه عُقدته النفسيّة الأولى. وأثر البيئة في تكوينه الفكري (حرّان) مهد الصابئة، والنصرانيّة، وانتهى إلى قربها أحد الخوارج الذي سلموا من معركة النهروان وتناسل هناك، واحتضنت حرّان مروان الحمار حتّى قُتل وغلب على أهلها حبّ الأمويّين، قبيلته المجهولة؛ عُقدة أخرى، التقلّبات السياسيّة في عصره: هجوم المغول وفرار أسرته إلى دمشق التي أكثر أهلها آنذاك هواهم مع بني أُميّة، رجل تجاوز الستّين ولم يتزوّج على ما ذكرنا؛ عُقدة أخرى، طموحه في الإمامة الكبرى! فلم ينلها واشتهر غيره ونالوا مناصب القضاء والدرس، ونال هو التكفير والتعزير والسجن، ورأى شيئاً لأن يخرّ من السماء أهون عليه من أن يراه، ذلك هو عالم الشيعة (المطهّر الحلّيّ) الذي وفّقه الله تعالى لأن يؤثّر على حفيد السلطان المغولي (خدا بنده) فاعتنق هذا مذهب أهل البيت؛ ولذلك قصّة نأتي عليها. فاستشاط ابن تيميه وانتفخ سحرُه وتخلّى عن مهاجمته الفرق الإسلاميّة، ولو مهادنةً وخطب ودٍّ لظنّه أنّهم سيكونون له عوناً مع الشيطان؛ فخاب ظنّه وزاد في إداناته، فاستُدعي وحُوقق واُلزم بالنفاق لتنقيصه من مقام أميرالمؤمنين علي عليه‌السلام هذا في الدنيا، وفي الآخرة (ها أَنْتُمْ هؤُلاَءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) (1).

هادن ابن تيميه الأشعريّ بعد أن كان هدفاً لناره، فلعلّه بذلك يرضي فرق السنّة، وراح يهملج بسبّ الشيعة وعالمهم (الحلّيّ) وأهل البيت عليهم‌السلام ظنّاً منه أنّهم

____________________

(1) النساء: 109.

 


الصفحة 12

أئمّة الشيعة وليسوا قرآناً يتلى في المحاريب، فإذا حذفت تلك الآيات كانت ردّاً على الله تعالى ورسوله! وكتب الحنابلة والمالكيّة والحنفيّة والشافعيّة مشحونة بفضائل أهل البيت، مضافاً إلى كتب التصانيف والسنن والسير والتاريخ.

بدأ ابن تيميه كتاب (منهاج السُّنّة) بشتيمة العلاّمة الحلّيّ فقال: وإنّ من سمّى نفسه بالمطهّر هو أولى أن يُسمّى بالمنجّس ...، وإنّ كتابه الّذي سمّاه (منهاج الكرامة) هو أولى أن يُسمّى بـ (منهاج الندامة)! ثمّ راح يسفّ يكذّب كلّ فضيلة لأهل البيت عليهم‌السلام بلهجة حادّة لا دليل له في كلّ ذلك إلاّ أن يقول: هذا كذب موضوع باتّفاق أهل العلم! وإجماع أهل الحديث؛ ثمّ لا يذكر واحداً من أولئك العلماء، والإجماع! ثمّ يلوذ بالمسلمين السّنّة، فيقول: هذا مخالف لقول أهل السُّنّة والجماعة؛ وقصده من ذلك استغفال السذّج ليحسبوه مسلماً من أهل السنّة وأنّ قوله قولهم! فمن هم أهل السُّنّة بمصطلحه المعروف، هل هم الخوارج والنواصب؟ أم المذاهب الإسلاميّة: الشافعيّة والحنفيّة، والمالكيّة، والحنبليّة؛ الذين قامت قيامتهم على ابن تيميه لله ورسوله وأوليائه ...؟! ولم يقل من السُّنّة ممّن عاصر العلاّمة (الحلّيّ) أو جاء بعده كلمةً نابيةً ممّا قالها ابن تيميه فيه، إنّما كان محلّ احترام وإعجاب وتبجيل.

ومن منهجي في البحث أنّي اخترت لهذا الكتاب هذا العنوان (نقد منهج ابن تيميه)، للمجلّد الثاني (ابن تيميه، نقد منهجه) فكلمة (منهج) لو قلبت صارت (جهنّم) إزاء كتاب ابن تيميه (منهجا السُّنّة) الّذي هو في حقيقته منهاج البدعة والضلال والنّاصبيّة العمياء ...! ولذا كان الأصل في البحث هو نقض النقض وردّ

 


الصفحة 13

مفتريات ابن تيميه في منهاجه. وقد عوّلت في هذا الحقل واعتمدت القرآن الكريم الّذي لا يأتيه الباطل أبداً، ثمّ تناولت كتب السيرة ممّن عاش أصحابها القرن الأوّل وتُوفّوا منتصف القرن الثاني الهجريّ، أو أوائل القرن الثالث الهجريّ، وكتب الصحاح للبخاريّ ومسلم والترمذيّ، والمسانيد للطيالسيّ (ت 204 هـ) وأحمد (ت 241 هـ) وأبي يعلى (ت 307 هـ) والمسند الحميدي (ت 219 هـ) ومسند أبي داود السجستاني (ت 275 هـ) وتاريخ البخاريّ، وتفسير القرآن لابن وَهْب (135 - 197 هـ) وتاريخ خليفة (ت 240 هـ) والمغازي للواقدي (207 هـ) والموفّقيّات للزبير بن بكّار (ت 256 هـ) والمعرفة والتاريخ للفَسَويّ (ت 277 هـ) والمصنّف لابن أبي شيبه (ت 235 هـ) والمصنّف لابن أبي شيبه (ت 235 هـ) والمصنّف لعبد الرزّاق (ت 211 هـ) وتفسير القرآن العزيز، له، وتفسير سفيان الثوري (ت 161 هـ) وتفسير مقاتل (80 - 150 هـ) و كتاب الفضائل لأحمد بن حنبل، وأنساب الأشراف للبلاذري (ت 279 هـ)، وأسباب النزول للواحديّ (ت 468 هـ) و أحكام القرآن للجصّاص (ت 370 هـ) و الاستيعاب لابن عبد البرّ المالكيّ (ت 463 هـ) و أسد الغابة لابن الأثير الشافعيّ (ت 630 هـ) والإصابة لابن حجر الشافعيّ (ت 852 هـ) والأغاني لأبي الفرج الإصفهاني (ت 356 هـ) والإمامة والسياسة لابن قُتيبة (ت 270 هـ) والبحر المحيط في تفسير القرآن لمحمّد بن يوسف أبو حيان الأندلسيّ (ت 745 هـ) وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، وسنن ابن ماجة وسنن النّسائيّ (ت 303 هـ)، والسنن الكبرى للبيهقيّ (ت 458 هـ)، وخصائص أمير المؤمنين للنّسائيّ، والطبقات الكبرى لابن سعد (ت 230 هـ)، وتاريخ اليعقوبي (القرن

 


الصفحة 14

الثالث الهجري)، وتاريخ ابن مَعين (ت 233 هـ)، ومروج الذهب للمسعوديّ (ت 346 هـ)، والمستدرك على الصحيحين للحاكم (ت 405 هـ)، ومشكل الآثار للطحاوي الحنفيّ (ت 321 هـ)، ومصابيح السّنة للبغويّ الشافعيّ (ت 516 هـ)، ومعالم التنزيل للفرّاء الشافعيّ (ت 516 هـ)، ومطالب السّؤول لابن طلحة الشافعيّ، والمعجم الكبير، والصغير، كلاهما للطبراني السَلَفيّ (ت 360 هـ)، وتاريخ الطبريّ، وتفسيره، وتذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي، الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة لابن الصبّاغ المالكيّ، وشواهد التنزيل لقواعد التفضيل للحسكانيّ الحنفيّ (ت 490 هـ)، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، تاريخ الإسلام للذهبيّ الحنبليّ، وسير أعلام النبلاء، له، والعِبر في خبر مَن غَبر، له، وجمهرة النّسب لابن الكلبيّ (ت 204 هـ)، وشفاء السقام في زيارة خير الأنام لشيخ الإسلام تقيّ الدين السُّبكي (683 - 756 هـ)، ودفعُ الشُّبه عن الرسول والرسالة للإمام تقيّ الدين الحِصْني الدمشقيّ (752 - 829 هـ)، والسيف الصقيل: كتبه السُّبكي ردّاً على ابن قيمّ الجوزيّة تلميذ ابن تيميه؛ والكتابة عن الأبناء تبقى واحدة لوحدة الأصل والمبنى في العقيدة والأفكار والسُّبكي في سيفه شنّ حملةً على ابن القيمّ في عقيدته في التجسيم ...، وما يتفرّع منها من كفريات أُستاذه ابن تيميه، وللكوثريّ حاشية مع كلّ جملة ذكرها السُّبكي في أصل كتابه، ثمّ ألحق الكتاب بخاتمة مشكورة تلك هي رسالة الذهبيّ الّذي تيقّظ لنفسه فطلّق أفكار أُستاذه ابن تيميه ثمّ بعث إليه تلك الرسالة الذهبيّة الطويلة يأسف فيها على أيّام أمضاها مع هذا الرجل ويحذّره عاقبة أمره ... أثبتناها في فصل أصحاب الردود.

 


الصفحة 15

هذا بعضٌ من مصادرنا التي آلينا في منهجنا أن نحاكم ابن تيميه وقد انتهى إلى ربّ لا يعزب عنه شيء في السماء ولا في الأرض، نسأله تعالى أن يعامله بعدله إنّه عزيز ذو اقتدار؛ إلاّ أنّا رأينا أنّ الوظيفة الشرعيّة تسترعينا أن نضع يد القارئ الكريم تمهيداً وقبل الولوج في أصل البحث على كشف قناع المفتري العنيد فهل وجدت أخي الغيور فيما ذكرت لك مصدراً شيعيّاً؟ وستجد ضعف العدد هذا بل ويزيد بكثير، ممّن تصدّى لابن تيميه، أو أثبت فضائل وخصائص أهل البيت عليهم‌السلام، التي أنكرها ابن تيميه في منهاج ضلاله.

بعد المقدّمة والتمهيد حان أن ندرس ابن تيميه، فكان:

المجلّد الأوّل: حياته؛ أُسرته تنتهي إلى امرأة، تيميه مجهولة؟ منحدره القبليّ مجهول؟ بيئتُه: حرّان، مشتبك الصّابئة واليهوديّة والأمويّة والخارجيّة والنّصرانيّة، إلى دمشق أمويّة الهوى.

عصره السياسيّ: ظهور أقوى موجة عصفت بالممالك، ففرّت أُسرته إلى دمشق. نزاعه مع الفرق الإسلاميّة. مع الصوفيّة. مع ابن عربيّ. عقيدته في تشبيه الله تعالى وتجسيمه وأنّه محلّ الحوادث ...، منهجه في التفسير. عقيدته في التوسّل بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وزيارة قبور الأنبياء والأولياء. قصّة تشيّع خدابنده.

ابن تيميه في مجلس القضاء. نهاية المطاف في السجن الثالث.

المجلّد الثاني: تتبّعت فيه عثرات ابن تيميه وسقطاته وسبابه بحقّ أهل بيت الوحي وشيعتهم في كتابه (منهاج السّنّة) فوجدته رجلاً أشاح عن القرآن وجهه، وأسمع لُهاث تركاضه، فقد أوعكه رجال القرن الهجريّ الأوّل فما بعد يُخبتون

 


الصفحة 16

للقرآن والسُّنّة في شأن البيت العَلَويّ العُلْويّ لم يشاركهم بذلك خارجيّ ولا أُمويّ، فوجدته ينكر وذريعته إجماع أهل المعرفة بالعلم ...، وأهل الحديث، وأهل السُّنذة؛ وبعد الرجوع إلى المصادر ربّما ربت على الخمسين أو السبعين أو أكثر!

مسألة أُخرى في منهاجه: وهو ينكر، فإنّه يُطيل بما لا طائل فيه، ثمّ يفرّع في الإنكار تفريعات لا معنى لها إظهاراً منه للسذّج أنّه كثير العلم.

وهو إذ يرى مصيره الّذي هو صائر إليه، إلاّ أنّه العناد الإبليسيّ! تجده ينسى أو يتناسى فيذكر المطلب في أكثر من موضع وأكثر من جزءٍ من أجزائه الأربعة.

المجلّد الثالث: أصحاب الردود: جمعتُ فيه جمعاً جمّاً من علماء وأساتذة وفقهاء المسلمين بمختلف مذاهبهم ممّن عاصروا ابن تيميه وحتّى يومنا ممّن ردّ على الرجل زيادةً في الحجّة.

والله وليّ التوفيق


الصفحة 17

تعريف بـ (ابن تَيمِيه) 661 - 728 هـ

هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن تَيمِيه الحرّانيّ، ثمّ الدمشقيّ، الحنبليّ. (1)

واختلفت بعض المصادر في عدّ أجداده انتهاءً إلى تَيمِيه؛ فاتّفقت جمعيها على عدم تعدّي تَيمِيه، وما ذكرناه من نسبه مأخوذ من كتابه (منهاج السُّنّة) وكتابه الآخر (علم الحديث) و (تاريخ ابن الوردي) وكتاب تلميذه الوفيّ: ابن عبد

____________________

(1) منهاج السنّة، لابن تَيمِيه 1: 2، وعلم الحديث، له 41، والعقود الدرّيّة في مناقب ابن تَيمِيه، لابن عبد الهادي 9، وتاريخ ابن الوردي 2: 275، وتذكرة الحفّاظ، للذهبيّ 4: 1496، والوافي بالوفيات، للصفديّ 7: 15/2964، والبداية والنهاية، لابن كثير 13 و 14 عدّة مواضع وشذرات الذهب، لابن العماد الحنبليّ 6: 80، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، لابن تغري بردي 9: 271، والمنهل الصافيّ ن له، 1: 358، وعقد الجُمان، لبدر الدين العينيّ 2 و 3 عدّة مواضع، ودائرة المعارف الإسلاميّة 1: 109، وتاريخ ابن خلدون 5: 474، والبدر الطالع، للشوكانيّ 1: 63/40، وابن تَيمِيه حياته وعصره، لمحمّد أبي زهرة.

 


الصفحة 18

الهادي (العقود الدرّيّة).

في حين ذكرت بعض المصادر له خمسة، وأخرى سبعة، فيما ذكرت أخرى لصاحب الترجمة ثلاثة أجداد وكلّها تنتهي عند (تَيمِيه)، فالأُسرة جميعاً إخواناً وأعماماً، تُعرف بأُسرة ابن تَيمِيه.

استباق الأحداث: كان علينا أن نتكلّم عن تاريخ مولد صاحب الترجمة، وبيئته، وتعريف بأُمّه ونسبها وقبيلتها ... على ما جرى عليه المترجمون؛ إلاّ أنّ أمراً استوقفنا متسائلين: علامَ انتهت سلسلة نسب هذا الرجل الذي أحدث ضجّة وصار أُمّة رغم القيامة عليه وعلى أتباعه من الحنابلة، وما سمعته من التشنيع به والتشهير، وتكفيره وتفسيقه وزندقته والتعزير، وموته بالسجن؛ فنفَخ الشيطان بعقيدته وآرائه من أرض الزلازل والفتن (نَجْد) فعاد ابن تَيمِيه في حركة وهّابيّة!

إنّ استباق الأحداث في المنهج فرض نفسه: مَن هو هذا (الجدّ) الذي تنتهي إليه هذه الأسرة (تَيمِيه) ذكر هو أم أنثى، ما حظّه من الخير ومنزلته الاجتماعيّة، هل كان مثل حفيده صاحب الترجمة (أحمد بن عبد الحليم) شيخ الإسلام - كذا، والإمام المـُطلق؟!

الجواب: إنّ تَيمِيه، امرأة.

ملاحظة جديرة بالتحقيق: ليس في تاريخ العرب ولا النّصارى أن تنتمي أُسرة واسعة إلى امرأة، وجعل الإسلام النّسب للآباء، ولم أجد ملّة جعلت النسب للأُمّهات إلاّ: اليهود.

 


الصفحة 19

منزلتها العلميّة: كانت واعظة (1).

تسمية تَيمِيه

وقع اختلاف قليل في المناسبة التي بها سُمِّيت (تَيمِيه)، حتّى من قِبَل بعض الأسرة!

قال ابن خلّكان في ترجمته لمحمّد بن الخضر الحرّانيّ: (محمّد بن الخضر ... المعروف بابنِ تَيمِيه الحرّانيّ، الخطيب الواعظ الحنبليّ.

قدِم بغداد وسمع الحديث بها من شهدة بنت الإبري، وابن البطّي، وصنّف في مذهب الإمام أحمد. وكانت إليه الخطابة بحرّان، ولأهله من بعده.

ولد سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، بمدينة حرّان. وتوفّي بها سنة إحدى وعشرين وستّمائة.

قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي في حقّه: كان ضنيناً (أي حسوداً) بحرّان، متى نبغ فيها أحد لا يزال وراءه حتّى يخرجه منها ويبعده عنها!

قال: وذكره أبو البركات ابن المستوفي في (تاريخ إربل) فقال: ورد إربل حاجًّا في سنة أربع وستّمائة فسألته عن اسم تَيمِيه، ما معناه؟ فقال: حجّ أبي أو جدّي، أنا أشكّ أيّهما، قال: وكانت امرأته حاملاً، فلمّا كان بتَيْماء، رأى جُوَيرية قد خرجت من خباء، فلمّا رجع إلى حرّان وجد امرأته قد وضعت جارية، فلمّا رفعوها إليه قال: يا تَيمِيه، يا تَيمِيه، يعني أنّها تشبه التي رآها بتَيْمَاء، فسُمّي بها، أو

____________________

(1) المصادر جميعاً، ولم تزد.

 


الصفحة 20

كلاماً هذا معناه.

قال ابن خلّكان تعقيباً على ذلك، وتَيماء، بُليدة في بادية تَبُوك إذا خرج الإنسان من خَيبر إليها تكون على منتصف طريق الشام، وتَيمِيه منسوبة إلى هذه البُليدة، وكان ينبغي أن تكون تَيماويَه، لأنّ النسبة إلى تَيْماء تَيْماوي، لكنّه هكذا قال واشتهر كما قال! (1)

وقفة تأمّل

إنّ صفات الخير، وصفات الشرّ تُتوارث كما تُتوارث الصفات الخَلْقيّة (البدنيّة) ولذا دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وندب إلى التحرّي في اختيار الزوج والزوجة من حيث صلاح دينهما لسريان ذلك إلى ذُرّيّتهما، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله في أنّ الخال أحدُ الضجيعين، إشارة لما ينتقل من صفات سيّئة أو حميدة إلى الذُرّيّة.

وهذا هو الجدّ الأعلى (ما قبل الجدّ المرأة المجهول: تَيمِيه!) حظّه من العِلم أن يأخذ الحديث من امرأة مجهولة لم أجد لها ترجمة (شهدة بنت الإبري)؛ قد كان حسوداً (ضنيناً) ما أن ينبغ أحد بحرّان حتّى يكون وارءه حتّى يخرجه منها ...؛ فورث هذه الصفة الإبليسيّة صاحبُ ترجمتنا أحمد بن تَيْماوِيَه! ونجد غيره من إخوته أحسن صفته أنّه (أقلّ شرًّا).

____________________

(1) وفيات الأعيان، لابن خلّكان (ت 681 هـ) 4: 386 - 388 - الترجمة 657، والوافي بالوفيات 3: 37، والعقود الدرّيّة 14.

 


الصفحة 21

عودٌ على تَيمِيه

إنّ قول جدّ صاحب الترجمة: (حجّ أبي أو جدّي، أنا أشكّ أيّهما ...) أقول: ونحن أكثر شكًّا؛ فقد قلنا أنّ النّسب للآباء لا للأمّهات، أمّا أن ينتسب فردٌ ولمناسبةٍ إلى أُمّه فلسبب وجيه كما قلنا كما الأمر في الانتساب لسيّدة نساء العالمين فاطمة الطاهرة بنصّ القرآن الكريم ابنة سيّد الرسل صلى‌الله‌عليه‌وآله، وكفى بذلك محتدًا وفخرًا، وسلسلة النسب العَلَويّ أعلى من أن تطاله يدُ آثم.

إذن: تَيمِيه، أُمّ مَنْ؟! أُمّ الخضر، أو محمّد بن الخضر؟!

وثمّة مسألة جديرة بالنظر:

إنّ الرجل إذا سمّى ابنه أو ابنته، كُنّي به أو بها: أبو فلان، أبو فلانة، أمّا أن يُسمّى بمولوده فأمر لم نسمع به حتّى نَجَم أمرُ هذه الأسرة الحرّانيّة.

وتختلف هذه الرواية في شيء: فقد ذكرت مصادر أُخرى أنّ تلك الجُويرية كان اسمها (تَيمِيه).

وذكروا القصّة السالفة في تسميتها وفيها: (فرأى هناك اسمها تَيمِيه، ثمّ رجع فوجد امرأته ولدت بنتاً فسمّاها تَيمِيه) (1).

ونختم ترجمة تَيمِيه التي بقيت مجهولة الحال، ولم يترجم لها المِزّيّ السَّلفيّ كما ترجم لغيرها من النساء، بل وترجم لمـَن سمّاهن المجهولات! ولا ابن خلّكان ...، فنختم ذلك ببيت شعر من قصيدة لابن الوَرْديّ يرثي بها صاحب

____________________

(1) ابن تَيمِية، حياته وعصره، لمحمّد أبي زهرة 17.

 


الصفحة 22

الترجمة:

بنو    تَيمِيه    كانوا    فبانوا      نجوم العلم أدركها انهباط (1)

والدتُه

هي سِتّ النِعَم بنت عَبْدوس الحرّانيّة، توفّيت بدمشق سنة 716 هـ، ولدت تسعة بنين ولم تُرزق بنتًا (2)، عُرف منهم غير (صاحب الترجمة): بدر الدين أبو القاسم أخو الشيخ ابن تَيمِيه، كان فقيهًا ساكنًا قليل الشرّ! توفّي سنة 717 هـ (3).

وعبد الله بن عبد الحليم بن تَيمِيه الحرّانيّ الحنبليّ، وهو أصغر سنًّا من أخيه أحمد. توفّي سنة 727 هـ (4).

وأخوهم زين الدين عبد الرحمان وهو الذي تولّى الصلاة على أخيه أحمد بن تَيمِيه عند وفاته (5).

 

تعليق

كما ظهر لنا مجهوليّة جدّه الأعلى (تَيمِيه)، فإنّ المصادر لم تُسعفنا بوميض نورٍ نهتدي فيه إلى شيء عن أُمّ صاحب الترجمة سوى:

____________________

(1) تاريخ ابن الورديّ 2: 276.

(2) نفسه 256.

(3) نفسه 257.

(4) نفسه 271 - 272.

(5) العقود الدرّيّة، مصدر سابق 371.

 


الصفحة 23

سِتّ النِعَم بنت عبدوس الحرّانيّة. ومن خلال التسمية تجدها هجيناً وليست عربيّة.

ذكر شيخ الأزهر محمّد أبو زهرة في هذا المقام، قال: (ولم يذكر المؤرّخون شيئاً عن اُمّه. ولا قبيلها، وهي في الغالب ليست عربيّة) (1).

قبيلتُه

وللأسباب المتقدّمة وغيرها، صار منحدره القبليّ مجهولاً وعرضةً للتّكهّنات. فإنّ أحداً ممّن ترجم له، حتّى مَن عاصره منهم وتلامذته ومحبّوه بتعصّب كالذهبيّ، وابن عبد الهادي، والصَفَديّ، وابن الورديّ، وابن كثير؛ لم ينسبوه إلى قبيلة عربيّة أو أعرابيّة، كرديّة أو غير ذلك؟!

وهكذا فعلوا في ترجمة كلّ واحد من آبائه؛ فلم نجد في تراجمهم جميعاً، وفي تراجم أعمامه إلاّ: فلان بن فلان تَيمِيه الحرّانيّ الحنبليّ.

ولشيخ الأزهر أبو زهرة تعقيب على ذلك، قال:

(لم يذكر المؤرّخون الذين قرأت لهم القبيل الذي تنتمي إليه أُسرة ابن تَيمِيه. فلم يذكروا له نسبةً إلاّ أنّه الحرّانيّ فنسبوه إلى بلده حرّان موطن أُسرته الأوّل، ولم ينسبوه إلى قبيلة من قبائل العرب، وإنّ هذا يشير إلى أنّه لم يكن عربيّاً، أو لم يُعرف أنّه عربيّ منسوب إلى قبيلة من القبائل العربيّة، ولذلك نستطيع أن نفهم أو أن نعلم علماً ظنّيًّا أنّه لم يكن عربيًّا، ولعلّه كان كرديًّا، وهم قوم ذوو

____________________

(1) ابن تَيمِيه، حياته وعصره، لمحمد أبي زهرة 19.

 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة