الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 344

وهذا، كما يَكتب الكُتّابُ الرسائل والخطابات لمـَنْ يأمرهم بذلك، فإنّها تُنسب إلى الآمرين، دون الكاتبين، وإن كان هؤلاء هم المباشرين. مع وضوح اختلاف هذه السنّة عن التقرير لما فَعَله الغير، وكذلك عن الأمر بمُطْلق التدوين والكتابة، فلا يكون إلاّ من السنّة العمليّة الفعليّة.

 

وأخيراً

وفي نهاية المطاف، والرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله مسجًّى على فراش المرض ينتظر الموت الحقّ، إذ طلب ممّن عندَه «قِرطاساً ودواةً» ليكتب لهم «كتاباً» لا يضِلّوا بعدَه أبداً.

وكان طلبُه جِدّيّاً، ومهمّاً، إذ علّق عليه أمراً مهمّاً وهو هداية الأمّة وعدم ضلالتهم إلى الأبد.

فقال عمر: إنّ النبيّ غلبه الوجع! وعندنا كتابُ الله حَسْبُنا. ولا نطيل في الأمر فقد تكلّمنا فيما مضى عنه بما فيه كفاية، وتحدّثنا عنه كدليل على كتابة السنّة من لدنه صلى‌الله‌عليه‌وآله.

السنّة القوليّة

والمراد بها الأحاديثُ القوليّة، المرفوعة إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، والتي تدلّ على إباحته لكتابة الحديث خاصّة، أو ترغيبه وحثّه على مُطْلق الكتابة، وكذلك ما ورد عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله في ذكر الخَطّ، والقَلَم، والدواة، والكتاب، من أدوات الكتابة، ممّا يدلّ على رغبته التامّة في ذلك، وهي كثيرة جدّاً، وتكفي للدلالة على جواز كتابة


الصفحة 345

الحديث بطريق أولى.

فإذا كان صلى‌الله‌عليه‌وآله مُبيحاً للكتابة، ومرغِّباً فيها فالحديثُ أوْلى بأن يُكتَب ويُقَيَّد.

والأحاديثُ الواردةُ مرفوعة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في هذا المجال كثيرة.

قال القاضي عياض. قد روي كتابة العلم عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في أحاديث كثيرة (1).

وقد ذكرنا من قبل بعض الأحاديث في هذا الشأن؛ ونذكر بعضاً آخر هنا:

- عن أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «اكتبوا هذا العلم» (2).

وأنت جدّ خبير بقصد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالعلم الذي ندب إلى كتابته وهو حديثُه صلى‌الله‌عليه‌وآله لا غير!

- عن رافع بن خديج، قال: مرّ علينا رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوماً ونحن نتحدّثُ، فقال: ما تُحدِّثون؟

فقلنا: ما سَمِعنا منك يا رسول الله.

قال: تحدّثوا، وليتبوّأ مقعدَه - من كذِب عليَّ - من جهنّم. ومضى لحاجته، وسكتَ القومُ، فقال: ما شأنهم لا يتحدّثون؟

قالوا: الذي سمعناه منك يا رسولَ الله!

قال: إنّي لم اُرِدْ ذلك، إنّما أردتُ مَن تعمّدَ ذلك، فتحدّثنا قال: قلتُ: يا رسول الله، إنّا نسمع منك أشياء، أفنكتبُها؟!

قال: «اكتُبوا، ولا حَرَج» (1).

____________________

(1) الإلماع في اُصول السماع 147.

(2) كنز العمّال 10/262 رقم 29389.


الصفحة 346

- وحديث كتاب أبي شاه من الشهرة في أهميّة كتابة الحديث، ومن شأنه ما رواه أبو هريرة، قال: لما فتح الله على رسوله مكّة، قام في الناس فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: «إنّ الله تبارك وتعالى حبسَ عن مكّةَ الفيل، وسلّط عليها رسولَه والمؤمنين، وإنّها لم تَحِلَّ لأحدٍ كان قبلي، وإنّما اُحِلّتْ لي ساعةً من نهارٍ، وإنّها لن تَحِلَّ لأحدٍ بعدي فلا يُنَفَّرُ صيدُها ولا يختلي شوكُها، ولا تحِلُّ ساقِطُتها إلاّ لمنشدّ، ومَن قُتِل له قتيلٌ فهو بخيرِ النَظيرين: إمّا أن يفدي، وإمّا أن يَقتُلَ».

فقام أبوشاه - رجلٌ من أهل اليمن - فقال: اكتبوا لي، يا رسول الله.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «اكتبوا لأبي شاه» (2).

وقد اتّفقوا على صحّة هذا الحديث، كما أذعنوا لدلالته على الجواز: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: ليس يُروى في كتابه الحديث شيء أصحّ من هذا الحديث، لأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «اكتبوا لأبي شاه» (3).

وقال ابن الصلاح: ومن صحيح حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الدالّ على جواز ذلك حديث أبي شاه اليمني (4).

____________________

(1) تقييد العلم 2/73، الكامل، لابن عَدِيّ 1/36، محاسن الاصطلاح 300.

(2) تقييد العلم 86، البخاري 1/40 - 41؛ الباب 36، إرشاد الساري 1/168، عمدة القاري 1/567، فتح الباري 1/184، صحيح الترمذي 5/39 رقم 2667، معالم السُنَن، للخطابي 4/184، الفقيه والمتفقّه 1/91، تيسير الوصول 3/176، جامع بيان العلم 1/70، المحدّث الفاصل 363 رقم 314، الاستيعاب 4/106، أسد الغابة 5/224، منهج النقد 48.

(3) مسند أحمد - ط شاكر - 12/235.

(4) مقدّمة ابن الصلاح 300.


الصفحة 347

وعن عبد الله بن عَمرو، قال: كنتُ أكتب كلّ شيءٍ أسمعه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، واُريدُ حِفْظُه، فنهتني قريش، وقالوا: تكتبُ كلَّ شيءٍ تسمعه من رسول الله، ورسولُ الله بشَرٌ يتكلّمُ في الرضا والغضب؟!

قال: فأمسكتُ، فذكرتُ ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. فقال: «اكتُبْ، فوالذي نفسي بيده ما خرجَ منه إلاّ حقّ» وأشار بيده إلى فيه (1).

ومن ذلك ما دلّ على الأمر بالكتابة بألفاظ أخرى:

روى الترمذيّ، في صحيحه: كتاب العلم، باب «12» الرخصة في كتابة العلم، سنده عن أبي هريرة، قال: كان رجلٌ من الأنصار يجلس إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيسمع من النبيّ الحديث، فيُعجبُه، ولا يحفظُه، فشكا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقال: يا رسول الله، إنّي لَأسمعُ منك الحديث فيُعجبُني ولا أحفظُه؟!

فقال رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «استعِنْ بيمينك» و أشار بيده إلى الخطّ (2).

ولقد جعل صلى‌الله‌عليه‌وآله من حقّ الولد على والده أن يعلّمه الكتابة؛ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله: «من حقّ الوَلَد على الوالد أنْ يُعلِّمَهث الكتابة، وأنْ يُحْسِن اسمه، وأن يُزوّجه إذا بلَغَ» (3).

وحثّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بقرن الكتابة بالصلاة عليه، ولا غرابة بعد أن ذكره الله تعالى في

____________________

(1) تقييد العلم 69، المحدّث الفاصل 365/318، محاسن الاصطلاح 298، تحف العقول 36، المستدرك على الصحيحين 1/5/106، مسند أحمد 2/162.

(2) سنن الترمذي 5/39 رقم 2666، الكامل، لابن عدي 1/36، تقييد العلم 66 - 68، محاسن الاصطلاح 301، العقد الفريد 2/419، فيض القدير، للمناوي 1/491، الفتح الكبير، للسيوطي 1/179.

(3) تاريخ الخطّ، للكرديّ 9، نشأة وتطوّر الكتابة، لفوزي سالم 83.


الصفحة 348

كتابه المجيد مصرّحاً أنّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ! ثم عقّب بأمر المؤمنين أن يُصلّوا عليه ويسلّموا تسليماً.

وعن أبي بكر، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «مَنْ كتبَ عنّي عِلْماً، وكتبَ معه صلاةً عليَّ، لم يزَلْ في أجْرٍ ما قُرِئَ ذلك الكتاب» (1).

وروى الخوارزميّ مسنداً عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم‌السلام، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّ الله تعالى جعلَ لأخي عليّ بن أبي طالب فضائل لا يُحصى عدَدَها غيرُه.

فمَن ذكَرَ فضيلةً من فضائله، مُقرّاً بها، غَفَر اللهُ له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّرَ.

ومَن كتب فضيلةً من فضائل عليّ بن أبي طالب لم تزل الملائكة تستغفرُ له ما بقيَ لتلك الكتابة رسمٌ.

ومَن نظر إلى كتابة في فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر» (2).

وقد أكّد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على سند الحديث وبيّن علّته، فإنّ فيه صدق الحديث من كذبه، ونجاة الراوي من المساءلة!

أسند الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام عن آبائه عليهم‌السلام، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إذا كتبتُم الحديث فاكتبوه فإسنادِه، فإنْ يكُ حقّاً كنتم شركاءَ في الأجر، وإن يكُ

____________________

(1) شرف أصحاب الحديث 35 ح 64، الكامل، لابن عَديّ 3/1100، محاسن الاصطلاح 307، تاريخ الخلفاء 73 ح 89، النصّ والاجتهاد 146 - المورد 14 -.

(2) المناقب، للخوارزميّ 2، أمالي الصدوق 119 ح 9، المجلس 28.


الصفحة 349

باطلاً كان وِرْرُهُ عليه» (1).

وعن عطاء بن يَسَار، كتب رجل عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقال له: كتبتَ؟ قال: نعم.

قال: لم تكتُبْ، حتّى تعرض فيصحَّ (2).

وأمّا ما في القرآن الكريم من ذِكر للصُّحفِ، والكتاب، والكتب ... فكثير للغاية، فنقتصر على:

السمعاني بسنده عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «أوّلُ ما خلق اللهُ القلم، ثمّ خلق النُونَ، وهي الدواةُ، قال: وذلك قول الله عزّ وجلّ: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (3).

ثمّ قال: اكتُبْ، قال: وما أكتُبُ؟

قال: اكتبْ مقاديرَ كلّ شيء من عمل، أو أجَل، أو أثَرٍ، أو رِزق.

قال: فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة.

قال: ثمّ ختَمَ على في القلم، فلم يَنْطِقْ، ولا ينطقُ إلى يوم القيامة» (4).

نكتفي بهذا والأحاديث كثيرة في منزلة العلماء حملة الحديث وأنّ مدادهم يرجح دماء الشهداء وغير ذلك ...، لنتحوّل ونوصل الكلام بإجماع أهل

____________________

(1) أدب الإملاء والاستملاء، للسمعاني 4 - 5، ميزان الاعتدال 4/98، محاسن الاصطلاح 301.

(2) محاسن الاصطلاح 310.

(3) القلم: 1.

(4) الكامل، لابن عديّ 6/2273، تاريخ بغداد 12/40، أدب الإملاء والاستملاء 158.


الصفحة 350

البيت عليهم‌السلام على التدوين، لوحدة الموضوع.

إجماع أهل البيت عليهم‌السلام على التدوين

أجمع أهلُ البيت عليهم‌السلام على إباحة تدوين العلم، ومنه الحديث الشريف، ولم يُعْهَد من أحدٍ منهم منْعٌ عنه، على طول الخَطّ.

ومن المعلوم لدى كافّة المسلمين أنّ إجماع أهل البيت عليهم‌السلام حُجّةٌ شرعيّةٌ يجبُ اتّباعها.

أمّا ثبوت الإجماع منهم عليهم‌السلام: فمعَ أنّه محسوسٌ بالعَيان، حيث إنّا لم نجد قولاً لأحدٍ منهم عليهم‌السلام بالمنع، على كثرة تتبّعنا في المصادر، ومتابعتنا لأقوالهم. فهو ثابت بالنقل والبيان - أيضاً - حيثُ إنّ رواياتهم وأقوالهم متضافرةٌ بالإباحة، وأعمالهم ومؤلّفاتهم متكثّرةٌ مشتهرةٌ.

وأمّا أنّ إجماع أهل البيت عليهم‌السلام حُجّةٌ شرعيّةٌ: فلتواترِ الأحاديث المرفوعة الناصّة على أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد نصَبَهم مراجع للأُمّة تلجأ إليهم للخروج من الشُبُهات، وتتمسّك بحبلهم للنجاةِ من الضلال، وقَرَنَهم بالقرآن، وجعلهم وإيّاه، سببين للهداية، وجعل التخلُّفَ عنهما هو الرَدى والغواية.

مثل حديث «الثقلين» عند الشيعة والعامّة، وقد رواه بضع وعشرون صحابيّاً ونذكر بعض الروايات من غير سند، ثمّ نذكر مجموع المصادر المتحصّلة لنا؛ إذ أفضنا في ذكر ذلك في موضوع آخر من بحثنا هذا.

في رواية مسلم في صحيحه: «ألا أيّها الناسُ، فإنّما أنا بشرٌ يُوشَك أن


الصفحة 351

أُدعى فأُجيب، وإنّي تاركٌ فيكم الثَّقلين وهما كتاب الله فيه الهدى والنور ...، وأهل بيتي أُذكّركم اللهَ في أهل بيتي، قالها ثلاث مرّات».

وفي رواية أحمد، والطبراني: «إنّي تاركٌ فيكم خليفتَيْن: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي. وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يتفرّقا حتّى يَرِدا عليَّ الحوض، فانظروا ماذا تخلفوني فيهما». وفي رواية اُخرى للطبرانيّ: «فلا تقدموهما فتهلِكُوا، ولا تُقصِّروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلمـُ منكم».

وفيما أورده ابن حجر: «أيّها الناس يوشَك أن أقبضَ قبضاً سريعاً، وقد قدّمتُ إليكم القول معذرةً إليكم، ألا إنّي مخلّفٌ فيكم الثَّقلين كتاب الله عزّ وجلّ، وعترتي أهل بيتي ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب فقال: هذا عليٌّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتّى يرِدا عليَّ الحوض فأسألُهما: ما أخلفتُم فيهما؟!».

مصادر الحديث - بألفاظه وطُرقه المتعدّدة -: الإسكافي في المعيار والموازنة 35، الطبقات الكبرى لابن سعد 2/194، مسند أحمد بن حنبل 3/14 و 17 و 26 و 59 و 4/366 - 367، و 5/182 و 189 - 190، وفي الفضائل، له بالأرقام 170، 968، و 990 و 1032 و 1382 و 1383 و 1403 والمعجم الكبير، للطبراني 3/62 و 63 و 201، وصحيح مسلم 4/1873/2408، والمعجم الصغير، للطبراني 1: 131 و 135 و 255، وخصائص الإمام عليّ، للنَّسائيّ 96 والمستدرك على الصحيحين 3: 124 و 109 و 148 و 307، والسنن الكبرى؛ للبيهقيّ 2/148


الصفحة 352

و 7/30 و 10/114، والترمذيّ في صحيحه 5/663/3788، وسنن الدارميّ 2/310، ومشكل الآثار، للطحاوي 2/307، وحلية الأولياء 1/355، وتاريخ بغداد 8/448، وكفاية الطالب ب 1/11، ومجمع الزوائد 9/163، والصواعق المحرقة /75، ومناقب الإمام عليّ، لابن المغازلي /236، وأسد الغابة 4/279، وفرائد السمطين 1: 76 ....

وأمّا الحديث عند الشيعة من الإماميّة والزيديّة والإسماعيليّة فهو من المسلّمات، إنْ لم تبلغ أسانيدُه الكثيرة حدَّ التواتر، مع أنّه قد صرّحَ بتواتُره كثير.

وتوضيح دلالة الحديث على حُجّيّة إجماع أهل البيت عليهم‌السلام يتوقّف على ما يلي:

الأوّل: إنّ الخطاب في الحديث موجّه إلى جميع الأُمّة.

لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيه: «أيّها الناس ...» وقوله: «فيكم» ويعمُّ من كان في عصر النبوّة من المـُشافَهين، ومن يأتي بعدهم، وذلك:

1 - لأنّ الخطابات الشرعيّة والأحكام الدينيّة تعمّهم جميعاً، وذلك ثابت في علم اُصول الفقه.

2 - لأنّ الشريعة الإسلاميّة هي ناسخة الشرائع السماويّة، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خاتم الأنبياء، فالناس إلى يوم القيامة مكلّفون بما كُلِّف به المـُخاطَبون في عصره صلى‌الله‌عليه‌وآله، وهذا ثَبَتَ في موضعه من علم الكلام.

3 - تصريح الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في متن الحديث بعدم افتراق العِتْرة عن الكتاب إلى يوم القيامة، فجميع الناس في هذه المدّة داخلون في تعلُّق غرضه صلى‌الله‌عليه‌وآله من


الصفحة 353

كلامه.

الثاني: إنّ الحكم المذكور في الحديث، والمسؤوليّة الملقاة على عاتق الأمّة تجاه الكتاب والعِتْرة أهل البيت عليه‌السلام، إنّما هو حكم إلزاميٌّ واجبٌ، لا يجوز التخلّف عنه، والتقصير فيه، ويحرُم تركُه، وذلك:

1 - وذلك لأنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله قد رتّب الهداية على اتّباع الكتاب والعِتْرة، ورتّب الضَّلالة والهلاك على مخالفتهما  ومفارقتهما. ومن الواضح أنّ طلب الهداية واجبٌ عينيّ على كلّ مسلم، كما إنّ اجتناب الضلالة والابتعاد عنها أمرٌ واجب عينيّ على المسلمين، والمسلمون يطلبون الهدايةَ والابتعادَ عن الضَلالة في كلّ يوم عشر مرّات على أقلّ تقدير - في صلواتهم الخَمْس، في قراءة سورة الفاتحة - وهذا الطلب ليس استحباباً أو تخييراً، بل هو لزوميّ واجب؛ بحكم العقل وضرورة الشرع.

وإذا تمّ ذلك، كان اتّباع أهل البيت عليهم‌السلام المؤدّي إلى الهداية والمـُبعد عن الضلالة، بنصّ الحديث الشريف، واجباً إلزاميّاً على الأُمّة، وجوباً عقليّاً، شرعيّاً، كما هو مسلّمٌ عندهم من اتّباع القرآن.

2 - لأنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله قد جَهدَ في إبلاغ هذا الحديث في ظروف حسّاسة - مكانيّة وزمانيّة - تكشفُ بلا ريب عن أهميّة ما تضمّنه كلامُه، بالإضافة إلى تكرّر ذكره.

فمن حيث المكان، قال ابن حجر: إنّ لحديث التمسّك طُرُقاً كثيرة وردت عن نَيْفٍ وعشرين صحابيّاً، وفي بعض تلك الطُرُق أنّه قال ذلك بعرفة، وفي آخر:


الصفحة 354

أنّه قال ذلك بغدير خُمّ، وفي آخر: أنّه قال ذلك في المدينة في مرضه وقد امتلأت الحُجرة بأصابه، وفي آخر: أنّه قال لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف.

وأضاف ابن حجر: ولا تنافيَ، إذ لا مانعَ أنّه كرّر عليهم في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بالكتاب العزيز والعِتْرة الطاهرة (1).

فهل يمكن أن يتصوّر أنّ كلّ ذلك كان لأمر غير ضروريّ ولا واجب على الأُمّة؟!

الثالث: الحديثُ يدلُّ على وجود أهل البيت عليهم‌السلام إلى يوم القيامة، مع القرآن، حتّى يرِدا عليه الحوض:

لإخباره بعدم إفتراقهما.

الرابع: يدلّ الحديث على عِصْمة الثقلين المذكورين فيه: أمّا القرآن، فعصمتُه واضحةٌ لأنّه الوحيُ الإلهي الذي (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ) (2).

وأمّا العِتْرة، أهل البيت، فلِمَا يأتي:

1 - لأنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أرجع الأُمّة إليها لِلبُعدِ عن الضلالة والنجاة من الهلاك، ومن الواضح أنّ غير المعصوم لا يُؤمَن على مثل هذه المهمّة.

2 - لأنّه جعلهم في الحديث عدلاً للقرآن، ومُؤدِّينَ دَوْرَه، وقائمين بأمره، والقرآن كما قلنا معصوم، فهم كذلك، وإلاّ لم يصحّ أن يجعلهم والقرآن بمنزلةٍ

____________________

(1) الصواعق المحرقة 89.

(2) فُصِّلت: 42.


الصفحة 355

واحدةٍ.

الخامس: والحديثُ يدلّ على أعلميّة الثقلين من جميع الأمّة: أمّا القرآن، فواضح كذلك، لأنّه الكتاب الذي نزل (تِبْيَاناً لِكُلّ شَيْ‏ءٍ) (1) وأمّا أهل البيت عليهم‌السلام، فلِما يأتي:

1 - لتصريح الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في متن الحديث:

بقوله: «ولا تُعَلّموهم فإِنّهم أعلمُ منكم».

2 - لاقترانهم بالقرآن، الذي عرفنا كونَه الأعلم من الجميع، وكونُهم بديلاً عنه في مهمّة الهداية والبُعْد عن الضلالة.

3 - لإرجاع الأُمّة إليهم، مطلقاً، ولو كانفي الأُمّة مَن هو أعلم من أهلِ البيت عليهم‌السلام لَقَبُحَ إرجاعه إليهم.

4 - لقولِه صلى‌الله‌عليه‌وآله، في الحديث «ولا تقدموهم فتهلكوا» حيث رتّبَ الهلاكَ على التقدُّم عليهم.

وليس المراد بالتقدُّم عليهم في المكان والمسير، وإنّما المراد بالتقدّم عليهم بالحُكم والرأي والإفتاء والتكلّم في اُمور الدين والشريعة.

وهذا النهي مُطْلَقٌ، وعامٌّ لجميع أفراد الأُمّة، ولو لم يكن أهلُ البيت عليهم‌السلام أعلم من غيرهم لم يستحقّوا مثلَ هذا المقام، ولم يحرُم على غيرهم التقدُّم عليهم.

السادس: وأخيراً، مَن هم أهلُ البيت عليهم‌السلام؟

إنّ المراد من أهل البيت المذكورين في الحديث لا بدّ أن يكون معيّناً

____________________

(1) النحل: 89.


الصفحة 356

ومُشخّصاً، بلا ترديد، وذلك:

1 - لأنّ إرجاع الأُمّة - في أمرٍ مهمٍّ كالهداية - إلى أشخاصٍ غير معيّنين، هو من التكليف بما لا يُطاق، وتعليقٌ على المجهول، وهو أشبهُ بالإغراء بالجَهْل، وذلك كلّه خلاف الحكمة المعهودة في أحكم الناس وأعقل البَشَر، هادي الأُمّة المبعوث رحمة لها، رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

2 - أنّ الجَهْل بالمراد من أهل البيت، يؤدّي إلى قُصور الحديث عن أداء الغرض المنشود منه، وهو منافٍ لأهميّة الغرض المذكور الذي أثبتنا أنّه هو السبب في بذل أكبر الجهود لإبلاغ الحديث، وبالتالي فيكون ذلك كلّه لغواً وعَبَثاً، نَرْبأ بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يتصدّى له. فالغرضُ المقصودُ للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله من جعل الثقلين خليفتين له في الأمّة، هي الهداية والابتعاد عن الضلالة، ومثلُ هذا المقام لا يقبلُ التسامح، والتفريط فيه، فلو وردَ فيه نصٌّ فلابدّ أن يكون واضحاً مضبوطاً، ودقيقاً، لا يدخلُه شكٌّ أو ريبٌ، وإلاّ لانتقض الغَرَض.

3 - جعل أهل البيت، قريناً للقرآن، في نَسَق واحد، بعنوان الثقلين، يدلُّ على أنّهما سواءٌ في المعروفيّة والمحدوديّة بالتعيين، فكما أنّ القرآن كتاب الله، نصّ محدود، مكتوبٌ، معروفٌ؛ فكذلك المراد من أهل البيت.

4 - لم يُنْقَل من أحدٍ أن عدّ حديث الثقلين من الأحاديث المـُجْملة إذ ليس فيه من المفردات ما يُعَدُّ من الغريب المـُشْكل، ولا يحتوي كذلك على جُملة معقّدة غامضة، فلا بُدّ أن يكون المراد من «أهل البيت» الوارد في الحديث بعنوان «الثقل الثاني» القرين للقرآن، واضحاً معيّناً عند السامعين، والرواة الناقلين الأوائل


الصفحة 357

على الأقل.

فمَن هم أهلُ البيت؟

1 - قد حصر رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إطلاق اسم «أهل البيت» على الخمسة الطيّبة: نفسه المقدّسة، وابنته الزهراء فاطمة، وصنوه عليّ أميرالمؤمنين، وسبطيه الحسن والحسين عليهم‌السلام، حينما أدخلهم تحت الكساء معه؛ وهبط الأمين جبريل بآية التطهير: (إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً) (1).

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، فأذهِب عهم الرِّجس وطهّرهم تطهيراً».

فكانت الآية خاصّة بهم، فهم أهلُ البيت المعصومون عليهم‌السلام.

وقد تكلّمنا عن طُرُق نزول الآية فيهم عليهم‌السلام مع مصادر ذلك في موضع آخر.

وقد نصّ الإمام الحسين عليه‌السلام على وَلَده عليّ أنّه الإمام من بعده، وكلُّ إمام نصّ على الذي يليه، إلى الإمام المهديّ الثاني عشر عليهم‌السلام.

والنصوص على الأئمّة عليهم‌السلام في مصادرنا الحديثيّة متضافرة بما لم يبق معها مجالٌ للريب (2).

وجَهْلُ غير الشيعة بتلك النصوص لا يضُرُّ بحجّيّتها، وذلك:

أوّلاً: لو كان جَهْلُ كلّ طائفةٍ بما عند الأخرى من تاريخٍ وحديثٍ وغير ذلك، دليلاً، واستندوا إلى هذا الجهل، لما كان لأحدٍ الاعتماد على ما عنده، إنّما

____________________

(1) الأحزاب: 33.

(2) أجمع مصدر لذلك كتاب (إثبات الهُداة)، للشيخ الحرّ العامليّ.


الصفحة 358

الحجّةُ تتمُّ بما يُعرَضُ من الأدلّة حسب الموازين المقرّرة للاستدلال، وإقامة الحجّة، وعِلمـُ الشيعة بتلك النصوص ثابت، والجاهلُ لا بدّ له أن يرجع إلى العالم.

وثانياً: إنّ تلك النصوص إنّما ثبتت بطرق الرواة الثقات المعترف بوثاقتهم وحجيّتهم عند العامّة أيضاً؛ وإنْ قدحوا فيهم فإنّما هو للتطرّف المذهبي، والعصبيّة الطائفيّة، ومن المعلوم أنّ الملاك في حُجيّة الرواية هي الوثاقة والاطمئنان بالصُدور، لا سوء الظنّ والتهم. والحاصل: أنّ ضمّ المقدّمة الأولى، وهي قطعيّة صدق أهل البيت عليّ أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم‌السلام، إلى المقدّمة الثانية وهي نصّ كلّ إمام من الأئمّة الاثني عشر على الإمام الذي يليه، تثبتُ النتيجةُ التالية: أنّ أهل البيت الذين نصبهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خلَفاً له من بعده، وقُرَناء للكتابِ إلى يوم القيامة، إنّما هم الأئمّة الاثنا عشر عليهم‌السلام.

2 - النصوص النبويّة الدالّة على أنّ الأئمّة بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إنّما هم اثنا عشر خليفة:

ومن تلك: أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: لا يزالُ الدينُ قائماً حتّى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلُّهم من قريش. وقد أخرجه العامّة عن عبد الله ابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأكثرُ طُرُقه عن جابر بن سَمُرة.

ورواه من الأعلام:

أحمد، والبُخاري، ومسلم، والترمذيّ، وأبو داود، والحاكم النيسابوريّ والخطيب البغداديّ وغيرهم (1).

____________________

(1) مصادر حديث (اثنا عشر خليفة): =


الصفحة 359

وقد اختلف أهلُ المذاهب المختلفة في تفسير المراد بالاثني عشر، وطبّقه كلٌّ على مَن يراه للخلافة من الخلفاء، وسكتَ بعضُهم عن تفسيره، لكنّ أحداً لم يوفَّق إلى تفسيره بما لا يَرِدُ عليه شيء.

وأمّا القولُ بأنّ هذا الحديث مُجْمَلٌ غيرُ مبَيّن، فباطلٌ، وذلك:

1 - لأنّ موضوع الحديث وهو الإمامة والخلافة عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله منصبٌ مهمٌّ جدّاً، لا يتحمّل التسامُح فيه بإيرادِ نصٍّ مُجمَل لا يُفْهَمُ منه شيءٌ، وإلاّ، فمن الممكن أن يُقال: ما فائدة هذا الكلام، ولماذا يتصدّى الرسولُ الكريم إلى إلقائه إذا لم يكن له معنًى مفهوم، أو ثمرة بيّنة.

2 - لأنّ هذا الحديث لا يحتوي على مفردة غريبة توجبُ الإجمال في معنى الكلام، وليست الجملة بكاملها معقّدةٌ حتّى يُتَوقّفُ في فهم المراد منها.

بل - على العكس - فإنّ المراد والمدلول واضحٌ جدّاً، يقول: إنّ الخلفاء الذين يَلوْنَ أمر إمامة الإسلام هم اثنا عشر، في الفترة بين وفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله وحتّى يوم القيامة.

وإذا لم ينطبق هذا المدلولُ، الثابتُ الحقُّ، إلاّ على ما يقوله الشيعة الإماميّة،

____________________

= صحيح البخاري 9/101، كتاب 23 - الأحكام، باب 51 - الاستخلاف، صحيح مسلم 3/1451 - كتاب الإمارة، باب (1) الناس تبع لقريش. صحيح الترمذي 2/45 ط الهند 1342، باب ما جاء في الخلفاء، دلائل النبوة، للبيهقي 6/519، المستدرك على الصحيحين 3/618 كتاب معرفة الصحابة، مسند أحمد 1/398 و 5/86 و 89 و 90 و 92 و 93 - 101 و 106 - 108 في مسند جابر بن سمرة. وتيسير الوصول 2/34، منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد 5/312، تاريخ الخلفاء 7، تاريخ بغداد 2/126، كشف الظنون (1548).


الصفحة 360

وكان الأئمّة الاثنا عَشَر من أهل البيت هم الذين يصدُق فيهم حديث الثقلين، فأيُّ مانع من الالتزام بأنّهم المقصودون بحديث الأئمّة الاثني عشر من قريش؛ ما دام هذا الالتزامُ يؤدّي إلى العمل بكلّ ما قاله الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله، وعدم نسبة الإجمال إليه؟! مُضافاً إلى أنّ أيّاً من المذاهب لم يُقدّم اعتقاد في اُناسٍ تنطبق عليهم الصفاتُ المذكورة في حديث الثقلين، وينطبق عليهم العددُ المذكورُ في حديث الخلفاء الاثني عشر.

3 - معَ أنّ هؤلاء الأئمّة الاثني عشر عليهم‌السلام قد جمعوا إلى كَرمِ النَّسَب شَرفَ الحَسَب، وحازوا قَصَبَ السَّبْق في كلّ فضيلة، وجمعوا طارِفَ المجد وأثيله.

فهم بين الأُمّة كالنُجوم السواطع، قد اعترف بفضلهم كلُّ عدوٍّ وصديق، وأذعن لعلمِهم كلُّ عالم ضَليع، وأقرّ بمجدهم وسُؤدَدهم الأوّلون والآخرون.

وأجمعت كتب الرجال للعامّة في تراجمهم على القول في نعت آحادهم: ثقة ثقة ثبت صدوق لا يُسْأَل عن مثله، قد أنهكته العبادة، سيّد عصره في العلم، إمام ابن إمام ابن إمام وحقّ لمثله أن يكون خليفة ...

وهذا الذهبيّ الحنبليّ - وهو من كبار مؤرّخي الإسلام، ومترجمي الأعلام - نراه يترجمُ للإمام المنتظر المهديّ عليه‌السلام، فيقول: خاتمة الاثني عشر سيّداً. الذي تدّعي الإماميّة عصمتهم ... ومحمّد هذا هو الذي يزعمون أنّه الخَلَفُ الحُجّة، وأنّه صاحبُ الزمان، وأنّه حيٌّ لا يموت حتّى يخرُجَ فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما مُلِئت ظُلماً وجَوْراً.

فوددنا ذلكَ، والله ...


الصفحة 361

فمولانا عليٌّ: من الخلفاء الراشدين ...

وابناه: الحسن والحسين، فسبطا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، سيّدا شباب أهل الجنّة، لو استُخْلِفا لكانا أهلاً لذلك.

وزين العابدين، كبيرُ القَدْر، ومن سادة العلماء العاملين، يَصلُحُ للإمامة! ... وكذلك ابنُه أبو جعفر الباقر: سيّدٌ، إمامٌ، فقيهٌ، يَصْلُحُ للخلافة!

وكذا ولدُه جعفرُ الصادق: كبيرُ الشأن، من أئمّة العلم، كان أوْلى بالأمر من أبي جعفر المنصور.

وكان ولدُه موسى كبيرَ القَدْر، جيّد العلم، وأوْلى بالخلافة من هارون.

وابنُه عليُّ بن موسى الرضا: كبيرُ الشأن، له عِلمٌ وبيان، ووقع في النفوس؛ صَيَّره المأمونُ وليَّ عهده، لجلالته.

وابنه محمّد الجواد: من سادة قومه.

وكذلك ولدُه الملقّب بالهادي: شريف جليل.

وكذلك ابنُه الحسن بن عليّ العسكريّ رحمهم الله تعالى. فلو لَزِمَ اتّباع أحدٍ، لكانوا همُ الأوْلَونَ، ولو استحقّ غيرُهم شيئاً فهمُ الأحْرَوْنَ.

وممّا لا ريب فيه أنّ إجماعهم على شيءٍ يُقدَّم على إجماع غيرهم لو خالفه، ومخالفتُهم لغيرِهم تزعزع كيانَ مخالفهم.

وتدوين الحديث ممّا قد اتّفق جميعُ أهل البيت على إباحته وجوازه، وعدم منعه، فهم في جواز التدوين على منهاج واحد. فقد أباحوه حيث منعه المانعون، ودأبوا على تبليغه وأدائه منذ عهد الرسالة المبكّر، فضبطوه في مؤلّفاتهم، وسَعَوا


الصفحة 362

في حفظه وأودعوه كلّ ثقةٍ أمين؛ ولذلك حُفظ الحديث الشريف عندهم وعند أصحابهم وأتباعهم مسجّلاً، مكتوباً، محفوظاً من الدسّ والتزوير والتحريف والتصحيف.

ما وردَ عن الإمام أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام

كان الإمام عليه‌السلام في طليعة المـُبيحين للتدوين (1).

وقد علِمنا أنّه كتبَ بخطّه بإملاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، كتابة الكبير، الذي تحدّثنا عنه فيما مضى.

وقد قيل في ذلك الكتاب إنّه «أوّل كتاب في الإسلام» (2). كما روى الإمام عليه‌السلام كثيراً من النصوص المرفوعة، الدالّة على إباحة التدوين، وقد سبقت كذلك.

لكن الإمام عليه‌السلام قد أظهرَ التزامَهُ بإباحة التدوين، بالقول والفعل، وتضافرت النصوص الموقوفةُ عليه في ذلك، وسنذكرها في مجموعتين:

1 - في مجال التصنيف والتأليف.

2 - الأقوال المرويّة عنه، والموقوفة عليه.

 

في مجال التصنيف:

____________________

(1) الإلماع 147، علوم الحديث، لابن الصلاح 181، تدريب الراوي 285، وانظر: معالم العلماء، لابن شهر آشوب 2، ومؤلّفوا الشيعة، لشرف الدين 13.

(2) انظر الذريعة 2/306.


الصفحة 363

روى البحراني بسنده عن عبد الملك بن أعْيَن، قال: أراني أبو جعفر عليه‌السلام بعضَ كُتُب عليّ عليه‌السلام، ثمّ قال لي: لأيّ شيءٍ كَتبَ هذا الكتاب؟

قلتُ: ما أبين الرأيَ فيها!.

قال: هاتِ.

قلت: عَلِمَ أنّ قائِمَكم يقومُ يوماً فأحبَّ أنْ يعملَ بما فيها. قال: صدقتَ (1).

وروى الرازي عن شُعبة (ت 160 هـ): أنّ روايَتَيْ التابعيَّيْن - عامر الشعبيّ عن عليّ، وعطاء بن أبي رباح عن عليّ - إنّما هي من كتاب (2).

وقال: كان عند أبي هارون العَبْديّ (ت 134 هـ) كتابٌ عن عليّ عليه‌السلام (3). وقال أحمد: خلاس بن عَمرو البحري، روايتُه عن عليّ عليه‌السلام، من كتابٍ، ويُقال: وقعت عندَه صُحفٌ عن عليّ عليه‌السلام.

وأمّا الكُتُب المنسوبة إليه عليه‌السلام بعناوينها الخاصّة، فهي:

1 - كتابٌ في علوم القرآن:

أمْلاه الإمام أميرالمؤمنين عليه‌السلام، فذكر فيه ستّين نوعاً من علوم القرآن؛ رواه الحافظ أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد، ابن عُقْدة الكوفيّ (ت 333 هـ) بسنده

____________________

(1) تدوين السنّة 136؛ عن عوالم العلوم والمعارف، للبحرانيّ.

(2) الجرح والتعديل، التقدمة، لابن أبي حاتم 1/130.

(3) سؤالات الحاكم للدار قطني 203 رقم 314. والمراسيل، للرازي: 41، جامع التحصيل للعلائي 173 رقم 175.

 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة