الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 303

 

وعرضتَ  دينا قد عرفتُ iiبأنّه      من خير أديان البريّة دينا (1)

وأشعار أبي طالب ومواقفه الجهاديّة وشرحها يطول، نأخذ بعض الشواهد التي تُبطل الدعاية الوضعيّة الأمويّة المعادية لهذا البيت الشريف ولأنّه يُعطي تفسيراً موضوعيّاً للوضع الذي مارسه الأمويّون بحقّ أسباب نزول آيات القرآن الكريم، وموقفهم من السنّة منعاً ووضعاً!! ومن شعره لما كتبت قريش كتابها في بني هاشم:

ألا    أبلغا    عنّي   على   ذات   iiنأيها      لؤيّاً    وخصّا   من   لؤيّ   بني   iiكعب
ألم     تعلموا     أنّا     وجدنا    iiمحمّداً      نبيّاً   كموسى   خُطّ   في  أوّل  iiالكتب
أفيقوا    أفيقوا   قبل   أن   تُحفر   iiالثرى      ويُصبح  مَن  لم  يجنِ ذنباً كذي iiالذنب!
ولسنا    وربّ    البيت    نُسْلم    iiأحمدا      على الحال من عضّ الزمان ولا كرب(2)

والشعر أطول من هذا، يحث على مناصرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وبني هاشم مقابل الذين فرضوا عليهم المقاطعة، ويقيم عليهم الحجّة بأنّ محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله نبيّ مذكور في التوراة؛ ويحلف بربِّ البيت أنّهم لن يخذلوا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على أيّ حالٍ من الأحوال.

ولو كان أبو طالب مشركاً - حاشا أن ننطق بها! - للجأ إلى اللاّت والعُزّى ... وغيرها ممّا كان أبوسفيان ومشايخ قريش عاكفين على عبادتها وتقديسها والنَّحرِ

____________________

(1) سيرة ابن إسحاق 155.

(2) نفسه 157.


الصفحة 304

لها، وطلب النّصر منها؟! إلاّ أنّ الموحّد كان يلجأ إلى الواحد الأحد:

«يونس بن بُكير عن ابن إسحاق قال: لمّا سمعت قريش بذلك - أي بشعره وصلابته - ورأوا منه الجدّ وأيسوا منه، فأبدوا لبني عبد المطّلب الجفاء، فانطلق بهم أبو طالب فقاموا بين أستار الكعبة، فدعوا الله على ظُلمِ قومهم لهم، وفي قطيعة أرحامهم واجتماعهم على محاربتهم، وبتأوّلهم سفك دمائهم، فقال أبو طالب: اللّهمّ إنْ أبى قومُنا إلاّ النصر علينا، فعجّل نصرنا، وحل بينهم وبين قتل ابن أخي» (1).

ثمّ أقبل أبو طالب إلى جمع قريش وهم ينظرون إليه وإلى أصحابه، فقال أبو طالب: ندعو بربّ هذا البيت على القاطع المنتهك للمحارم، والله لتنتهنّ عن الذي تريدون، أو لينزلنّ الله بكم في قطيعتنا بعض الذي تكرهون، فأجابوه: إنّكم يا بني عبد المطّلب لا صلح بيننا وبينكم ولا رحم إلاّ قتل هذا الصبيّ السفيه (2).

هذا النضال الشديد مع تعريضه نفسه وبنيه وعشيرته لكلّ المخاطر هو مجرّد عاطفة؟! ولمّا رأى من القوم إصراراً انتهى بالمقاطعة عاطفة كذلك؟! وتبقى مسألة الإيمان بالله تعالى، فلم يسجّل التاريخ أنّ لأبي طالب صنماً تمسّك به، إنّما وجدنا يُقسم بالله وحده ويتوعّد المشركين بصلابة أنّ ربّه الله سيعاقبهم وقد فعل؛ إذ قُطعت رؤوس العُتاة من آل اُميّة وغيرهم وأكثرهم حصدهم سيف ذي الفَقار بيد الفتى عليّ عليه‌السلام؛ فلا غرو أن يضعوا الأحاديث التي تنال منه ومن أبيه،

____________________

(1) سيرة ابن إسحاق 158.

(2) نفسه 158 - 159.


الصفحة 305

مع التشدّد في منع رواية الحديث إلاّ مشروطاً: ما كان على عهد عمر.

 

المقاطعة ودخول الشِعب

قال ابن إسحاق: ثمّ عمد أبو طالب فأدخل الشِعْبَ ابن أخيه وبني أبيه ومن اتّبعهم من بين مؤمن، دخل لنصرة الله، ونصرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن بين مشرك يحمي، فدخلوا شعبهم، وهو شعب في ناحية من مكّة ...؛ وكان أبو طالب يخاف أن يغتالوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ليلاً أو سرّاً، فكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أخذ مضجعه أو رقد بعثه أبو طالب عن فراشه وجعله بينه وبين بنيه خشيةَ أن يقتلوه ... (1).

وهذا الذي أشرنا إليه سابقاً، وهنا تجد أبا طالب يعرّض نفسه وبنيه لخطر القتل فداءً لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ فهل فعله هذا إلاّ عن إيمان راسخ بنبوّة محمّد المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله؟! ولذا لا نعجب أن يكون جوابه لأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام كما مرّ بنا حين مبيته على فراش النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ليلة هجرته المباركة. ولأبي طالب رضي‌الله‌عنه شعر فيما جرى في الشعب:

ألا   من   لهَمٍ  آخر  الليل  iiمُعتم      طواني  وأخرى  النجم  لم  iiيتقحّم
طواني   وقد   نامت  عيون  iiكثيرة      وسائر   أخرى   ساهر   لم   يُنوم
لأحلام    أقوام    أرادوا    iiمحمّداً      بسوءٍ  ومَن  لا  يتّقي  الظلم iiيُظلم
سَعَوا   سَفَهاً   واقتادهم  سوء  iiرأ      يهم على قائل من رأيهم غير محكم
رجوا    أمور   لم   ينالوا   iiنظامها      وإن  حشدوا  في  كلّ نفر iiوموسم

____________________

(1) سيرة ابن إسحاق 159 - 160.


 

الصفحة 306

 

يرجون   أن   نسخا  بقتلِ  محمّد      ولم  تختضِب سُمْرُ العوالي من iiالدم
يرجون   منّا   خطّة   دون  نَيْلِها      ضَرابٌ   وطعن   بالوشيج  iiالمقوم
كذبتم   وبيت   الله   لا  تقتلونه      جماجم   تلقى   بالحطيم   iiوزمزم
وتقطع   أرحام   وتنسى   iiحليلة      حليلها ونغساً محرماً بعد محرم (1)

ومن قصيدة له لمّا أخبره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ الله أعلمه أنّه أرسل الأرضة على صحيفة قريش فلم تدع فيها اسم هو لله عزّ وجلّ إلاّ أكلته، وبقي فيها الظُلم والقطيعة والبُهتان، فانطلق أبو طالب حتى دخل المسجد، والمشركون من قريش في ظلّ الكعبة ...، فلمّا انتهى إليهم قالوا: قد آن لك أن تطيب نفسك عن قتل رجل في قتله صلاحكم وجماعتكم! وفي حياته فرقتكم وفسادكم! فقال أبو طالب: قد جئتكم في أمرٍ لعلّه فيه صلاح وجماعة فاقبلوا، هلمّوا صحيفتكم التي فيه تظاهركم علينا، فجاءوا بها ...، فلمّا جاءوا بصحيفتهم قال: صحيفتكم بيني وبينكم، وإنّ ابن أخي خبرني - ولم يكذبني - أنّ الله عزّ وجلّ بعث على صحيفتكم الأرضة، فلم تدع لله فيها إسماً إلاّ أكلته وبقي فيها الظُلم والقطيعة والبهتان، فإن كان كاذباً فلكم عليَّ أن أدفعه إليكم تقتلونه، وإن كان صادقاً؛ فهل ذلك ناهيكم عن تظاهركم علينا؟ فأخذ عليهم المواثيق، وأخذوا عليه، فلمّا نشروها فإذا هي كما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وكانوا هم بالغدر أولى منهم، واستبشر أو طالب وأصحابه، وقالوا: أيّنا أوْلى بالسحر والقطيعة والبهتان فقال المـُطعم بن

____________________

(1) نفسه.


الصفحة 307

عَدي بن نَوْفل بن عبد مَناف، وهشام بن عمرو، أخو عامر بن لُؤيّ بن حارثة، فقالوا: نحن بُراءٌ من هذه الصحيفة القاطعة العادية الظالمة، ولن نمالئ أحداً في فساد أنفسنا وأشرافنا، وتتابع على ذلك ناس من أشراف قريش، فخرج ناس من شعبهم وقد أصابهم الجهد الشديد، فقال أبو طالب في ذلك من أمر محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وما أرادوا من قتله:

)

والشعر أطول من هذا كلّه أدلّه على صدق إيمان أبي طالب وأنّه لن يخذل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مهما كان التحدّي!

وقال رضي‌الله‌عنه بشأن الصحيفة لمّا رأى قومه لا يتناهون وقد رأوا فيها العلم من العلم ما فيها:

وما ذنبُ مَن يدعو إلى البِرّ iiوالتُّقى      ولم يستطع أن يا رب الشعب يَأرب
وقد  جرّبوا فيما مضى غبَّ iiأمرهم      وما   عالم  أمراً  كمن  لم  iiيجرب
وقد  كان  في  أمر الصحيفة iiعِبرةً      متى  ما  يُخْبَر  غائبُ القوم iiيعجب
محى  اللهُ  منها  كفرَهم  iiوعقوقهم      وما  نقموا  من  باطل الحقّ iiمعرب

____________________

(1) سيرة ابن إسحاق 161 - 163.


الصفحة 308

 

 

و أمسى ابنُ عبد الله فينا مُصدَّقاً      على سُخط من قومنا غير معتب
فلا  تحسبوا  يا  مسلمين  iiمحمّداً      لذي   عربة   منّا   ولا   متغرّب
ستمنعه     منّا     يدٌ    iiهاشميّة      مركبها في الناس خيرُ مركب(ii(1

أيّ إيمان هذا، وكيف يُقال عنه مشرك وهو يصف دعوة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالبِرّ والتُّقى، ومذكّراً بصدق نبوّته بأمرِ الصحيفة وأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يخبر عن الغيب؛ ولذا فهو ماضٍ على نهجه ومعه في ذلك حواسم بني هاشم.

ولمّا هاجر المسلمون إلى الحبشة، قال أبو طالب شعراً يحضّ فيه النجاشيّ على حسن جوارهم والدفع عنهم:

تعلم  - أبيتَ اللعنَ - أنّك iiماجد      كريم  فلا  يشقى  لديك  iiالمجانب
تعلم    بأنّ   الله   زادك   iiبسطةً      وأسباب   خيرٍ  كلّها  بك  iiلازب
فإنّك   فيض   ذو  سجال  iiغزيرة      ينال الأعادي نفعها والأقارب (2)

وقال أيضاً:

تعلم   خيار   الناس  أنّ  iiمحمّداً      وزيرٌ  لموسى  والمسيح  ابن  iiمريم
أتى  بهدى  مثل  الذي  أتيا  iiبه      وكلّ   بأمر  الله  يهدي  iiويعصم
وأنّكم    تتلونه    في    كتابكم      بصدق حديث لا حديث الترجم

____________________

(1) سيرة ابن إسحاق 163 - 164.

(2) نفسه 221 - 222.


الصفحة 309

 

وأنّك   ما  يأتيك  منّا  iiعصابةٌ      لفضلك إلاّ أرجعوا بالتكرّم (1)

 

فأبو طالب يخاطب النجاشيّ ملك الحبشة وهو نصرانيّ ويذكّره بأنّ نبوّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله موجودة في التوراة والإنجيل وأنّها تصفه بالصادق ...

روى الزهريّ أنّ عروة بن الزبير حدّثه، قال: حدّثتني عائشة، قالت: كنتُ عند رسول الله إذ أقبل العبّاس وعليّ، قال: يا عائشة، إنّ هذين يموتان على غير ملّتي - أو قال: ديني (2).

وروى عبد الرزّاق عن معمر، قال: كان عند الزهريّ حديثان عن عُروة عن عائشة في عليّ عليه‌السلام، فسألتُه عنهما يوماً، فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما! الله أعلمـُ؛ إنّي لأتّهمهما في بني هاشم.

قال: فأمّا الحديث الأوّل؛ فقد ذكرناه؛ وأمّا الثاني فهو أنّ عُروة زعم أن عائشة حدّثته قالت: كنتُ عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إذ أقبل العبّاس وعليّ، فقال: «يا عائشة؛ إن سَرّكِ أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا»، فنظرتُ، فإذا العبّاس وعليّ بن أبي طالب (3)!!

وأمّا عمرو بن العاص، فروى عنه الحديث الذي أخرجه البخاريّ ومسلم في صحيحيهما مسنداً متّصلاً بعمرو بن العاص، قال: سمعتُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:

____________________

(1) سيرة ابن إسحاق 222.

(2) نفسه 4: 63 - 64.

(3) نفسه 64.


الصفحة 310

«إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنّما ولييَّ الله وصالح المؤمنين» (1).

الإمام الباقر عليه‌السلام يحدّث عن محنة أهل البيت عليهم‌السلام وشيعتهم.

وقبل ذكر مفتريات صاحب الهرّة! نذكر قول الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام لنقف على محنة أهل بيت النبوّة عليهم‌السلام، ومحنة أوليائهم وشيعتهم معهم، بعد شهادة أمير المؤمنين عليه‌السلام، من تصفياتٍ وقتلٍ ومصادرةِ أموال ومحاربةٍ فكريّة ...

قال عليه‌السلام لبعض أصحابه: ما لقينا من ظلم قريش حتّى أخرجت الأمر عن معْدِنه، واحتجّت على الأنصار بحقّنا وحجّتنا. ثمّ تداولتها قريش، واحدٌ بعد واحد، حتّى رجعت إلينا، فنكثت بيعَتنا، ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحبُ الأمر في صعود كئود، حتّى قُتل، فبُويع الحسن ابنُه وعُوهد ثمّ غُدرَ به ... «ثمّ تكلّم عن محنة الإمامين الحسن والحسين عليهما‌السلام، وكيف كان حال شيعة أهل البيت عليهم‌السلام، من اقصاءٍ وامتهان وحرمان وقتل، لا يأمنون على دمائهم».

قال: ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وأولياء السوء في كلّ بلدة، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، وروَوْا عنّا ما لم نقله وما لم نفعلْه، ليبغّضونا إلى النّاس، وكان عُظْمُ ذلك وكُبره زمنَ معاوية بعد موت الحسن عليه‌السلام، فقُتِلتْ شيعتُنا بكلّ بلدة، وقُطعت الأيدي والأرجل على الظِّنّة، وكان مَنْ يُذكر بحبِّنا والانقطاع إلينا سُجن أو نُهب مالُه، أو هُدِمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد! إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين عليه‌السلام، ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كلّ قِتْلة، وأخذهم

____________________

(1) نفسه.


الصفحة 311

بكلّ ظِنّة وتهمة، حتّى أنّ الرجل ليقال له: زنديق أو كافر، أحبُّ إليه من أن قال له: شيعة عليّ، وحتّى صار الرّجل الذي يُذكر بالخير - ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً - يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة، من تفضيل بعض من قد سَلَفَ من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها، ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنّها حقٌّ لكثرة مَن قد رَواها ممّن لم يُعرف بكذبٍ ولا بقلّة ورع (1).

من هنا تعرف عظم السوء الذي ألحقه الأوائل من أصحاب «الأريكة» بالسيرة، ثمّ عَدوا على القرآن الكريم فهتكوا حرمته، ممهّدين لبني أُميّة وعظيمهم معاوية، فينهجوا منهج السَّلَف في شأن السيرة ويزيدوا عليها بالتصريح ما أبطنه السَّلَف من دواعي محاربة الحديث؛ فيعلنوا صراحةً أنّه بُغض أهل البيت عليهم‌السلام وحسدهم ومحاولة طمس حقّهم، وقد مرّ بنا كتاب معاوية إلى عمّاله يدعوهم إلى الرواية واختلاق الفضائل في حقّ الثلاثة! مع اختلاق أحاديث ذمّ شديدة بشأن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام تصل حدّ كفره وأنّه رجل من أهل النّار!! ثمّ سيرة معاوية وبني أُميّة في إعلان البراءة من نفس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: عليّ بن أبي طالب، عقب كلّ صلاة، وتتبّعه وعمّاله لشيعة أهل البيت قتلاً ونهباً وعلى ذلك سار الحاكمون من بني أُميّة وولاتهم، إلاّ ما كان من «عمر بن عبد العزيز» لما أراد الله تعالى به من خير، إذ أبطلَ سنّة الكفر التي سنّها معاوية في لعن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام والبراءة منه؛ وأحسن السيرة مع بني هاشم؛ ولذلك قصّة:

قال عمر بن عبد العزيز: كنتُ غلاماً أقرأ القرآن على بعض ولد عُتبة بن

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 11: 43 - 44.


الصفحة 312

مسعود، فمرّ بي يوماً وأنا ألعب مع الصبيان، ونحنُ نلعنُ عليّاً! فكرِه ذلك ودخل المسجد، فتركتُ الصبيان ودخلتُ المسجد لأدرس عليه ورْدي، فلمّا رآني قام فصلّى وأطالَ في الصلاة، شِبه المعرِض عنّي، حتّى أحسستُ ذلك منه، فلمّا انفتل من صلاته كَلَح في وجهي، فقلتُ له: ما بالُ الشيخ؟ فقال لي: يا بنيّ، أنت اللاعن عليّاً منذ اليوم! قلت: نعم، قال: فمنذ متى علمتَ أنّ الله سخِطَ على أهل بَدْر بعد أن رضِيَ عنهم! فقلتُ: يا أنتِ، وهل كان عليّ من أهل بَدْر؟ فقال: ويحك! وهل كانت بَدْر كلّها إلاّ له؟! فقلت: لا أعود، فقال: الله أنّك لا تعود! قلت ك نعم. فلم ألعنه بعدها. ثمّ كنتُ أحضر تحت مِنْبر المدينة، وأبي يخطب يوم الجمعة، وهو حينئذ أمير المدينة، فكنت أسمع أبي يمرّ في خُطَبِه تهدرُ شقاشقه، حتّى يأتي إلى لعن عليّ عليه‌السلام فيجمْجِمُ (1)، ويعرض له من الفَهاهة (2) والحَصَر (3) ما الله عالم به، فكنتُ أعجبُ من ذلك، فقلتُ له يوماً: يا أبتِ، أنت أفصحُ الناس وأخطبهم، فما بالي أراك أفْصحَ خطيب يوم حَفْلِك، حتّى إذا مررت بلعْنِ هذا الرجل، صِرتَ ألكن عَيِيّاً (4)؟! فقال: يا بنيّ، إنّ مَن ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم، لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك ما تبعنا منهم أحد. فوَقَرتْ (5) كلمتُه في

____________________

(1) تجمجم الكلام: لم يبيّنه، وتجمجم عن الأمر، أي لم يُقدِم عليه.

(2) الفهاهة: الوهن والنسيان والغفلة والسقطة.

(3) الحَصَر: الضيق والعيي في المنطق.

(4) ألكن: ثقيل اللسان، ومن في لسانه عُجمة. وعَييا: عاجزاً.

(5) وقرت: استقرّت وثبتت.


الصفحة 313

صدري، مع ما كان لي معلّمي أيّام صِغَري، فأعطيتُ الله عهداً، لئن كان في هذا الأمر نصيب لأغيِّرنّه، فلمّا منّ الله عليَّ بالخلافة أسقطتُ ذلك، وجعلتُ مكانه: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى‏ وَيَنْهَى‏ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ) (1)، وكتبتُ به إلى الآفاق فصار سنّة (2).

وقال كثِّير بن عبد الرحمان يمدح عمر بن عبد العزيز ويذكر قطعه السبّ:

وَلِيتَ   فلم   تشتمْ   عليّاً   ولم   iiتُخِفْ      بَرِيّاً    ولم   تقبلْ   إساءَةَ   مُجرِم   (3)
وكفَّرت   بالعفو   الذنوب   مع  iiالذي      أتيتَ   فأضحى   راضياً   كلّ  iiمسلم
ألاَ    إنّما   يكفي   الفتى   بعد   iiزيغه      من    الأَوَدِ    الباقي    ثِقَافُ   iiالمُقَوِّم
وما    زلتَ    تَوّاقاً   إلى   كلِّ   iiغايةٍ      بلغت   بها  أعْلى  العَلاء  المُقَدَّمِ  (4)
فلمّا   أتاك   الأمرُ   عَفْواً   ولم   يكنْ      لطالبِ    دنيا    بَعْدَهُ    مِنْ    iiتَكَلُّمِ
تركتَ  الذي  يَفْنَى  لَأَنْ  كانض  iiبائداً      وآثرتَ ما يَبْقى برأيٍ مصمّمٍ (5)، (6)

وفيها أبيات يتكلّم فيها عن إقبال الدنيا على عمر بن عبد العزيز من خلال المـُلك؛ إلاّ إنّه زهد بها ولم ينخدع، من ذلك:

____________________

(1) النحل: 90.

(2) شرح نهج البلاغة 4: 58 - 59.

(3) في الأغاني 9: 258: ... ولم تتبع مقالة مجرم.

(4) في الأغاني: وما زلت سَبّاقاً إلى غايةٍ صَعِدتَ بها أعلى البناء المقدَّم.

(5) في الأغاني: تركتَ الذي يَفْنَى وإن كان مُونِقاً وآثرتَ ما يَبْقى برأىٍ مصمّمٍ.

(6) شرح نهج البلاغة 4: 59 - 60، الأغاني 9: 258.


الصفحة 314
 

 

فأعرضتَ   عنها   مشمئزّاً   iiكأنّما      سقتك   مَدُوفاً   من  سِمامٍ  وعَلْقَمِ
وقد   كنتَ  من  أجبالها  في  iiمُمَنَّعِ      ومن بحرها في مُزْبِد الموج مُفْعَمِ (1)

والشعر أطول ممّا ذكرنا، اكتفينا بما أوردناه حجّة على الخصم.

 

أبو هريرة

واحدٌ من زمرة معاوية ممّن أوكل إليهم وظيفة تقليب الحديث ووضعه مقابل ما جعلَ لهم من عطاءٍ اشترى به بقيّة دينهم!

فقد ذكر الإسكافي رواية عن الأعمش، قال: لمّا قدم أبو هريرة مع معاوية عامَ الجماعة - بعد الصلح بين معاوية والإمام الحسن عليه‌السلام -، جاء إلى المسجد الكوفة، فلمّا رأى كثرة من استقبله من الناس جَثَا على ركبتيه، ثمّ ضربَ صَلْعته مراراً، وقال: يا أهل العراق، أتزعمون أنّي أكذي على الله وعلى رسوله، وأحرق نفسي بالنار! والله لقد سمعتُ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) يقول: «إنّ لكلّ نبيٍّ حَرَماً، وإنّ حَرَمي بالمدينة، ما بين عَيْر إلى ثور، فمَن أحدثَ فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، وأشهد بالله أنّ عليّاً أحدث فيها، فلمّا بلغ معاويةَ قولُه أجازه وأكرمه وولاّه إمارة المدينة.

قلت - والقول لابن أبي الحديد -: أمّا قوله «ما بين عَيْر إلى ثَوْر» فالظاهر أنّه غلط من الراوي، لأنّ ثوراً بمكّة وهو جبل يقال له: ثَوْر أطحل، وفيه الغار

____________________

(1) الأغاني.


الصفحة 315

الذي دخله النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأبو بكر؛ وإنّما قيل أطحل لأنّ أطحل بن عبد مناف بن أدّ ... بن عدنان كان يسكنه، وقيل اسم الجبل أطْحَل، فأضيف «ثور» إليه والصواب: «ما ين عَيْر إلى أحد» (1).

وزاد في معجم البلدان في القول: إلى - التي ذكرها أبو هريرة عير إلى ثور - بمعنى مع، كأنّه جعل المدينة مضافة إلى مكّة في التحريم (2).

فأمّا قول أبي هريرة: «إنّ عليّاً عليه‌السلام أحدثَ في المدينة» فحاشَ لله! كان عليه‌السلام أتقى لله من ذلك؛ والله لقد نصر عثمان نصراً لو كان المحصورُ جعفر بن أبي طالب لم يبذُلْ إلاّ مثله (3).

قال أبو جعفر - الإسكافيّ -: وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضيّ الرواية، ضربه عمر بالدِّرة، وقال: قد أكثرتَ من الرواية وأحْر بك أن تكون كاذباً على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (4).

وروى سفيان الثوريّ، عن منصور، عن إبراهيم التيميّ، قال: كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلاّ ما كان من ذِكْر جنّة أو نار (5).

وروى أبو أسامة عن الأعمش، قال: كان إبراهيمُ صحيحَ الحديث، فكنتُ

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 4: 67، معجم البلدان 2: 86 - 87.

(2) معجم البلدان 2: 87.

(3) شرح نهج البلاغة 4: 67.

(4) نفسه 68.

(5) شرح نهج البلاغة 4: 67.


الصفحة 316

إذا سمعتُ الحديث أتيتُه فعرضتُه عليه، فأتيتُه يوماً بأحاديث من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، فقال: دعني من أبي هريرة، إنّهم كانوا يتركون كثيراً من حديثه (1).

وقد روي عن عليّ عليه‌السلام أنّه قال: ألاَ أنّ أكذبَ الناس على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أبو هريرة الدَّوْسيّ (2).

وروى أبو يوسف، قال: قلت لأبي حنيفة: الخبر يجيء عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ يخالف قياسنا ما نصنع به؟ قال: إذا جاءت به الرواة الثقاتُ عمِلنا به وتركنا الرأي، فقلت: ما تقول في رواية أبي بكر وعمر؟ فقال: ناهيك بهما! فقلت: عليّ و عثمان؟ قال: كذلك، فلمّا رآني أعُدّ الصحابة قال: والصحابة كلّهم عدول ما عدا رجالاً، ثمّ عدّ منهم أبا هريرة وأنس بن مالك (3).

وروى سفيان الثوريّ، عن عبد الرحمان بن القاسم، عن عمر بن عبد الغفار، أنّ أبا هريرة لمّا قدِم الكوفة مع معاوية، كان يجلس العشِيّات بباب كِنْدة، ويجلس الناس إليه، فجاء شابٌّ من الكوفة، فجلس إليه، فقال: يا أبا هريرة، أنشُدُك الله، أسمعتَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لعليّ بن أبي طالب: «اللّهمّ والِ مَن والاه وعادِ من عاداه»؟! فقال: اللّهمّ نعم؛ قال: فأشهد بالله ن لقد واليتَ عدوّه، وعاديت

____________________

(1) نفسه.

(2) نفسه.

(3) نفسه.


الصفحة 317

وليّه! ثمّ قام عنه (1).

وروى أنّ عمرو بن ثابت، كان عثمانيّاً، من أعداء أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام ومبغضيه.

روى أنّه كان يركب ويدور القرى بالشام ويجمع أهلها، ويقول: أيّها الناس، إنّ عليّاً كان رجلاً منافقاً؛ أراد أن يبْخس برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ليلة العقبة، فالعنوه، فيلعنه أهلُ تلك القرية؛ ثمّ يسير إلى القرية الأخرى، فيأمرهم بمثل ذلك. وكان في أيّام معاوية (2). فما أحرى هؤلاء أن يكونوا مصداق قول أميرالمؤمنين عليه‌السلام: روى حمّاد بن صالح، عن أيّوب، عن كهمس؛ أنّ عليّاً عليه‌السلام قال: يهلِك فيَّ ثلاثة: اللاعن والمستمع المقرّ ن وحامل الوِزْر، وهو الملك المـُترَف، الذي يُتَقَرَّب إليه بلعنتي، ويُبرأ عنده من ديني، ويُنتقص عنده حسبي؛ وإنمّا حَسَبي حَسَبُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وديني دينه. وينجو فيَّ ثلاثة: مَن أحبّني، ومَن أحبّ محبّي، ومَن عادى عدوّي؛ فمَنْ أُشرِب قلبُه بُغضي أو ألّب على بُغضي؛ أو انتقصني؛ فليعلم أنّ الله عدوّه وخصمه؛ واللهُ عدوٌّ للكافرين (3).

فأين مستقرّ كلّ مَن عادى وألّب وحارب وزَوي حقّ أميرالمؤمنين عليه‌السلام وكذب على الله ورسوله بوضع الحديث واختلاقه، وأيّ حديث مفترى؟! إنّه تنقيص وسبّ لنفس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بصريح القرآن الذي هو عِدْلُه وليّ أمير

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 4: 67.

(2) نفسه 23.

(3) نفسه 105.


الصفحة 318

المسلمين بعد الله تعالى ورسوله بنصّ القرآن وبيعة الغدير وغير ذلك سيّد العرب وأبو سبطي سيّد البشر اللّذين هما سيّدا شباب أهل الجنّة، وزوج سيّدة نساء العالمين التي ردّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله رجالات كانوا يعدّون أنفسهم سادة فقال لهم: إنّ زواجها بيد الله؛ فزوّجها عليّاً عليه‌السلام صاحب الفتوحات حتّى هتف ملك السماء باسمه مرّتين: يوم بدر، وأُحد ...

ومن ثَمَّ هو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من شجرة واحدة والناس من أشجار شتّى؛ فهما في الذروة إذ عُدّ النسب؛ فبأيّ وجهٍ يُقدح أبو الحسنين؟!

أيّهم أولى بالنقيصة وعذاب الخُلد؟؛ روى صاحب كتاب «الغارات» عن الأعمش، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «سيظهر على الناس رجل من أُمّتي، عظيم السُّرم، واسع البُلعوم، يأكل ولا يشبع، يحمل وِزْر الثَّقَلين، يطلب الإمارة يوماً، فإذا أدركتموه فابقروا بطنَه، قال: وكان في يد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قضيب، قد وضع طرفه في بطن معاويه» (1).

عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبد الله بن سلمة، عن عليّ عليه‌السلام، قال: رأيتُ الليلة رسولَ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فشكوت إليه، فقال: هذه جهنّم فانظر مَن فيها، فإذا معاوية وعمرو بن العاص معلّقين بأرجلهما منكّسين، تُرْضَخ رؤوسهما بالحجارة (2).

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 4: 108.

(2) نفسه 109.


الصفحة 319

سَمُرة بن جُنْدَب

لم أجد له ذكراً حميداً في كتب الرجال، بل إنّ بعضها أهملت ذكره فلم تُترجم له بشيء مثل: تاريخ الثقات للعجليّ، وتاريخ ابن معين ... ومَن ذكره؛ فقد ذكره بسوء.

وكان سَمُرة من شرطة زياد بن أبيه؛ روى عبد الملك بن حكيم عن الحسن، قال: جاء رجلٌ من أهل خُراسان إلى البصرة، فترك مالاً كان معه في بيت المال، وأخذ براءة، ثمّ دخل المسجد فصلّى ركعتين، فأخذه سَمُرة بن جُنْدَب، واتّهمه برأي الخوارج، فقدّمه فضرب عنقه! وهو يومئذٍ على شُرْطة زياد، فنظروا فيما معه فإذا البراءة بخطّ بيت المال، فقال أبو بَكْرة: يا سَمُرة، أما سمِعتَ الله تعالى يقول: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبّهِ فَصَلّى) (1)! فقال: أخوك أمرني بذلك (2).

بئس الأمير والمأمور! ولكن النصّ يدلّ على أنّ سَمُرة قد أخذ الرجل واتّهمه برأي الخوارج، من غير ذكر لزياد! فلعلّ الطمع بمالِ الرجل المسكين هو سبب ذلك؟!

وروى الأعمش، عن أبي صالح، قال: قيل لنا: قد قدِم رجل من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فأتيناه فإذا هو سَمُرة بن جُنْدَب، وإذا عند إحدى رجليه خَمْر، وعند الأخرى ثَلْج! فقلنا: ما هذا؟ قالوا: به النِّقْرس؛ وإذا قومٌ أتوه فقالوا: يا

____________________

(1) الأعلى: 14، 15.

(2) شرح نهج البلاغة 4: 77.


الصفحة 320

سَمُرة: ما تقول لربِّك غداً؟ تُؤتى بالرجل فيُقال لك: هو من الخوارج فتأمر بقتلِه، ثمّ تُؤْتى بآخر فيقال لك: ليسَ الذي قتلته بخارجيّ، ذاك فتى وجدناه ماضياً في حاجته، فشبّه علينا، وإنّما الخارجيّ هذا، فتأمر بقتل الثاني! فقال سَمُرة: وأي بأس في ذلك؟! إن كان من أهل الجنّة مضى إلى الجنّة؛ وإن كان من أهل النار مضى إلى النار (1)!

وروى واصل مولى أبي عيينة، عن جعفر بن محمّد بن عليّ عليه‌السلام عن آبائه، قال: كان لسمُرة بن جُنْدَب نخلٌ في بستان رجل من الأنصار، فكان يؤذيه، فشكا ذلك الأنصاريّ إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فبعث إلى سَمُرة، فدعاه فقال له: بع نخلك من هذا وخذ ثمنه، قال: لا أفعل؛ قال: فخذ نخلاً مكان نخلك، قال: لا أفعل؛ قال فاشترِ منه بستانه، قال لا أفعل؛ قال: فاترك لي هذا النخل ولك الجنّة، قال: لا أفعل؛ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله للأنصاريّ: «اذهب فاقطع نخله، فإنّه لا حقّ له فيه» (2).

وروى شريك قال: أخبرنا عبد الله بن سعد عن حُجْر بن عَديّ، قال: قدمتُ المدينة فجلستُ إلى أبي هريرة، فقال: ممَن أنت؟ قلتُ: من أهل البصرة، قال: ما فعل سَمُرة بن جُنْدب؟ قلت: هو حيّ، قال: ما أحدٌ أحبُّ إليَّ طول حياة منه. قلت: ولم ذاك؟ قال: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لي وله ولحذيفة بن اليمان: «آخركم موتاً في النّار»، فسبَقَنا حذيفة؛ وأنا الآن أتمنّى أن أسبِقَه؛ قال: فبقى سَمُرة بن

____________________

(1) نفسه 77 - 78.

(2) شرح نهج البلاغة 4: 78.


الصفحة 321

جُنْدب حتّى شهد مقتل الحسين عليه‌السلام (1).

وروى أحمد بن بشير عن مسعر بن كدام، قال: كان سَمُرة بن جندب أيّام مسير الحسين عليه‌السلام إلى الكوفة على شُرطة عبيد الله بن زياد، وكان يحرِّض النّاس على الخروج إلى الحسين عليه‌السلام وقتاله (2).

وكانت وفاتُه بالبصرة سنة ثمان وخمسين، وقيل: إنّه مات في آخر أيّام معاوية، آخر سنة تسع وخمسين أو أوّل سنة ستّين سقط في قدرٍ مملوءةٍ ماءً حارّاً كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز شديد أصابه فسقط في القدر فمات فكان ذلك تصديقاً لقولِ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله له ولأبي هريرة، وثالث معهما «آخركم موتاً في النّار» (3).

هذه هي سيرة الصحابيّ - كذا! - سَمُرة بن جنْدب: جنديّ مأمور في جيش معاوية، مبتذَل خسيس يُباع ويُشترى بدراهم معدودات! قد خسر الدنيا والآخرة، في الدنيا كزاز، فماء مغليّ، فعذاب البرزخ، فيوم المحشر؛ فأين المفرّ؟! أم تناله شفاعة ابن هند، وابن سُميّة، وابن مرجانة؛ فتمنعه من سقر؟ ثمّ أين حقوق الأبرياء الذين غصبهم أموالهم وقطع رؤوسهم؛ وما مصير شهادته الزور بحقّ أميرالمؤمنين عليه‌السلام؛ وتحريفه للقرآن مقابل دراهم ابن هند؟! وماذا عن تحريضه وحربه لسيّد شباب أهل الجنّة الإمام السبط الحسين عليه‌السلام، الذي حربُه

____________________

(1) نفسه.

(2) نفسه 78 - 79.

(3) تهذيب الكمال 12: 123.


الصفحة 322

حربٌ لرسولِ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ بسندٍ عن السدّيّ عن صبيح مولى أُمّ سَلَمة، عن زيد بن أرقم: أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ وفاطمة وحسن وحسين عليهم‌السلام: «أنا حربٌ لمـَنْ حاربكم، سِلمٌ لِمَن سالمكم» (1).

وعن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: أبصرَ النبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً وحسناً وحسيناً، فقال: «أنا حربٌ لِمَن حاربتم، سِلمٌ لِمَن سالمتم» (2). وإنّ معاوية حارب عليّاً أميرَ المؤمنين في سوح القتال بصفّين كما حاربه فكراً بالاجتراء على السنّة الشريفة من خلال وضع أحاديث في تنقيص شخصه عليه‌السلام - ويأبى الله! - وأعدّ لذلك رجالاً ضعاف النفوس اشترى ذممهم كما مرّ بنا. ولم يسلم القرآن الكريم من هذه المحاولات الدنيئة، فلمّا عجز عن تحريف نصّه وقد كفاه سَلَفه بالمزاعم التي أشرنا إليها في القراءات الشاذّة! ومزاعم سقوط آيات بل سورة ...، اكتفى هو بتفسير القرآن الكريم بغير ما أراد الله تعالى، كما وجدنا في قصّة البائس المحترق في الدنيا قبل الآخرة: سَمُرة بن جُنْدب...

____________________

(1) المـُعجم الصغير، للطبرانيّ 2: 3، صحيح الترمذي 2: 319، المستدرك على الصحيحين 3: 149، مسند أحمد بن حنبل 2: 442، تاريخ بغداد 7: 126، سنن ابن ماجة 2: 14، ذخائر العُقبى 25، الرياض النضرة 2: 199، الصواعق المحرقة 112، كنز العمّال 6: 216، مجمع الزوائد 9: 169، الكامل، لابن عدي 2/147، مسند الحَميدي ح 58، المصنّف، لابن أبي شيبة 7/505/64، صحيح مسلم 2: 64، تفسير الطبريّ 30: 171، أنساب الأشراف 1: 383.

(2) مسند أحمد بن حنبل 2: 442، تاريخ بغداد 7: 137، المستدرك على الصحيحين 3: 149، البداية والنهاية 8: 205، مناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ 64، كفاية الطّالب 231، ينابيع المودّة 261، مسند أبي يعلى 1/251: 291، شرح السنة، للبغوي 14/14: 3909.


الصفحة 323

فلم تذق دمشق آنذاك حلاوة الإيمان رغم وجود عدد من الصحابة الأسبق إسلاماً، والأعمق إيماناً والأكثر وعياً للإسلام وأشدّ حماساً له؛ فإنّ قيوداً تحدّ من حركتهم وتشلّ نشاطهم التربويّ والتعليميّ والتوعويّ هناك؛ منها ما يعود إلى الوالي - وذلك قبل أن يتفرّد بالأريكة والملوكيّة - نفسه الذي لا يسمح بنشر ما يخالف سياسته ولو كان ذلك نصوصاً من القرآن الكريم والسنّة المطهّرة! ومن الأدلّة على ذلك قصّته مع الصحابيّ الجليل خامس الإسلام صادق اللهجة أبي ذرّ الغفاريّ، وتسييره من الشام إلى المدينة، ثمّ يُنفى من هناك إلى صحراء الرَّبَذة ليموت هناك وحيداً في أرضٍ لا يسكنها بشر غيره.

ومن تلك القيود ما كان مصدره عاصمة الخلافة، فحين كانت العاصمة توجّه الصحابة إلى الأمصار، كان يُؤخذ عليهم العهود والمواثيق ألاّ يحدّثوا بشيءٍ من حديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله. وقد تحدّثنا عن هذه المسألة بتوسّع فيما مضى.

فكان للعامل الثاني أثر كبير في تمادي معاوية في طُغيانه وبلغت به الجرأة وهو الوالي المطلق على الشام أن يترك تجارة الخمر حرّةً ولم يكن في أهلها مَن يُنكر عليه! ولا حتّى من بعضِ مَنْ يدّعون صحابة ممّن حوله؛ ولذا عُدّ فعل الصحابيّ البَدْريّ العقبيّ النقيب عُبادة بن الصامت شاذّاً، لينال جزاءه من عاصمة الخلافة، ذلك أنّه رضي‌الله‌عنه كان في الشام فمرّت قِطارةٌ من الإبل تحمل خمراً، فقال: ما هذه، أزيتٌ؟ قيل: لا، بل خمرٌ يُباع لمعاوية! فأخذ شفرةً من السوق، فقام إليها وأراق ما فيها.

فأرسل معاوية إلى أبي هريرة، وكان هناك، فقال له: ألا تُمسك عنّا أخاك


الصفحة 324

عُبادة! فأتاه أبو هريرة فقال: يا عُبادة، ما لَكَ ولمعاوية! ذَرْهُ وما حُمّل.

فقال عُبادة: لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع والطّاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المـُنكر، وألاّ يأخذنا في الله لومة لائم، فسكت أبو هريرة. فكتب معاوية إلى عثمان بن عفّان: أنّ عُبادة بن الصامت قد أفسد عليَّ الشام!

فكان قرار العاصمة على الأثر بإجلاء عُبادة من دمشق إلى المدينة، حفاظاً على (صلاح الشام) (1)!

وهكذا كلّما ظهر مَن يُنكر فساد والي الشام، هرع الوالي حفاظاً على ولايته وإبقاءً لرعيّته على الصورة التي شرحها وزيره عمرو بن العاص - مرّ بنا - ليتمكن من التسلّط عليهم وإدارتهم كيف شاء! وبالحالة التي تيسّر له الخروج على الإمام الحقّ المفترض الطّاعة الذي عُقدت له البيعة، فلا مانع من ذلك، وليسلك أيّ سبيل يفي له بالمقصد، فليس في مَن حوله مَن يعرف أحاديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله التي عدّت الخروج على الإمام العادل كفراً وخروجاً عن الإسلام، وليس فيهم مَن يعرف مَن هو عليّ بن أبي طالب فيتردّد في الخروج عليه.

فمن كلام معاوية حين قدم من الشام إلى المدينة وكانت مضطربةً على عثمان، مخاطباً عمّار بن ياسر في مجلسٍ ضمّ جمعاً من الصحابة قال: يا عمّار، إنّ بالشام مائة ألف فارس كلٌّ يأخذ العطاء، مع مثلهم من أبنائهم وعُبدانهم، لا يعرفون عليّاً ولا قرابته، ولا عمّاراً ولا سابقته، ولا الزبير ولا صحبته، ولا

____________________

(1) الرياض النضرة 3: 84، سير أعلام النبلاء 2: 9 - 10.


الصفحة 325

طلحة ولا هجرته، ولا يهابون ابن عوفٍ ولا ماله، ولا يتّقون سعداً ولا دعوته (1).

هذا كلّه وهو ما زال والياً فكيف حال الشام وبعد الذي كان من صفّين وما بعدها وما رافق ذلك من حملات التضليل وقلب الحقائق زادت في بُعد مسلمي الشام آنذاك عن هدى القرآن والسنّة «فنشأوا على النَّصب» (2) - وقد ذكرنا أنّ مراكز النّصب ثلاثة منها الشام، والبصرة، ومرو - لا يعرفون إلاّ معاوية رمزاً للإسلام! وأنّ الباطل والضَّلال في خلافه.

وازداد الأمر ظُلمةً بعد معاوية، فالحاكم الجديد يزيد بن معاوية أشدّ بُعداً من الدين وأهدافه وضروراته وأحكامه؛ فبعد كونه ابن معاوية، المولود في الشام، كان قد نشأ وترعرع بين النّصارى مع أُمّه النّصرانيّة ميسون، إذ كان معاوية قد طلّقها بعد ما أسمعته أبياتاً تُفضّل فيها عيش البادية وزوجاً من بني عمّها على عيش القصور معه، تقول في أوّلها:

لَلُبْسُ   عباءَةٍ   وتَقَرَّ   iiعيني      أحبّ إليَّ من لبس الشُفوف

وآخرها:

وخرق من بني عمّي ثقيفٍ      أحبّ إليَّ من علجٍ iiعنيف

من هناك جاء يزيد إلى قصر الحكم، ورغم أنّه عُرف جهاراً بيزيد الخمور واللهو والطيور وملاعبة القرد على «الأريكة» غير أنّه لم يجد من أهل دمشق إلاّ

____________________

(1) الإمامة والسياسة 46.

(2) سير أعلام النبلاء 3: 128 ترجمة معاوية بن أبي سفيان والنَّصْب هو البغض والعداء لعليّ وأهل البيت عليهم‌السلام.

 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة