الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 286

سياسة التمهيد، والتمكين جهد إمكانهم في إفراغ عُقَد النقص وطلب الثارات، فيالبدر وأُحد وحُنين ... ونذكر هنا عملاً فنّياً شيطانيّاً مُقنّناً سلكه ابن هند في حقل الأحاديث الموضوعة في ذمّ أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام نشّأ عليها أجيالاً شاميّة تتوارث بُغض عليّ عليه‌السلام وينقل كلّ جيل إلى الذي يليه تلك الأحاديث الموضوعة.

ذكر أبو جعفر الإسكافي: أنّ معاوية وضعَ قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّ عليه‌السلام، تقتضي الطعنَ فيه والبراءة منه؛ وجعل لهم على ذلك جُعْلاً يُرْغبُ في مثله؛ فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة. ومن التابعين: عُروة بن الزبير (1).

روى الواقديّ أنّ معاوية لمّا عاد من العراق إلى الشام بعد بَيْعة الحسن عليه‌السلام واجتماع الناس إليه خطب فقال: أيّها الناس؛ إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لي «إنّك ستلي الخلافة من بعدي، فاختر الأرض المقدّسة، فإنّ فيها الأبدال؛ وقد اخترتكم، فالعنوا أبا تراب. فلعنوه. فلمّا كان من الغد كتب كتاباً، ثمّ جمعهم فقرأه عليهم؛ وفيه: هذا كتابٌ كتبه أميرالمؤمنين معاوية، صاحب وحي الله الذي بعثَ محمّداً نبيّاً، وكان أُميّاً لا يقرأ ولا يكتب، فاصطفى له من أهله وزيراً كاتباً أميناً، فكان الوحي ينزل على محمّد وأنا أكتبه؛ وهو لا يعلم ما أكتب، فلم يكن بيني وبين الله أحد من خَلْقِه.

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 4: 63.


الصفحة 287

فقال له الحاضرون كلّهم: صدقتَ يا أمير المؤمنين (1)!

أنصدّق الله تعالى إذ نصب عليّاً عليه‌السلام، وليّاً لأمر المسلمين؛ وقد تكلّمنا عن ذلك بما فيه كفاية في آية الولاية وتصدّق أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام بخاتمه في حال الركوع في الصلاة، فكان الإجماع المتواتر أنّ الآية نزلت في عليّ عليه‌السلام؛ ونصّت على حصر الولاية بالله تعالى، ثمّ برسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ومن ثمّ بخليفة رسوله عليّ عليه‌السلام.

وتوّج ذلك رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بأخذ البيعة العامّة لأميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام في حجّة الوداع في غدير خُمّ، ولعن في أكثر من موطن مَن يناصب عليًّا عليه‌السلام أو يأبى خلافته ...، فكيف يناقض - حاشا له صلى‌الله‌عليه‌وآله - نفسه، فيُفسد ما أبرم وينصب خليفتين من بعده، ومَن الثاني: معاوية؛ وكفى به تعريفاً!

ثمّ انظر أيّ جمهور أنتجت المدرسة الأُمويّة، فإنّ الأُمويّين قد بثّوا أحاديث كاذبة بشأن «الشام» وأنّها الأرض المقدّسة! وأنّ أهلها هم الأبدال الذين ينتصر بهم الله تعالى لدينه ... وغير ذلك. وعلى هذا تابعوا سيّدهم في لعن أميرالمؤمنين عليه‌السلام، حتّى صار جلّهم لا يعرف مَن هو «علي بن أبي طالب عليه‌السلام»!

روى الإسكافيّ: وقد صحّ أنّ بني أميّة منعوا من إظهار فضائل عليّ عليه‌السلام، وعاقبوا ذلك الراوي له؛ حتّى أنّ الرجل إذا روى حديثاً لا يتعلّق بفضله بل بشرائع الدِّين لا يتجاسر على ذكر اسمه؛ فيقول: عن أبي زينب (2)!

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 4: 72.

(2) المعيار والموازنة 137.


الصفحة 288

وروى عطاء، عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد، قال: ودِدْتُ أن أترَك فأحدِّثَ بفضائل عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام يوماً إلى الليل؛ وأنّ عُنُقي هذه ضُربت بالسيف (1).

وقال: وقد روى أنّ معاوية بذَلَ لِسَمُرة بن جُنْدَب مائة ألف درهم حتّى يروي أنّ هذه الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب: (وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى‏ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلّى‏ سَعَى‏ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الْفَسَادَ) (2)، وأنّ الآية الثانية نزلت في ابن مُلجم، وهي قوله تعالى: (وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ) (3)، فلم يقبل منه، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة فقبل، وروى ذلك (4).

ما أعظم إجرامك يا ابن هند! ما أن تفردّت بالشام حتّى بذلت جهدك كلّه لفتن أهل الشام وإبعادهم عن دينهم ونشر الجهل بينهم فراح يسوقهم حيث شاء؛ وقد ذكر هذه الحالة المأساوية «عمرو بن العاص» وزيرُ معاوية في قصيدة طويلة تسمّى الجلجليّة، هذا بعضُها:

ولَمّا  عصيتُ  إمام iiالمهدي      وفي  جَيْشه  كلُّ iiمُستفحلِ
أبا  البَقَرِ البُكْم أهل iiالشامِ      لأهلِ التُّقى والحِجَى أُبتلي؟

____________________

(1) نفسه.

(2) البقرة: 204، 205.

(3) البقرة: 207.

(4) المعيار والموازنة 72 - 73.


الصفحة 289

 

فقلت:  نعم،  قم  فإنّي  iiأرى      قتالَ     المفضَّل     iiبالأفضلِ
فَبِي   حاربوا   سيّدَ  iiالأوصياء      بقولي: دمٌ طُلَّ من نَعْثَلِ (1)!
وعلّمتُهم   كشْفَ   iiسوءاتهمْ      لِردِّ   الغَضَنْفرةِ   المُقبلِ   ii(2)
وحيث  رفعناك  فوق  iiالرؤوس      نزلنا   إلى   أسفل   iiالأسفل!
وكم  قد  سمعنا  من iiالمصطفى      وصايا   مخصّصةً  في  iiعليّ؟!
وفي   يوم  «خُمٍّ»  رقى  iiمنبراً      يُبلّغ،    والرَّكبُ    لم   يَرْحلِ
وفي     كفِّه    كفُّه    iiمُعْلِنا      يُنادي   بأمر   العزيز  iiالعلي:
ألستُ  بكُمْ منكُم في iiالنّفوس      بأَوْلى؟   فقالوا:   بلى  iiفافعلِ
فأنحله       إمرةَ      iiالمؤمنين      من   الله   مُسْتخلَف  المَنْحَلِ
وقال:   مَن  كنتُ  مولىً  iiله      فهذا   له   اليوم   نِعْمَ  iiالْوَلي
فَوالِ   مُواليهِ   يا   ذا   iiالجلا      لِ  وعادِ  مُعادي  أخِ iiالمُرسَلِ
ولا  تَنْقُضوا  العهدَ  من عِترتي      فقاطِعُهم    بيَ    لم   iiيُوصَلِ

____________________

(1) طُلّ الدم: هُدِر ولم يُثأر له. ونعثل: اسم لعثمان سمّته به عائشة.

(2) ذلك أنّ عمرو بن العاص برز ليقاتل فبرز إليه أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام فلمّا رآه أسقط نفسه عن فرسه ورفع رجليه فبانت سوءته، فأشاح أمير المؤمنين بوجهه الكريم عنه وهرب ابن العاص.

وفعل مثل ذلك معاوية وبُسر مع الإمام!!


 

الصفحة 290

 

فَبَخْبَخَ    شيخُكَ   لَمّا   iiرأى      عُرى   عَقدِ   حَيْدرَ  لم  iiتُحْللِ
فقال:     وليّكمُ     iiفاحفظوه      فمَدْخَلُه     فيكمُ     iiمَدْخَلي
وإنّا    وما   كان   من   iiفعلنا      لَفي  النّار  في  الدَّركِ iiالأسفلِ
وما    دمُ   عثمان   منجٍ   iiلنا      من  الله  في  الموقف  iiالمُخجلِ
وإنّ    عليّاً    غداً    iiخصمُنا      ويعتزُّ        باللهِ       iiوالمرسَلِ
فما  عُذْرنا يومَ كشْفِ iiالغطا؟!      لكَ الويلُ منه غداً، ثمّ لي! (1)

شهادة حقّ نطق بها ابن النابغة، لمّا حصل بينه وبين سيّده ابن هند خلاف، تضمّنت مقارنة وموازنة بين العسكرَين: عسكر أهل الكوفة اهل التُقى والعقول الذين يمضون على بيّنة، متّبعين إمام هدى سيّد الأوصياء أميرالمؤمنين بأمر الله تعالى وتبليغ رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله فاتّبعوه ولم ينكثوا عهداً ...؛ ولذا فم أُسودٌ لا يجبنون.

ثمّ وصف عسكر أهل الشام وأنّهم بَقَرٌ بُكمٌ استطاع ابن العاص أن يعلّمهم، بل ويعلّم ملكهم ابن هند، وابن أبي أرطاة كيف يدفعون عن أنفسهم بسوءاتهم ويصف نفسه وأهل الشام بالجهل إذ اتّبعوا معاوية ورفعوه، فنزلوا بذلك إلى أسفل السافلين، وأنّه ومعاوية ومَن تبعهم في جهنّم!!

وهذا الذي قلناه من قبل في أحاديث «الأريكة»، وتحذير رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من صاحب «الأريكة» الذي يتّخذ القرآن ذريعةً للمنعِ من حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وقد

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 2: 522.


الصفحة 291

استعمل صلى‌الله‌عليه‌وآله لفظ «يوشك» التي تظهر في القريب زمنيّاً، وفعلاً وجدنا أبا بكر يحرق «500» حديث، ثمّ ينهج عمر المنهج نفسه فيحرق أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ويعاقب صحابة لأنّهم يحدّثون ويحبس آخرين ...، فإذا جاء ابن هند ومن قبله سلفه عثمان الذي توسّع في معاقبة خيار الصحابة والمنع من الحديث، فما كان منه إلاّ أن يمدّ يده إلى تحريف أسباب نزول القرآن بما يخدم أهدافه، فإنّ هذا التحريف لديه أسهل من حرق السنّة ومنع تداولها، ومن حرق كتاب الله تعالى؛ كيف وهو معاوية الذي أعلن صراحةً أنّه ما قاتل من أجل الصلاة والصوم والحجّ والزكاة؛ وإنّما قاتل ليتأمّر عليهم - مرّ بنا -؛ وما علمنا منه ولا من بيته إسلام وإنّما هو فتح مكّة وإرغام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لآل أبي سفيان أن يفتحوا بيتهم للإسلام المنتصر وأحسن إليهم فأطلقهم؛ فهم الطُّلُقاء.

ومرّ بنا لعنُ رسولِ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي سفيان ولولديه: يزيد ومعاوية ابني أبي سفيان، في أكثر من موطن ودعوة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى قتل معاوية إذا رأوه يخطب على المنبر ...

وقد كان جريئاً في أمرٍ سبُق إليه ولكن في حدودٍ من ذلك ما يتعلّق بأمر فدك وادّعاء النصّ على خلافة الأوّل وأمثال ذلك.

وأمّا معاوية فبعد تشدّده في محاربة الحديث، وفتحه مدرسةً لكتابة التاريخ والسيرة وفْقَ ما يريد، وعَلِمَ أولئك رغبته وقد أعمتهم الأموال التي أغدقها عليهم معاوية، فحقّقوا له رغبته ومن ذلك وضع أحاديث تنال من أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام وأهل بيته عليهم‌السلام. فأمّا بشأن الآيتين المباركتين؛ حيث دخل معاوية في


الصفحة 292

معاملة تساوميّة مع سَمُرة بن جُنْدَب بذل له فيها مائتي ألف درهم، فلم يقبل فزاده لم يقبل حتّى صار أربعمائة ألف درهم، فقبل على أن يروي أنّ الآيتين نزلتا في أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام!

ومن قصّة الآيتين كما ذكر المفسّرون:

(وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا)، نزلت في الأخنس ابن شريق بن عمرو بن وهب بن أبي سلمة الثقفي، كان يأتي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فيخبره أنّه يحبّه ويحلف بالله على ذلك، ويخبره أنّه يتابعه على دينه، فكان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يعجبه ذلك ويدنيه في المجلس، وفي قلبه - أي قلب الأخنس - غير ذلك، فأنزل الله عزّ وجلّ: (وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا) (وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى) ما يقول، يعني يمينه التي حلف بالله، و (مَا فِي قَلْبِهِ) أنّ الذي يقول حقّ (وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَامِ) يقول جدلاً بالباطل ... (1).

ونحن في غنى عن تفسير المفسّرين، ولكن قطعاً للذريعة ومماشاةً لمنهج البحث، وإلاّ فالآيتان بمعاوية أليق فهو محضُ باطل سيرته التي مات عليها تثبت ذلك، وعليّ عليه‌السلام حبّه إيمان وبُغضه نفاق. وأمّا قوله: إنّ قول الله تعالى: (وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ)، إنّها نزلت في ابن ملجم؛ فلا عجب! فكلاهما: ابن ملجم، ومعاوية، ناصبيّان خرجا على أمير المؤمنين عليه‌السلام فقاتله معاوية، وأجهز

____________________

(1) تفسير مقاتل بن سليمان 1: 108، معاني القرآن، للفّراء 1: 124، الكشّاف 1: 123، الجامع لأحكام القرآن 3: 17، جامع البيان 4: 243، إعراب القرآن، للعكبرى 1: 52، البحر المحيط 2: 116، تفسير الفخر الرازي 2: 190.


الصفحة 293

عليه ابنُ ملجم في محراب صلاته فضربه بالسيف فمضى عليه‌السلام شهيداً.

أمّا بشأن الآية المباركة، فالإجماع منعقد على أنّها نزلت في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام، وذلك أنّ قريشاً تحالفوا على قتل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأجمعوا أمرهم: أن يُنتدب لذلك من كلّ قبيلة شابّ، فيكبسوا عليه وهو نائم، فيضربوه ضربةَ رجل واحد، فيضيع دمه ولا يأخذ بثأرِه أحد. فنزل جبريل عليه‌السلام بأمر الله تعالى لنبيِّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يترك مكّة ويهاجر، وأن يبيت ابن عمّه عليّ على فراشه، ففعل وبات الفدائيّ وقد وطّن نفسَه للشهادة في سبيل الله وفي سبيل سلامة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

لقد عزّ الناصر الذي يؤدّي وظيفة خطيرة مثل هذه، وما كان لجسدٍ غير عليّ أن يتكرّم بمماسّة موضع جسد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في فراشه. ثمّ ما كان لغير عليّ أن يقوم مقام النبيّ سواء في الدعوة والتبليغ حيث اختصّه بتبليغ «براءة»، أو تأدية أمانته وما كان يوصي إليه.

عن معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي رافع في هجرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، قال: وخلفه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله - يعني خَلَف عليّاً - يخرج إليه بأهله، وأمره أن يؤدّي عنه أمانته ووصايات مَن كان يوصي إليه، وما كان يُؤتَمن عليه من مال، فأدّى عليّ أمانته كلّها. وأمره أن يضطجع على فراشه ليلةَ خرَج، وقال: إنّ قريشاً لم يفقدوني ما رأوْك، فاضطجع على فراشه. (1) إنّ التأدية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ليس أمراً يُذكر من غير وقفة وتأمّل! وأحاديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في

____________________

(1) أسد الغابة 4: 96.


الصفحة 294

هذا الباب وفيرة وفي أكثر من مشهدٍ وموقف؛ يعزّزها ائتمانه صلى‌الله‌عليه‌وآله أهلَه، ولا يجوز لنبيّ الله أن يأتمن على أهله إلاّ رجلاً مثله في العصمة.

وقد خَلَفه صلى‌الله‌عليه‌وآله على أهله غيرَ مرّة، من ذلك: غزاة تبوك، فأظهر عليه‌السلام حزنه لذلك فقال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «يا عليّ، إنّما خلفتك على أهلي، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، غير أنّه لا نبي بعدي؟ (1)».

ونذكر بعض الآثار الواردة في نزول الآية المباركة في أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام.

ورد نزول الآية في أمير المؤمنين عليه‌السلام؛ عنه وعن ولديه الحسنين عليهم‌السلام؛ وكفى بهم صدقاً ووثوقاً!

* عن أمير المؤمنين عليه‌السلام فيما خاطب به أهل الشّورى، محتجّاً عليهم بفضائله وما اختصّه الله تعالى به، ومنه الآية المذكورة، برواية الصحابيّ أبي الطُّفيل عامر بن واثلة. (المناقب للخوارزميّ 315، مناقب الإمام عليّ لابن

____________________

(1) المصنّف، لابن أبي شيبة حديث 12 من فضائل علي عليه‌السلام، مسند أبي داود حديث 205، مسند أحمد، مسند أبي سعيد ح 10879 ومواضع أخرى، مسند أبي يعلى - مسند سعد 2: 66 - 132 وغيرها، الفضائل، لأحمد، حديث 142، تاريخ البخاري الكبير 3/48: 179، صحيح مسلم 3: 44، كتاب فضائل الصحابة باب فضائل عليّ رقم 30 - 32، المعجم الكبير، للطبراني 24/146/384، طبقات ابن سعد 3: 24، مسند ابن حبّان 15/369/6926، مشكل الآثار 2/213: 1903، الكامل، لابن عَديّ 2/416 ترجمة حرب ابن شدّاد، سنن ابن ماجة 1: 42 حديث 115، أنساب الأشراف 1: 346، تاريخ بغداد 3: 289/1376، حلية الأولياء 7: 194، مختصر تاريخ دمشق 17/243 - 248، مناقب الخوارزمي 133/148، تهذيب الكمال 35/263 ...


الصفحة 295

المغازليّ 155، كنز العمّال 3: 156، غاية المرام 564).

ورواه الصحابيّ أبو ذرّ الغِفاريّ. (أمالي الطوسيّ 2: 162).

ورواه ابن الكَوّاء، عنه عليه‌السلام. (خصائص أميرالمؤمنين للشريف الرضيّ 26). وأبو مريم الأسديّ، عنه عليه‌السلام. المستدرك على الصحيحين 3: 5.

* الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام. تذكرة الخواصّ 182.

* عليّ بن الحسين بن عليّ عليهم‌السلام، عن حكيم بن جبير، عن عليّ بن الحسين عليهما‌السلام، قال: إنّ مَن شرى نفسه ابتغاء رضوان الله عليُّ بن أبي طالب عليه‌السلام. وقال عليٌّ عليه‌السلام عند مبيته على فراش رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله:

وَقَيْتُ  بنفسي خَيْرَ مَنْ وَطأ iiالحصى      ومَن  طافَ  بالبيتِ  العتيقِ وبالحِجْرِ
رسول   إله   خافَ  أنْ  يمكُروا  iiبهِ      فنجّاه  ذُو  الطَّوْلِ  الإله، من iiالمكْرِ
وباتَ   رسول   الله  في  الغار  iiآمِناً      مُوَقًّى   وفي  حفظ  الإله  وفي  iiسِتْرِ
وبِتُّ     أُراعيهم     وما     iiيُثْبِتُونَني      وقد وطّنْتُ نفسي على القتْل والأسرِ

ورد في المناقب للخوارزميّ 127 وينابيع المودّة 92، والمستدرك على الصحيحين. وورد بغير الشعر المذكور في: أمالي الطّوسيّ 2: 61، المناقب لابن شهر آشوب 2: 64.

* ابن عبّاس. مختصر تاريخ دمشق 17: 318، المناقب للخوارزميّ 126، ينابيع المودّة 92. وبرواية عمرو بن ميمون عنه، في مختصر تاريخ دمشق 17: 329.


الصفحة 296

ورواية أبي صالح عنه في تفسير الطبريّ 9: 149، تفسير فرات 5، دلائل النبوّة لأبي نُعَيم 63 - 65.

والسُّدِّي عنه، في العُمدة لابن البطريق 124، ينابيع المودّة 92.

ورواه أبو غطفان عن ابن عبّاس، في الطبقات الكبرى لابن سعد 1: 227، أمالي الطّوسيّ 2: 60. وشعبة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون، في البداية والنهاية 7: 338.

ولحديث ابن عبّاس طُرُق كثيرة في شواهد التنزيل من ذلك ك رقم 134، 135، 136، 138.

ومن مصادر الحديث عن ابن عبّاس: أنساب الأشراف 2: 106، خصائص النسائيّ 61 - 62، مسند أحمد بن حنبل 1: 330 - 331، والمعجم الكبير للطبرانيّ 3: 151، وتاريخ بغداد 13: 191 - 192 ن وكفاية الطّالب 240 - 241، وإحياء العلوم للغزاليّ 3: 252، التلخيص 3: 5/4263، تفسير الثعلبي 2: 126، تفسير النيشابوري بهامش تفسير الطبريّ 2: 291، تفسير القرطبيّ 3: 21، مجمع الزوائد 9: 19 - 20، الرياض النّضرة 2: 269 - 270، ذخائر العقبى 84 - 88.

* رواه الصحابي أبو سعيد الخُدْريّ. شواهد التنزيل حديث رقم 133.

* وورد عن عائشة بنت قُدامة. الطبقات الكبرى 1: 227.

ولم تكن هذه هي المرّة الأولى التي يبيت أميرالمؤمنين عليه‌السلام على فراش رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يفديه بمهجته ويدرأ عن نفسه بنفسه؛ يشدّ أزْرَه في ذلك أبو طالب، أبوه مؤمن قريش وناصرُ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله. جاء في «شعر أبي طالب وأخباره -


الصفحة 297

المستدرك ص 73»: ممّا أنشده أبو طالب، وكان كثيراً ما يخافُ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله البَيَات - أي الغَدْر ليلاً حيث يبيت - إذا عُرِف مضجعه، فكان يُقيمه ليلاً من منامه ويُضجِع ابنَه عليّاً مكانه، فقال له عليّ ليلةً: إنّي مقتول. فقال له أبو طالب، شعراً:

إصبِرَنْ  يا بُنَيَّ فالصَّبْرُ iiأحجى      كُلُّ حَيٍّ مصيرُهُ لِشَعُوبِ(ii(1
قَدَّرَ  اللهُ  - والبلاءُ شديدٌ ii-      لِفداءِ  الحَبيبِ  وابنِ  iiالحبيبِ
إنْ  تُصبْكَ  المَنُونُ فالنَّبْلُ تُبرى      فمُصِيبٌ  منها  وغيرُ  iiمُصيبِ
كلُّ حيٍّ - وإنْ تملّى بِعُمْرٍ -      آخذٌ   من   مَذاقِها  iiبِنَصيبِ

فأجاب عليّ عليه‌السلام، فقال:

أتأمُرُني   بالصَّبرِ   في  نصرِ  iiأحمدٍ      وواللهِ  ما  قلتُ الّذي قلتُ iiجازعا
ولكنّني   أحببتُ  أن  ترى  نُصرتي      وتعلمَ   أنّي   لم  أزل  لك  iiطائعا
سأسعى  لوجهِ  الله  في نصر أحمدٍ      نبيِّ الهُدى المحمود طفلاً ويافعا (2)

إنّ في سلوك أبي طالب رضي‌الله‌عنه، في حمايته لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وفداءه بابنِه عليٍّ عليه‌السلام، وطاعة عليّ المطلقة لأبيه؛ مع وعيٍ منه أنّ ذلك في سبيل الله تعالى؛

____________________

(1) شَعُوب: المـَنيّة، يُقال أشْعَبَ الرجلُ، إذا مات أو فارق فراقاً لا يرجع. تهذيب الألفاظ، لابن السكّيت 453.

(2) المستدرك على شعر أبي طالب عليه‌السلام، لأبي هِفّان المِهْزَميّ (ت 257 هـ) 74.


الصفحة 297

وقد ترجمه في جوابه لأبيه شعراً، مضافاً إلى ما لحقه هو وبني هاشم من أذى قريش التي فرضت عليهم مقاطعة أمدها ثلاث سنين لا يشترون منهم ولا يبيعونهم، ولا يتزوّجون منهم ولا يزوّجونهم ... ومن ثمّ انعزل أبو طالب وبنو هاشم إلى شِعبِ وادٍ عرف فيما بعد باسم وادي أبي طالب؛ أقول: إنّ في سلوك أبي طالب هذا تحطيم للدعاية الأُمويّة التي نشرت حديثاً مفترىً وهو أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله دعا أبا طالب إلى الإسلام فأبى؟! فلمّا مات، استأذن الله تعالى بالاستغفار له فلم يأذن له؟!! كلّ ذلك ناصبيّةً وبغضاً وحرباً لعليٍّ أميرالمؤمنين عليه‌السلام.

إنّ الحماية التي أَوْلاها أبو طالب عليه‌السلام لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله تكذّب الدعاية الأُمويّة وتلقي ظِلال تساؤل على كتب الحديث والتاريخ التي تناقلت تلك الدّعاية بنصٍّ واحد! من غير التفات لسيرة شيخ البطحاء وزعيمها ومقدار الأذى الذي تحمّله هو وبنو هاشم وفقدانه منزلته بين قومه. فإذا كان ذلك عاطفةً محضةً، فلِمَ حُرِم أبو لهب، وهو عمّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً هذه العاطفة؟! بل كان أشدّ النّاس عداوةً له واستخفافاً له، وكانت امرأته تُعينه في مهمّته القذرة هذه فكانت تحمل الشوك والحطب يضعانه في الطريق الذي يمرّ به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ وقد أنزل الله تعالى فيهما سورةً كاملةً: «سورة تَبّت».

إنّ للعاطفة حدوداً، ومن حدودها أن يطلب أبو طالب من ابن أخيه يكفّ عن الدعوة صوناً له من خطر قريش وإبقاءً على مكانته هو في قريش..؛ إلاّ أن موقفه وشعره وشعر ولده عليه‌السلام، ومواقف وأشعار تترجم حقيقة أبي طالب وأنّه عاش ومات مسلماً مناضلاً رضي‌الله‌عنه. وهذه بعض أشعاره:


الصفحة 298

حديث بحيرا الراهب

ذكر ذلك ابن إسحاق في سيرته؛ فبسند عن يونس بن بُكير عن محمّد بن إسحاق، قال: إنّ أبا طالب خرج تاجراً إلى الشام ومعه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فلمّا نزل الركب بُصرى من أرض الشام، وبها راهب يُقال له بَحِيرا في صومعة له، وكان أعلم أهل النصرانيّة، فلمّا نزلوا ببَحِيرا وكانوا كثيراً ممّا يمرّون به قبل ذلك لا يكلّمهم ولا يعرض لهم، حتّى إذا كان ذلك العام نزلوا قريباً من صومعته، فصنع لهم طعاماً كثيراً، وذلك - فيما يزعمون - عن شيء رآه وهو في صومعته في الركب، حين أقبلوا وغماماً تظلّه - أي تظلّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله - من بين القوم، حتّى نزلوا تحت شجرة قريباً منه، فنظر إلى الغمامة قد أظلّت الشجرة، وتدلّت أغصان الشجرة على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى استظلّ تحتها، فلمّا رأى ذلك بَحِيرا، نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام فصُنع، ثمّ أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش، وأنا أحبّ أن تحضروا كلّكم ...، فحضروا وتخلّف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لحداثة سنّه، فلمّا نظر بَحِيرا في القوم لم يرَ الصفة التي يعرف ويجد عنده؛ قال: يا معشر قريش لا يتخلّف أحد منكم عن طعامي هذا، قالوا له: يا بَحِيرا ما تخلّف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلاّ غلام هو أحدثُ القوم سنّاً، تخلّف في رحالهم، قال: فلا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم ... فأحضروه، فلمّا رآه بَحِيرا جعل يلحظه لحظاً شديداً، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده في صفته، حتّى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرّقوا قام بَحِيرا فقال له: يا غلام أسألك باللاّت والعُزّى إلاّ أخبرتني عمّا أسألك عنه، وإنّما قال بَحِيرا له ذلك لأنّه سمع


الصفحة 299

قومه يحلفون بهما، فزعموا أنّ رسول قال له: لا تسلني باللاّت والعُزّى شيئاً، فو الله ما أبغضت شيئاً قطّ بغضهما، فقال له بَحِيرا: فبالله إلاّ أخبرتني عمّا أسألك عنه، قال: سلني عمّا بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله: من قومه، وهيئته، وأموره؛ فجعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يخبره فيوافق ذلك ما عند بَحِيرا من صفته، ثمّ نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوّة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده، فلمّا فرغ منه أقبل على عمّه أبي طالب فقال له: ما هذا الغلامُ منك؟ قال: ابني، قال له بَحِيرا، ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيّصا، قال: فإنّه ابن أخي وقد مات أبوه وأُمّه حبلى به، قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلدك واحذر عليه من اليهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنّه شرًّا، فإنّه كائن لابن أخيك هذا شأن فأسرع به إلى بلاده، فخرج به عمّه حتّى أقدمه مكّة حين فرغ من تجارته بالشام.

فزعموا أنّ نفراً من أهل الكتاب «يهود» قد كانوا رأوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في ذلك السفر هم: زَبير، وتمّام ن ودَريس؛ ورأوا منه أشياء فأرادوه، فردّهم عنه بَحِيرا، وذكّرهم الله عزّ وجلّ، وما يجدون في الكتاب من ذِكره وصفته ... (1).

ولأبي طالب شعر في ذلك:

إنّ  ابن  آمنة النبيّ iiمحمّداً      عندي بمثلِ منازلِ iiالأولاد
لما   تعلّق   الزمامِ   رحمته      والعيس قد قلّصن بالأزواد

____________________

(1) سيرة ابن إسحاق 73 - 76.


 

الصفحة 300

 

فارفض من عيني دمع ذارف      مثل  الجمان  مُفرّق  iiالأفراد

إلى آخر الشعر. فأنت ترى أنّه قد آمن وأعلنها صريحةً (1) بنبوّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو ما زال غُلاماً، وذلك لشهادة حَبْر؛ ممّا يدلّل على رجحان عقل أبي طالب دون غيره من الشيوخ الذين ماتوا كفّاراً أو قُتلوا مشركين فكان الحسد لأميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام: كيف تجتمع النبوّة والإمامة في بيت واحد، والسيادة لابن عمّه سيّد الرسل وله سيّد العرب والزوجه سيّدة نساء أهل الجنّة ولولديه سيّدي شباب أهل الجنّة وأبوه شيخ البطحاء حامي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مؤمن قريش؟! ومن شعر أبي طالب رضي‌الله‌عنه، وذلك لمّا اجتمعت بنو هاشم وبنوالمطّلب معه ورأى أن قد امتنع بهم وأن قريشاً لن يعادوه، وتجد في الشعر أنّه انتصر لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وفيه تصريح منه برسالة النبيّ:

منعنا  الرسول  رسول  iiالمليك      بِبِيضِ   تَلألاُ  كلمعِ  iiالبُروق
بصرب   بزبر   دون  iiالتهاب      حذار البوادر كالخنفقيق (2)
أذبّ   وأحمي  رسول  المليك      حماية  حام  عليه شفيق(ii3)

فلمّا رأى أبو طالب من قومه ما سرّه من جدّهم معه، وحدبهم عليه جعل

____________________

(1) نفسه 76.

(2) الخنفقيق: أي الداهية. اللسان.

(3) سيرة ابن إسحاق 149.


الصفحة 301

يمدحهم ويذكر قديمهم، ويذكر فضل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيهم، ومكانه منهم، ليشتدّ لهم رأيهم فيه، وليحدبوا معه أمرهم، فقال أبوطالب:

إذا     اجتمعت     قريش     iiلفخرٍ      فعبد     مَناف    سِرُّها    iiوصميمُها
وإن   حصلت  أشراف  عبد  iiمَنافها      ففي     هاشم     أشرافها    وقديمها
وإن    فخرت    يوماً    فإنّ   iiمحمّداً      هو   المصطفى   من   سِرّها  iiوكريمها
تداعت     قريش     غَثُّها    iiوسَمينُها      علينا   فلم  تظفر  وطاشت  iiحُلومُها
وكنّا     قديماً     لا    نقرّ    iiظلامةً      إذا   ماثنوا   صُعر   الخدود   iiنُقيمها
ونحمي    حماها   كل   يوم   iiكريهة      ونضربُ عن أحجارها من يرومها (1)

إنّ أبا طالب رضي‌الله‌عنه يحكم لعبد مناف على قريش بالفخر؛ وإذا صار السباق في حلقة الشرف؛ فهاشم عُوده المونق؛ وذروةُ هاشم وسنامُها: محمّد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. هكذا يصنّف أبوطالب مواضع الفخر، فكيف انساقت كتب الحديث والتاريخ خلف العداء الأمويّ وأعرضت عن هذه السيرة العطرة لهذا الرجل النبيل الذي كان سنداً للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يفديه بنفسه وبابنه وعشيرته عن إيمانٍ برسالته؛ فصار مشركاً؛ وسيجمع الله بينهم وحينها يخسر المبطلون.

ومن شعر لمؤمن قريش وشيخ البطحاء أبي طالب يُظهر فيه مَنَعتَه وإيمانه بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، ويختمه بالتوحيد لا بالشرك! قال:

ما   إن  جنينا  من  قريش  iiعظيمة      سوى أن منعنا خيرَ مَن وطىء التُربا

____________________

(1) سيرة ابن إسحاق 149.


الصفحة 302

 
أخائفة  للنائبات  موراً  (1)  iiكريماً      ثناه     لا     لئيماً     ولا    iiذربا
فيا   أخوينا   عبد   شمس   iiونوفلا      فإيّاكما   أن   تسعّرا   بيننا   iiحربا
وإن  تصبحوا  من  بعد  وُدٍّ  iiوإلفةٍ      أحابيش فيها كلّكم يشتكي iiالنكبا
ألم تعلموا ما كان في حربِ داحسٍ      ورهط  أبي يكسوم إذا ملأوا iiالشعبا
فوالله  لو  لا  الله  لا  شيء  iiغيره      لأصبحتم  لا تملكون لنا سِربا(ii(2

فهو يبدأ بمدح ابن أخيه الذي ينافح عنه وأنّه خيرُ مَن وطئ التربا ويختمها بالقسم لا باللاّت والعزّى ... التي يحلف بها أهل الجاهليّة وإنّما بالله تعالى، ثمّ ينزهّه أن يكون شيء غيره، فمثل أبي طالب يقال عنه مشرك؟! والذي يحمل معه الأزلام يوم «تبوك» فإذا ظهرت الروم قال: ويهٍ بني الأصفر مشجّعاً لهم، ذلك هو أبو سفيان.

واسمع أبا طالب كيف يشدّ من عزيمة ابن أخيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ليواصل مسيرته وأنّه يمنع عنه أعداءه ولن يصلوا إليه بأذى حتّى يهلك دونه، ومصرّحاً بأنّ دين محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله خير الأديان، فماذا بعد الهدى إلاّ الضلال؟! قال رضي‌الله‌عنه:

والله  لن  يصلوا  إليه  iiبجمعهم      حتّى  أُوَسّد  في  التراب iiدفينا!
إمضِ لأمركِ ما عليك غَضاضةٌ      وابشرْ  وقرَّ  بذاك  منك  عيونا
ودعوتني  وعلمتُ  أنّك iiناصحٌ      فلقد  صدقتَ وكنتَ قديماً أمينا

____________________

(1) أي: سريع الأجابة.

(2) سيرة ابن إسحاق 150.

 
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة