الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 266

فقال: ما كنتُ أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل! فإمّا أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم (1)، وإمّا أن يكونوا ليس هكذا.

فقال أبان بن عثمان: لا يمنعنا ما صنعوا أن نقول بالحقّ، هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا.

قال سليمان: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتّى أذكره لأمير المؤمنين، لعلّه يخالفه، فأمر بذلك الكتاب فخُرّق، وقال: أسأل أمير المؤمنين إذا رجعت، فإنْ يوافقه فما أيسر نسخه.

فرجع سليمان بن عبد الملك، فأخبر أباه بالذي كان من قول أبان، فقال عبد الملك: وما حاجتك أن تُقدِم بكتابٍ ليس لنا فيه فضل؟ تُعرّفُ أهلَ الشام اُموراً لا نُريد أن يعرفوها! قال سليمان: فلذلك أمرتُ بتخريق ما كنتُ نسخته حتّى أستطلع رأي أمير المؤمنين.

فصوّب رأيه (2).

فإذا كانوا لا يتحمّلون ذكر فضل الأنصار، فكيف يتحمّلون ذكر فضائل أهل البيت عليهم‌السلام، وسيّدهم أميرالمؤمنين عليه‌السلام؟!

واسمع ما روي عن خالد القسريّ - أحد ولاة بني اُميّة - وقد طلب من أحدهم أن يكتب له السيرة، فقال له الكاتب: فإنّه يمرّ بي الشيء من سيرة عليّ

____________________

(1) غمص عليه: عابه وطعنَ عليه. ومنه حديث تَوبة كعب «إلا مَغْمُوصٌ عليه النِّفاق» أي مَطْعون في دِينه مُتَّهم بالنِّفاق. ومغموص: محتقر، ليس بشيء. (النهاية 3: 386).

(2) مغازي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، لعروة بن الزبير 28، الموفّقيّات، لزبير بن بكّار 222 - 223.


الصفحة 267

ابن أبي طالب، أفأذكره؟

فقال خالد: لا، إلاّ أن تراه في قعر جهنّم (1)!!

ولذلك، لا نشكّ في أنّ السبب الأساسيّ لمنع تدوين الحديث هو هذا الهدف، لما حقّقناه من عدم وجود سبب صحيح آخر له، غيره.

مع التذكير مرّةً اُخرى، وربّما نُعيد التذكير! لخطورة الموقف وجسامته، بل والوقاحة التي أبداها الرجال بحقّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، لمّا طلب أن يقدّموا له قرطاساً وقلماً ليكتب لهم كتاباً لا يضلّوا بعده أبداً! فأنبرى عمر قائلاً: «كفى بكتاب الله» ومنع بشدّة، وتابعه آخرون، لم يكن فيهم عليٌّ عليه‌السلام. وكثُر اللَّغط حتّى طردهم رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وذكرنا في موضعه: أنّ طاعة رسول الله من طاعة الله تعالى بأمر الله وصريح القرآن الذي يدعو إليه عمر! ومخالفته مخالفة لله تعالى وردّ عليه!

وذكرنا هناك أنّ ردّ السنّة وإنكارها، ردّ للنبوّة وهدم لركن عظيم لولاه لما صدّقناه بالأركان الأخرى: التوحيد، والمعاد، وهي من وظائف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في التبليغ. والتلازم واضح بيّن بين المرسل والرسالة والرسول.

فإنّ ما ذهبنا إليه من أنّ السبب السياسيّ هو الحاكم في حسم مسألة المنع من الحديث، تتجلّى في ذلك الموقف العصيب «يوم الرزيّة»!

وأيّ عاقل لا يفسّر موقف الذين منعوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من كتابة الكتاب، بعد أن تكلّم فأوصى بكتاب الله تعالى، وعترته، وهو أمرٌ جرى منه صلى‌الله‌عليه‌وآله قبل هذا

____________________

(1) الأغاني 22: 25.


الصفحة 268

الوقت والموقف أكثر من مرّة؛ فلا يفسّره بأنّهم علموا أنّه يريد أن يؤكّد تلك الوصيّة في كتاب مكتوب تتداوله الأُمّة من بعده، فتفلت الزعامة وتضيع الأريكة! فكان ذلك الموقف، ثمّ تواصلت الحملة التي وجد فيها بنو أُميّة وشيعتهم ضالَّتهم وعبّروا بها عن أحقادهم الموروثة فلم يقفوا عند حدّ المنع من الحديث والمعاقبة عليه، وإنّما صاروا إلى أمر أدهى ذلك هو الوضع في الحديث!

فعمدوا إلى اختلاق أحاديث في الفضائل ما كان أصحابها ليرضوا بذلك لو كان في عهدهم! لعلمهم أنّ ذلك تنقيصاً لا تفضيلاً، ومدعاةً للسخرية والاستخفاف بهم. إلاّ أنّ معاوية وقد تربّع على «الأريكة»، قد جمع إليه رجالاً ممّن عُرفوا بانحرافهم عن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام وجعل لهم جعلاً يُرغبُ فيه. فكتبوا له ما يريد: من تعظيم الثلاثة وضمّوا إليهم كاتب الوحي وخال المؤمنين - كذا - معاوية، ووزّعوا الجنّة على هؤلاء و ...، ووضعوا قبال هذه ما يتنقّصون به أهل البيت عليهم‌السلام، حتّى بات الشاميّ لا يعرف مَن هو علي عليه‌السلام فمهّدوا لمـَن جاء بعد ليجد البيئة ناصبيّة ملتهبةً ...

 

الإسكافي يفضح أسباب الفُرقة عن عليٍّ عليه‌السلام

إنّ ابن تَيمِيه، بحكم تربيته البيئيّة وما اشتبكت عليها الأَعْصُرُ وضربتها الفِتَنُ بأجرانها..، فورث خلاصة ضلالها، وباءَ ببوائِقِ فِتَنِها، فهَمْلَج بمُوازنةٍ باطلة ومِعْيارٍ مُجْحِفٍ، إذ رمى الشّيعة الّذين سمّاهم: الرَّوافض، بالضَّلالِ، وهو أَوْلى بهِ! إذ وازَنَ بين عليٍّ وأهلِ بَيْتِه عليهم‌السلام، وبين معاوية وابنه يزيد، والحجّاج، والخوارج؛ وإنّ


الصفحة 269

الشّيعة لا تستطيع انْ تثبت ايمانَ أهل البيت، فضلاً عن عدالتهم، ما لم تثبت مثل ذلك لأولئك!! وقد جاء من رفع عقيرته بأقوالِ ابن تَيمِيه وتحمّس لها ونشرها بين الملأ؛ وظهرتْ جماعات شاكية السّلاح تنشر الرُّعب وتعيث فساداً وتنتقم ممّن لم يأخذ بمبادئ ابن تَيمِيه، وهذه الجماعات لها جذور تاريخيّة قذرة واُصول فاسدة في بيئة معقّدة لا تبعد عن بيئة ابن تَيمِيه!

وللإسكافي كلام جيّدٌ معَ مخالفي أمير المؤمنين عليه‌السلام، نذكر أكثره لما فيه من فائدة:

«باب سبب انحراف النّاس عن عليّ هو الحقد والضَّغينة، والعداوة الطّائفيّة، والحميّة الجاهليّة قال: ثمّ اعلموا - سلّمكم الله من الهلكة وأيّدكم بالاستقامة والصواب في المقالة - إنّ هذا باب قد كثر قولُ القائلين فيه وطالَ اختلافُهم وتشعَّبت أهواؤهم وتوغَّرتْ من أجله صُدورهم..؛ وذلك لأنّ أوّله كان على الضغن والعداوة والعصبيّة والحميّة، ولم يكن القول فيه على طريق الخطأ من أجلِ شُبْهةٍ دخلتْ أو لبس حدثَ؛ فاتّصلتْ أسبابُه على ذلك، وانشعبت فروعه على حسب ما ذكرناه من حدوث اُصوله، فزرعتْ في القلوب الهوى والمـَيْل، فتكلّم كلّ إنسان على قدر هواه ومَيْلِه وما سبق إلى قلبه فنصَر رأْيَه وناظَرَ في تقوية قوله: فتاهوا على طول الأيّام وألْفوا الخطأ والضَّلال، وتعدّى ذلك إلى العوامّ من النّساء والرِّجال، فعظُمَ فيه الخَطْب وكثر القِيل والقال وتوارثوا تلك الأضغان والأحقاد حتّى ظلَّ الرّاجع المبين لرُشْدِه مشتوماً قد نبذوه بالألقاب


الصفحة 270

ورموه بالبدعة والضَّلال!..» (1).

قال: وأمّا أهل الحشو (2) من أصحاب الحديث وسائر العوامّ وعندهم من التعسُّف في هذا الباب، والعناية به والانكماش فيه على قدر جهلهم بأوَّلِه وآخره وعلى حسب ما عندهم من قلّة المعرفة بالنظر والتمييز بين السُّنَّة والفريضة والشَّرع، إلى التقليد والقول بما دعت إليه ملوك بني أُميّة. وإنّ ملوك بني أميّة وإنْ كانتْ قدْ بادتْ، فإنّ عامّتها وشيعتها فينا اليوم ظاهرة متعلِّقة بما ورثوه من ملوكهم وأسلافهم الباغية.

فبلغَ من عنايتهم بخطئهم في هذا الباب أن أخذوا معلِّميهم بتعليمِ الصِّبيان في الكتاتيب لينشئوا عليه صغيرهم ولا يخرج من قلب كبيرهم وجعلوا لذلك رسالة يتدارسونها بينهم، ويكتب لهم مبتدأ الأئمّة: أبو بكر بن أبي قَحافة، وعمر ابن الخطّاب، وعثمان بن عفّان، ومعاوية بن أبي سفيان، حتّى أنّ أكثر العامّة منهم ما يعرف عليّ بنَ أبي طالب ولا نسَبَه، ولا يجري على لسان أحد منهم ذِكْرُه!

وممّا يؤكّد هذا ما يُؤْثَر عن محمّد بن الحنفيّة يوم الجَمَل، قال: حملتُ على رجُلٍ فلمّا غشيته برمحي، قال: انا على دين عمر بن أبي طالب!! قال: فعلمتُ أنّه يريد عليّاً! فأمسكتُ عنه (3).

____________________

(1) المعْيارث والمـُوازَنة، أبو جعفر الإسكافي محمّد بن عبد الله المعتزلي، المتوفّى سنة 240 هـ، صفحة: 17.

(2) الحشوية طائفة من المبتدعة.

(3) المعيار والموازنة 18 - 19.


الصفحة 271

قال: وممّا يدلّك على أنّ العامّة مخدوعة متحيّرة بفقدِ العلم، مغرورة في هذا الباب: أنّهم جميعاً يشهدون أن أبا بكر أفضلُ من عمر ويسندون تفضيل أبي بكر على عليّ إلى حديث عبد الله بن عمر فيقلِّدونه الخبر.

وقدْ جاءهم الإسناد في تفضيل عليّ وتقديمه على كافّة النّاس عن محمّد ابن أبي بكر، وسلمان، وعمّار بن ياسر، وما كان من شهرة قيامهم مع عليّ بن أبي طالب، فلم يلتفتوا إلى ذلك!

فإن كانوا مالوا إلى تصديق عبد الله بن عمر لأنّه أفضل وأعبد وأخيَر - وإنْ لم يكن عندنا على ذلك - فتقليدُ عليّ بن أبي طالب ومَنْ ذكرناه أَوْلى لأنّه خير من عبد الله بن عمر وأفضل، لا يشكّون في ذلك ولا يمترون. وإنْ كانوا مالوا إلى عبد الله بن عمر لأنّ أباه كان إماماً فاضلاً، فالمـَيْلُ إلى محمّد بن أبي بكر أَوْجبُ لتقديمهم لأبي بكر على عمر وتفضيلهم إيّاه عليه (1). ولا أجد لهم في ذلك علّة يوجبها التميّز والنظر غير ما ذكرنا من الخديعة وتقليد الخبر.

وأبْيَن من هذا في جهل الأنعام الضالّة والحُمر المـُستنفِرة: أنّ عائشة عندهم في أزواج صلى‌الله‌عليه‌وآله النبيّ صلّى الله عليه، أشهرُ وهي عندهم أعظم وأفضل من بنت أبي سفيان، وأكثر في الشهرة والمعرفة. فإذا ذكرَ أحدٌ معاويةَ بسوءٍ، غضبوا وأنكروا ولعنوا من ذكره بسوء، وعلّتهم أنّه خالُ المؤمنين! وإذا ذُكر محمّد بن أبي بكر

____________________

(1) نفسه. (ولو كان غير عليّ هو الأفضل لطهّره الله تعالى وزَوْجه وبنيه، وهي العصمة؛ ولباهل به وبزوجه وبولده ونصبهم آية؛ ولأنزله منزلة هارون من موسى والّتي اختصّ بها عليّ، ولنزل بولايته آية كما نزل في عليّ لمّا تصدّق بخاتمه، ولا كلام في سابقته ومؤاخاته ...


الصفحة 272

بسوءٍ رضوا وأمسكوا ومالوا مع ذاكره، وخؤولته ظاهرة بائنة.

وقد نفرت قلوبهم من عليّ بن أبي طالب لأنّه حارب معاوية وقاتله، وسكنت قلوبهم عند قتلِ عمّار ومحمّد بن أبي بكر، وله حُرمة الخؤولة، وهو أفضلُ من معاوية، وأبوه خيرٌ من أبي معاوية.

فتدبّروا فيما ذكرناه لتعلموا أنّ علّة القوم الخديعة والجهالة، وإلاّ فما بالهم لا يستنكرون قتْلَ محمّد بن أبي بكر، ولا يذكرون خؤولته للمؤمنين؟ قاتلهم الله أنّى يُؤفكون.

وقد مالوا عن إمامة عليّ بن أبي طالب وضعَّفوها، وبعضهم نفاها بما كان من خلاف عائشة وطلحة والزبير، وقعود ابن عمر ومحمّد بن مسلمة وأسامة بن زيد. وهؤلاء النّفر الذين أوجبوا الشكّ في عليّ عندهم وضعّفوا إمامته بقولهم؛ هم الذين طعنوا على عثمان وألبّوا عليه وذكروه بالتبديل والاستيثار، وأوّلهم بادرةً عليه عائشة كانت تُخرج إليه قميص رسول الله وهو على المنبر وتقول: يا عثمان هذا قميص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يَبْلُ وقد أبليتَ سنَّته. فو اللهِ ما قدح الشكّ في قلوبهم في عثمان بقولهم ولا قصّروا عن تفضيله وتقديمه بطعنهم ولا أثّر ذلك في صدورهم!

وعللهم في استنكارهم على عثمان مأثورة مذكورة مشهورة.

فلمّا قعدوا عن عليّ جعلتم قعودهم حجّة وطعنهم علّة في الشكّ والتنقيص وصرف الإمامة عنه، من غير أن يذكروا علّة تبديل ولا استيثار ولا تغيير أكثر من نكثهم وطعنهم.


الصفحة 273

وقد رويتم أنّ عثمان نفى أباذرّ، وقد عرفتم تقدّم أبي ذرّ وسابقته، وأقررتم ما صنع عثمان بابن مسعود و غير من أكابر أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ولا تجدون أحداً مدَّ عليّ بن أبي طالب إليه يده قبل أن يبدأه بالبغي والخلاف، ولا ذُكر عنه استيثار ولا خيانة ولا خطأ وجدوه عليه.

على أنّا نوجدكم لكلّ مَن ذكرتم معارضين في دعواهم مخطئين لهم في خلافهم وقعودهم.

أمّا عائشة فقد عارضتها أمّ سَلَمة بالخلاف عليها والتخطئة لها بحُججٍ أوردتها لم تستطع إنكارها.

وأمّا عبد الله بن عمر فقد عارضه عبد الله بن عبّاس وهو أكبر منه علماً وفضلاً. وأمّا طلحة والزبير فقد أقرّا بالبيعة، ونكثا وهما أوّل مَن بايع.

وأمّا محمّد بن مسلمة، فأكبرُ منه: سلمان.

فلِمَ مِلْتم مع مَن ذكرنا وقد عارضهم مَن وصفنا؟

وزاد عليهم سبعون بدريّاً وسبع مائة من المهاجرين والأنصار منهم المقداد ابن الأسود، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبو أيوب الأنصاريّ، وأبو الهيثم ابن التيّهان، وغيرهم من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وكيف تمّت بيعة أبي بكر عندكم بأبي عبيدة بن الجرّاح وعمر بن الخطّاب مع خلاف سعد [بن عُبادة] وامتناعة من البيعة، وخلاف الأنصار، وأبو بكر هو الساعي إليها والداعي لها؟! ولم تتمّ بيعةُ عليّ بن أبي طالب بالمهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإيمان وهم الطالبون له والمجتمعون عليه وليس له


الصفحة 274

نظيرٌ يشاكله ويعادله.

أفٍ لهذا من مقال! ما أبينَ تناقضه وأقلّ حياء الداين به! فخلافُ مَن لم يبايع أبا بكر حتى مات أكثر في تضعيف الإمامة من خلاف مَن نكث البيعة وادّعى بعد الإقرار.

فإن قلتم: إنّ الأنصار اتّفقت بعد خلافها، لا يمكّنكم ادّعاء ذلك في سعد بن عُبادة وما تروونه من قول سلمان.

ولا يمكنكم إنكار إقرار طلحة والزبير بالبيعة لأميرالمؤمنين عليه‌السلام ثمّ نكثهما بيعته بلا عذر مقبول في الدين بل ولا عند العقلاء المستقيمين ممّن لا يتديّن بدين. وإن كان رجوعهما عن بيعتهما يدلّ بزعمكم على خطائهما في بدأ الأمر.

وأكبرُ منه: بكاءُ عائشة وندامتُها، وتلهّف ابن عمر على ذلك، حتّى دعا ابن عمر ما استبان له من تقصيره إلى الغلوّ والإفراط في مبايعة الحجّاج بن يوسف، واعتلّ بأنّه سمع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «مَن مات ولا إمام له مات ميتةً جاهليّةً»! فهذا يدلّ على أنّه قد اعتقد إمامة عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام لأنّ مَن اعتقد إمامة الحجّاج، لم يذهب عن إمامة عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام. فما رأيتُ خطأ أعظم ولا تقصيراً أبَين من فعل ابن عمر المغفَّل. مع روايتكم عنه أنّه قال: ما آسي إلاّ على ثلاث: منها أنّي لم أكن قاتلتُ هذه الفئة الباغية (1).

____________________

(1) المعيار والموازنة 21 - 24. (لم نخرّج الأحاديث لاشتهارها وأيضاً تكلّمنا خصوصاً بشأن عائشة، ولكن نضيف هنا: أن بكاءها لعلّه بسبب خسارتها الحرب! وليس ذكرها بعض فضائل =


الصفحة 275

ذكر أصناف المخالفين والمعاندين للإمام عليّ عليه‌السلام

وفي مقالة أخرى للإسكافيّ، كشف فيها المستور من سياسة ملوك بني أميّة فقال: «قد علمتم أنّ أقوى الخطأ في هذا الباب - والذي أشكل على أهل النظر - من علماء المرجئة والمعتزلة، فبعضُهم قدّم أبا بكر على عليّ، وبعضُهم أمسكَ ودانَ بالوقفِ.

وأفضحُ من هذا خطأ! موازنةَ عليّ بطلحة والزبير، والوقوف عندهم، وهو ما تعلّقت به خاصّة العامّة.

وأعظمُ من هذا جهلاً وعمىً موازنة عليّ بمعاوية، وهو ما ذهب إليه بعضُ العامّة المتحيّرة وطغام الحشويّة البائنة.

فإذا بدأنا بالقول الأوّل وبينّا باطله، وأوضحنا خطأه وصح ما بعده وبان.

ولعليّ بن أبي طالب عند اختلاف الناس فيه مَثَلٌ من عيسى بن مريم عليه‌السلام، فاختلفت الأُمّة في عليّ أصنافاً، كما اختلفت أمّة عيسى عليه‌السلام فيه أصنافاً، وأفرط فيه قوم فعبدوه؛ وقصّر فيه قوم فشتموه وقذفوه.

فمنزلة النصارى في الإفراط، منزلة الروافض في الإفراط (1) ومنزلة المرجئة في النَّصْب في عليّ منزلة اليهود في التقصير وشتم عيسى ابن مريم عليهما‌السلام.

وفي ذلك ما يؤثر عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال لعليّ: «يهلك فيك رجلان: محبٌّ

____________________

= أهل البيت كافٍ فقد ذكرت أحاديث كاذبة بحقّ غيرهم! وأمّا ابن عمر فسيرته معروفة في عدائه لأهل البيت عليهم‌السلام!).

(1) مراده من الروافض هم القائلون بربوبيّة عليّ عليه‌السلام بقرينة تنزيل منزلتهم منزلة النصارى.


الصفحة 276

مفرط، ومبغض مفرط».

وأوّل ما يجب في هذا الباب من التنبيه على الحقّ قبل التلخيص والتفسير: أنّكم تعلمون أنّ بلدان النَّصْب والمقصّرين عن فضل عليّ بن أبي طالب الشام والري والبصرة.

وليعلم أنّ أموره تنكشف على طول الأيّام، وأنّ الحقّ يعلو عند النظر بما ترادف من قوارع الحجج، فيملّ الناس الجهل والتعصب والخطأ.

وأخرى أيضاً: أنك لم تر شيعيّاً قطّ رجع القهقرى بل يزداد في الإفراط، ويغلو في القول ولا يرجع إلى التقصير حتّى يصير بالإفراط رافضيّاً كبيراً!! ولذلك قال بعضُ الناس: أرني شيعيّاً صغيراً أريك رافضيّاً كبيراً. وعلّة ذلك: أنّه إذا قال بالتشيّع اتّسعت عليه الفضائل وكثرت المناقب وترِد عليه عند النظر من فضائل صاحبه، وتقدّمه دلائل تبهر وتلوح كالقمر الأزهر وكالنجوم المضيئة، فيضيق عليه المخرج، فلا يكون عنده من الورع والتوقّي ولطافة النَّظر والعِلم بالمخرج ما يمنعه من الغلوّ ويُقعده من الإفراط، فعندها ترفّض.

وأفرط قومٌ في بُغضه فلعنه وشتم وكفر.

وقال قومٌ بنبوّته. وقال آخرون فيه مثل مقالة النصارى في عيسى ابن مريم. ولا تجد أحداً قال ذلك في أبي بكر وعمر. بل قد نجد القائلين بتقديم أبي بكر وعمر قد يرجعون إلى ترك المذهب، ويميلون إلى الاعتقاد الحسَن والصواب في اعتقاد التشيّع.

ولسنا نجعل إفراط مَن أفرط وشتمَ مَن شتم حجّةً في تقديم عليّ بن أبي


الصفحة 277

طالب على أبي بكر وعمر، وإنّما جعلنا ذلك تنبيهاً قبلَ النظر لتعلموا أنّ التمييز والمعرفة في تقديمه يحثّان على الفحص والنظر، ولأنّ قوماً دعاهم التعصّب والحُمق إلى أن جعلوا إفراط مَن أفرط فيه، وخلاف من خالفه تنقُّصا لأبي الحسن صلوات الله عليه؛ فأريناهم أنّ ذلك في الفضل أولى من النقص، وعلى التقديم أدلّ منه على التقصير كما قلنا في عيسى ابن مريم.

وبلغ التوهّم إلى حدٍّ حتّى دعا قوماً إلى أن زعموا أنّ كثرة الخلاف عليه في عسكره وما حدث من نكث الناكثين عليه يدلّ على أنّه لم يكن له نفاذ في التدبير ولا كان معه من حسن التأليف ورجاحة السياسة ما كان مع غيره، على ما زعموا.

وهذا غاية ما يكون من التعدّي في القول والإفراط في ترك قلّة الإنصاف وذلك بأنّهم لم يوقفونا من سوء تدبيره وخطأ سياسته على أمر معروف ولا على حديث في ذلك مأثور ومشهور، وإنّما أرادوا أن يوجّهوا ذلك بالقياس قصداً منهم إلى نصرة الخطأ وميلاً إلى العصبيّة والحما.

وهيهات أن ينالوا في عليّ ما قصدوا إليه، ولو كان ما ذهبوا إليه صواباً قلنا: فارتدادُ العرب قاطبةً، واجتماعها على الردّة في أيّام أبي بكر أعظمُ وأدلُّ على الخطأ في الرأي، والغلط في السياسة، لأنّ الفتنة كانت أعظم في أيّامه وكذلك فتنتهم أيّام عثمان أشدّ، واختلافهم عليه أكبر وأجلّ؛ فما قلتم على عثمان أوجب ومن أبي حسن أبعد لأنّ الخلاف عليه كان هو سببه وعلّته وذلك مأثور مشهور في كتب العامّة، فكيف في كتب الخاصّة! وذلك لأنّ القوم خالفوه لما ظهر


الصفحة 278

من عواره وضعفه، ولما حدث عندهم من نهمته ودعوى من ادّعى عليه تبديل السنن واستيثار الفيء، وإيواء الطريد (1)، ورجوعه عن رأيه مرّة بعد مرّة، ومن شيء بعد شيء، وإخراج أبي ذرّ رضي‌الله‌عنه.

فهذا عليكم في عثمان قد وجب، وفي عليّ قد بطل، فالحمد لله على تعريفه بهت من كفر، وقمع من عاند.

ومتى اعتلَّ أهل الحيرة في تنقيص أبي حسن بما حدث في زمانه من الخلاف والفتن، فذلك عليهم في أبي بكر أوجب ولعثمان ألزم. ومتى صوّبوا رأي عثمان رأي في كفّه الحرب وخطّأوا عليّاً في إقدامه على القتال؛ لزمهم تخطئة أبي بكر في محاربته لمن منع الزكاة أن يلزموه الضلال والخطأ، إذ زعم أنّه يسفك الدماء ويقتل الأنفس من أجل عقال لو منعوه (2).

ومتى صوّبوا أبابكر في رأيه، خطّأوا عثمان في كفّه عن الدفع عن نفسه ودينه.

فأين المفرّ والمذهب وقد أحاطت بكم الحجج لو لا المعاندة والتعصّب!

وأبيَن من هذا أنّ أُسامة بن زيد لمّا سُئل عن علّة قعوده عن نصرة أميرالمؤمنين على أعدائه أنّه قال: حلفتُ أيّام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن لا أقاتل من قال: لا إله إلاّ الله. وذلك أنّه كان في سريّة في بعض محاربة المشركين فقتل رجلاً بعد أن قال:

____________________

(1) هو الحكم بن أبي العاص أبو مروان الذي كان يستهزئ برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

(2) أي أنّه قاتل القبائل التي رفضت خلافته ولم ترها شرعيّة وهي قبائل واسعة فمنعت إعطاءه الزكاة لذلك ... وقد تكلّمنا عن هذا الأمر فيما مضى من هذا الفصل، وفي وقعة الجمل - سيأتي -.


الصفحة 279

أشهد أن لا إله إلاّ الله. فقال رسول الله: قتلته وهو يشهد أن لا إله إلاّ الله، فعاهد أسامةُ رسولَ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن لا يقاتل أحداً يشهد الشهادتين.

فأخطأ أسامة في أوّل مرّة في الحكم في قتْل الكفرة، وغلط في حكم الله في محاربة أهل القبلة؛ لأنّ الكافر إنّما وجبت محارته لإنكاره الشهادة، وأهل الصلاة لم يجب قتالهم لإقرارهم وإنّما وجب قتالهم لبغيهم؛ فالحكم في أهل الصلاة أن يكفّ عن قتلهم إذا رجعوا عن بغيهم، وفاؤا إلى أمر ربّهم كما أنّ الحكم في أهل الكفر أن لا يقاتلوا إذا رجعوا عن كفرهم.

فلم يسلم أسامة من الخطأ في إقدامه ولم يُدرك الصواب في إمساكه، فغلط أسامة الضعيف في الحكمين جميعاً.

على أنّ هذا القول من أسامة يدلّ على تخطئة أبي بكر في رأيه، لأنّ أبا بكر قد رأى محاربة من أقرّ بالشهادة وصلّى القبلة.

والعجب أنّ الخلاف على أبي بكر كان في هذا الرأي أكثر، لأنّ عامّة أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أسندوا رأيهم في خلاف أبي بكر إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقالوا: سمعنا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها منعوا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله».

فكان هذا من قولهم أكبر في الخلاف، وأعظم في الشبهة ممّا رواه محمّد بن مسلمة أنّه سمع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: إذا رأيت فتنة فاتّخذ سيفاً من خشب واضرب


الصفحة 280

سيفك الحائط (1).

مع روايتكم الظاهرة أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ» (2).

فكيف تكون فتنة قائدها ودليلها عليّ بن أبي طالب؟!

وقول عليّ عليه‌السلام: «إنّه لَعهدُ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إليّ أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين» (3). وشهادة المهاجرين والأنصار له بما قال، وفيهم عمّار بن ياسر، وأبو أيّوب الأنصاري، وأهل الفضل والسابقة.

وإنّما قدّمنا هذه المقدّمة لتعلموا أنّ شأن مَن ذهبَ عن فضل أميرالمؤمنين ليس إلاّ المعاندة واتِّباع الهوى دون الحجّة (4).

 

دستور معاوية في سبّ أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام والبراءة منه

ذكر ابن أبي الحديد في ذلك، قال: إنّ معاوية، أمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسبّ عليّ عليه‌السلام والبراءة منه.

وخُطب بذلك على منابر الإسلام، وصار ذلك سنّة في أيّام بني أُميّة إلى أن قام عمر بن عبد العزيز رضي‌الله‌عنه فأزاله. وذكر شيخُنا أبو عثمان الجاحظ أنّ معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللّهمّ إنّ أبا تُراب أَلْحد في دينك، وصدّ عن

____________________

(1) قول هذا، مصداق قوله تعالى: (وَمِنْهُم مَن يَقُولُ ائْذَن لِي وَلاَ تَفْتِنّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنّ جَهَنّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ). (التوبة: 49)

(2) ذكرناه ومصادره في موضع آخر من كتابنا هذا.

(3) ذكرناه ومصادره فيما تقدّم من هذا الفضل وفي وقعة الجمل من كتابنا هذا.

(4) المعيار والموازنة 31 - 37.


الصفحة 281

سبيلك، فالْعنه لعناً وبيلاً، وعذّبه عذاباً أليماً.

وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يُشار بها على المنابر إلى خلافة عمر بن عبد العزيز (1).

وذكر المبرّد في «الكامل» أنّ خالد بن عبد الله القَسْريّ، لمّا كان أمير العراق في خلافة هشام، كان يلعن عليّاً عليه‌السلام على المِنْبر، فيقول: اللّهمّ الْعن عليّاً بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم، صهِر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على ابنته، وأبا الحسن والحسين!! ثمّ يُقبِل على النّاس فيقول: هل كَنَّيت (2)؟!

وروى أبو عثمان أيضاً أنّ قوماً من بني أُميّة قالوا لمعاوية: إنّك قد بلغتَ ما أمّلتَ، فلو كَففتَ عن لعنِ هذا الرجل! فقال: لا والله! حتّى يربوَ عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يَذكُر له ذاكرٌ فضلاً (3)!

وروى أهلُ السيرة أنّ الوليد بن عبد الملكك في خلافته ذكر عليّاً عليه‌السلام، فقال: لعنه «اللهِ» بالجرّ، كان لصّ بن لصّ.

فعجب الناس من لَحْنه فيما لا يلحن فيه أحد [إذ كان ينبغي أن يقول: اللهُ، بالرفع، لا بالجرّ كما فعل!]، ومن نسبته عليّاً عليه‌السلام إلى اللصوصيّة [وهذه لا تعليق لنا عليه] وقالوا: ما ندري أيّهما أعجب! وكان الوليد لحّاناً (4).

____________________

(1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 56 - 57.

(2) الكامل في الأدب، للمبرّد - طبع أوربّا - 414.

(3) شرح نهج البلاغة: 57.

(4) نفسه 58.


الصفحة 282

وأمر المغيرةُ الأعور الزنّاء - وهو يومئذ أمير الكوفة من قِبَل معاوية - حُجْرَ بن عَديّ أن يقوم في الناس، فيلعن عليّاً عليه‌السلام، فأبى ذلك، فتوعّده، فقام فقال: أيّها الناس، إنّ أميركم أمرني ان ألن عليّاً فالعنوه. فقال أهل الكوفة: لعنه الله! وأعاد الضمير إلى المغيرة بالنيّة والقصد (1).

وأراد زياد أن يعرِّض أهل الكوفة أجمعين على البراءة من عليّ عليه‌السلام ولعنه وأن يقتُلَ كلَّ من امتنع من ذلك، ويخرّب منزله، فضربه الله ذلك اليوم بالطّاعون، فمات - لا رحمه الله - بعد ثلاثة أيّام، وذلك في أيّام معاوية (2).

وكان الحجّاج لعنه الله، يلعنُ عليّاً عليه‌السلام، ويأمر بلعنه وقال له متعرِّض به يوماً وهو راكب: أيّها الأمير، إنّ أهلي عَقُّوني فسمّوْني عليّاً، فغيِّر اسمي، وصِلْني بما أتبلّغ به، فإنّي فقير. فقال: لِلُطف ما توصّلت به قد سمّيتُك كذا، ووليّتُك العمل الفلاني فاشْخَصْ إليه (3).

وأسماء المنحرفين عن أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام، والمغرقين في عدائه وعداء أهل بيته عليهم‌السلام وشيعته، وأفعالهم الشنيعة لا يستوعبها هذا البحث.

روى أبو الحسن المدائني في كتاب «الأحداث» قال: كتب معاوية نسخةً واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة - عام الصلح بين معاوية والإمام الحسن عليه‌السلام - (أنْ بَرِئت الذمّةُ ممّن ذكر شيئاً من فضل أبي تُراب وأهل بيته) فقامت الخطباء

____________________

(1) نفسه.

(2) شرح نهج البلاغة: 58.

(3) نفسه.


الصفحة 283

في كلّ كُورة، وعلى كلّ منْبر، يلعنون عليّاً ويبرءون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته؛ وكان أشدَّ الناس بلاء حينئذٍ أهل الكوفة، لكثرة مَنْ فيها من شيعة عليّ عليه‌السلام، فاستعمل عليهم زياد بن سُمَيّة، وضمّ إليه البصرة، فكان يتتبّع شيعة عليّ وهو بهم عارف؛ لأنّه كان منهم أيّام عليّ عليه‌السلام؛ فقتلهم تحت كلّ حَجَر ومَدَر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل، وسَمَل العيون وصَلَبهم على جذوع النّخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق؛ فلم يبق بها معروف منهم.

وكتب معاويةُ إلى عمّاله في جميع الآفاق: ألا يجيزوا لأحدٍ من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة. وكتب إليهم: ان انظروا مَن قبَلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته، والذين يرون فضائله ومناقبه؛ فأدنُوا مجالسَهم وقرّبوهم وأكرمُوهم، واكتبوا لي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته.

ففعلوا ذلك حتّى أكثروا من فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثُه إليهم معاوية من الصّلات والكِساء والحِباء والقطاع، ويفيضه في العرب والموالي منهم، فكثر ذلك في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من النّاس عاملاً من عمّال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ كتب اسمه وقرّبه وشفّعه. فلبثوا بذلك حيناً.

ثمّ كتب إلى عمّاله: أنّ الحديث في عثمان قد كَثُرَ وفَشَا في كلّ مصر وفي كلّ وجه وناحية؛ فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرّواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقضٍ له في الصحابة؛ فإنّ هذا أحبّ إليَّ وأقرُّ لعيني،


الصفحة 284

وأدحضُ لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدُّ إليهم من مناقب عثمان وفضله.

فقُرِئت كُتبه على الناس، فرُويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها! وجَدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وأُلقِيَ إلى معلّمي الكتاتيب، فعلّموا غلمانَهم وصبيانَهم من ذلك الكثير الواسع حتّى روَوه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتّى علّموه بناتهم ونساءَهم وخدَمهم وحشمَهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله. ثمّ كتب إلى عمّاله نسخةً واحدة إلى جميع البلدان: انظروا مَنْ قامت عليه البيّنة أنّه يُحب عليّاً وأهل بيته، فامحوه من الدّيوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه. وشَفَع ذلك بنسخة أخرى: مَن اتّهمتُموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به، واهدِموا داره.

فلم يكن البلاءُ أشدّ ولا أكثر منه بالعراق؛ ولا سيّما بالكوفة، حتّى أنّ الرجلَ من شيعة عليّ عليه‌السلام لَيأتيه مَنْ يثق به، فيدخل بيته، فيلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتُمَنّ عليه؛ فظهر حديث كثير موضوع، وبُهتانٌ منتشر! ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة؛ وكان أعظم الناس في ذلك بليّةً القرّاء المراءون، والمستضعَفون، الذين يُظهرون الخُشوع والنُّسُك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويصيبوا به الأموال والضِّياع والمنازل، حتّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان، فقبلوها ورَووها، وهم يظنّون أنّها حقّ، ولو علموا أنّها باطلة لَمَا رَووها ولا تديّنوا بها.

فلم يزل الأمر كذلك حتّى مات الحسن بن عليّ عليهما‌السلام، فازداد البلاء والفتنة،


الصفحة 285

فلم يبق أحدٌ من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه، أو طريدٌ في الأرض.

ثمّ تفاقم الأمر بعد قتل الحسين عليه‌السلام، وولّى عبد الملك بن مروان، فاشتدّ على الشيعة! وولّى عليهم الحجّاج بن يوسف، فتقرّب إليه أهلُ النُّسُك والصلاح والدين ببغض عليّ وموالاة أعدائه ...، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، وأكثروا من الغضّ من عليّ عليه‌السلام وعَيْبه والطعن فيه والشنآن له ...

وقد روى ابنُ عرفة المعروف بنفطويه، في تاريخه: إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتُعلت في أيّام بني أميّة، تقرُّباً إليهم بما يظنّون أنّهم يُرغمون به أنوف بني هاشم (1)!

 

مدرسة معاوية في وضع الحديث

جرى الكلام في المنع من الحديث والمعاقبة عليه، والتعلّل في ذلك بذريعة أن لا يختلط القرآن بشيء من غيره، وكان الموقف الصارم من الحديث في هتك حرمة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بحرق سيرته، وامتدّت أياديهم إلى القرآن فهتكوا حرمته بحرق المصاحف مع المزاعم التي ذكرناها في ضياع نصوص منه، وأنّ الآية الفلانيّة كانت على عهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كذا، وأضافوا إليها كلمات، وأخرى بلفظٍ آخر ...، ممّا ذكرناه. وفسّرنا ذلك بأنّه تمهيد لإقصاء أهل البيت عليهم‌السلام عن مراتبهم التي رتّبها القرآن الكريم ورتّبتها السنّة المطهّرة.

وذكرنا شيئاً ممّا فعله معاوية خاصّة وبنو أميّة وحاشيتهم مستفيدون من

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 11: 44 - 46.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة