الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 247

المسيّب ولا على ابنه وحفظي أنّه قرأ (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى) [ الأعلى: 6 ] (وَاذْكُر رّبّكَ إِذَا نَسِيتَ) [ الكهف: 24 ].

ذكره الحاكم (1).

العجب من سعد وهو صحابيّ يقرأها بما يوجب الكفر! ذلك أنّ قراءته توجب النسيان للهِ جلّ وعلا. فإذا ذُكّر بالقراءة الصحيحة والتي تعني أنّ الله تعالى سنسخ أو يُنسي ...، فهو فاعل سبحانه، غضب سعد وفحش على سعيد بن المسيّب وعلى أبي سعيد!!

وخلاصة القول: إنّ القرآن الصحيح هو القرآن الذي تركه رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مكتوباً مقيّداً بلسان الوحي ويشهد له قومٌ شهد القرآن بعصمتهم في آية التطهير؛ وفي آية المباهلة، فكان القرآن الكريم مُعْجزاً ببلاغته للثَّقلين وحتّى تقوم الساعة، وكانت تلك الوجوه الكريمة: عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم‌السلام معجزة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يومَ المباهلة، بهم غلب نصارى نَجْران وأثبته القرآن الكريم. فلهذا وغيره من الخصوصيّات، فهم أعرف بالوحي إذ هم أهله، وقد صرّحوا بذلك كابراً عن كابر. ولقد كان أمير المؤمنين عليه‌السلام يقول: «سلوني قبل أن تفقدوني ...» وما قالها غيره إلاّ افتُضِح! وكان يصرّح بأنّه يعرف كلّ آية في القرآن، وسبب نزولها وفيمَن نزلت، أفِي ليلٍ نزلت أم في نهار ...، وبعد هذا البيت الطّاهر تأتي طبقة واسعة ممّن لم تُحرّف ولم تُبدّل ومضت على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فتابعت أهل بيته ووفت ببيعته، فاستحقّت بذلك اسم الصحبة إذ الصحابيّ هو مَن عاش ومات

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 2: 264/ 952. قال في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم.


الصفحة 248

ولم يُبدّل. هؤلاء حفظوا القرآن كما أُنزل وقرأوه كما قرأه رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يزعموا انّ القرآن الكريم قد فُقد منه كثير كما زعم أولئك! والله تعالى قال: (إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (1)، والقولُ قولُ الله تعالى لا قول أولئك. كما أنّ أهل البيت عليهم‌السلام ومَن تبعهم لم يبدّلوا كلام الله كما فعل أولئك. وأخيراً لم ينسبوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قراءاتٍ شاذّة ومغلوطة كما فعل أولئك!

 

كذب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، في القراءة

لم يقف القوم عند حدود ما ذكرنا، وإنّما بلغت بهم الجرأة أن نسبوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قراءات مكذوبة!

عن ابن عمر: أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قرأ: (فطلّقوهنّ في قبل عدّتهنّ). والصحيح: (فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ) (2)، (3) الآية.

يونس بن بُكير، حدّثنا محمّد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «تفتح يأجوج ومأجوج كما قال الله عزّ وجلّ: (مِن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ) (4). قال ابن إسحاق: في قراءة عبد الله: «من كلّ جدث ينسلون» بالجيم والثاء مثل قوله (مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى

____________________

(1) الحِجر: 9.

(2) الطلاق: 1.

(3) المستدرك على الصحيحين 2: 275/ 2990، التلخيص.

(4) الأنبياء: 96.


الصفحة 249

‏رَبّهِمْ يَنسِلُونَ) (1)، وهي القبور (2).

ولكنّها في قراءة الوحي في الآية الأولى «حدّب» بالدال، وفي قراءته في الثانية بالثاء، فنتّبع الوحي لا الرجال لئلاّ نضلّ! أثمّة قياس إذ لها نظير في آية أُخرى فنُعرض عن الوحي فنبدّل ونقيس ...؟! والحمدُ لله أنّ ابن مسعود لم ينسب القراءة إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وكان موضع ذكر هذه فيما مضى فسهونا عنها «حتّى حين!».

عن شهر، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يقرأ: (يَا عِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعاً) (3) ولا يُبالي.

إنّ كلمتي «ولا يُبالي»، ليستا من الآية؟! وقد علّق عليه الحاكم قائلاً: هذا حديث غريب عال ولم أذكر في كتابي هذا عن شهر غير هذا الحديث الواحد (4).

عبد الرحمان بن غنم الأشعريّ، قال: سألتُ معاذَ بن جبل عن قول الحواريّين: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبّكَ) (5)، أو: هل تستطيع ربّك؟ فقال: أقرأني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله «هل تستطيع ربّك» بالتاء (6).

وعن هارون - قال عنه الذهبي «واهٍ» وفي مكان آخر «هالك» عن ابن

____________________

(1) يس: 51.

(2) المستدرك على الصحيحين 2: 268/ 2966، التلخيص.

(3) الزمر: 53.

(4) المستدرك على الصحيحين 2: 272/ 2982.

(5) المائدة: 112.

(6) المستدرك على الصحيحين 2: 260/ 2935، التلخيص.


الصفحة 250

عبّاس! أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقرأ: (وكان أمامهم ملكٌ يأخذُ كلَّ سفينةٍ صالحة غصباً) (1).

قال الحالكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرّجاه.

والآية فيها تغيير وزيادة، فحاشا ابن عبّاس أن يفتري على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

والآية: (وَكَانَ وَرَاءَهُم مّلِكٌ يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْباً) (2). فكما ترى قد غيّروا كلمة «وراءهم» إلى «أمامهم» وأضافوا إلى الآية كلمة «صالحة» ونسبوا ذلك إلى ابن عبّاس.

وعن حُصَين، عن عِكرمة، عن ابن عبّاس قال: لا أدري، كيف قرأ رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله «عتيّاً» أو «جثيّاً» فإنّهما جميعاً بالضمّ؟! (3)

أن يكون الخبر صادر من أولئك الجماعة فيهون الخطب! أمّا من مثل ابن عبّاس فبعيد! وإن كان على شرط الشيخين! فالبون شاسع بين اللفظتين في مخارج حروفهما أوّلاً، وثانياً: في المعاني التي تؤدّي إليهما كلتا الكلمتين، فإنّ من معاني جثا: قال شيئاً يُغضب غيره، وأيضاً جلس بين يدي ...؛ وغير ذلك. وأما عتى: فطغى وتمرّد وخرج على الطاعة ...، وليس مثل ابن عبّاس اللبيب النسّابة الحاذق مَن ينسى كيف قرأ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟!

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 2: 266/ 959.

(2) الكهف: 79.

(3) المستدرك على الصحيحين 2: 267/ 2962. وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وفي التلخيص: على شرط البخاري.


الصفحة 251

وعن ابن سيرين، عن أنس: أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قرأ: (أنْ تَكُونَ لَهُ أسْرَى) - بالتاء -. والصحيح: (أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) (1) - بالياء -. وحاشا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يشتبه في القراءة!

 

مروان يُشقّق القرآن

استنّ مروانُ بن الحَكَم بسنّةِ عثمان في عدوانه على القرآن. عن ابن شهاب، قال: حدّثني أنس قال: لمّا كان مروان أمير المدينة أرسلَ إلى حَفْصَة يسألها عن المصاحف ليمزّقها وخشي أن يُخالِف الكتابُ بعضُه بعضاً، فمنعَتْها إيّاه (2).

قال الزهري: فحدثني سالم قال: لما تُوُفِّيَت حفصة أرسل مروان إلى ابن عمر بعزيمةٍ ليُرسِلَنّ بها، فساعةَ رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها ابنُ عمر، فشَقّقها ومزَّقها مخافةَ أن يكون في شيء من ذلك خلافٌ لما نَسَخ عثمانُ (3)!

إشكالُنا ليس على شخص مروان! فهو غَنيٌّ عن الوصف. ولكن: كما قلنا في المـُمهّد «عثمان بن عفّان» الأُمويّ في فعله الشنيع في هتك حرمة القرآن لكريم تمزيقاً وحَرْقاً، والذريعة: مخافة أن يختلف الناس في القراءة. فما حجّة مروان وقد جمع سَلَفُه وشيخُه الناس على مصحفٍ واحد، وسبقه إلى فضيلة!

____________________

(1) الأنفال: 67.

(2) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1003، المصاحف، للسجستاني 25.

(3) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1003 - 1004.


الصفحة 252

حرق وتمزيق المصاحف.

وكان معاوية واحداً ممّن انتهت إليه «الأريكة» ليحكم بالهوى ويعطّل السنّة ويتجاوز أحكام القرآن الكريم، ومع ذلك فهو يلوذ باسم القرآن في تعطيل السنّة الشريفة.

 

معاوية يمنع الحديث

قال رجاء بن حَيْوَة (1): كان معاوية ينهى عن الحديث، يقول: لا تُحدِّثوا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (2).

وروى ابن عديّ، عن إسماعيل بن عبيد الله: أنّ معاوية نهى أن يُحدّث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بحديثٍ إلاّ حديث ذُكر على عهد عمر، فأقرّه عمر. إنّ عمر كان قد أخاف الناس في الحديث عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله (3). ورواه ابن عُليّة، عن رجاء بن أبي

____________________

(1) رجاء بن حَيْوَة الكنديّ الشاميّ. روى عن جابر بن عبد الله، وخالد بن يزيد بن معاوية، وعبد الله ابن عمرو بن العاص، وعبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، وأبي الدرداء ...

روى عنه: حُمَيْد الطَّويل، وأبو إسحاق السَّبيعيّ، ومحمّد بن عَجْلان، وقَتادة بن دِعامة ... قال ابن سعد: كان ثقةً فاضلاً كثيرَ العلم (طبقات ابن سعد 7: 454). وقال العجليّ: ثقة. (تاريخ أسماء الثقات 160/ 439). وذكره ابن معين فقال: ثقة (تاريخ ابن معين 2: 164).

توفّي رجاء بن حَيْوَة سنة اثنتي عشرة ومائة (تاريخ خليفة 343، وطبقاته 310 وطبقات ابن سعد).

(2) الفقيه والمتفقّه 1: 7.

(3) الكامل، لابن عدي 1: 33 و 1: 18.


الصفحة 253

سلمة أنّه قال: بلغني أنّ معاوية كان يقول ... (1).

وروى ابن عساكر: كان معاوية يقول على منبر دمشق: إيّاكم والأحاديث عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله) إلاّ حديثاً ذُكر على عهد عمر (2).

وعن عبد الله بن عامر اليَحْصبي، قال: سمعت معاوية يقول: إيّاكم وأحاديثَ، إلاّ حديثاً كان في عهد عمر، فإنّ عمر كان يُخيف الناس في الله عزّ وجلّ (3).

وكتب يزيد بن معاوية إلى أبيه: أنّ جُبَيْر بن نُفَير (4) قد نشر في مِصْري حديثاً، فقد تركوا القرآن.

فبعث معاوية إلى جبير، فجاءه، فقرأ عليه كتاب يزيد، فعرف بعضه وأنكر بعضه. فقال معاوية: لأضربنّك ضرباً أدعُك لمن بعدك نكالاً (5)!

تركنا التعليق على الروايات الواردة عن معاوية في منعه الحديث عن

____________________

(1) حجيّة السنّة 467.

(2) تاريخ دمشق 3: 160.

(3) صحيح مسلم 4: 127.

(4) قيل أسلم في حياة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يره وقدم المدينة فأدرك أبابكر (أسد الغابة 1: 324/ 700، طبقات ابن سعد 7: 306/ 3807، تاريخ الثقات، للعجلي 95 رقم 201، المعرفة والتاريخ 1: 328 و 336 ومواضع أخرى، حلية الأولياء 5: 133 - 138 رقم 315، سير أعلام النبلاء 4: 76/ 23، شذرات الذهب 1: 88، الوافي بالوفيات 11: 59، تاريخ الإسلام 5: 382، الجرح والتعديل 2: 512 رقم 2116، تاريخ خليفة 280؛ وقد أجمعوا على توثيقه.

(5) سير أعلام النبلاء 4: 77، تاريخ الإسلام 5: 382.


الصفحة 254

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فلفظها وعلّتها واحدة ومشتركة مع أسلافه! إلاّ أنّا لا نطيق قبل الرجوع لتحليل سبب الإصرار على المنع، دون أن نتكلّم عمّا جرى بين يزيد وجبير وأخيراً ذلك الوعيد الصارم والتهديد الواعد من معاوية لجُبير:

إنّ معاوية طليق ابن طليق ملعون هو وأبوه وأخوه يزيد بن أبي سفيان على لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، كما في حديث الراكب والسائق والقائد. ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله دعا إلى قتل معاوية إذا رأوه على منبره، وقد ذكرنا كلّ ذلك فيما مضى.

وأمّا الناقص «يزيد»، فلا يزيد على شرب الخمور والضرب بالطنبور وملاعبة الفهود والجمع بين الأختين وألوان الزندقة والفسق، وهو «يتهوّك» على «أريكته» معارضاً شطرَ الإسلام المـَمثّل بسنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ ومتعلّلاً أنّ النّاس قد «تركوا القرآن» وهي نفس مقولة القائل «يشتغلوا عن القرآن بغيره» أي بسنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ولمّا كان معاوية وابنه ليسا من أهل الإسلام، فلم يوجّه ابنه التوجيه الصحيح كأن يقول له: ادعو الناس وحثّهم على تعلّم القرآن وعلومه، وتعلّم سنن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وحفظ أحاديثه لأنّها مفسّرة للقرآن وفيها كثير ممّا ليس في كتاب الله المجيد.

إنّ «الملك!» المكترش، لم يعمل بهذا، وذهب بعيداً في طغيانه وقد غرّته «أريكته»، فتوعّد جُبَير بن نُفَير بالضرب الموجع الذي يجعله عبرةً لغيره فلا يقدم على فعله، ويحمله على الندم فلا يعيد ما فعل!!

ولا عجب هذا الكلام من مثل العاوية! فلقد دخل الإسلام بيتهم عام الفتح


الصفحة 255

وهم كارهون، وما حسن إسلامهم، فأبو سفيان الذي قاد قريش في حروبها ضدّ الإسلام، وقاد الأحزاب يهود أو مشركين ففشل ... ثمّ أدخل النبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الإسلامَ بيته كُرهاً؛ فإنّ أبا سفيان يومَ اليرموك إذا كانت الصَوْلة للمسلمين شجَعهم، وإذا كانت الصّوْلة للرّوم قال: وِيهاً بني الأَصفر، يشجّعهم!

وتعاقبت الأحداث، فخرج القاسط معاوية بخارجة الشام على سيّد الوصيّين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام، وقتل خيرة الصحابة والتابعين وسنّ سنّته المقيتة في لعن عليٍّ عليه‌السلام عقب كل صلاة مقابل سنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّ الصلاة لا تتمّ إلاّ بالصلاة عليه وعلى أهل بيته!!

قد يُقال: إنّ معاوية قد استنّ بأسلافه في منع الحديث ونحن نوافقه على ذلك، إلاّ أنّا ملزمين بالفحص عن السبب الذي لأجله شنّ أولئك الغارة على الحديث، وإن كنّا تحدّثنا ملخّصاً عن هذا الأمر الخطير وبحسب ما اقتضته الحاجة. وهذا يقتضي الكلام عن الأحاديث التي تمسّك بها المانعون، وأيضاً عن الجبهة الرافضة للمنع والتي واصلت مسيرتها في كتابة السنّة:

وقبل ذكر ذلك، نذكّر بما مضى من تعلّلهم بالخوفِ من اختلاط القرآن بغيره! وبذريعةٍ أُخرى هي الاكتفاء بالقرآن وعدم الاشتغال بغيره. وقد أبطلنا الذريعتين، فالقرآن معصوم قد تكفّل الله تعالى بحفظه، وهو معجزٌ في لفظه لا يرقى إليه كلام بشر. هذا بشأن الاختلاط، وأمّا بشأن الاستغناء بالقرآن عن السنّة فتكلّمنا عن ذلك بما فيه الكفاية، فالسنّة شارحة للقرآن ومفسّرة لها ومفصّلة لما فيه من أحكام، بل في السنّة ما ليس في القرآن الكريم، واِنّ إلغاء


الصفحة 256

السنّة بأيّ صورة إلغاءٌ للنبوّة! ووجدنا فيما سبق أنّ الحديث قد دُوّن زمن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأمر هو بتدوينه وتقييده.

ثمّة مسألة: إنّ استمرار الخلاف في أمر التدوين، وعدم خضوع المـُبيحين لإجراءات المنع، دليلٌ على أمرين:

1 - أنّ أحاديث النيه عن التدوين، ليست صحيحةً؛ وإلاّ لم يكن أكثر الصحابة والتابعين على خلاف المنع، بل فيهم مَن قام بتدوين الحديث وجمعه في الصحف.

2 - أنّ المنع، لم يكن شرعيّاً، بل كان رأياً ارتئاه المانعون، لأُمورٍ خاصّة ظهرت لهم، ولم يوافقهم عليها سائر الصحابة.

وإذا كان المنع على أساس ما يراه الصحابيّ مصلحةً، فإنّ للصحابة الآخرين حقّ الاعتراض عليه، فلا يكون ما يراه الصحابيّ حجّة على الصحابيّ الآخر، إلاّ إذا أقام له الدليل الشرعيّ المقنع، كما هو حال المجتهدين.

وبعد التأمّل العميق في ما يناسب أن يكون مصلحة للمنع من قبل المانعين، علمنا أنّ المصلحة إنّما كانت تدبيراً سياسيّاً من قِبل الخلفاء وخاصّةً في الصدر الأول بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. ويتّضح هذا ممّا أورده الخطيب البغداديّ، بسنده عن عبد الرحمان بن الأسود، عن أبيه، قال: جاء علقمة بكتاب من مكّة - أو اليمن - صحيفة فيها أحاديث، في أهل البيت - بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله -

فاستأذنّا على عبد الله، فدخلنا عليه، قال: فدفعنا إليه الصحيفة.

قال: فدعا الجاريةَ، ثمّ دعا بطست فيها ماء.


الصفحة 257

فقلنا له: يا أبا عبد الرحمان، انظر فيها، فإنّ فيها أحاديث حساناً فجعل يُميثها فيها، ويقول: (نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) (1).

القلوبُ أوعيةٌ، فأشغِلُوها بالقرآن، ولا تُشغلوها بما سواه (2).

وقبل الكلام في أصل الموضوع الذي لأجله أباد ابنُ مسعود الصحيفة، نذكّر بما قلناه: من أنّ ابن مسعود واحد من الذين خضعوا لدستور عمر في المنع من الحديث، قد محى من قبل صحيفةً أُحضرت إليه فيها «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر»، وهي كلماتٌ أتى بها القرآن الكريم، فلم يحترمها، فكيف إذا صار الأمر إلى خلاف سياسيّ؟!

إنّ الصحيفة المعرّضة للإبادة في هذه الرواية، واضحة المحتوى، فإنّ فيها أحاديث حساناً كما يقولُ علقمة.

كما أنّ موضوعها يرتبطُ بأهل البيت عليهم‌السلام، وكأنّ الراوي اعتنى بهذه المسألة، فاستعمل عطف البيان للتأكيد على المراد بأهل البيت، وليُلفت نظر عبد الله بن مسعود إلى أنّهم أهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله. لكنّ عبد الله لم يُعِرْ اهتماماً، وأباد الصحيفة.

وقبل الانتقال إلى إدانات أُخرى لابن مسعود! نبقى عندَ كلامه واحتجاجه بالقرآن الكريم على أولئك الذين أحضروا إليه الصحيفة وفيها أحاديث في أهل البيت عليهم‌السلام فمحاها، فنقول له: ماذا تقول في آية التطهير الظاهرة في العصمة، ولو لا السنّة لما علمنا أنّهم محمّد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأخوه عليّ، وبضعته فاطمة، وولداه

____________________

(1) يوسف: 3.

(2) تقييد العلم 54.


الصفحة 258

الحسن والحسين عليهم‌السلام.

وما قولُك في آية المباهلة، وفيمن نزلت؟ مَن كان نفس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يومئذ، هل كان غير عليّ عليه‌السلام؟! ومَن كانت نساءَه غير فاطمة عليها‌السلام؟ أو ليس الحسن والحسين أبناءه يومئذٍ؟ فكانوا معجزته التي قهر بهم وفد نصارى نجران وأعجزهم. من أين علمنا هذا يا ابن مسعود؟! أو ليس هذا أحسن القصص الذي احتججت به؟!

لكنّ عبد الله لم يُعِرْ اهتماماً، وأبادَ الصحيفةَ. والتبريرات التي ذكرت لمنع التدوين، لا يجري شيء منها هنا. فلا اختلاطَ لما في الصحيفة، بالقرآن. وليس فيها ما يعارضُ القرآن وينافيه. ولا فيها من خُرافات «مشناة» أهل الكتاب شيء.

كما أنّ الاشتغال بها لا يؤدّي إلى ترك القرآن، لأنّ مجرّد أحاديث في صحيفة، لا تُلهي عن القرآن.

ومع كلّ ذلك أباد عبدُ الله الصحيفة، محاولاً أن يُوهمَ أنّ القرآن يُغْني عمّا فيها! مع أنّه كان مخطئاً في فَرْضه أنّ الاشتغال بالحديث هو اشتغالٌ بما سوى القرآن، لأنّ الحديث لا ينفصل عن القرآن، بل هو يعضُدُه. ولو أمعنّا النظر في هذا الحديث، وجدنا أنّ محتواه هو الذي كان يضُرّ السلطة الحاكمة وينافي سياستها القائمة، لأنّ الأحاديث الواردة في أهل البيت عليهم‌السلام، إنّما تدلّ على فضلهم وتؤكّد على خلافتهم عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وتجعلهم قرناء للقرآن، ليكونوا هم وهو خليفتين له، من بعده. وهذا ما يعرفه ابن مسعود جيّداً، لما سنبيّن من علّته. وأمّا سائر أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، سواء في الأحكام والفرائض، أو الآداب والسنن، فهي


الصفحة 259

لا تَمَسُّ كيانَ السلطة بشيء.

ولذا لم يشملها المنعُ بنحوٍ شديد:

قال عمر: أقلّوا الرواية عن رسول الله، إلاّ فيما يُعمل به (1).

قال الدارميّ، في شرح منع عمر عن الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: معناهُ عندي الحديث عن أيّام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ليس السنن والفرائض (2).

وإن كانت أوامر المنع وإجراءاته عامّة، فلأنّ التدبير السياسيّ يقتضي منع الحديث بالعموم، حتّى يشمل الأحاديث المضرّة بالسياسة.

وإنّما لم يخصّ المنعُ بما دون غيره، فلأنّ تخصيصها بالمنع يؤدّي إلى وضوح الهدف من المنع، وانكشاف المصلحة الموضوعة له.

والإعلانُ عن تلك المصلحة غيرُ ممكن، لأنّه يوجّه الأنظار إليها بشكل أكثر تركيزاً، فيوجبُ نقضَ الغرضِ المترقّب من المنع، ويعكس المصلحة إلى مفسدة لا تُتدارك.

وإنّما خُصّ أهل البيت عليهم‌السلام بذلك:

لأنّهم كانوا يُعتبرون زعماء المعارضة السياسيّة الذين بقوا في الساحة، وكان المسلمون يتطلّعون فيهم الخلافةَ ويعتقدون لهم الإمامة.

وحجّتهم في ذلك الأعدادُ المتضافرة من الأحاديث النبويّة التي تبلغ اليوم،

____________________

(1) البداية والنهاية 8: 107.

(2) سنن الدارمي 1: 73 ح 286، جامع بيان العلم 2: 121.


الصفحة 260

رغْمَ بُعدِ الزمن، ورغم كلّ عمليّات المنع والإبادة والتحريف، تبلغ الآلاف (1).

فكيف بها تلك الأيّام، وهي تَمْثُلُ لرواتها من الصحابة، بمنازلها وأحداثها ومناسباتها وأسبابها؟ والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يزال حيًّا في الخواطر، يُحدّثهم بما لأهلِ بيته من فضلِ، وما لهم من منزلة؟!

ولا شكّ في أنّ كثيراً من تلك الأحاديث كانت تُشِيد بعليّ عليه‌السلام - زعيم أهل البيت - وتنصّ عليه بالولاية والإمامة ...

فلو كان مسموحاً للأُمّة أن يتداولوها، ويحدّثوا بها، ويكتبوها ويضبطوها، لارتسمت في الأذهان، وتعلّقت بالأفكار، وانعقدت عليها القلوب وبُنيت بها قواعد العقائد؛ فيكون لذلك تأثير سياسيّ عميق على نظام الحكم، بلا ريب. فكان المنعُ الرسميّ للحديث أفضلَ تدبيرٍ سياسيّ، للوقوف في وجه ذلك.

وإلاّ، فبربِّك! ماذا يعني أن يأتي عمرُ إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بأحاديث وقصص من أخٍ يهوديّ له من بني قُريظة، قد أعجبته! فيغضب رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وتحيط به الأنصار ثمّ يقول: «أمُتَهوّكونَ أنتم ...» أي في حال شكٍّ من نبوّتي؟! وقد ذكرناه.

ومضت سنون ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يُحدّث ويأمر بنقل حديثه تحديثاً وتقييداً كما ذكرنا وسنذكر، فأين كان المانعون عن مجلس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ليسمعوا ما سمعه غيرُهم؟!

هل شغلهم الصَّفْقُ بالأسواق كما قال عمر - مرّ بنا -، والانشغال بالمرآة والمكحلة، كما قال أبو هريرة لعائشة محتجّاً عليها لما أنكرت بعض الأحاديث

____________________

(1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديث 4: 73.


الصفحة 261

التي يرويها وقالت أنّها لم تسمعها.

ومرّ بنا حديث «الأريكة»، وفيه قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «يوشك رجل جالس على أريكته يقول: حسبُنا كتاب الله ...» منكراً صلى‌الله‌عليه‌وآله على صاحب الحكم من بعده، مانعاً لحديثه متذرّعاً لئلاّ يختلط القرآن بشيء غيره! وقلنا: كلّ كلام أيًّا كان مصدره، لا يرقى في بلاغته إلى بلاغة القرآن، والسنّة معضّدة للقرآن شارحة له وفيها ما ليس فيه، فهدمها هدم للنصف الأكبر من الإسلام! إذن: فالمصلحة المنشودةُ من هذا التدبير، هي: إخفاء الأحاديث النبويّة التي تدلّ على خلافة أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام وإمامة أهل البيت عليهم‌السلام بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وهذه المصلحة تحتوي على العناصر المطلوبة، التي ذكرناها:

1 - فهي خطِرةٌ للسلطة.

إذ لو نُشرتْ هذه الأحاديث واُذيعت، وتداولها الناس كما استقرّ الحكم، الذي اعتمد على أساليب أصدق ما يُقالُ فيها أنّها «فَلْتَةٌ» (1).

____________________

(1) وقد روى البخاري في صحيحه، كتاب المتحاربين، باب رجم الحبلى من الزنى، الحديث الوحيد في الباب - وهو طويل - من خطبة عمر يوم الجمعة وفيه قوله: بلغني أنّ قائلاً منكم يقول: (والله، لو مات عمر بايعتُ فلاناً) فلا يغترّن امرؤٌ أن يقول: (إنّما كانت بيعة أبي بكر فلْتةً وتمّتْ) ألا، وإنّها كانت كذلك، ولكنّ الله وقى شرّها.

وفي الحديث: مَن بايع رجلاً على [ أو: عن ] غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع [ أو: يتابع ] هو ولا الذي بايعه تغرّةً أن يُقتلا. =


الصفحة 262

فإذا تمكّن الإمام عليه‌السلام وأنصاره من إظهار النصوص الشرعيّة الكثيرة المسندة الدالّة بوضوح على أنّ عليّاً عليه‌السلام:

هو وليّ الأمر من بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وهو الذي جعله النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بمنزلة هارون من موسى، في كلّ شيء إلاّ النبوّة.

وهو الذي قال فيه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «مَن كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله».

فإذا ظهرت هذه النصوص للنّاس، لما بقي الوضع على قراره (1).

2 - إنّ هذا الإخفاء لم يُقبَلْ من قِبَل الإمام عليه‌السلام وأنصاره.

____________________

= صحيح البخاري - دار إحياء التراث العربيّ - 8: 210 - 211. وقال الخطابي، في حديث عمر: أنّه قال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلْتةً، وقى الله شرّها. وبهذا اللفظ، ورد في مصادر كثيرة هذا بعضها.

المصنّف، لعبد الرزّاق الصنعانيّ (5: 441 و 3: 355)، مسند أحمد 1: 56، السيرة النبويّة، لابن هشام 4: 308، تاريخ الطبري 3: 200 - 205، الملل والنِحَل، للشهرستاني 1: 30 - 31، الرياض النضرة 1: 232، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 23، الكامل في التاريخ 2: 326، النهاية 3: 175 و 467، تاريخ الخلفاء 51.

والفلتة: فسّرها أهل الغريب بالأمر الفُجائي يحدث من غير رويّة ولا إحكام. انظر الفائق، للزمخشري 3: 139، وغريب الحديث، لأبي عبيد 2: 231 و 3: 356، والنهاية، لابن الأثير.

والإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام يقول عن بيعة الناس له: إنّ هذه بيعةٌ عامّةٌ مَن ردّها رغب عن الإسلام، وإنّها لم تكن فلتةً (الأخبار الطوال 140). وفي الخطبة (136) من نهج البلاغة قوله عليه‌السلام: لم تكن بيعتُكم إيّاي فلتةً.

(1) تكلّمنا عن هذه الأحاديث وخرّدنا مصادرها في فصول قادمة.


الصفحة 263

بل تزعَم الإمامُ القولَ بإباحة التدوين، ولم ينصَعْ هو وأنصاره لأوامر المنع من التدوين، ولا منع نقل الحديث - كما سيأتي - فقاوموا ذلك بكلّ صلابة.

3 - إنّ تلك الأحاديث فيها الكثير ممّا قرَنَ فيه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بينَ عليّ وأهل بيته، وبين القرآن.

كما في حديث: «عليٌّ مع القرآن، والقرآنُ مع عليّ» (1).

وحديث الثقلين، الذي فيه: «إنّي مخلّفٌ فيكم الثقلين: كتابَ الله، وعترتي أهلَ بيتي» (2).

4 - إنّ الإخفاء قد أثّرَ أثره العميق في الأمّة في صدر القرن الأوّل وامتداد المنع الرسميّ إلى نهاية القرن الأوّل كان كافياً لطمس معالم تلك الأحاديث بشكل كافٍ، فلذلك لم يعد لإظهارها بعد ذلك أيّ أثر معاكس على السلطات؛ فلذلك رُفع المنع المذكور.

إنّ وجود هذه العناصر في هذه المصلحة، وعدم تصوّر مصلحة أخرى، تؤكّد صحّة أن يكون السبب الأساس لمنع تدوين الحديث هو هذا التدبير السياسيّ.

وللمعلمي - من كبار علماء العامّة المعاصرين - تعليق على مرسَل ابن أبي مليكة، المحتوي على منع أبي بكر للناس عن الحديث بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقال:

____________________

(1) ذكرناهما مع مصادرهما في فصول قادمة.

(2) ذكرناهما مع مصادرهما في فصول قادمة.


الصفحة 264

«إنْ كان لمـُرسَل ابن أبي مليكة أصلٌ، فكونُه عقب الوفاة النبويّة يُشعر بأنّه يتعلّق بأمر (الخلافة).

كأنّ الناسَ عقبَ البيعة بقوا يختلفون، يقولُ أحدُهم: أبو بكر أهلُها، لأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «كيت وكيت» فيقول آخر: وفلان! قد قال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: «كيت وكيت».

فأحبّ أبوبكر صرفهم عن الخوض في ذلك، وتوجيههم إلى القرآن (1).

ولذا لا نستبعد أنّه كان يتخوّف من اشتهار أحاديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في فضل عليّ عليه‌السلام وأبنائه عليهم‌السلام.

ويوضّح هذا الهدف ما رواه عروة بن الزبير (ت 94 هـ)، بسنده عن عبد الرحمان بن يزيد، قال: قدم علينا سليمان بن عبد الملك حاجّاً، سنة (82)، وهو وليّ عهد، فمرّ بالمدينة، فدخل عليه الناس، فسلّموا عليه، وركب إلى مشاهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، التي صلّى فيها، وحيث اُصيب أصحابه باُحُد، ومعه أبان بن عثمان، وعمرو بن عثمان، وأبوبكر بن عبد الله، فأتَوا به قُباء، ومسجد الفضيخ، ومشربة اُمّ إبراهيم، وكلّ ذلك يسألهم؟ ويُخبرونه عمّا كان.

ثمّ أمر أبان بن عثمان أن يكتب له سِيَر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ومغازيه.

فقال أبان: هي عندي، قد أخذتها مصحّحةً، ممّن أثِقُ به. فأمر بنسخها، وألقى بها إلى عشرة من الكُتّاب، فكتبوها في رَقٍّ، فلمّا صارت إليه، نظر، فإذا فيها ذِكرُ الأنصار في العقبتين، وذكر الأنصار في بَدْرٍ.

____________________

(1) الأنوار الكاشفة 54.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة