الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 226

«إنّ الله بعث محمّداً وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وعُلِّمناها ووعيناها، ورجَمَ رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ورَجَمْنا بعده، فأخشى إن طالَ بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجِدُ الرجم في كتاب الله، فيضِلّوا بترك فريضة أنزلها الله ...؛ ثمّ إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: «لا تَرْغَبُوا عن آبائِكمْ فإنّه كفْرٌ بِكمْ أن ترغبوا عن آبائكم» (1).

وعن المِسْوَر بن مَخْرَمة، قال: لقي عمرُ بن الخطّاب عبد الرّحمان بن عَوْف، فقال: أليس كنّا نقرأ: «قاتلوهم في آخر الأمر كما قاتلتموهم في أوّل الأمر؟!». قال: بلى، ذلك إذا كان الأمراء بني أُميّة والوزراء بني مخزوم (2).

وعن أُبَيّ بن كعب أنّه كان يقرأ (إِذْ جَعَلَ الّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلوبِهِمُ الْحَمِيّةَ حَمِيّةَ الْجَاهِلِيّةِ - ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام؟! - فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى‏ رَسُولِهِ) (3) الآية.

فبلغ عمر، فاشتدّ عليه، فبعث إليه وهو يهنأ ناقة له فدخل عليه فدعا ناساً من أصحابه فيهم زيد بن ثابت فقال: مَن يقرأ منكم سورة الفتح، فقرأ زيد قراءتنا اليوم فغلظ له عمر؟!

فقال له أُبَيّ: أأتكلّم؟ فقال: تكلّم. فقال: لقد علمتَ أنّي كنتُ أُدخل على النبيّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله) ويُقرئني وأنتم بالباب، فإن أحببتَ أن أقرئ الناس على ما أقرأني

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 4: 308.

(2) الغارات 2: 572.

(3) الفتح: 26.


الصفحة 227

أقرأتُ وإلاّ لم أُقرئ حرفاً ما حييت. قال: بل أقرئ الناس (1)!

وقفة تأمّل: لم نعلّق على الآيات المزعومات السابقات. أمّا هنا فإنّ أُبَيّ لما افترى على كتاب الله العزيز فأضاف سبع كلمات إلى الآية، وبلغ ذلك عمر ابن الخطّاب، غضب ودعا ناساً فيهم زيد بن ثابت، فلمّا قرأها زيد على النحو الصحيح، غضب عمرُ على زيد!!

فلم يسلم من غضب عمر، لا أبَيّ، ولا زيد، مع الفارق الكبير بينهما! إلاّ أنّ المفارقة الأكبر حينما تحدّى أُبَيُّ عمرَ بن الخطّاب، فرجع عمر وأجاز قراءة أُبَيّ!!

ابن مسعود: تعرّفنا على منهج عبد الله بن مسعود المتشدّد في منع الحديث وبخاصّة الحديث الذي فيه فضيلة من فضائل أهل البيت عليهم‌السلام. وأمّا منهجه مع القرآن الكريم وقرّاءه فغريبٌ للغاية!

ابن مسعود يحذف المعوّذتين: ذكر ابن شبّة (ت 262 هـ) بسنده، قال: حدّثنا أبو عاصم قال: حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمان بن يزيد قال: رأيتُ ابن مسعود يَحُكّ المعوّذتين من المصحف، ويقول: لا يحلّ قراءة ما ليس منه (2).

وأيضاً ابن شبّة: حدّثنا عبد الأَعلى قال: حدّثنا هشام، عن محمّد: أنّ أُبَيّ ابن كعب كتبهنّ في مصحفه خَمْسَهُنّ، أُمّ الكتاب، والمعوّذتين، والسورتين

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 2: 289/ 2891. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه. قال في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم.

(2) تاريخ المدينة المنوّرة، لابن شبّة 3: 1010 - 1011.


الصفحة 228

(ظاهراً: قل هو الله أحد، وقل يا أيّها الكافرون)، وكتب ابنُ عفّان فاتحة الكتاب، والمعوّذتين، وترك السّورَتَيْن (1).

وبسند عن ابن كعب بن عجرة، عن أبيه، عن جدّه قال: كنتُ عند عمر بن الخطّاب، فقرأ رجلٌ من سورة يوسف «عَتَّا حين» فقال عمر: مَن أقرأك هكذا؟ قال: ابن مسعود. فكتب عمر إلى ابن مسعود: أما بعد، فإنّ الله أنزل هذا القرآن بلسان قريش، وجعله بلسانٍ عربيٍّ مُبِين، فأقْرِئِ الناسَ بلغةِ قريش ولا تُقرئهم بلغة هُذيل والسلام (2).

قد يُقال: لا نغفر لابن مسعود حذفه خمس سور، أو ثلاثاً، أو سورتين من القرآن، مع إعلانه تكفير من قرأ شيئاً ممّا حذف!! وأمّا «عتّى حِين»، فهي قراءة لهجيّة خاصّة بهُذَيْل، وابن مسعود من هُذَيْل؛ إلاّ أنّ ذلك لا يشفع له وإنّما الواجب عليه أن ينتقل من لهجته الخاصّة إلى اللسان الذي نزل به الوحي «عليه‌السلام»، شأنه في ذلك شأن المعلّم المقتدر دائماً، فكيف بعامّة الناس وتعدّد القراءات ممّا يجعل كلاًّ يتمسّك بقراءته وربّما كفّر بعضهم الآخر بذلك، وقد حصل وسنرى!

وإذا قال قائل: إنّ قراءة ابن مسعود لا بأس بها ولا تضرّ لأنّها مجرّد قراءة من القراءات؛ وجوابنا موجزاً: شتّان بين عتّى، التي هي من العُتوّ، الظاهرة في الطغيان والإصرار على المعاصي والمروق عن أمر الله تعالى، وأمثال ذلك. وأمّا: حتّى، فهي تأتي حرفاً جارًّا يدلّ على الانتهاء أو تأتي حرف عطف بمعنى الواو،

____________________

(1) نفسه 3: 1009.

(2) نفسه: 1010.


الصفحة 229

أو حرف ابتداء.

فالأنسب للآية هو المـُثبت في لفظ الوحي المبين، لا في لفظ عبد الله بن مسعود، وهو (حَتّى‏ حِينٍ) (1).

 

أحبّ السُّوَر إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

وجدنا عبد الله بن مسعود يناضل شديداً في إنكار أن تكون المعوّذتان من القرآن، ويكفّر من يقول إنّهما منه! بل ويُنكر سُوَراً أُخرى؛ فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يؤكّد على عظمة المعوّذتين، حتّى أنّه لمّا سُئِل عن سُوَرٍ أُخرى، صرف الكلام إلى المعوّذتين وبيّن حبّه لهما، وكأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أُنبأ بما سيكون من بعض الصحابة من العدوان على القرآن، فكما حصّن السنّة، كذلك حصّن القرآن الذي تكفّل الله تعالى أن تمتد إليه يدُ عابث في التحدّي البلاغيّ، إلاّ أنّهم قدّموا وأخّروا في سوره - كما سنرى - وكذبوا في إنكار سور، وأدخلوا كلماتٍ في مصاحفهم ذهبت مع ذهابهم وحفظ الله تعالى كتابه، وهو العزيز القدير.

ابنُ شبّة: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن قيس، عن عُقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: أُنزل عليَّ آيات لم ترَ مثلهنّ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ) إلى آخر السورة، و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ) إلى آخر السورة (2).

وأخرج بسندٍ آخر عن أبي عمران عن عُقبة بن عامر، قال: تعلّقتُ بقدمِ

____________________

(1) يوسف: 35.

(2) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1011.


الصفحة 230

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقلتُ: يا رسولَ الله أقْرِئْني سورة هود، وسورة يوسف. فقال: يا عُقبة إنّك لَنْ تقرأ سورةً هي أحبُّ إلى الله وأبلغ عنده من (قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ) (1).

قال: حدّثنا أحمد بن عيسى قال: حدّثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرنا خيرةُ بإسناده؛ مثله - أي مثل الذي قبله - قال: وكان أبو عمران لا يتركها: لا يزال يقرأُها في صلاة المغرب (2).

وبسندٍ آخر عن عُقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله:

«أُعلّمك يا عُقبة سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس. قال: فاقرأ: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ) فلمّا أُقيمت الصلاة تقدّم فقرأ بهما، فلمّا سلّم مرّ بي فقال: كيف رأيت يا علقمة، اقرأ بهما كلّما نِمْتَ وقَمْتَ (3).

وبسندٍ عن عُقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: ألاَ أُعلّمك سُوَراً ما أنزل في التوراة، ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلهنّ؟ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ) و (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ) (4).

وبسندٍ عن ابن عبّاس الجهنيّ، قال: قال لي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: يا ابن عبّاس ألا أدلّك ما أفضل ما يتعوّذُ به المـُتعوّذُون؟» قال: بلى يا رسول الله. قال: (قُلْ أَعُوذُ

____________________

(1) نفسه.

(2) نفسه.

(3) نفسه: 1012.

(4) نفسه: 1012 - 1013.


الصفحة 231

بِرَبّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ) هاتين السورتين (1).

هذا هو شأن السُّوَر القرآنية وعظمتها، وكلّ ما في القرآن عظيم، فهو نظمٌ واحد من لدُن مصدر مهيمن عظيم واحد هو الله تعالى، تحدّى ببلاغة كلّه الثَّقلين كلَّهم أن يأتوا بمثله، فعجزوا؛ فتحدّاهم أُخرى أن يأتوا بعشر سُوَرٍ مفتريات، فبُهتوا، وأخيراً تحدّاهم أن يأتوا بسُورةٍ واحدة من مثله: سواء من مثل سورة الإخلاص (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ)، أو سورة الفلق (قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ) أو سورة الناس (قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ)؛ وهي وغيرها سُوَرٌ حذفها عبد الله بن مسعود من مصحفه وحرّم على مَن يجعل المعوّذتين من القرآن، كما مرّ ذكره.

وبذا بطلت مقولة ترك الحديث لئلاّ ينشغل النّاس عن القرآن بغيره، ولئلاّ يدخل القرآن ما ليس منه ...، وهي أمور تحمّس لها عمر، وعاقب عليها جماة فصاروا أشدّ حماساً منهم: عبد الله بن مسعود، وعثمان بن عفّان، وجماعة نذكرهم. وأمّا معاوية! فلقد وجد في سياسة مَن سَلَفه فرصة لأَن يطلب بثارات الجاهليّة وأيّام بَدر وأُحد وحنين وغيرها.

وإذا أعجلتنا المواقف للكلام بشأن عبد الله بن مسعود، وبخاصّة بشأن القراءة، فبماذا يُجيبنا  ابن أُمّ عبد عن قوله:

«أقرأني رسولُ الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله): (إنّي أنا الرزّاقُ ذو القوّة المتين) [الذاريات: 58]. فهل هذه قراءة هُذَيل لتكون محلّ نقاش وحوار؛ مع رفض التعدّد في القراءة وبخاصّة الشاذّة كما مرّ. فكيف بنا وابن مسعود قد غير نصَّ ثلاثِ كلماتٍ من

____________________

(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1013.


الصفحة 232

الآية؟!

وهذا هو نصّها في المصحف المتداول بين المسلمين: (إِنّ اللّهَ هُوَ الرّزّاقُ ذُو الْقُوّةِ الْمَتِينُ) (1)،(2).

ويعترض طريقنا في البحث: أكان ابن مسعود معذوراً ...؟!

والجواب: لا! والدليل عليه تقريع عمر الشديد له وقد مرّ بنا، وكان ذلك في اللهجة. وهنا فقد تجرّأ فغيّر ثلاث كلمات في آية واحدة وليس ثَمّة أثر للّهجة في ذلك، وإنّما كان عامداً! فإنّ الذي يحذف سُوَراً كاملةً ويكفّر مَن يقرأها، جدير به أن يغيّر في آيةٍ، بل آيات. وإنّ نظرته الاستعلائيّة لنفسه على حساب الصحابة، وثأره من زيد بن ثابت لما أوكلت إليه مهمّة نسخ المصحف عوضاً عن بن مسعود أثارت الثاني، فجعلته يصرّح بأنّه غَلّ في المصحف، ودعا الآخرين أن يغلّوا؟!

 

ثورة ابن مسعود على زيد

عن الزهريّ، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله: أنّ ابن مسعود كَرِه أن وَلِي زيدُ نسخَ كتاب المصاحف، وقال: أي مَعْشر المسلمين أأعْزَل عن نسخ كتاب المصاحف فيوُلاّها رجلٌ، والله لقد أسلمتُ وإنّه لَفي صُلْب رجلٍ كافر! وعند ذلك قال عبد الله: يا أهل العراق غُلّوا المصاحف والقوا الله بها ...، وإنّي غالٌّ مصحفي،

____________________

(1) الذاريات: 58.

(2) المستدرك على الصحيحين 2: 255/2919 ولم يصحّحه، ولم يذكره الذهبيّ في التلخيص.


الصفحة 233

فمَن استطاع أن يَغُلّ مصحفه فليفعل (1).

صحابي! تُؤخذ منه وظيفة نسخ المصحف وتوكل إلى آخر؛ فتحمله سَوْرة غضبه أن يكلّم جمهور المسلمين عن هذه المصيبة العظمى مذكّراً بسابقته إلى الإسلام، فيما زيد ما زال في صلب أبيه الكافر!! متغافلاً عن «الإسلام يجبّ ما كان قبله» وابن مسعود نفسه لم يكن مسلماً ثمّ هداه الله تعالى فدخل الإسلام.

وإذا حمله انفعاله النفسيّ أن يشنّ حرباً كلاميّة على زيد بن ثابت فكيف ساغ له أن يدعو إلى الغلّ في المصحف، والغِلّ الخيانة في كلّ شيء.

«وبسندٍ عن حمزة بن عبد الله قال: بلغني أنّه قيل لعبد الله بن مسعود: ما لكَ لا تقرأ على قراءة فلان؟ فقال: لقد قرأتُ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سبعين سورة فقال لي لقدْ أحسنت، وإنّ الذي يسألون أن أقرأ على قِراءته في صَلْب رَجْلٍ كافرٍ (2).

الحِماني، قال: حدّثنا شريك، عن ابن إسحاق، عن أبي الأسود، قال: قيل لعبد الله: ألا تقرأ على قراءة زيد؟ قال: ما لي ولزيد ولقراءة زيد؛ لقد أخذتُ من في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سبعين سورة، وإنّ زيد بن ثابت لَيهوديٌّ له ذؤَابتان (3).

إنّ ابن مسعود، كان يرى في نفسه أنّه أعلمـُ الصّحابة بكتاب الله؛ ولا ندري

____________________

(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1005.

(2) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1006.

(3) نفسه: 1008. وانظر مسند أحمد 1: 389، 411، الاستيعاب 1: 373، شرح نهج البلاغة 3: 45 (من غير لفظ يهودي).


الصفحة 234

لعلّ مَردّ ذلك إلى ما رواه عمر بن الخطّاب بأنْ يأخذوا القرآن بقراءة ابن أُمِّ عبد - أي ابن مسعود -؟!

بسندٍ عن شقيق بن وائل قال: لمّا شَقّ عثمان المصاحفَ بلغَ ذلك عبد الله بن مسعود فقال: قد عَلِم أصحابُ محمّد أنّي أعلمـُهم بكتابِ الله، وما أنا بخَيْرِهم، ولو أعلمـُ أحداً أعلمـَ بكتابِ الله منّي تُبَلّغُنيه الإبلُ لأتَيْتُه (1).

هذه نظرة ابن مسعود الاستعلائيّة لنفسه، وتلك نظرته التحقيريّة لزيد. وقد علمنا من حال ابن مسعود ومصحفه ما لا حاجة لإعادة ذكره. كما ذكرنا حديث الغُلول، ونذكره هنا بصورة أُخرى:

بسندٍ عن حِمْيَر بن مالك، قال: لمّا أُمِرَ بالمصاحفِ أن تَغَيَّر ساء ذلك عبد الله بن مسعود فقال: مَن استطاع منكم أن يَغُلّ مصحفاً فليَفْعل؛ فإن من غلّ شيئاً جاء بما غَلّ يومَ القيامة، ثمّ قال: لقد قرأتُ القرآن من في رسول الله سبعين سورة، وزيد صبيّ، أفَأتركُ ما أخذتُ من في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (2)؟!

عجب ثمّ عجب لابن مسعود وهو يروي هذا الكلام! وقد غلّ في مصحفه فكتب بلهجة هذيل وليس بلفظ الوحي، وغيّر ثلاث كلمات في آية واحدة - مرّ بنا - وحذف من مصحفه سوراً كاملةً!!

وبسندٍ عن توبة بن أبي فاختة، عن أبيه قال ك بعث عثمان إلى عبد الله أن يدفع المصحف إليه. قال: ولِمَ؟ قال: لأنّه كتب القرآن على حَرْفِ زيدٍ. قال: أمَا

____________________

(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1007.

(2) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1006.


الصفحة 235

أن أُعطِيَه المصحف فلن أُعطِيَكُمُوه؛ ومن استطاع أن يغُلّ شيئاً فليفعل، والله لقد قرأتُ من في رسول الله صلى الله عليه (وآله) سبعين سورة، وإن زيداً لذو ذؤابتين يلعب بالمدينة (1).

إن صدق ابن مسعود فيما ادّعاه، أفلم يكن حريّاً به أن يُعطيهم المصحف الذي سمعه من في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ليطابقوه مع ما عندهم من مصحف، أم أنّ روح الأنانيّة استحوذت عليه؛ أم روح الاستعلاء التي أشرنا إليها منه قبل، أم النقصان والتلاعب بألفاظ القرآن جعلته في خشية من أن يطاله الحساب؟! وهو مع ذلك يتّهم الآخرين بالغلّ؟!

فإذا أعرضنا عن الحديث، وأخذنا بالقراءات الشاذّة التي سنذكر بعضاً آخر منها، وقرأنا الآيات مع إدخال ابن مسعود وتبديله بعض الكلمات ووقفنا مع المشكّكين القائلين بسقط الكثير منه - معاذ الله! -؛ تركنا إسلامنا الأصيل كما ترك اليهود والنصارى دياناتهم بسبب تحريف كتبهم، ولكنّ الله تعالى ضمن حفظ كتابه العزيز، فحمله رجال أُمناء وطبقة من النساء لم يكنّ بمنأ عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يشغلهنّ عالم السياسة عن حفظ القرآن وحمله كما سمعنهنّ من في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بلفظ الوحي المبين!

 

أُبَيّ بن كعب

وقد ذكرنا خبره وهو يقرأ الآية «26» من سورة «الفتح»، فزاد فيها سبع

____________________

(1) نفسه: 1005 - 1006.


الصفحة 236

كلماتٍ، فلمّا بلغ عمر بن الخطّاب، بعث إليه ودعا ناساً فيهم زيد بن ثابت، فقرأ زيد سورة الفتح، فغضب عمر ...، وانتهى الأمر بموافقة عمر لأُبيّ بقوله: بل أقْرِئ الناس!

وأخرج الحاكم بسنده عن أُبيّ بن كعب قال: كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة! وكان فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة (1).

إنّ عدد آيات سورة الأحزاب «73» آية، وأمّا عدد آيات سورة البقرة فهو «286» آية، فيكون الساقط - معاذَ الله أن نجرؤ فنقول هذا القول - بحسب رواية أبَيّ، هو «213» آية؟!

ولعلّه مكذوب عليه لأغراضٍ سياسيّة! فهلاّ سُئل عن تلك الآيات لإثباتها والتعبّد بتلاوتها؟! وأين غاب بقيّة الصحابة وفي طليعتهم أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام الذي هو مع القرآن والقرآن معه، كان يرى الوحي ويسمع كلامه ...

وأخرج الحاكم عن ابن عبّاس قال: قرأتُ على أبَيّ بن كعب «ولا تُقبل منها شفاعة» بالتاء، في تُقبل (2). والذي في المصحف (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) (3)، بالياء.

أخرج ابن شبّة في سنده عن الليث بن سعد في خبر جمع عثمان القرآن على قراءة واحدة، قال: وكان حين جمع القرآن جعل زيد بن ثابت، وأُبَيّ بن

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 2: 450/ 3554. وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال الذهبي: صحيح. التلخيص.

(2) المستدرك على الصحيحين 2: 254/ 2916.

(3) البقرة: 48.


الصفحة 237

كعب يكتبان القرآن، وجعل معهم سعيد بن العاص يقيمُ عَرَبيَّتَه. فقال أُبَيّ: التَّابُوه، وقال سعيد بن العاص: إنّما هو التّابُوت. فقال عثمان: اكتبوه كما قال سعيد، فكتبوا التّابوت (1).

وقال ابن شهاب الزهريّ: اختلفوا يومئذ في التابوت، فقال زيد: التابوه , وقال ابن الزبير وسعيد وعبدالرحمان: التابوت، فرفعوا اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه التابوت فإنّه بلسان قريش (2).

وترد لفظة التّابُوت في موضعين من القرآن الكريم: سورة البقرة، آية 248؛ وسورة طه، آية 39.

إنّ زيد بن ثابت الذي عوّلوا عليه كثيراً في كتابة ونسخ المصحف، واحتقره عبد الله بن مسعود بالنعوت التي مرّ ذكرها، وجدناه يكتب التّابُوت - بتاء طويلة منقوطة -، يكتبها: التّابوه - بالهاء غير المنقوطة - وزعم زيد فقدان آية وذلك لمّا جمع المصحف:

عن عمارة بن غزية، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت، قال: عرضتُ المصحف فلم أجد فيه هذه الآية (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ) (3) الآية، قال: فاستعرضتُ المهاجرين أسألهم عنها فلم أجدها مع أحد، ثمّ استعرضتُ الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها مع أحد، حتّى وجدتُها مع

____________________

(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1002.

(2) نفسه 1001.

(3) الأحزاب ك 23.


الصفحة 238

خزيمة بن ثابت الأنصاريّ فكتبتها، ثمّ عرضته مرّة أخرى فلم أجد فيه هاتين الآيتين (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) الآية - إلى آخر السورة (1). قال: فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنهما فلم أجدهما مع أحد منهم، ثمّ استعرضت الأنصار أسألهم عنهما فلم أجدهما مع أحد منهم، حتّى وجدتهما مع رجل آخر يدعى خزيمة أيضاً من الأنصار فأثبتهما في آخر (براءة).

قال زيد: ولو تمّت ثلاث آيات لجعلتها سورة واحدة، ثمّ عرضتُه عرضة أخرى فلم أجد فيه شيئاً.

فأرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة، وجعل لها عهدَ الله ليَرُدّها إليها، فأعطته إيّاها، فعرضت الصحف عليها فلم تخالفها في شيء فرددتُها إليه وطابت نفسُه، فأمر الناس أن يكتبوا المصاحف (2).

ابن شهاب الزُّهريّ، من المعدودين في المنحرفين عن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام. وزيد بن ثابت عثمانيّ. وابن شبّة غير رافضيّ بل ولا شيعي الهوى، وقد أثبت الرواية في كتابه. وهو ليس متأخّراً (173 - 262 هـ)، بصريّ.

أقول: هذا كلامهم في القرآن، يكتبونه بلهجاتٍ مباينةٍ للفظِ الوحي الفصيح البليغ؛ فيكفّر بعضُهم بعضاً لتعدّد اللّهجات، ويضيفون إليه ما ليس منه كلاماً ركيكاً، ويزعمون ضياع الكثير منه واندرس؛ ومنه ما ضاع ولكن بعد طوافٍ طويل بين المهاجرين فلم يجده عندهم، ثمّ بين الأنصار حتّى وجده عند أحدهم

____________________

(1) التوبة: 128 - 129.

(2) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1001 - 1002.


الصفحة 239

والسؤال: صحابة في الصدر الأوّل لا يعرفون كتابهم ولكن يحفظون أنسابهم؟!

فإمّا أن تكون هذه الرّوايات مكذوبة فنطرحها! وإمّا أن تكون صادقةً وقد بلغت عند حدّ التواتر، فكيف نطمأنّ إلى رواياتهم ونجعلها من المسلّمات وبخاصّة تلك المتعلّقة بهدم أهم ركن من أركان الإسلام وهو النبوّة الذي يأتي بعد التوحيد، ولولاه لما عرفنا الله تعالى حقّ معرفته، ولا إيمان بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالنطق بالشهادة فقط وإنّما حمل وبثّ وتقييد أحاديثه صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وكما عدا أولئك النّفر على السنّة بالحجّة التي أشرنا إليها؛ فقد عدَوا على القرآن بالشواهد التي ذكرناها ممّا يعني صدق دعوانا فيما خلصنا إليه من نتيجة: العمد إلى طمس معالم العترة الطاهرة وما لها من حقوق سياسيّة.

قلنا: إنّ الناس كان يُكفّر بعضُهم بعضاً بسبب القراءات، حتّى جمع عثمان الناس على مصحفٍ واحد، ولكن أساء الأدب إلى كتاب الله تعالى - كما سنعرض له -

عن أنس بن مالك قال: اجتمع لغزوة أرمينية وأذربيجان أهلُ الشام وأهلُ العراق وكان معهم حُذيفة بن اليمان ففزِع من اختلافهم في القراءة، فقدم على عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، أدرِك هذه الأمّة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى! فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف نَنْسَخْها في المصاحف ثمّ نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمان بن الحارث بن هشام فنَسَخُوها في المصاحف. وقال عثمان للرَّهط القرشيِّين الثلاثة:


الصفحة 240

إذا اختلفتم أنتم وزيدُ بن ثابت في شيءٍ من القرآن فاكتُبوه بلسان قريش، فإنّما أنزل بلسانهم، ففعلوا ذلك، حتّى إذا نُسِخَ المصحفُ ردّ عثمانُ الصحفَ إلى حفصة وأرسل إلى كلّ أُفُقٍ بمصحفٍ ممّا نَسخوا، وأمر بما سِواه من القرآن في كلّ صحيفةٍ أو مصحفٍ أن يُحرق (1).

نتوقّف قليلاً مع الرّواية: فقد قلنا إنّ النّاس يكفّر بعضُهم بعضاً بسبب القراءات، وكان أولئك النّفر وفي طليعتهم عبد الله بن مسعود، الذي أحسن عمرُ تأديبه! فامتنع من الحديث ومن ثَمّ صار أشدّهم منعاً للحديث؛ فاستحقّ تلك الرواية، بالأخذ بقراءته! حتّى وإن غيّر وبدّل في ألفاظ الآيات وأنكر سُوَراً كاملةً؛ فاُناس ملتزمون بقراءته وآخرون بقراءة غيره، فيكفّر بعضُهم بعضاً باختلاف القراءات.

والمسألة الأخرى: إنّ عثمان قد جمع الناس على مصحفٍ واحد، ولكنّه أساء الأدب كما قلنا من قبل وذلك من خلال حرقه المصاحف!! فهلاّ جمعها فجعلها في خُزانة في مكان أمين؟!! وكما أنّ العدوان على سنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والاستهانة بها بعد ما بلغهم توكيده صلى‌الله‌عليه‌وآله بما يقطع معاذيرهم؛ فهو عدوانٌ على شخصه الكريم!، فكذلك الحال بالنسبة إلى القرآن الكريم، لا يجوز هتْكُ حرمته بأيّ لونٍ: بالمحوِ، أو الدفن، أو الحرق؛ تلك الأساليب التي مُورست مع سُنّة المـُرْسَل صلى‌الله‌عليه‌وآله، فاختار عثمان أبشعها وهي:

«الحرق» إذ لو دُفِنت - مع اعتراضنا الشديد على هذا الفعل المنكر - رُبّما

____________________

(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 991 - 992. وانظر فتح الباري 9: 17، سنن البيهقي 2: 41.


الصفحة 241

تُخرج بعد ذلك سالمةً ...

أمّا الذي حدث للقرآن العظيم، فأمرٌ مهول تكاد السماوات ينفرطن - بالنون - وليس بالتاء، إذ هذه لها قراءة بالتاء عند بعضهم! - للذي كان من عثمان بحرق العراق، ويأتي بلفظ تمزيقه ...! وفي كلٍّ سوء أدب، وجاهليّة، ومروق على أمر الله تعالى وطاعته.

«وبسندٍ عالٍ عن زيد بن ثابت، أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم من غزوة غزاها بفرج أرمينية فحضرها أهلُ العراق وأهلُ الشام، فإذا أهلُ العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود ويأتون بما لم يسمع أهلُ الشام؛ ويقرأ أهلُ الشام بقراءة أُبَيِّ بن كَعْب، ويأتون بما لم يسمع أهل العراق. قال: فأمرني عثمان أن أكتب له مصحفاً فكتبتُه. فلمّا فرغتُ منه عَرَضَه (1).

هذا حالُ المسلمين في صدر الإسلام وهم قريبوا عهد بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يُكفّر أحدهم الآخر بسبب القراءة لما أشاعته السياسة المانعة من الحديث بأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أوصى بالأخذ بقراءة ابن مسعود، وأشاع آخرون أن أُبَيّاً هو سيّد القرّاء - ستعرف -؛ ولذا تمسّك أهل العراق بقراءة ابن مسعود وكلّما سمعوا شيئاً غيره فهو جديد عليهم وظنّوه كفراً وخروجاً على القرآن؛ وكذا حال أهل الشام.

ولكن لِمَ هذا التعميم؟! وأين الطبقة السابقة إلى الإسلام وأسبقها عليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام، من غير خلاف والذي كان يهتف ويمدّ بها صوته: أنا الصدِّيق الأكبر وفاروق هذه الأمّة صلّيت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سبع سنوات ولم يصلِّ معنا

____________________

(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 993، فتح الباري 9: 14 - 15، الجامع للأصول 4: 33.


الصفحة 242

أحد». هلاّ رجع عثمان إليه فاستشاره ماذا يفعل بالصحف، مثلما كان يستشيره أبوبكر، وعمر في أُمورهم المهمّة مثل الحروب؟! ويقتدي بفعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إذ ائتمن أمير المؤمنين عليّاً عليه‌السلام على ودائع قريش التي كانت عنده حينما هاجر وأمر عليّاً عليه‌السلام بالمبيت على فراشه؟! أو جعلها عنده أمانة إلى حين ...؟!

 

عثمان يُشقّق المصاحف

عن سوار بن شبيب قال: دخلتُ على ابن الزبير في نفر فسألته عن عثمان ابن عفّان، لِمَ شقّق المصاحف، ولِمَ حمى الحِمَى؟ فقال: قوموا حَرُوريّة (1)، قلنا: لا والله ما نحن حروريّة. قال: قام إلى أمير المؤمنين عمر رجلٌ فيه كذِبٌ وَوَلع، فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الناس قد اختلفوا في القراءة، فكان عمر قد همَّ أن يجمع المصاحف فيجعلها على قراءة واحدة، فطُعِن طعْنَته التي مات منها. فلمّا كان في خلافة عثمان قام ذلك الرجلُ فذكر له، فجمع عثمان المصاحف، ثمّ بعثني إلى عائشة فجئتُ بالصُّحُف التي كتب فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله القرآن فعرضناها حتّى قَوَّمْنَاها، ثمّ أمر بسائرها فشُقِّقَت (2).

إن تشقيق المصحف وحرقه سواء، فهما عدوان على القرآن الكريم وهتك حرمته وفعله هذا من الكبائر!

____________________

(1) الحرورية: طائفة من الخوارج تُنسب إلى حروراء بقرب الكوفة فقد كان اجتماعهم بها لأوّل مرّة للتحكيم حين خالفوا أمير المؤمنين عليّاً عليه‌السلام وتشدّدوا في أمرهم ... (الوسيط للمجمع اللغوي).

(2) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 991.


الصفحة 243

اختلاف وزيادة ونقصان!

حدّثنا عبد الأعلى بن الحكم الكلابيّ، قال: أتيتُ دار أبي موسى الأشعريّ فإذا حذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعريّ فوق إجّار (1) فقلتُ: هؤلاء والله الذين أُريد، فأخذت أرتقي لهم حتّى جلستُ إليهم فإذا عندهم مصحف أرسل به عثمان فأمرهم أن يقيموا مصاحفهم عليه.

فقال أبو موسى: ما وجدتم في مصحفي هذا من زيادة فلا تنقصوها، وما وجدتم من نُقصان فاكتبوه فيه! فقال حذيفة: فكيف بما صنعنا والله ما أحدٌ من أهل هذا البلد يرغبُ عن قراءة هذا الشيخ. يعني ابن مسعود، ولا أحدُ من أهل اليَمَن يرغب عن قراءة هذا الآخر، يعني أبا موسى. وكان حذيفة هو الذي أشار على عثمان أن يجمع المصاحف على مُصحفٍ واحد (2).

يعتمدهم عثمان في كتابة المصحف، فإذا أحدهم يُصرّ على مصحفه زيادةً ونقيصةً!! وحذيفة الذي أشار على عثمان بفكرة جمع المصاحف على مصحفٍ واحد، غدا في حيرةٍ من أمره، فالنّاس في كلّ بلد متمسّكون بقراءة شيخهم وهو يختلف عن الآخر؟!

عن أبي محمّد القرشيّ: أنّ عثمان بن عفّان كتب إلى الأمصار: أما بعد، فإنّ نفراً من أهل الأمصار اجتمعوا عندي فتدارسوا القرآن، فاختلفوا اختلافاً شديداً؛ فقال بعضهم قرأتُ على أبي الدرداء، وقال بعضُهم قرأتُ على حرف عبد الله بن

____________________

(1) الإجار: والأجار، السطح الذي لا سترة عليه. (اللسان)

(2) نفسه 999.


الصفحة 244

مسعود، وقال بعضهم قرأت على حرف عبد الله بن قيس - أي أبو موسى الأشعريّ -، فلمّا سمعتُ اختلافهم في القرآن - والعهدُ برسولِ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حديث - ورأيتُ أمراً منكراً، فأشفقتُ على هذه الأمّة من اختلافهم في القرآن، وخشيتُ أن يختلفوا في دينهم بعد ذَهَاب مَن بقي من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الذين قرأوا القرآن في عهدِه وسَمِعوه من فِيهِ، كما اختلفتِ النّصارى في الإنجيل بعد ذهاب عيسى ابن مريم، وأحببتُ أن ندارك من ذلك؛ فأرسلتُ إلى عائشة أن ترسل إلي بالأدم الذي فيه القرآن الذي كتب عن فَمِ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حين أوْحاهُ اللهُ إلى جبريل، وأوحاه جبريلُ إلى محمّد، وأنزله عليه، وإذِ القرآنُ غضٌّ، فأمرت زيد ابن ثبت أن يقوم على ذلك ...، وكان زيد بن ثابت أحفظَنا للقرآن، ثمّ دعوتُ نفراً من كتّاب أهل المدينة وذوي عقولهم، منهم نافِع بن طَرِيف، وعبد الله بن الوليد الخزاعيّ، وعبد الرحمان بن أبي لُبَابَة، فأمرتُهم أن ينسخوا من ذلك الأدم أربعة مصاحف وأن يَتَحفَّظُوا (1).

هنا خرج عثمان على التعريف بأحفظ الصحابة عن قول عمر الذي كان يدعو إلى عبد الله بن مسعود، والذي بدوره لم يكن يرى في الصحابة مَن هو أعلمـُ بالقرآن مطلقاً، فكان مصحفه محتوياً على قراءات مغايرة لقراءة الوحي، وآياتٍ بدّل في كلماتها، وناقصاً سوراً كاملةً ...

وأمّا زيد الذي عرّفه عثمان بأنّه أحفظ الصحابة وأوكل إليه كتابة المصحف، فصحّف كتابة «التابوت» وكتبها «التابوه» حتّى اشتدّ عليه عثمان فكتبها «التابوت».

____________________

(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 997 - 998.


الصفحة 245

وفقد آيات راح يجول بين المهاجرين والأنصار حتّى أصابها أخيراً مع رجل من الأنصار. فلا ندري كيف نوفّق بين ما روي عن عمر بن الخطّاب عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «مَن أراد أن يأخذ القرآن غضّاً كما أُنزل فليأخذه من فِي ابن مسعود»، وبين نسخ زيد في رجال ليس فيهم ابن مسعود للمصحف الذي أوحاه الله تعالى إلى جبريل فأوحاه جبريل إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وإذِ القرآنُ غضٌّ «لم تدخله قراءة هُذَيل ولا زيادة أبي موسى أو تبديل وزيادة ابن مسعود ولا حذفه لسور ولا قراءة التابوه».

 

ترتيب عثمان لسور القرآن

عن ابن عبّاس قال: قلتُ لعثمان: ما حَمَلكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من السبع - في المستدرك من المئين - فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، كان يأتي عليه الزمان تنزل عليه السور ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء قال: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يُذكَر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما أُنزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قِصّتُها شبيهةً بقِصّتِها، وقُبِض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يُبَيِّن لنا، وظننتُ أنّها منها؛ فمن أجل ذلك قَرَنْتُ بينهما، ولم أكتب سطر «بسم الله الرحمان الرحيم» ووضعتها في السبع


الصفحة 246

الطّوال (1).

هل هذا من قبيل القياس المذموم في الرواية في الحديث؟! سورة مكّيّة من أوائل القرآن، تُقرن بسورة مدنيّة من آخر القرآن وليس من دليل يهتدون به لهذا النظم إلاّ زعمهم أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قُبِض ولم يُبيّن، أي يوضّح لهم أين تكون هذه السورة أو تلك ...؟! أي ذريعة هذه؟ هلاّ رجع عثمان إلى كبار الصّحابة وعظيمهم أميرالمؤمنين هارون الأمّة عليّ عليه‌السلام؟ ومتى كان جمع المصحف خاضعاً لمزاج الرجال فيضمّون السورة إلى ما يشبهها - كذا - بحذف البسملة من أوّل السورة الثانية؛ فمَن أعطاه هذه الصلاحيّة في التصرّف؟! كلّ هذا لو أحسنّا الظنّ بالرجل وصدّقنا دعواه! وإلاّ كيف يترك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كتاب الله العزيز وقد ائتمنه عليه فكان إذا نزلت الآية قال ضعوها في السورة كذا وهكذا ولم يُقبض إلاّ والقرآن مودع عند طبقة واسعة مؤمنة مجاهدة من أجله صالحة لا تفرّط به.

وسنجد في سيرة بني أُميّة تشدّداً على الحديث وغلظة على مَن ذكر شيئاً من فضائل وسيرة أهل البيت عليهم‌السلام، وإساءة إلى القرآن الكريم تأسّياً بشيخهم عثمان.

عن شعبة، عن يعلى بن عطاء قال: سمعته يقول: سمعت القاسم بن ربيعة يقول: سمعت سعداً - بن أبي وقّاص - يقرأ (ما ننسخُ من آيةٍ أو ننساها) [ البقرة: 106 ] قال فقلت: انّ سعيداً يقرأها أو نُنْسِهَا. قال: فقال: إنّ القرآن لم ينزل على

____________________

(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1015 - 1016، المستدرك على الصحيحين 2: 241/ 2875، التلخيص وقال: على شرط البخاري ومسلم.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة