الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 206

أوّلاً: منعَ وفدَ الصحابة الذين أرسلهم إلى الكوفة من الرواية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ...، وقد مضى الكلام عن ذلك.

ثانياً: منع عمر صحابة عن الحديث:

- فمنع أبا هريرة:

قال عمر لأبي هريرة: لتتركنّ الحديثَ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، أولاُلْحقنّك بأرضِ دَوْسٍ (1).

وقال له أيضاً: لتتركن الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أو لاُلْحقنّك بأرض الطنيح - يعني أرض قومه - (2).

وقال له: لتتركنّ الرواية - أو الإكثار من الرواية - أو لألحقنّك إلى جبال دَوْس (3).

وقال ابن أبي الحديد: ضربه عمر بن الخطّاب - في خلافته - بالدرّة، وقال له: لقد أكثرتَ الرواية، وأحْرِ بك أن تكون كاذباً على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (4):

- ومنع ابن مسعود، وأبا مسعود:

بعث عمر إلى أبي مسعود الأنصاريّ، وابن مسعود، فقال: ما هذا الحديثُ

____________________

(1) المحدّث الفاصل بين الرواي والواعي، للرامهرمزي (المتوفّى 360 هـ): 554، رقم 746، البداية والنهاية 8: 106.

(2) أخبار المدينة المنوّرة، لابن شبّة 3: 800.

(3) الاعتصام بحبل الله المتين، للقاسم بن محمّد الزيديّ 2: 29، تاريخ مدينة دمشق 67: 343.

(4) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 68.


الصفحة 207

الذي تُكثرونه عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (1).

ونقله ابن عديّ، وفيه: بعث عمر بن الخطّاب إلى عبد الله بن مسعود، وإلى أبي الدرداء، وإلى أبي مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا الحديث الذي تُكثرون عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فحبسهم بالمدينة حتّى استُشهد (2).

- ومنع أبا موسى الأشعريّ - لمّا بعثه إلى العراق - بمثل ما ورد في حديث قرظة بن كعب. «ذكرناه مع مصادره».

- ومنع عمرُ عامّة الناس عن الحديث:

خطبَ عمرُ، وقال: ألاَ، لا أعْلَمنّ ما قال أحدكم: إنّ عمر بن الخطّاب منعنا أن نقرأ كتاب الله، إنّي ليس لذلك أمنعكم.

ولكن، أحدكم يقوم لكتاب الله، والناس يستمعون إليه، ثمّ يأتي بالحديث من قبل نفسه! إنّ حديثكم هو شرُّ الحديث، وإنّ كلامكم هو شرُّ الكلام.

مَن قام منكم، فليقُم بكتاب الله، وإلاّ فليجلس، فإنّكم قد حدّثتم الناس حتّى قيل: «قال فلان، وقال فلان» وتُرك كتاب الله (3).

 

وقفة قصيرة مع خطبة عمر

إنّ ظاهر هذه الخطبة المنع من حديث المتكلّمين خلالَ القرآن، ولم يصرّح

____________________

(1) تاريخ دمشق 39: 108.

(2) الكامل، لابن عديّ 1: 18.

(3) تاريخ المدينة المنوّرة، لابن شَبّة 3: 800.


الصفحة 208

فيه بالمنع من حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، لكن يمكن أن يُفهم ذلك بملاحظة اُمور:

1 - إيراد ابن شَبّة لهذه الخطبة في سياق ما نقله من منْعِ عمر للصحابة من نقل الحديث والرواية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

2 - ظهور الخطبة - وخاصّة الفقرة الأخيرة منها - في تأكيد عمر على ترك كلّ حديث ما سوى كتاب الله، وهو نفس المقولة المعروفة عن عمر «حسبُنا كتاب الله» ويؤدّي مؤدّاها.

إنّ عمر كان يردّد «حسبُنا كتاب الله» في مقابل الحديث وروايته، كما يظهر من تعليله المنع من الحديث بالمحافظة على القرآن وخوف تركه الاشتغال بغيره. وهو ما عرفناه منه مراراً في أقواله التي تضمّنت منع التدوين، كقولِه: إنّي لا ألْبس كتاب الله بشيء أبداً.

3 - إنّ حسن الظنّ بالمحدّثين في ذلك العصر، يقتضي أنّ الشيء الذي ينقلونه خلال قراءتهم للقرآن الكريم، وإلى جنب آياته، بحيث يقبله المسلمون إذا استمعوا إليه أن يكون مقدّساً، وحقّاً، لا كلّ كلام صدَرَ من أيّ أحدٍ وبأيّ محتوىً.

ولا يُعقل من معلميّ القرآن، ولا بدّ أن يكون فيهم مجموعة من الصحابة إن لم يكن كلّهم منهم، ومجموعة من التّابعين الكبار، أن يقرأوا القرآن، ويحدّثوا الناسَ في أثناء تلاوتهم بأشياء باطلة، وبأشياء تكون «شرّ الحديث» كما عبّر عنها عمر! ومع هذا يقبل المسلمون ذلك ولم ينتبهوا إلى بطلانه! إلاّ بتنبيه مر؟!

إنّ أفضل تفسير لذلك: أن يكون ما ينقلونه من حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، غير


الصفحة 209

أنّه من الأحاديث التي لم تَرُق السلطة الحاكمة، وممّا يُعارض سياستها.

ثالثاً: عمر يُهدّد الصحابة على الحديث ويهينهم

- أخرج الفسويّ بسنده قال: حدّثنا أبو نُعَيم، أخبرنا طلحة بن يحيى، عن أبي بُردة، قال: جاء أبو موسى - الأشعريّ - إلى عمر فقال: أيدخل الأشعريّ؟ أيدخل عبد الله بن قيس؟ أيدخل أبو موسى؟ ثمّ انصرف. فبعث عمرُ على أثره، فقال أبو موسى: سمعتُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «ليستأذنّن أحدُكم ثلاثاً فإنْ اُذنض له، وإلاّ فليرجع». قال: لئن لم تأتني على ذي بِبيِّنةٍ لأُعاقبنّك ولأفعلنّ بك كذا وكذا!» (1).

وفي لفظ: «أقم عليه البيّنة وإلاّ أوجعتك» (2).

فجاء باُبيّ بن كعب، فقال: يا عمر! أبعثت تُعذّب أصحاب محمّد؟، سمعتُ النبيَّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول ذلك (3).

وبسنده أخرج مسلم عن طلحة بن يحيى عن أبي بُرْدَةَ عن أبي موسى الأشعريّ، قال: جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطّاب فقال: السلام عليكم هذا عبدُ الله بن قَيْس، فلم يأذن له، فقال: السلام عليكم هذا أبو موسى، السلام عليكم هذا الأشعريّ، ثمّ انصرف، فقال رُدّوا عليَّ رُدّوا عليَّ فجاء. فقال: يا أبا موسى ما

____________________

(1) المعرفة والتاريخ 1: 110. ومسند أحمد 4: 398 طبعة دار صادر - بيروت، سنن الدارمي 2: 2274 طبعة الاعتدال - دمشق، سنن أبو داود 2: 514 رقم 5181.

(2) الموطّأ 2: 964، صحيح مسلم 7: 131، الرسالة، للشافعيّ: 430.

(3) المعرفة والتاريخ، للفَسَويّ 1: 110.


الصفحة 210

ردّكَ، كُنّا في شُغْلٍ، قال: سمِعتُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقولُ: «الإِستئذانُ ثلاثٌ فإنْ أُذِنَ لكَ وإلاّ فارجِعْ» قال: لَتأْتِيَنّي على هذا ببيّنةٍ، وإلاّ فعلتُ وفعلتُ! فذهب أبو موسى.

قال عمر: إنْ وجدَ بَيِّنةً تجدوهُ عن المِنبر عشيّةً، وإنْ لم يجدْ بَيِّنةً فلمْ تجدوه. فلمّا أن جاء بالعَشِيِّ وجدُوه، قال: يا أبا موسى ما تقولُ أقد وجدتَ؟ قال: نعم، أُبيَّ بنَ كَعْبٍ، قال: عدلٌ. قال: يا أبا الطُّفَيْل ما يقولُ هذا؟! قال: سمِعتُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقولُ ذلك يا ابنَ الخطّاب فلو تكوننَّ عذاباً على أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال سبحانَ الله إنّما سمِعتُ شيئاً فأحببتُ أن أتثبّتَ! (1).

لقد تذرّع بأنّه خشي الكذب على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأراد الاحتياط في الحديث والرواية.

إلاّ أنّها ذريعةٌ باطلة، إذ إنّ الصحابيّ العادل إذا سمع شيئاً من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وجبَ عليه تبليغُه وأداؤه إلى الآخرين، لأنّه سنّة، والسنّة شريعة، والصحابةُ من حفّاظها. فكيف يجوز لأحدٍ أن يتشدّد عليهم هكذا؟

ولو فرضنا أنّه لم يجد مَن سمع الحديث من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيشهد له، فهل يجوز أن يُهان ويُكَذَّب ويُهدَّد؟!

وما الجواب في عدم ردّه سلام أبي موسى ثلاث مرّات، أموافق لخُلثق القُرآن والسنّة، أم مخالف؟!!

أليس هذا سدًّا لباب الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟ وهذا ما صرّح به

____________________

(1) صحيح مسلم 7: 134 - 135.


الصفحة 211

أبوهريرة جرّاء ما حديث له من تهديد عمر له، وفي روايات أنّه ضربه بالدرّة، كما ذكرنا، حتّى امتنع أبوهريرة من حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله تماماً، أو بما يوافق مزاج السلطة.

وقبل أن نأتي على ذكر ما يخصّ ما كان بين عمر وأبي هريرة بشأن الحديث؛ نذكر نصوصاً أُخرى بما جرى لأبي موسى:

أخرج ابن ماجة، قال: حدّثنا أبوبكر، حدّثنا يزيد بن هارون. أنبأنا داود بن أبي هند عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد الخُدْريّ، أنّ أبا موسى استأذن على عمر ثلاثاً، فلم يُؤذَن له، فانصرفَ. فأرسل إليه عمرُ: ما ردّكَ؟ قال: استأذنتث الاستئذان الذي أمرنا به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاثاً، فإنْ أُذِنَ لنا دَخَلْنا، وإن لم يُؤذن لنا رجَعْنا. قال، فقال: لَتَأتِيَنّي على هذا بِبَيِّنةٍ، أو لاَفعلَنَّ.

فأتى مجلس قومه فناشدهم. فشهِدوا له. فخلّى سبيله (1).

ولا تعليق لنا على الرّواية أكثر ممّا مضى إلاّ أن نقول: إنّ التهديد قد أخذ من أبي موسى مأخذه! وهو يسمع التوكيد على أن يأتي بشاهد على قوله «لَتَأتِيَنّي» وإنهائها بالوعيد والتهديد «أو لأفعلنَّ». مما حمله على مناشدة قومه ليشهدوا له عند عمر، بصدق دعواه، لينجوا من عقوبته المرتقبة. فلمّا تحقّق له ذلك، نجا بجلدِه من الدرّة!

وممّا يُعبّر عن الحالة النفسيّة المضطربة جرّاء تهديدات عمر الجادّة بشأن الصحابة في مجرّد روايتهم حديث واحد لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقد أخرج مسلم رواية

____________________

(1) سنن ابن ماجة 2: 1221، باب 17 (باب الاستئذان) رقم 3706.


الصفحة 212

أبي موسى، قال: حدّثني عمرو بن محمّد بن بُكَيْر النّاقد، حدّثنا سُفيان بن عُيَيْنة حدّثنا يزيد بن خُصَيْفة عن بُسْر بن سعيدٍ، قال: سمِعتُ أبا سعيدٍ الخُدْريّ يقولُ كنتُ جالساً بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فَزِعاً أو مذعوراً! قُلنا: ما شأنُك؟ قال: إنّ عمر أرسل إليَّ أن آتِيَهُ فأتيتض بابَه فسلّمتُ ثلاثاً فلم يَردَّ عليَّ فرجعتُ، وقد قال رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إذا استأذنَ أحدُكم ثلاثاً فلم يُؤذنْ له فلْيرجِعْ» فقال عمر: أَقِمْ عليهِ البَيِّنةَ وإلاّ أَوْجعتُكَ. فقال أُبَيُّ بنُ كَعْبِ: لا يقومُ معه إلاّ أصغرُ القوم. قال أبو سعيد: قلتُ انا أصغرُ القوم، قال: فاذهب به. قال أبو سعيد: فقمتُ معه فذهبتُ إلى عمر فشهدتُ (1).

فلماذا الفزع أو الذعر الذي ركب الصحابيّ أبا موسى، أحربٌ جرت أم خطرٌ أحدق ببيضة الإسلام؟ لا هذا، ولا ذاك. وإنّما هو تهديد عمر له بعد أن أذلّه بالوقوف على بابه واستئذانه ثلاثاً فلم يأذن له، علماً أنّه في هذه الرّواية هو - عمر - هو الذي أرسل إليه أن يأتيه فأطاعه! فلمّا ذهب صار إلى حسابه! فلمّا أجابه أنّه أتاه فسلّم على بابه ثلاثاً فلم يُرَدّ عليه فرجع، ثمّ ذكر حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، عندها ثارت ثائرة عمر! فلعلّه أحسّ نفسيّاً وكأنّ أبا موسى يقول له: قد خالفتَ السنّة؟! فتهدّده وطلب البيّنة على صدقه وإلاّ أوجعه عقوبةً، والحمدُ لله أنّه اكتفى بشهادة أبي سعيد الخُدْريّ ولم يطلب شاهداً آخراً، فكفّ عن أبي موسى.

وألفاظ التهديد بعضها أشدّ من بعض، فغير ما ذكرنا:

____________________

(1) صحيح مسلم 7: 130 - 131.


الصفحة 213

أخرج مسلم بسنده عن بُسْرَ بن سعيد أنّه سمِع أبا سعيد الخُدْريّ يقول: كنّا في مجلسٍ عند أُبَيِّ بن كَعْبٍ فأتى أبو موسى الأشعريّ مُغْضَباً حتّى وقف فقال أنشُدُكُمُ اللهَ هل سمِعَ أحدٌ منكم رسولَ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقولُ: «الاستئذانُ ثلاثٌ فإنْ أُذِنَ لك وإلاّ فارجِعْ» قال أُبيٌّ: وما ذاك؟ قال: استأذنتُ على عمرَ بن الخطّاب أمسِ ثلاثَ مرّاتٍ فلم يُؤذَنْ لي فرجعتُ. ثمّ جئتُ اليومَ فدخلتُ عليه فأخبرتُه أنّي جئتُ أمسِ فسلّمتُ ثلاثاً ثمّ انصرفتُ. قال: قد سمِعناك ونحنُ حينئذٍ على شُغْلٍ فلَوْ ما استأذنتَ حتّى يُؤذنَ لك، قال: استأذنتُ كما سمِعتُ رسولَ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. قال: فو اللهِ لاُوجِعنَّ ظهرَك وبطنك أو لتأتينّ بمَن يشهدُ لك على هذا، فقال أبيّ بن كعب: فو الله لا يقومُ معك إلاّ أحدثُنا سِنًّا. قُم يا أبا سعيد، فقمتُ حتّى أتيتُ عمر فقلت: قد سمعتُ رسولَ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول هذا.

غريب! فأبو موسى يُسلّم ثلاثاً، ولا يسمع جواباً، فإذا كان اليوم الثاني أخبر عمر بذلك، ولعلّه يأمل أن يجد عنده عذراً! فكان على غير ما أمّل فإنّ عمر كان على شُغْلٍ أعاقه عن ردّ السلام! ولم يقف عند هذا وإنّما علّق ما كان منه بعنق أبي موسى بحجّة أنّه لم يستأذن! وقبل أن يجيب أبو موسى، نُجيب نحن: إنّ عمرَ كان في شغل منعه عن تأدية واجب وهو ردّ السلام المأمور به في القرآن الكريم والسنّة الشريفة، والسلام بهذه الصورة - ثلاث مرّات - استئذان فلمّا لم يردّه عمر فهذا يعني أنّه لم يأذن له.

وأمّا أبو موسى وهو صحابيّ مثل عمر، فقد أجاب بأنّه استأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، أي أنّه مستنّ بسنّته صلى‌الله‌عليه‌وآله. وهذا الذي أثار حفيظة عمر فتهدّد أبا موسى


الصفحة 214

بالضرب الموجع على الظهر والبطن! إلاّ أن يُقيم له بَيِّنَةً على صدقه! والحمد للهِ أنّه رضى منه شاهداً واحداً.

بقي الفحص عن الشُغْل الذي منع عمر من ردّ السلام ومن الإذن لأبي موسى؛ فأوّل ما يبدر إلى الذهن هنا أنّه يخصّ مصلحة الإسلام والمسلمين العامّة والمهمّة للغاية من قبيل تحصين الثغور ومواجهة الأعداء ودراسة الحالة الاقتصاديّة للمجتمع و ...، فدعنا من كلّ ذلك ولنسمعه من لسان عمر نفسه:

ذكره مسلم وفيه: «... فقام أبو سعيد فقال: كنّا نُؤْمَرُ بهذا؛ فقال عمر: خَفِيَ عليَّ هذا من أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ألْهاني عنه الصَّفقُ بالأسواق (1).

قال النوويّ في شرحه لصحيح مسلم: قوله «ألهاني عنه الصفق بالأسواق» أي التجارة والمعاملة في الأسواق (2).

اتّضح الأمر! فإنّ الباعث على تفجّر غضب عمر وابتعاده عن السنّة هو اشتغاله بالأسواق والتجارة، فلم يسمع ما سمعه غيره من الصحابة من أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فصاروا لديه موضع شبهة وشكّ غنلم نقل غير ذلك! مضافاً إلى الإرث الثقافيّ لعمر في إعجابه بأحاديث أهل الكتاب وخاصّة اليهود وهو ما عبّر عنه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بـ «التهوّك»، ولذلك عارض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بشدّة في كتابة الكتاب الذي ضمِن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه لو كتبه فلن تضلّ أُمّته من بعده أبداً، وواضح من مقدّمات كلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إذ أوصى بالثّقلين كتاب الله وعترته أهل بيته، ما أن

____________________

(1) صحيح مسلم 7: 133 - 134.

(2) شرح النووي بهامش المصدر نفسه.


الصفحة 215

تمسّكوا بهما لن يضلّوا أبداً؛ ثمّ دعا بالقلم والقرطاس لكتابة الكتاب المانع من الضلالة، فصار واضحاً أنّه سيُثبت ما قاله كتباً، فكان الاعتراض واللغط والطرد من رحمة الله تعالى. مع التذكير بحديث «الأريكة» وتحذير النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من قُرب عهد مَن يجلس على سدّة الحُكم يمنع من حديثه صلى‌الله‌عليه‌وآله. فتتابعت الأحداث سريعةً من حرق للأحاديث ومحوٍ بالماء ودفنٍ في الأرض، إلى تهديد الصحابة وحبسهم، فلماذا؟! أبو هريرة يمتنع من الحديث امتثالاً لمشيّة عمر على إثر التهديد القولي والعقوبة العمليّة الشديدة التي نالته من عمر، جعلته يخاف ظلّه في أن يتحدّث بحديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

بسند عن الزهريّ، عن أبي سلمة، قال: سمعتُ أبا هريرة قال: ما كنّا نستطيع أن نقول: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى قُبض عمر، قال أبو سلمة: فسألته: بمَ؟ قال: كنّا نخاف السياط، وأومأ بيده إلى ظهره (1)!

قال: ثمّ يقول أبو هريرة: أفانا كنتُ محدّثكم بهذه الأحاديث وعمر حيّ، إذاً والله لا بقيت، إنّ المخفقة ستباشر ظهري.

فإذا كان أبو موسى الأشعريّ قد أصابه الفزع والهلع لتهديد عمر إيّاه فراح يناشد قومه ليشهدوا بصدقه عند عمر فيحفظ ظهره وبطنه من الضرب الموجع! ومن ثمّ عاهد نفسه أن يسير في ركاب عمر بشأن الحديث؛ فإنّ أبا هريرة ما زال يتحسّس آلام ظهره التي ألحقتها به سياط عمر «كنّا نخاف السياط، وأومأ إلى ظهره»، فكيف يحدّث وعمر حيّ، والمخفقة لا تبارح ناظره يخاف أن تباشر

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق 67: 344، وسير أعلام النبلاء 2: 602 - 603، البداية والنهاية 8: 107.


الصفحة 216

ظهره، كما قال!

- وبسند عن محمّد بن عجلان، أن أبا هريرة كان يقول: إنّي لأحدّث أحاديث لو تكلّمت بها في زمان عمر - أو عند عمر - لشجّ رأسي (1).

أيّ أحاديث هذه التي لو حدّث بها أبو هريرة عند عمر لشجّ رأسه، أهي من جنس الفضائل المتضمّنة حقّ أهل البيت عليهم‌السلام، وأحاديث الغدير، والثَّقلين، والمنزلة، والرّاية، والسيادة ...؟! والانصراف بعد أن أعطاهم الرخصة في الحديث فيما لا يُخاف منه:

«قال محمّد بن يحيى الذهليّ: حدّثنا عبد الرزّاق عن معمر عن الزُهريّ، قال: قال عمر: أقلّوا الرواية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ فيما يعمل به (2)». ولكن بماذا يعملون وقد أحرق أبوبكر خمسمائة حديث؟! «ذكرناه». وعمر، أراد أن يكتب السننَ، فاستشار في ذلك الصحابة، فأشاروا عليه أن يكتبها ...، وبعد تردّدٍ لمدّة شهر أصبح فقال: إنّي كنتُ أردتُ أن أكتب السننَ، وإنّي ذكرتُ قوماً قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها، فتركوا كتاب الله تعالى، وإنّي لا ألْبِسُ كتابَ الله بشيءٍ أبداً. وهذا التردّد هو «التهوّك» الذي أشار إليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فصدق. والرواية من طريق عروة بن الزبير وقد ذكرناها مع مصدرها سابقاً، وذكرنا حرقه لكتب الناس

____________________

(1) تاريخ دمشق 67: 343، البداية والنهاية 8: 107. وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء 2: 601 وقال: (قلت: هكذا هو كان عمر، يقول: أقلّوا الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وزجرَ غيرَ واحدٍ من الصحابة عن بث الحديث، وهذا مذهبٌ لعمر وغيره)!.

(2) تاريخ مدينة دمشق 67: 344، البداية والنهاية 8: 107.


الصفحة 217

المتضمّنة أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وإصداره دستوراً إلى الأقاليم «من كان عنده منها - السنّة - شيء فليمحه».

وامتثل ابن مسعود - كما ذكرنا - فمحا بالماء صحفاً، وتتابعت عمليات الإبادة بالمحو بالماء وبالدفن في الأرض!!، فماذا بقي ممّا يُعمل به؟!

«عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة أنّه كان يقول: حفظتُ من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعاءين، فأمّا أحدهما فبثثتُه وأمّا الآخر فلو بثثتُه لقُطع هذا البلعوم» (1).

ومن طُرُقٍ عدّة عن أبي هريرة قال: يقولون إنّ أبا هريرة قد أكثرَ الحديثَ، والله الموعد! ويقولون: ما بالِ المهاجرين والأنصار لا يتحدّثون مثلَ أحاديثه؟ وسَأُخبركم عن ذلك: إنّ إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضيهم، وأمّا إخواني من المهاجرين فكان يشغلهم الصفقُ بالأسواق (2)، وكنتُ امرءاً مسكيناً أصحب - أو ألزم - رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على ملء بطني؛ فأشْهدُ إذا غابوا وأحفَظُ إذا نَسُوا ... (3).

ولفظه في أحمد: «إنّكم تقولون أكثرَ أبو هريرة، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، والله الموعد؛ إنّكم تقولون: ما بال المهاجرين لا يحدّثون عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بهذه الأحاديث،

____________________

(1) طبقات ابن سعد 4: 247.

(2) الصفق: التجارة، وهو الذي أشغل عمر عن ردّ السلام على أبي موسى ثمّ رجع فحاسبه على ذهابه فاستدعاه وحاسبه وهدّده ... على ما مرّ.

(3) صحيح مسلم 16: 52، 53، 54، تاريخ مدينة دمشق 67: 330 - 334 سير أعلام النبلاء 2: 594 - 995، حلية الأولياء 1: 378 - 379، 381.


الصفحة 218

وما بال الأنصار لا يحدّثون بهذه الأحاديث؛ وإنّ أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتُهم في الأسواق، وإنّ أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضوهم والقيام عليها، وإنّي كنتُ امرءاً معتكفاً، وكنتُ اُكثر مجالسة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، أحضر إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا ... (1).

وعن أبي هريرة قال: حفظتُ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاثَ جُرُب حديث، أخرجتُ منها جِرابين، ولو أنّي أخرجتُ الثالث خرجتم عليَّ بالحجارة (2)!

ما الذي يحتويه الجِراب الثالث الذي لو أخرجه لخرجوا عليه بالحجارة؟!

علماً أنّه لم يحدّث بعد لسع السياط! إلاّ أواخر أيّام عمر ولذلك قصّة، ثمّ مُنع بعد ذلك حتّى اقتضت السياسة الأُمويّة أن يُحدّث بالمسموح دون الممنوع!! وأنت عالم ما هو الممنوع ومع ذلك ورد بعضه في نزْرٍ يسير!

وعنه قال: لو أُحدثكم بما أعلم لرميتموني بالحجارة (3)!

وعنه قال: لو حدّثت الناس بما سمعت لرموني بالخزق (4) وقالوا: مجنون!(5)

عن يزيد بن الأصم، قال: قيل لأبي هريرة: أكثرتَ أكثرتَ، قال: لو حدّثتكم بكلّ ما سمعت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لرميتموني بالقشع (6)، وما ناظرتموني (1).

____________________

(1) مسند أحمد 2: 536 رقم 7648 مسند أبي هريرة.

(2) تاريخ مدينة دمشق 67: 338.

(3) نفسه، المستدرك على الصحيحين 3: 583/6162، التلخيص.

(4) الخزق: السهام النافذة، من خزق السهم إذا أصاب الرقبة ونفذ فيها. (لسان العرب).

(5) تاريخ مدينة دمشق 67: 338.

(6) القَشْع: بفتح وسكون - الجلد اليابس، والقُشْة: النُخامة والزبالة.


الصفحة 219

إنّ قوله «وما ناظرتموني»، صريح أنّ تلك الأحاديث التي كتمها أبو هريرة هي التي كانت تُخيف السلطات ولا تروق لها! فكيف تسمح له بنشرها وقد عاقبته فألهبت ظهره بالسياط من قبلُ دون مناظرةٍ ونقاش؛ وهل من حاجة إلى البرهان وهو خادم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، لم ينشغل بالصفقِ بالأسواق عن حفظ الحديث.

عن محمّد بن عُمارة بن حَزْم: أنّه قعد في مجلس فيه أبو هريرة وفيه مشيخة من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كثير؛ بضعة عشر رجلاً، فجعل أبو هريرة يحدّثهم عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالحديث فلا يعرفه بعضهم، ثمّ يتراجعون فيه فيعرفه بعضهم، ثمّ يحدّثهم الحديث فلا يعرفه بعضهم ثمّ يعرفه، ثمّ فعل ذلك مراراً، قال: فعرفتُ يومئذٍ أنّ أبا هريرة أحفظُ الناس عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (2).

في هذه الرواية مبالغة كبيرة! وإنّما أوردناها حجّةً واستئناساً بها على خصوم الصحابة ممّن عُرفوا بالخلاف على أهل البيت عليهم‌السلام! وأنّهم مع السلطان خاصّةً ما عُلم من سيرة أبي هريرة وممالأته لمعاوية ومروان بن الحكم، فقد استخلفه مروان على المدينة مراراً (3).

عن سعيد بن المسيّب قال: كان أبوهريرة إذا أعطاه معاوية سكت، وإذا

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق 67: 338.

(2) تاريخ مدينة دمشق 67: 339، المستدرك على الصحيحين 3: 585/ 6171.

(3) طبقات ابن سعد 4: 250، تاريخ مدينة دمشق 67: 372، سير أعلام النبلاء 2: 614، الكنى والأسماء 1: 184، البداية والنهاية 8: 122.


الصفحة 220

أمسك عنه تكلّم (1).

وإلاّ فأهل الدّار أعلمـُ بما فيه، وسيّدهم سيّد العرب، وباب مدينة علم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، نفسُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليٌّ عليه‌السلام احتضنه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فكان مع النبيّ حيثما كان، لم يسجد لصنم قطّ ولم يُباشر إثماً قطّ وكان يرى الوحي ويسمعه ويتبع أثره، فلم يسبقه إلى الإسلام سابق، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يؤثره بخلوات يُعطيه من علومه حتّى قالوا في ذلك فقال:

«ما أنا انتجيتُه، ولكنّ الله انتجاه»، وأبو هريرة أسلم عام خيبر!

ومع ذلك يبقى له فضلُه، وكونه خادماً لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يُشغله عن الصَّفقِ بالأسواق، فحفظ من أحاديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ما لم يحفظ أقرانه من الصحابة.

عن ابن عمر أنّه مرّ بأبي هريرة وهو يحدّث عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: مَن تبعَ جنازةً فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان أعظم من أُحد. فقال ابن عمر: يا أبا هريرة انظر ماذا تُحدّث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقام إليه أبوهريرة حتّى انطلق إلى عائشة فقال لها: يا أمّ المؤمنين أنشدك الله أسمعتِ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: مَن تبع جنازةً فصلّى عليها ...؟ فقالت: اللّهم نعم، فقال أبو هريرة: إنّه لم يكن يشغلنا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عرس ولا صفق بالأسواق إنّما كنت أطلب من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كلمةً يُعلّمنيها أو أكلةً يُطعمنيها. فقال ابن عمر: يا أبا هريرة كنتَ ألزمنا لرسولِ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق 7: 373، سير أعلام النبلاء 2: 615، البداية والنهاية 8: 122، رواه ابن كثير عن ابن حنبل.


الصفحة 221

وأعلمنا بحديثه (1).

عن عائشة أنّها دعت أبا هريرة فقالت له: يا أبا هريرة ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنّك تحدّث بها عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، هل سمعتَ إلاّ ما سمعنا وهل رأيت إلاّ ما رأينا؟ قال: يا اُمّاه، إنّه كان يشغلك عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المرآة والمكحلة والتصنّع لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وإنّي ما كان يشغلني عنه شيء (2).

رابعاً: عمرُ يحبس الصحابة لئلاّ ينشروا الحديث

ومن الوسائل التي اتّبعها لمنع حديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: إنّه حبس جماعة من كبار الصحابة مصرّحاً بأنّ السبب في ذلك هو روايتهم الأحاديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ولذا حبسهم لمنعهم من الرواية.

وهذه بعض الآثار في ذلك:

1 - إنّ عمر بن الخطّاب حبس بعض أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فيهم: ابن مسعود، وأبو الدرداء، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله! قال ابن البري: يعني منعهم الحديث، إذ لم يكن لعمر حَبْس (3).

2 - شعبة، عن سعيد بن إبراهيم، عن أبيه: أنّ عمر بن الخطّاب قال لابن

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق 67: 347، مسند أحمد 2: 200 رقم 4453، وعنه في البداية والنهاية 8: 115، المستدرك على الصحيحين 3: 584/6167، التلخيص، طبقات ابن سعد 4: 247.

(2) تاريخ مدينة دمشق 67: 353، المستدرك على الصحيحين 3: 582/ 6160، التلخيص، سير أعلام النبلاء 2: 604، البداية والنهاية 8: 116.

(3) المحدّث الفاصل: 553 رقم 744، الإلماع 217.


الصفحة 222

مسعود، ولأبي الدرداء، ولأبي ذرّ: ما هذا الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟! وأحسبه حبسهم بالمدينة حتّى أُصيب.

قال الحالكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في التلخيص (1).

3 - قال الذهبيّ: إنّ عمر حبس ثلاثةً: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، فقال: لقد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (2).

4 - قال عبد الرحمان بن عوف: ما ماتَ عمر بن الخطّاب، حتّى بعث إلى أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فجمعهم من الآفاق: عبد الله - بن مسعود - وحُذيفة، وأبا الدرداء، وأباذرّ، وعُقبة بن عامر، فقال: ما هذه الأحاديث التي أفْشيتم عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في الآفاق؟!

قالوا: تَنْهانا؟!

قال: لا، أقيموا عندي، لا والله، لا تُفارقوني ما عشتُ، فنحنُ أعملُ، نأخذ عنكم ونردّ عليكم.

فما فارقوه حتّى مات (3).

ورواه ابن عساكر، وأضاف: وما خرج ابن مسعود إلى الكوفة ببيعة عثمان

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 1: 193 رقم 374 وبذيله التلخيص.

(2) تذكرة الحفّاظ 1: 7.

(3) كنز العمّال 1: 239 (طبعة الهند).


الصفحة 223

إلاّ من حبس عمر في هذا السبب (1).

 

عثمان ورواية الحديث

اقتفى عثمان بن عفّان سيرة سلَفه: أبي بكر، وعمر، في المنع من الحديث.

قال محمود بن لبيد: سمعتُ عثمان على المنبر يقول: لا يحلّ لأحدٍ يروي حديثاً عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، لم يُسمع به في عهد أبي بكر، ولا عهد عمر (2).

وهذا يدلُّ على أنّ الممنوع في عهد عثمان، هو الممنوع في عهد أبي بكر وعمر.

وقد تعرّض أبو هريرة إلى تهديد عثمان بسبب رواية الحديث، فقال له: ما هذا الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، لقد أكثرتَ، لَتنْتهِينَّ أو لألحقنّك بجبال دَوْس (3).

وقبل الانتقال إلى سياسة معاوية وبني أُميّة وولاتهم وشيعتهم، مع الحديث النبويّ الشريف، في إخفاء وإيخاف! إخفاء للحديث، وإيخاف لمـَن يحمل الحديث ويتحدّث به خصوصاً ما فيه من فضائل أهل البيت عليهم‌السلام. وعمدوا إلى شراء الذِمم لتزوير التاريخ ووضع أحاديث مكذوبة في الفضائل؛ عاملهم الله بعدله. فقبل هذا الباب، رأينا أن نتكلّم عن مسألة تمسّك بها كلّ مَن منع من الحديث، تلك هي: الخوف من اختلاط القرآن بغيره! والخوف من الاشتباه،

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 17: 101.

(2) طبقات ابن سعد 3: 40، مسند أحمد 1: 2/363.

(3) المحدّث الفاصل: 554، رقم 746، السنّة قبل التدوين: 459، أضواء على السنّة، لأبي ريّة: 54.


الصفحة 224

والخوف من ترك القرآن والاشتغال بغيره. حتّى أنّنا نجد الناقص «يزيد» يكتب إلى أبيه معاوية: قد نُشر في مِصْري حديث، فقد تركوا القرآن! فتوعّد معاوية صاحب الكتاب أشد الوعيد.

وقد تكلّمنا عن هذه الدعوى فأثبتنا بُطلانها! ذلك أنّ كلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مسدّدٌ بالوحي ولا ينطق عن هوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى، وأنّ السيرة ترجمان للقرآن وتفصيل له وفي السيرة ما ليس في القرآن، فإذا اُلغي كلّ ذلك؛ ماذا بقي من الإسلام؟!

وحان أن نقف عند ذريعتهم بالدفاع عن القرآن من أن يشوبه شيء، لنرَ صدقهم في ذلك.

إنّ القرآن الكريم، ولو لا العناية وتكفّل الله تعالى بحفظه لوجدنا قرآناً غير الذي بين أيدينا، ذلك: أنّ أولئك الرجال الذين هتكوا حرمة السنّة، جاؤوا بقراءاتٍ شاذّة، وأبدلوا حروف بعض الكلمات، وأضافوا كلماتٍ إلى بعض الآيات، وزعموا سقوط آيات كثيرة من القرآن الكريم؛ في حين ادّعوا انّ سورتين ليستا منه!!

فلو أخذت الأُمّة الإسلاميّة بأقوال ذلك السلف الرافض لحديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، لوجدت قرآناً يصحّ تسميته: «مصحف رافضة الحديث» ز

ويبرز عبد الله بن مسعود في طليعة هذه المجموعة، وقد أفاد من حديث نُسب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فصالَ وجال!

بسندٍ عن عمر بن الخطّاب، قال: قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله): «مَن أحبّ أن يقرأ


الصفحة 225

القرآن غَضّاً، كما أُنزِل فَلْيقرأه على قراءة ابن أُمّ عَبْد» (1). يعني بذلك عبد الله بن مسعود.

إنّ عبد الله بن مسعود، أحد الذين وافقوا عمرَ، بل كان أشدّهم متابعة له في منع الحديث؛ فكان هذا الحديث جزاءً، والذي سنجده بعيداً عن الواقع! ولذا لم يذكره الذهبيّ في «التلخيص».

وأمّا تصديق كلامنا، فهو سيرة ابن مسعود؛ إذ نجده يعظّم نفسه كثيراً، فيما يحطّ من منزلة صحابة، وحقّرهم! وذلك لمّا أرادوا أن يجمعوا المصحف الشريف على قراءة واحدة؛ فكان في نسخة ابن مسعود تصحيفُ كلمات كتبها على غير ما هي عليها الآن، وحذف من مصحفه الكثير، كان من جملة ما حذف سوراً بكاملها؟! فلماذا يكون هذا من صحابيّ مثل «عبد الله بن مسعود؟!».

إنّ عبد الله بن مسعود، لم يكن وحيداً في هذا الأمر، فإنّ سيّده في ذلك: عمر بن الخطّاب، وقد ماتَ ولم يجمع القرآن، أي لم يحفظه! أخرج البلاذريّ بسندٍ عن ابن سيرين قال: قُتل عمر ولم يجمع القرآن. قال رَوح: يعني أنّه لم يحفظه (2). فلا ندري، لعدمِ حفظِه، أو لعلّةٍ أُخرى كان يقرأ نصوصاً ويزعم أنّها كانت من القرآن؟!

ذكر ابنُ إسحاق، عن عبد الرحمان بن عوف، قال: إنّ عمر بن الخطّاب، جلس على المنبر، فخطب فجاء في خطبته:

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 2: 247/2894.

(2) أنساب الأشراف 10: 349.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة