الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 186

ومسألة أخرى: أنّه لم يذكر من هذا الكثير الذي كان من القرآن الكريم ثمّ سقط إلاّ آية الرجم للشيخ والشيخة، وما ذكره من سقوط سورتين من القرآن!! وتحريفه لنصّ آية - سنأتي على ذلك -؛ فلو أنّه ذكر ذلك الكثير أو الكثير من الكثير، فلعلّه أفاد المسلمين بذلك؟!

واعتراض آخر: أين غاب طليعة السبق إلى الإسلام، وأوّل سابق هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام الذي تربّى في حِجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يفارقه ليلة الخميس فيلتحق في صفّ أهل السقيفة التي وطّأت الأمر لأهل «الأريكة»، وكان عليه‌السلام يسمع الوحي ويراه إلاّ أنّه ليس بنبيّ كما قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. هلاّ سمع وسمع صاحبه «أبوبكر» وأفاضل الصحابة ما سمعه عمر؟!

الطّامّة العظمى: وكما أنّ عمر كان من المتهوّكين كما قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، إذ كان من المفتتنين بأهل الكتاب وأحضر إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نُسخاً من كتبهم أعجبته فنهره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بغضب - يأتي بيانه -، وأنّه هدم ركن النبوّة كما ذكرنا في أكثر من موضع من ذلك يوم أُحد حينما كان مع طلحة ومجموعة فلمّا سُئلوا قالوا: قُتل محمّد! ويوم الرزيّة وما أحدثه من الجَلَبة في معارضته للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في كتابة الكتاب وقوله: إن الرجل لَيَهْجُر، أي يهذي لا يدري ما يقول - معاذ الله -، وكما سمّاه وجماعته «محمّد»! من غير أن يكلّفوا أنفسهم أن يقولوا: قُتل رسول الله، أو قُتل نبيّ الله؛ فهو هنا أيضاً سلك ذات المسلك، فإنّ محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله رجل جاء بشيء اسمه قرآن فلمّا ذهب؛ وهذه لا تخلو من سوء، فهي تعني انتهى أمره ...؛ ذهب معه كثير ممّا جاء به من قرآن!.


الصفحة 187

وممّا جاء في مصحف عمر: ما ذكره في كنز العمّال، من مسند عمر، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة قال: قال عمر لعبد الرحمان بن عَوْف: ألَم نجد فيما أُنزل علينا أن (جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرّة)؟، فإنّا لم نجدها، قال: أُسقط من القرآن (1)!.

غفرانك ربَّنا أن نقول ما قالوا، ونبرأ إليك من ذلك.

ومن ذلك: عن عَدي بن عَدي بن عَميرة بن فَرْوة (2) عن أبيه عن جدّه، أنّ عمر بن الخطّاب قال لأبي: أوَ ليسَ كنّا نقرأ من كتاب الله: أنّ انتفاءكم من آبائكم كفرٌ؟ فقال: بلى، ثمّ قال: أوّ ليسَ كنّا نقرأ: الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحجر؟ فُقد فيما فقدنا من كتاب الله؟ قال: بلى (3).

 

آيةٌ أُخرى

وأخرج في كنز العمّال «من مسند عمر» عن حذيفة، قال: قال عمر بن الخطّاب: كم تعدّون سورة الأحزاب؟ قلتُ: اثنتين أو ثلاثاً وسبعين، قال: كانت

____________________

(1) كنز العمّال 2: 567/4741.

(2) ذكره العجليّ فقال: ثقة (تاريخ الثقات: 330/ 1116). عمل لمر بن عبد العزيز مات سنة (120). تاريخ البخاري الكبير (4: 1: 44) والثقات، لابن حبّان 5: 270، الجرح والتعديل: 7/ الترجمة 6، ....

(3) كنز العمّال 6: 208/ 37215.


الصفحة 188

لتقارب سورة البقرة، وإن كان فيها آية الرَّجْم (1). ومثله ذكر ابن مَرْدَويه بسنده عن حُذيفة (2).

وعن زِرّ - بن حُبَيْش، قال: قال لي أُبي بن كعب: يا زِرّ، كأيّن تقرأ سورة الأحزاب؟ قلتُ ثلاثاً وسبعين آية، قال: إن كانت لتضاهي سورة البقرة، أو هي أطول من سورة البقرة، وإن كنّا لنقرأ فيها آية الرَّجْم. وفي لفظ آخر في آخرها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله. واللهُ عزيزٌ حكيم. فرفع فيما رُفع (3).

وعن عمر قال: قرأ رجلان من الأنصار سورةً أقرأهما رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وكانا يقرآن بها فقاما يقرآن بها ذاتَ ليلة يصلّيان، فلم يقدرا على حرفٍ منها، فأصبحا غاديين على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فذكرا ذلك له فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: إنّهما ممّا نُسخ أو نُسيَ فالْهَوا عنها (4).

وقد شايعه ابنُه عبد الله مع اختلاف في آخره، قال: وأُنسي. رواه الطبراني في الأوسط (5).

____________________

(1) نفسه 2: 480/4550، مسند أحمد 5: 132؛ المستدرك على الصحيحين 2: 415، و 4: 359، سنن البيهقي 8: 211.

(2) نفسه.

(3) نفسه: 567.

(4) مجمع الزوائد 6: 315.

(5) نفسه 7: 156.


الصفحة 189

تحريفُ كتاب الله عزّ وجلّ

أنزل الله تعالى القرآن العظيم وتكفّل حفظَه وصَوْته من التحريف الذي مارسه اليهودُ والنصارى وغيرُهم بما أنزل الله عزّ وجلّ: (إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (1)، (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) (2)، (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (3) فالقرآن الكريم نزل به جبريل الأمين على النبيّ الصادق الأمين من لَدُن حَكيمٍ في أقواله، خبير بعواقب الأُمور. فآياته محكمة في لفظها، مصونة من أيّ دخَل؛ مفصّلة في معناها، فهو كامل صورةً ومعنىً، ولذا بقي على الصورة التي نزلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله رغم محاولات البعض العبث ببعض ألفاظه فذهبت محاولاتهم هباءً منثوراً.

محاولات البعض: من طُرُقٍ مختلفة، أنّ عمر بن الخطّاب كان يقرأ «فاسعوا» في سورة الجمعة «فامضوا».

ذكر مالك في الموطّأ، قال: حدّثني يحيى عن مالك أنّه سأل ابن شهاب - الزهريّ - عن قول الله عزّ وجلّ (يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى‏ ذِكْرِ اللّهِ) (4) الآية؛ فقال ابن شهاب: كان عمرُ بن الخطّاب يقرؤها: إذا

____________________

(1) الحِجْر: 9.

(2) يونس: 1.

(3) هود: 1.

(4) الجُمعة: 9.


الصفحة 190

نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله. (1)

ومثله ذكر البخاري (2).

وأخرج الطبريّ بسنده، قال: حدّثنا عبد الحميد بن بيان السكّريّ، قال: أخبرنا سفيان، عن الزُهريّ، عن سالم - بن عبد الله بن عمر -، عن أبيه، قال: ما سمعتُ عمر يقرؤها قطّ إلاّ فامضوا (3).

والطبريّ: حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا ابن عَديّ، عن شُعبة، قال: أخبرني مغيرة، عن إبراهيم أنّه قيل لعمر: إنّ أُبيًّا يقرؤها: «فاسعوا»، قال: أما إنّه أقرؤنا وأعلمـُنا بالمنسوخ، وإنّما هي «فامضوا» (4).

هذا بعضُ ما ورد عن عمر بشأن القرآن؛ فجمع بذلك أمرين:

الأوّل: هو المنع من حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ومارسه عمليّاً بجمع كتب الحديث لدى الناس فأحرقها، ففُقد بذلك كثير من أحكام الله تعالى!.

والثاني: نسبته إلى القرآن ما ليس منه، وتحديّه للهِ تعالى بهتكه حُرمة القرآن الكريم، بزعمه سقوط الكثير منه، فخالف بذا وذا قول الله تعالى بتكلّفه صَوْن القرآن وحفظه.

ولعلّ ما كان من عمر بشأن القرآن هو الذي شجّع غيره على ممارسة

____________________

(1) المـُوطّأ، لمالك 1: 106/13.

(2) صحيح البخاري 1: 106/13 - باب تفسير القرآن -.

(3) تفسير الطبريّ 27: 127/26428.

(4) نفسه/26429.


الصفحة 191

إساءاتٍ في تحريف بعض آيات القرآن المبين؛ أو تأييد قول عمر، وقد ذكرنا قول أُبيّ بن كعب: إنّ سورة الأحزاب كانت أطول من سورة البقرة، ثمّ زعم أنّ آية الرَّجْم منها؛ وهو قول عمر، ثمّ قرأ آيةً مفتعلة.

وذكرنا تأييد ابن عمر لأبيه في زعمه أنّ سورتين من القرآن نُسختا أو نُسيتا.

 

أُمّهات المؤمنين يُحرّفن آية

حدّث يحيى بن يحيى التميميّ، قال: قرأتُ على مالك عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة أنّه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت: إذا بلغتَ هذه الآية فآذنّي: (حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسْطَى) (1)، فلمّا بلغتُها آذنتُها فأملت عليَّ «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين» قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (2).

وبسندين عن أمّ حميد بنت عبد الرحمان، أنّها سألت عائشة عن الصلاة الوسطى، قالت: كنّا نقرؤها في الحرف الأوّل عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، «وحافظوا على الصلوات الوسطى صلاةِ العصر وقوموا لله قانتين» (3).

____________________

(1) البقرة: 238.

(2) تفسير الطبريّ 2: 665، و 675.

(3) نفسه 2: 665.


الصفحة 192

وعن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن حَفْصة زوج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّها قالت لكاتبِ مصحفها: إذا بلغتَ مواقيتَ الصلاة فأخبرني حتّى أُخبرك بما سمعتُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فلمّا أخبرها، قالت: اكتب، فإنّي سمعتُ رسول الله - صلى‌الله‌عليه‌وآله - يقول: «وحافظوا على الصّلاة والصّلاة الوسطى وهي العصر» (1).

أيضاً عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، أن حَفْصة أمرت مولىً لها أن يكتب مصحفاً فقالت: إذا بلغت هذه الآية (حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسْطَى) فلا تكتبها حتّى أمليها عليك! كما سمعتُ رسول الله يقرؤها، فلمّا بلغها أمرته فكتبها «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر». قال نافع: فقرأت ذلك المصحف فوجدتُ فيه الواو (2).

ومن الصحابة ممّن اقتدى بأُمّهات المؤمنين ثمّ رجع عن ذلك:

البَراءُ بن عازِب، قال: نزلت هذه الآية «حافظوا على الصلوات والصلاة العصر»، قال: فقرأتُها على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن نقرأها، ثمّ إنّ الله نسخها فأنزل: (حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسْطَى) (3).

 

أحاديث التهوّك

كان من المبرّرات التي احتجّ بها عن لمنع تدوين الحديث، وشايعه آخرون

____________________

(1) نفسه: 666.

(2) تفسير الطبريّ 2: 274.

(3) نفسه: 673.


الصفحة 193

على ذلك، هو التخوّف من ترك القرآن والاشتغال بغيره، ذلك قوله: «إنّي كنتُ أردتُ أن أكتب السنن، وإنّي ذكرتُ قوماً كانوا قبلكم كبتوا كتباً فأكبّوا عليها، وتركوا كتابَ الله تعالى، وإنّي - والله - لا ألْبس كتابَ الله بشيءٍ أبداً» (1).

وكان عبد الله بن مسعود يؤكّد على تبرير المنع بهذا.

عن إبراهيم التميميّ، قال: بلغَ ابنَ مسعود أنّ عند ناسٍ كتاباً يُعجبون به، فلم يزل معهم حتّى أتوه به فمحاه، ثمّ قال: إنّما هلك أهل الكتاب قبلكم أنّهم أقبلوا على كُتب علمائهم، وتركوا كتاب ربّهم (2).

والرّوايات عن ابن مسعود في هذا الميدان عدّة نكتفي بالرّواية السابقة وما سنذكره من رواية:

عن سليم بن الأسود، قال: كنتُ أجالس أباناً في المسجد، فأتيتُهم ذات يوم، فإذا عندهم صحيفة يقرؤونها، فيها ذِكرٌ، وحمدٌ، وثناءٌ على الله، فأعجبتني، فقلتُ لصاحبها: أعطنيها، فأنسخها.

قال: فإنّي وعدتُ بها رجلاً، فأعدّ صحفك، فإذا فرغ منها، دفعتُها إليك.

فأعددتُ صحفي، فدخلتُ المسجدَ ذات يومٍ، فإذا غلامٌ يتخطّى الخَلْق، يقول: أجيبوا عبد الله بن مسعود في داره.

فانطلق الناس، فذهبتُ معهم، فإذا تلك الصحيفةُ بيدِه، وقال: ألاَ إنّ ما في هذه الصحيفة فتنة، وضلالة، وبِدعة، وإنّما هلك مَن كان قبلكم من أهل الكتب -

____________________

(1) تقييد العلم: 49.

(2) سنن الدارمي 1: 100 ح 475.


الصفحة 194

باتّباعهم الكتب، وتركهم كتاب الله، وإنّي أُحرّج على رجلٍ يعلم منها شيئاً إلاّ دلّني عليه، فوالذي نفسُ عبد الله بيده، لو أعلم منها صحيفة بدَيْر هندٍ لأتيتُها، ولو مشياً على رجلي، فدعا بماءٍ فغسل تلك الصحيفة (1).

وروى الدارميّ ذلك، ومحتوى الكتاب في روايته: «سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلاّ الله، والله أكبر». فقال عبد الله: إنّ ما في هذا الكتاب: بدعة، وفتنة، وضلالة، وإنّما أهلك من كان قبلكم هذا وأشباه هذا، إنّهم كتبوها، فاستلذّتها ألسنتُهم واُشربتها قلوبُهم (2).

وعن أبي موسى الأشعريّ، قال: إنّ بني إسرائيل كتبوا كتاباً واتّبعوه، وتركوا التوراة (3).

وقد ذكر الخطيبُ البغداديّ هذا التبرير، وقال: فقد ثبت أنّ كراهة مَنْ كره الكتابَ من الصدر الأوّل إنّما هي لئلاّ يُضاهى بكتاب الله تعالى غيره، أو يُشتغل عن القرآن بسواه.

ونُهي عن الكتب القديمة أن تُتّخذ، لأنّه لا يُعرف حقّها من باطلها وصحيحها من فاسدها، مع أنّ القرآن كفى عنها، وصار مهيمناً عليها (4).

____________________

(1) تقييد العلم: 5 - 65.

(2) سنن الدارمي 1: 102 ح 485.

(3) تقييد العلم: 56.

(4) نفسه: 57.


الصفحة 195

نقدُ التبرير

أوّلاً: لا يخفى أنّ بعض هذا التبرير حقّ، وبعضه باطلٌ، وقد أراد أصحابه الخلط بينهما؛ فالمفروض في كلامهم أمران:

1 - إنّ ترك القرآن منهيّ عنه، وحرامٌ شرعاً.

وهذا حقّ لا ارتياب فيه.

2 - إن الاشتغال بغير القرآن يؤدّي إلى ترك القرآن، وهو أيضاً حرام، وهذا ليس بإطلاقه صحيحاً، بل:

إن كان الاشتغال بغير القرآن مؤدّياً إلى ترك القرآن، كان حراماً. وإلاّ، فإنْ لم يكن الاشتغالُ بغير القرآن  مؤدّياً إلى ترك القرآن، فهو ليس بحرامٍ قطعاً!

فانظر رحمك الله! مَن جعل الفرض الأوّل، كالفرض الثاني - في الحكم - وإطلاق أنّهما يؤدّيان إلى ترك القرآن، فهو خلطٌ بين حقّ وباطل وإيهام وإغراء قبيح!

ونجدهم قد استعملوا كلمات «الاشتغال» و «الانكباب» و «الانهماك» ليضخّموا ويهوّلوا الأمر ويزيدوه تبشيعاً.

وإلاّ، فليس في مجرّد كتابة شيءٍ من الحديث «اشتغال» أو «انكباب» أو «انهماك» عن القرآن، ولا يؤدّي إلى «ترك» القرآن.

ومن هنا، نجد بشاعة قول ابن مسعود: إنّ الصحيفة المحتوية على قول: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إلهَ إلاّ الله، والله أكبر» بدعة وفتنة وضلالة!! ولماذا، متى كانت هذه الكلمات الأربع باطلة؟! وهي من الأذكار التي جاء بها الإسلام،


الصفحة 196

ومفرداتها إنّما هي كلماتٌ وجُمَل من القرآن، توحيد لله تعالى وتسبيح وحمدٌ وتكبير؛ فأيّ باطل فيها، وكيف تُؤدّي إلى ترك القرآن؟!

ثانياً: إن ترك القرآن - وهو فعل محرّم باطل عند المسلمين - مَن هو المتّهمُ به من بين المسلمين الذين أرادوا جمع الحديث، وتأليفه، وتدوينه وتقييده؟ وهم في ذلك العصر، بين صحابيّ جليل، أو تابعيّ فاضل، أو مؤمن طالب للعلم الذي هو حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ أو كلمة ذكرٍ وثناءٍ وتمجيدٍ لله، كما كان في صحيفة ابن مسعود؟

أليس اتّهام أهل تلك الطبقة، اتّهاماً لأهل خير القرون وهم سلف المسلمين وهتكاً لحرماتهم؟

فلا يبقى مَن يتصوّر أنّ ترك القرآن والاشتغال بغيره بحقّهم، إلاّ القلائل من الشذّاذ الجهلة، أو الذين دخلوا الإسلام طمعاً أو خوفاً، أو بغرض التشويش بين المسلمين كالمتهوّكين، وخاصّة من أهل الديانات الأُخرى وحتّى من الجاهليّة، ممّن لم يكن يرغب في تدوين السنّة وكتابة الحديث قطعاً!

ثالثاً: إنّ ما يؤدّي إلى ترك القرآن من الكتب هو ما كان منافياً للقرآن في أهدافه ومحتوياته، من عقائد، وأحكام، وأخبار. وأشهرها آنذاك كتب الضلالة التي كان يتداولها أهل الكتاب من يهود ونصارى، وهي: التوراة، والإنجيل المحرّفان، وما دار حولهما من أساطير.

وقد جاء التصريح بذلك في أكثر كلمات المانعين بهذا التبرير. فقد ذكر عمر


الصفحة 197

ذلك - لما أحرق كتب الناس - فقال: اُمنية كاُمنية أهل الكتاب (1)، أو: مثناة كمثناة أهل الكتاب (2).

ويلاحظ أنّ كلمة «مشناة» إنّما هو مصطلح يهوديّ عبّروا به عن التوراة المبدّلة المحرّفة، في قبال التوراة التي لم تبدّل، وقد فسّر الكلمة بهذا المعنى أبو نعيم الإصفهاني (3).

وكان ابن مسعود تلميذ عمر في هذه السياسة لا يتخطّاها. وقد علّق مُرَّة - الذي نقل عن ابن مسعود أنّه محا كتاباً - بقوله: «لو كان من القرآن أو السنّة لم يمحه، ولكن كان من كتب أهل الكتاب» (4).

ولا ريب أنّ الاعتماد على كتب أهل الكتاب يؤدّي إلى ترك القرآن، لما بين القرآن وتلك الكتب من التنافي البيّن.

____________________

(1) تقييد العلم: 52.

(2) طبقات ابن سعد 5: 140 - طبع ليدن -، والصواب (مشناه) ويلاحظ أن عمر هو أوّل مَن أطلق (مشناه) على السنّة المحمّديّة والحديث النبويّ، حيث استعملها في مقام تشبيه ما كتبه الناس من الحديث بما كتبه اليهود.

ولاحظ بهذا الصدد: الإسلام عقيدةً وشريعة لمحمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر (492 - 494)، والسنّة النبويّة وعلومها لأحمد عمر هاشم (18 - 19). وعن ارتباطه بالتوراة وسائر الكتب اليهوديّة، وبأحبار اليهود في المصنّف، لعبد الرزّاق (10: 313) وسنن الدارمي (1: 115) وتقييد العلم: 52.

(3) دلائل النبوّة، لأبي نعيم - طبعة حلب: 638، ذيل رقم 428.

(4) سنن الدارمي 1: 102.


الصفحة 198

فالقرآن جاء ناسخاً لتلك الكتب، والإسلام جاء ناسخاً لتلك الأديان. مع عدم وضوح ما في تلك الكتب من الحقّ والباطل، وكفاية القرآن عن حقّها - كما يقول الخطيب البغداديّ (1).

ويكون نفس الالتزام بتلك الكتب دليلاً على الضلال، حيث يكون الملتزم بها غير مُعتقدٍ بحقّية القرآن أو بطلان تلك الكتب، أو أنّ ميله إليها وإعجابه بها - على الأقلّ - يكشف عن تردّده في الإسلام، وشكّه في القرآن، وهو «التهوّك» الذي أغضب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فحذّر عنه بأساليب، هذه بعض الروايات في ذلك:

1 - روي عن عمر بن الخطّاب أنّه قال للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: إنّا نسمع أحاديث من يهود، تُعجبنا! أفترى أن نكتبّها؟

فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: أمُتَهوِّكُون أنتم؟ كما تَهَوَّكَتْ اليهودُ والنصارى، لقد جِئْتُكم بها بيضاءَ نقيّةً (2).

2 - روى الخطيب البغداديّ بسنده، عن عبد الله بن ثابت الأنصاريّ - خادم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله - قال: جاء عمر بن الخطّاب إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه «جوامع من التوراة» فقال: مررتُ على أخٍ لي من قُريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، أفلا أعْرضُها عليك؟

فتغيّر وجهُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقال الأنصاريّ: أما ترى ما بوجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟ فقال عمر: رضيتُ باللهِ ربًّا وبالإسلام ديناً وبمحمّدٍ رسولاً.

____________________

(1) تقييد العلم: 57.

(2) تقييد العلم: 57.


الصفحة 199

فذهب ما كان بوجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: والذي نفسي بيده لو أنّ موسى أصبحَ فيكم ثمّ اتّبعتموه وتركتموني لَضللتم؛ أنتم حظّي من الأُمم وأنا حظّكم من النبيّين (1).

وعن بعض المصادر: إنّ الذي ردّ على عمر هو عبد الله بن زيد - الذي اُري الأذان - قال لعمر: أمسَخَ اللهُ عقلك؟ ألا ترى الذي بوجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (2).

3 - وقال عمر: انطلقتُ أنا، فانتسختُ كتاباً من أهل الكتاب، ثمّ جئتُ به في أديمٍ.

فقال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: ما هذا في يدك يا عمر؟

قلتُ: يا رسول الله، كتابٌ انتسختُه، لنزداد به علماً إلى علمنا! فغضبَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، حتّى احمرّت وجنتاه، ثمّ نُودِيَ بـ «الصلاة جامعة».

فقالت الأنصار: أُغضِبَ نبيّكم صلّى الله عليه، السلاحَ السلاحَ، فجاؤوا حتّى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

فقال: يا أيّها الناس، إنّي اُوتيتُ جوامع الكلم وخواتيمه، واختُصر لي اختصاراً، ولقد أتيتُكم بها بيضاء نقيّة، فلا تتهوّكوا، ولا يقربنّكم المتهوّكون. قال عمر: فقمتُ، وقلتُ: رضيتُ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبك رسولاً! ثمّ نزل رسول

____________________

(1) الأسماء المبهمة، للخطيب: 188 - 189 رقم 95، مجمع الزوائد 1: 174 عن أبي الدرداء. وفي ثلاث روايات برقم 10163 - 10165 - والمعترض على عمر في الثانية (عبد الله بن ثابت).

(2) الأسماء المبهمة، للخطيب البغداديّ: 189، رقم 95.


الصفحة 200

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (1).

4 - وروى ابن أبي شيبة، بسنده عن جابر: أنّ عمر بن الخطّاب أتى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب، فقال: يا رسول الله، إنّي أصبتُ كتاباً حسناً من بعض أهل الكتاب ... إلى آخره (2).

5 - روى أبو داود عن أبي قلابة: أنّ عمر مرّ بقوم من اليهود، فسمعهم يذكرون دعاءً من التوراة، فاستحسنه، ثمّ جاء به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فجعل يقرؤه، ووجه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يتغيّر.

فقال رجل: يا ابن الخطّاب، ألا ترى ما في وجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟ فوضع عمر الكتاب.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: إنّ الله عزّ وجلّ بعثني خاتماً، واُعطيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي الحديث اختصاراً، فلا يُلهِيَنّكم المتهوِّكون؟

قلت لأبي قلابة: ما المتهوّكون؟

قال: المتحيّرون (3).

6 - ذكر عبد الغني عبد الخالق رواية عن الدارميّ، عن جابر بن عبد الله: أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله حين أتاه عمر فقال: إنّا نسمع أحاديث من يهود تُعجبنا، أفَترى أن نكتب بعضها؟

____________________

(1) تقييد العلم: 52، وجامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البرّ 2: 42.

(2) المصنّف، لابن أبي شيبة 9: 47 رقم 6472، مجمع الزوائد 8: 262، جامع بيان العلم 2: 42.

(3) المراسيل، لأبي داود السجستاني 3: 224، رقم 1.


الصفحة 201

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: أمتهوّكونَ أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتُكم بها بيضاء نقيّةً، ولو كان موسى حيًّا ما وسعه إلاّ اتّباعي.

وقال: قال في جواهر الكلام «ص 133» التهوّك: السقوط في هُوّة الردى (1).

وقال الجوهري: في الحديث - عن طريق آخر - أنّ عمر أتاه بصحيفة، أخذها من بعض أهل الكتاب، فغضب صلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: أمتهوّكون فيها، يا ابن الخطّاب؟ (2)

وقال أبو عبيدة في معنى متهوّكون، معناه: أمتحيّرون في الإسلام حتّى تأخذوه من اليهود؟

وقال ابن سيدة: يعني أمتحيّرون؟ وقيل معناه: أمتردّدون ساقطون (3). هذا ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بينهم، فيأتيه أشدّ الناس منعاً لحديثه فيما بعد «عمر» بصحفٍ وأحاديث وأدعية من عند يهود قد أجبته، ومن أخٍ له من «قُريظة» كما صرّح عمر، وبجوامع من التوراة أعطاه إيّاها أخوه اليهوديّ، وبكتابٍ من كتب اليهود انتسخه ليزداد به المسلمون علماً إلى علمهم ...؛ ممّا أسخط رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وخاطب عمر ومَن يمكن أن يكون على شاكلته بالتشكيك والسقوط في هُوّة الردى، كما حصل لأصحاب التوراة والإنجيل.

والوقائع فيما بعد تؤكّد كلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مع عمر: «أمتهوّكون»؟ فلمّا أراد صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يكتب كتاباً لنْ تضلّ أُمّته بعده، وذلك في مرضه الذي قُبض فيه،

____________________

(1) حجّية السنّة: 317.

(2) الصحاح للجوهريّ (هوك)، ولسان العرب 12: 400.

(3) لسان العرب 12: 400.


الصفحة 202

تصدّى له عمر، وانضمّ إليه جم من المتهوّكين، فمنعوه من كتابة الكتاب، لعلمهم بما سيكتب إذ قدّم لهم صلى‌الله‌عليه‌وآله النصح والوصيّة بالتزام الثّقَلين كتاب الله العزيز، وعِترته أهل بيته، وأنّهم لن يضلّوا ما داموا متمسّكين بهما ...، ثمّ أراد أن يُثبت ذلك في كتاب فثارت نائرة عمر و كانت الرزيّة.

ولم تنقطع سلسلة ذلك العمل الذي بدأه أبوبكر بحرق أحاديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأكبّ عليه عمر بشدّة وآزره نفرٌ كانوا يكتبون حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ثمّ عدلوا عن ذلك فصاروا نسخةً ثانيةً لعمر في التشدّد في المنع وكانت حجّة عمر في المنع كما ذكرنا هو التخوّف من ترك القرآن والاشتغال بغيره - أي الحديث - مع استعمالهم مصطلح «مشناه» وهو مصطلح يهوديّ عبّروا به عن التوراة المبدّلة في قبال التوراة التي لم تبدّل. وذكرنا أنّ عمر هو أوّل مَن استعمل هذه الكلمة في مقام تشبيه ما كتبه الناس من الأحاديث النبويّة بما كتبه اليهود. وعمر أعرف بلغة اليهود، فله فيهم إخوان وهو معجب بكتبهم وعلمهم، ويريد من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الإفادة منها.

وأيضاً بعد مضيّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، بدّل في كلمات القرآن مع زعمه بوجود آيات وسور كانت على عهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فسقطت. وعاضده في ذلك بعض أمّهات المؤمنين، ونفر من الصحابة.

فلو أخذ المسلمون بأقواله، ولو لا الحفظ الربّانيّ للقرآن، لوجدنا قرآناً غير الذي بين أيدينا.

والحاصل أنّ ترك القرآن - والمراد به عدم الاعتقاد به - إنّما يترتّب على


الصفحة 203

الالتزام بكتب الأديان الأخرى، التي جاء القرآن نافياً لها وكافياً عنها، ليس على كتابة شيءٍ آخر ممّا لا يُعارض القرآن ولا ينافيه. وأمّا الحديث الشريف فلا يُمكن أن يتصوّر فيه أنّه معارض للقرآن. وقد صرّح القرآن نفسه بأنّ النبيّ (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى‏ * إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحَى‏ * عَلّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (1).

وعن حسّان بن عطيّة، قال: كان جبريل عليه‌السلام ينزل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالسنّة كما ينزل عليه القرآن، ويعلّمه كما يعلّمه القرآن (2).

ونقل عن أحمد بن حنبل قوله: السنّة تفسّر القرآن وتبيّنه، والسنّة عندنا آثار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، والسنّة تفسير القرآن، وهي دلائل القرآن (3).

وقال عبد الرحمان بن مهدي: الرجل إلى الحديث أحوجٌ منه إلى الأكل والشرب، لأنّ الحديث يفسّر القرآن (4).

وقال ابن حزم لمّا بيّنّا أنّ القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع، نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ووجدناه عزّوجلّ يقول فيه واصفاً لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله:

(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى‏ * إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ) (5)، فصحّ لنا بذلك أنّ الوحي ينقسم

____________________

(1) النجم: 3 - 5.

(2) المراسيل: 249 ح 2.

(3) حجيّة السنّة: 332.

(4) نفسه.

(5) النجم: 3 - 4.


الصفحة 204

من الله عزّ وجلّ إلى رسوله على قسمين:

أحدهما: وحْيٌ، متلوٌّ، مؤلّف تأليفاً معجزَ النظام، وهو القرآن.

والثاني: وحْيٌ، مرويٌّ، منقول، غير مؤلّفٍ، ولا معجز النظام، ولا متلوّ، لكنّه مقروءٌ، هو الخبر الوارد من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وهوالمبيّن عن الله عزّ وجلّ مرادَه (1).

وقال الشيخ أبو زهو: السنّة هي أحد قِسْمَي الوحي الإلهيّ الذي نزل به جبريل الأمين على النبيّ الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله، والقسم الثاني هو القرآن الكريم (2).

وقال: وقد وكّل الله إلى نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يُبلّغ القرآن الكريم للناس وأن يُبيّن لهم بقوله وفعله ما يحتاج إلى البيان، وهو صلى‌الله‌عليه‌وآله إذ يُبيّن للناس كتاب الله لا يُصْدِر عن نفسه، ولكنّه يتّبع ما يوحى إليه من ربّه، فالسنّة النبويّة وظيفتها تفسير القرآن الكريم والكشف عن أسراره، وتوضيح مراد الله تعالى من أوامره وأحكامه (3).

وقال الشيخ عبد الغني عبد الخالق: السنّة مع الكتاب في مرتبة واحدة من حيث الاعتبار والاحتجاج بهما على الأحكام الشرعيّة، ولا نزاع أنّ الكتاب يمتاز عن السنّة بأنّ لفظه منزّل من عند الله، متعبّد بتلاوته، معجزٌ، ولكن ذلك لا يوجب التفصيل بينهما من حيث الحُجيّة (4).

إنّ السنّة الشريفة امتدادٌ للقرآن، وتطبيقٌ عمليّ لمؤدّاه، وليس اتّباع السنّة

____________________

(1) الاحكام في اُصول الأحكام، لابن حزم 1: 93.

(2) الحديث والمحدّثون: 11.

(3) الحديث والمحدّثون: 38.

(4) حجيّة السنّة: 485.


الصفحة 205

إلاّ اتّباعاً للقرآن، وتطبيقٌ عمليٌّ لمؤدّاه، وليس اتّباع السنّة إلاّ اتّباعاً للقرآن، حيث أمر الله سبحانه بذلك في كتابه الكريم بالأخذ بما أمر به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ فقال: (مَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (1).

ولا تختلف السنّة عن القرآن في الحُجيّة، وقد أجمع على ذلك علماء الإسلام، وعقد أهل الحديث في كتبهم أبواباً تدلّ تراجُمها على ذلك فقد ترجم الخطيب البغداديّ أوّل أبواب كتابه «الكفاية» بعنوان «باب ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله تعالى، وحكم سُنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، في وجوب العمل، ولزوم التكليف» (2).

وترجم الباب الثاني منه بعنوان «باب تخصيص السنن لعموم محكم القرآن، وذكر الحاجة في المجمل إلى التفسير والبيان» (3).

وأورد في كتابه «الفقيه والمتفقّه» أحاديث دالّة على أنّ السنّة معتبرة في عرض الكتاب (4).

 

منهج عمر في المنع من حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

لقد انتهج عمرُ منهجاً متعدّد الأطراف لتحقيق هدفه في منع حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من ذلك:

____________________

(1) الحشر: 7.

(2) الكفاية: 39.

(3) الكفاية: 45.

(4) الفقيه والمتفقّه 1: 86.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة