الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 165

وقد ترجم عليه‌السلام كلامه هذا في مواقفه الخالدة في سوح الجهاد فكرَّ وما فرَّ وشهد الوحي له بذلك! فيما قعد غيرُه وفرّوا وخلّوا بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعدوّه، فأصابه ما أصابه حتّى دعا عليهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

يوم أُحُد: وهو يوم الفخر والعزّة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ولأمير المؤمنين عليه‌السلام، وثلّة ممّن لم يستزلّهم الشيطان بصراخه: ألاَ إنّ محمّداً قد قُتِل. ولمّا كنّا قد عقدنا بحثاً مفصّلاً في ذلك، وفي الفرار يوم خيبر!! فنذكر موجزاً من ذلك لمناسبته ما نحن فيه من خُلُق القوم في التعامل مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ذكر البخاري أنّ عمر بن الخطّاب انهزم يوم أُحُد فيمَن انهزم (1).

وكثيراً ما تحدّثوا عن شجاعة الحواريّ الزبير، فلمّا عصى الرُّماة أمْرَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وغادروا العسكر طمعاً في الغنيمة وجاءهم العدوّ من خلفهم وصرخ الصارخ انكفأ الزّبير مثل غيره ولم يبق مع عليٍّ أبي الحسن عليه‌السلام يذبّ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ويفديه بمهجته: «عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: ...، إذ مالت الرُّماة إلى العسكر حينَ كشَفْنا القومَ عنه يريدون النَّهب وخلَّوا ظهورنا للخيلِ فأتينا من أدبارنا وصرخ صارخٌ ألاَ إنّ محمّداً قد قُتِلَ فانكفأنا وانكفأ القوم علينا (2) ...

فالحواريّ كان في المنهزمين الفارّين عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. والحواريّ من

____________________

= مختصر تاريخ دمشق 17: 314، فرائد السمطين 1: 224 باب 44/ 175 مجمع الزوائد 9: 134، الرياض النضرة 2: 300.

(1) صحيح البخاري 5: 101.

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 82، تاريخ الطبري 2: 196، تاريخ خليفة: 36.


الصفحة 166

صفاته الحسد! وتلك الموبقة هي التي جعلته يقاتل أمير المؤمنين عليّاً عليه‌السلام. ويوم أُحُد عرَضَ رسولُ الله سيفاً فأعطاه أبا دُجانة ومنعه من الزبير؛ فغضب الزبير، ولما التقى أبودُجَانة مع أحد المشركين دعا الزبير بهلاك أبي دُجانة، فقتل أبو دُجانة المشركَ (1)، وقد ذكرنا قصّته مفصّلةً في حديث الراية وفتح خيبر.

 

أصحاب الصخرة

وذكرنا خبرهم مطوّلاً في حديث الراية، ومن قصّتهم: أنّ عمر بن الخطّاب وطلحة بن عُبيد الله، ورجال من المهاجرين والأنصار، قد استجابوا لصراخ الشيطان: ألاَ إنّ محمّداً قد قُتل، ففرّوا ولجأوا إلى صخرة (2) ...

وذكر الطبريّ: أنّ بعض أصحاب الصخرة قال: ليتَ لنا رسولاً إلى عبد الله ابن أُبّيّ «رأس المنافقين» فيأخذ لنا أمنَةً من أبي سفيان، يا قوم إنّ محمّداً قد قُتِل فارجِعوا إلى قومكم قبلَ أن يأتوكم فيقتلوكم (3).

فليس بغريب إذن على أصحاب الحُجرة تسمية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله باسمه أو الرجل من غير ما يستحقّه من نبيّ الله ورسوله ...، فقد قالوها على الصخرة! والذي ذكرناه من هدمهم لركن النبوّة في الحجرة في ردّهم على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؛ فإنّ مقدّماته أفصح من خلال قولهم يوم أُحُد: إنّ « محمّداً، الرجل الذي تعرفونه

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 72 - 73.

(2) نفسه 3: 203، تاريخ الطبري 2: 199.

(3) تاريخ الطبري 2: 203.


الصفحة 167

بهذا الاسم»، «قد قُتِل، وانتهى أمره ولسنا بطالبي ثأره»، «فارجعوا إلى قومكم ...، مَن هو مِن عَدِيّ يرجع إليهم؛ والذي من تَيْم يرجع إليهم ... فليس فيكم هاشميّ يُقتل دونه!». عثمان: ولم يكن عثمان مع أصحاب الصخرة، فقد فرّ في عدّة من الرجال حتّى بلغوا الجَلْعَب جبلاً بناحية المدينة فأقاموا به ثلاثاً ... (1) فيما وجدنا يهوديًّا اسمه: مُخَيْرِيق يقاتل دون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيُقتل شهيداً! وكان خَبْراً من أحبار اليهود (2).

مشهد امرأة: ولعلّ في قول عمر للنسوة: «إنّكنّ صويحبات يوسف يكمن خلفه أكثر من سرٍّ، من ذلك: أنّ الذين فرّوا كانوا ذكوراً لا نسوة! فيما جاهدت امرأة خلّدها التاريخ هي: نُسيبة بنت كعب المازنيّة، شهدت يوم أُحُد هي وزوجها وابناها، خرجت تسقي الجرحى: فلمّا فرّ الذكور قاتلت فجرحت اثني عشر رجلاً بسيفٍ ورمح، وضربها ابن قَمِيئة بالسيف على عاتقها؛ فكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «ما التفتُّ يميناً وشمالاً يومَ أُحُد إلاّ رأيتها تقاتل دوني» (3).

فمثلما حسد الزبيرُ أبا دُجانة على ما ذكرنا حتّى تمنّى قتله! فكذلك حال أصحاب الصخرة.

فيومُ أُحُد وما أدراك ما يوم أُحُد، الرزيّة كلّ الرزيّة، والفضيحة كلّ الفضيحة يوم أُحد. صرخ الشيطان فأجابه أصحاب الصخرة والجَلْعب وشايعوه في هدم

____________________

(1) نفسه 2: 201.

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 94، أنساب الأشراف 1: 397.

(3) السيرة النبويّة 3: 89 و 94، أنساب الأشراف 1: 397.


الصفحة 168

ركن النبوّة ... ولمّا علموا بسلامة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عادوا إليه.

 

بسالة أميرالمؤمنين يوم أُحُد

لم يفلح الشيطان أن يستزلّ أميرالمؤمنين عليه‌السلام، وأنّى له ذلك وأميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام نفسُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، مطهّر بصريح القرآن الكريم؛ عِدْل القرآن وترجمانه ...، بطلُ بدر؛ فماذا يوم أُحد؟

وأيضاً نقول: لقد تعرّضنا لهذا المطلب في ردّ الناصبيّ عدوّ نفسه: ابن تَيمِيه، في حديث الراية وفتح خيبر، فنوجزه شاهداً:

فيوم أُحُد قتل أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام أصحاب الألوية، وأجهز على عدد من أبطال قريش فعجّل بهم إلى النّار. فكان عدّة الذين حصدهم ذو الفَقَار «ستّة عشر» من أبطال قريش وعُتاتها. فقال جبريل عليه‌السلام: يا رسول الله، إنّ هذه لَلْمُواساة، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «إنّه منّي وأنا منه». فقال جبريل: وأنا منكما. فسمعوا صوتاً يقول:

لا سيفَ إلاّ ذو الفَقَار      ولا  فتى إلاّ عليّ(ii(1

إنّ الردّة والانقلاب على الأعقاب التي حذّر منها رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأثبتتها الوقائع؛ وأنزل الله سبحانه وتعالى بياناً في ذلك. قال تعالى: (وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ فَلَن

____________________

(1) ذكرنا أسماء مَن قتلهم أميرالمؤمنين عليه‌السلام يوم أُحد، ومصادر الهتاف في حديث الراية وفتح خيبر.


الصفحة 169

يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ) (1).

من تفسير قَتادة، قال: ذلك يوم أُحُد حين أصابهم القرح والقتل، فقال أناس منهم: لو كان نبيًّا ما قُتِل! فقال تعالى: (وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ) الآية، يقول: ارتددتم على أعقابكم كفّاراً ... (2)

وعن حالة الارتداد والانقلاب على الأعقاب يوم أُحُد في قوله تعالى: (... انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ)، قال مقاتل بن سليمان في تفسيره: يعني رجعتم إلى دينكم الأوّل الشِرك (3).

قال ابن إسحاق في قوله تعالى: (وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ) الآية. قال: أي لقولِ الناس: قُتل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوّهم.

وفي قوله تعالى: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ) الآية. قال: رجعتم عن دينكم كفّاراً كما كنتم! قد بيّن لكم فيما جاءكم به عني أنّه ميّت ومُفارقكم (4).

هذا هو حال الذين استزلّهم الشيطان فأطاعوا أمره: (إِنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنّمَا اسْتَزَلّهُمُ الشّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) (5) الآية.

____________________

(1) آل عمران: 144.

(2) تفسير ابن أبي زَمنين 1: 129.

(3) تفسير مقاتل بن سليمان 1: 194.

(4) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 117.

(5) آل عمران: 155.


الصفحة 170

أزالهم الشيطان عن مواضعهم بذنوبهم ومعصيتهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فأبعدهم إلى الصخرة والجَلْعَب، ولم يكن فيهم عليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام الذي يئِس الشيطان أن يقربه؛ فكان في صفّ (وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ)، أي: مَن أطاعه وعمِل بأمرِه (1).

ويوم الأحزاب «الخَنْدق» إذ جاءت جيوش الشِرك واليهود يقودها الأُمويّ أبوسفيان مصمّمون على اجتثاث الإسلام والمسلمين وتمكّن عَمرو بن عبدودّ في جماعةٍ من عبور الخندق ورفع صوته مطالباً مَن يبارزه، فنهض أبوالحسن عليّ عليه‌السلام فما خنَسَ غيرُه، فأجلسه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وهكذا ثانيةً وثالثةً وفي كلّ مرّة اثّاقل مَن حول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ أميرالمؤمنين عليه‌السلام، فبرز إليه فضربه ضربةً قدّت البيضة على رأسه والمغفر وشطَر بدنه نصفين وولّت خيول المشركين هاربة فعبرت الخندق وكفى الله المسلمين بعليٍّ عليه‌السلام القتال وتنفّس المرتابون الصعداء!

ومواقف الخلاف والعار والفرار كثيرة، من ذلك: يوم خَيْبر، لمّا أراد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يُظهر حقائق القوم، فشاء الله تعالى بحكمته أن يكون عليٌّ عليه‌السلام يومئذ أرمداً، فدفع النبيّ الرّاية إلى أبي بكر ففرّ هو وجماعته، فأعطاه إلى عمر ففرّ هو وجماعته، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: «لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يُحبّ الله ورسوله ويُحبّه الله ورسوله يفتح الله له ليس بفرّار». فلمّا كان الغد دعا عليّاً عليه‌السلام فتفل في عينه فبرأ، ثمّ هزّ الرّاية ودفعها إليه، فذهب بها يهرول فقتل مَرْحب عظيم اليهود وقلع باب حصنهم وكان الفتح على يديه. وقد ذكرنا تفاصيل ذلك ومصادره في حديثنا في الردّ على الناصبيّ الجاهل ابن تَيمِيه، في حديث الرّاية وفتح خيبر.

____________________

(1) السيرة النبويّة 1: 118.


الصفحة 171

إنّ أميرالمؤمنين عليّاً عليه‌السلام وهو ربيب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد بلغ إيمانه حدّ اليقين، فهو يعلم أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يموت، ولكن الله تعالى حيٌّ لا يموت والشريعة خالدة ما دامت السماوات والأربعون؛ ولذا لم يكن لإذاعة الشيطان أثر في نفس أميرالمؤمنين عليه‌السلام إلاّ المضيّ قدُماً في الذبّ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقهر الشِرك وجَنْدلة صناديده. ومضى عليٌّ عليه‌السلام على هذه السّيرة، هو في سوح القتال شهد له الوحي في السماء والعدوّ في الأرض، وهو عليه‌السلام كان يقول في حياة النبيّ: إنّ الله تعالى يقول: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ)، واللهِ لا ننقلب على أعقابنا أبداً بعد أن هدانا الله، والله لئِن مات أو قُتل لأُقاتلنّ على ما قاتل عليه حتّى أموت ...

ولم يخضع عليّ أميرالمؤمنين عليه‌السلام لسيرة أصحاب «الأريكة» في بثّ حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فيما خضع عدد من الصحابة لمشيئتهم فامتنعوا من التحديث، بل عمد بعضهم إلى تلف ما لديهم من أحاديث! وتعرّض عدد آخر للحبس لئلاّ ينشروا الحديث!

 

عمر يقتفي سنّة أبي بكر

ولمّا تربّع عمر على أريكة الحكم أبدى في بداية أمره رغبةً في جمع الحديث وكتابة السُّنن، إلاّ أنّه بعد مدّة منع من التدوين وبشدّة للغاية إلى حدّ أنْ عمّم ذلك في أمر رسميّ على الجميع.

وإزاء سياسة عمر المتشدّدة فقد تبعه عددٌ من الصحابة هم: أبو سعيد


الصفحة 172

الخُدْريّ، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعريّ (1). وحتّى أولئك القلّة المانعة نجدهم يكتبون الحديث بعد تلك الفترة (2).

والذي يعترض طريقنا في هذا المضمار جملة أُمور:

1 - لم يكن لعمر ومَن تبعه في المنع نص شرعيّ يستند إليه، حالهم في ذلك حال أبي بكر الذي وجد كتابة الحديث معمول بها في أيّام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، بل وأمر صلى‌الله‌عليه‌وآله بوجوب كتابة أحاديثه ونشرها، فقام أبوبكر أوّلاً إذ انتهت إليه الأريكة بعملية تدوين الأحاديث وجمعها ثمّ عدا عليها فحرقها ولم يكن له ما يتذرّع به من حجّة شرعيّة إلاّ قوله: «خشيتُ أن أموت وهي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدّثني فأكون قد نقلت ذلك». ذكرنا كلامه هذا سابقاً.

2 - مخالفة الصحابة، وهم الأكثر عدداً، لإجراء المنع، مع أنّ هذا العدد مَن هو أكثر اتصالاً بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من أقاربه وخاصّته، مثل أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام؛ وأيضاً أنس بن مالك خادمه، وعائشة زوجته.

فلو كان التدوين ثابتاً - شرعيّاً - أنّه الحرمة والمنع، لم يكن أميرالمؤمنين عليه‌السلام، وأنس وأمثاله يخفى عليهم ذلك الحكم. ولقد كان هؤلاء من المصرّين على إباحة التدوين ومزاولين له وقد اُثِرَتْ عنهم كتبٌ ومؤلّفات في الحديث. ولو كان إجراء عمر شرعيّاً لما خالفوه.

____________________

(1) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث: 296.

(2) دراسات في السنّة النبويّة الشريفة، للدكتور صدّيق عبدالعظيم أبي الحسن: 104.


الصفحة 173

ربّما يُقال: إنّ الصحابة اختلفوا في تدوين الحديث، فمنهم مَن ترك ذلك ومنهم مَن فعلها أو أباحها؛ ولا يمكن والحال هذه تقديم الترك على الفعل، لأنّ دلالة الفعل نصٌّ ودلالة الترك ظاهرٌ، لأنّه أعمّ من الحرمة وتقديم النصّ على الظاهر أولى.

ونظراً لذلك يمكن الجزم بأنّ إجراء المنع إنّما رأيٌ خاصٌّ بعمر لتحقيق غرضٍ خاصٍّ به.

والنصوص في حديث عمر وأتباعه، صريحة بنفسها على أنّهم لم يكن لهم أصل شرعيّ وإنّما هو رأي رأوه لتحقيق أمرٍ ما. فوجب دراسة النصوص:

«قال عُروة بن الزبير: إنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتبَ السنَن فاستشارَ في ذلك أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فأشاروا عليه أن يكتبَها، فطفقَ عمر يستخيرُ الله فيها شهراً! ثمّ أصبح يوماً، وقد عزمَ الله له! فقال: إنّي كنتُ أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرتُ قوماً قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها، فتركوا كتاب الله تعالى وإنّي واللهِ لا ألْبِسُ كتابَ الله بشيءٍ أبداً» (1).

يدلّ هذا النصّ على أمور غاية في الأهميّة:

1 - إنّ الكتابة في الأصل لم تكن حراماً ولا ممنوعة، وإلاّ كيف أراد عمر أن يكتب السنن؟

____________________

(1) تقييد العلم، للخطيب البغداديّ: 49. (والغريب أنّ النصّ يحتوي على نسبة ذلك إلى الله تعالى بقوله: ثمّ أصبح وقد عزم الله له. قال أبو شهبة: ولكن الله لم يرد له. دفاع عن السنّة: 21، لابن شهبة.


الصفحة 174

والنصّ يدلّ على أنّ عمر لم يعرف من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله نهياً عن التدوين، فأخذ يستشير الصحابة، مضافاً إلى أنّه لم يستدلّ بالنهي الشرعيّ، وإنّما علّل بغير ذلك، كما سيجيء.

قال المـُعلمي في ذلك: فلو كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله نهى عن كتابة الأحاديث مطلقاً لما همَّ بها عمر، وأشار بها عليه الصحابة (1).

2 - إنّ أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، أو عامّتهم، أشاروا عليه أنْ يكتبَها.

3 - إنّ عمر - بالرغم من أنّه استشار الأصحاب فأشاروا عليه أن يكتب الحديث - خالفهم ولم يأخذ بآرائهم، بل منع الكتابة.

وقال «يحيى بن جعدة: إنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنّة ثمّ بدا لُه أن لا يكتبَها، ثمّ كتب في الأمصار: «مَنْ كان عندَه منها شيءٌ فلْيَمْحه» (2).

وبملاحظة هذا النصّ نجده يحتوي على:

1 - إرادة عمر لكتابة السنّة. وهذا معناه أنّ الكتابة لم يكن فيها حرَجٌ أو منع في أصل الشرع.

2 - إنّ قوله: «أراد» وقوله: «بدا لَهُ» يدلاّن بوضوح على أنّ إقدام عمر كان عن رغبة شخصيّة، وأنّه كان يعمل ما يبدو له، كما دلّ عليه النصّ السابق،  وإلاّ لاستند إلى إرادة الشارع ونهيه.

وقال «القاسم بن محمّد بن أبي بكر: إنّ عمر بن الخطّاب بلغه أنّه قد ظهر

____________________

(1) الأنوار الكاشفة، للمعلميّ اليمانيّ: 38.

(2) تقييد العلم: 53.


الصفحة 175

في أيدي الناس كُتبٌ، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيّها الناس، إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كُتبٌ، فأحَبُّها إلى الله أعْدلُها وأقومُها، فلا يُبقينّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّ أتاني به، فأرى فيه رأيي.

قال: فظنّوا أنّه يُريد أن ينظر فيها ويُقوِّمها على أمرٍ لا يكون فيه اختلاف، فأتَوْهُ بكتبهم، فأحرقها بالنار.

ثمّ قال: اُمنية كاُمنية أهل الكتاب (1).

وفي بعض النقول: مثناةٌ كمثناة أهل الكتاب (2).

المستفاد من النصّ:

1 - قوله: «قد ظهرت في أيدي الناس كتبٌ».

يدلُّ هذا على أنّ الكتب كانت منتشرة بين الناس لا يجدون حرجاً من تداولها، ولو كانت ثمّة حرمة في ذلك وهم أبناء الصدر الأوّل للإسلام، والكتب فيها ما كتبه الصحابة ...

وهذا - في نفسه دليل على أنّ حكم التدوين - أوّلاً، وقبل منع عمر هو الجواز والإباحة.

2 - قوله: فاستنكرها، وكرهها.

وهذا يعني أنّ الأمر راجع إلى عمر وسلوكه وكراهته لتلك الكتب دونَ أن يكون فيها ما يوجب الكراهة والاستنكار؛ وذلك: لأنّ عمر إنّما كرِه الكتب

____________________

(1) نفسه: 52.

(2) طبقات ابن سعد 1: 140 (طبع ليدن). والصواب مشناه - بالشين والهاء، كما سيأتي -.


الصفحة 176

واستنكرها قبل أن يراها!، كذلك وجود الكتب في أيدي الناس، وكما ذكرنا أنّهم أبناء الصدر الأوّل للإسلام إمّا صحابة أو أخذوها عن صحابة، واحتفاظهم بها، دليلٌ على عدم احتوائها على ما يُنكر ويكره، وإلاّ لصرّح عمر بما فيها ليكون شافعاً في حرقها، مع تحفّظنا من مسألة الحرق لاحتواء الكتب على ألفاظ الجلالة وآيات القرآن الكريم!

3 - قوله: فظنّوا ...

دلالته ظاهرة في الفرق الكبير بين الناس وعمر. فالناس ظنّوا به خيراً وأحضروا إليه أعزّ ما يملكون «الكتب»، وعمر عمل بما لا يأملونه منه فخاب ظنّهم إذ أحرق كتبهم، ولو علموا ذلك، لما أحضروا إليه الكتب ولأخْفَوها عنه.

وأخيراً: فإنّ لجوء عمر إلى «حرق كتب السنّة بالنار» عملٌ غريب لأكثر من إشكال: فالكتب تلك هي أموال الناس الخاصّة ولا يجوز التصرّف فيها فضلاً عن حرقها من دون رضاهم.

ولا ندري هل علماء الإسلام موافقون بالإجماع على هذا العمل خصوصاً وأنّ عمر قد صرّح باحتمال احتوائها على «الأعدل، والأقوم»، وقطعاً أنّ فيها كثيراً من سُنن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، لفرض أنّ الكتب كانت صادرةً من الناس الذين فيهم علماءُ الصحابة.

فإذا كان عدد الأحاديث التي صرّح أبوبكر بحرقها هي «خمسمائة»، فإنّ الذي أتلفه عمر أكثر بكثير من ذلك! والذين وافقوا عمر لكن لا بالإحراق وإنّما بالغَسْلِ بالماء كما فعل أبوموسى الأشعريّ وابن مسعود وغيرهما. ثمّ خفّت


الصفحة 177

(والحمدُ لله!) فيما تلا ذلك من العصور، من الإحراق والغسل، إلى مجرّد الدَفْنِ!.

قال إبراهيم بن هاشم: دفَنّا لبشر بن الحارث ثمانية عشر ما بين قِمْطر وقَوْصرة (1).

 

أحمد، وابن الجوزيّ يُنكران دفن الكتب

قال أحمد بن حنبل: «لا أعلم لدفْنِ الكتب معنىً» (2).

وجعل ابن الجوزيّ «دفن كتب العلم، وإلقائها في الماء» من تلبيس إبليس على جماعة من القوم، وقد كان جماعة منهم تشاغلوا بكتابة العلم، ثمّ لبّسَ عليهم إبليسُ وقال: «ما المقصود إلاّ العمل» ودفنوا كتبهم. وأضاف: إنّ العلم نورٌ، وإنّ إبليس يُحسّن للإنسان إطفاء النور، ليتمكّن منه في الظُلمة، ولا ظُلمة كظُلمة الجَهْل، ولمّا خاف إبليسُ أنْ يعاود هؤلاء مطالعة الكتب، فربّما استدلّوا بذلك على مكايده حسّنَ لهم دفْنَ الكتب وإتلافها.

وهذا فعلٌ قبيح محظورٌ، وجهلٌ بالمقصود بالكتب.

وقال: واعلم أنّ الصحابة ضَبَطت ألفاظ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ... فإذا كانت الصحابة قد روت السنّة، وتلقّاها التابعون وسائر المحدّثين، وقطعوا شرق الأرض وغربها لتحصيل كلمة من هاهنا، وكلمة من هاهنا، وصحّحوا ما صحّ وزيّفوا ما لم يصحّ، وجرحوا الرواة وعدّلوا، وهذّبوا السنن وصنّفوا.

____________________

(1) تقييد العلم: 62 - 63.

(2) نفسه.


الصفحة 178

ثمّ مَن يغسل ذلك، فيضيّع التعبَ، ولا يعرف حكم الله في حادثة؟! فما عوندت الشريعة بِمثْل هذا!.

أفَتَرى، إذا غُسِلت الكتب، ودُفِنت؛ على مَن يُعْتَمدُ في الفتاوى والحوادث (1)؟!

إنّ استنكار أحمد، وابن الجوزيّ للدفن، الذي هو واحدٌ من طُرُق إبادة الحديث، وهو أهون من طريق حرق الكتب أو غسلها بالماء حيث لا يمكن بعد استعادتها، أمّا المدفونة فربّما أُخرجت قبل أن تتلف. وعلى هذا، إذا كان ابن حنبل، وابن الجوزيّ يستنكران دفن الكتب، فهما بالأولى يستنكران الإحراق بالنار أيّاً كان فاعله!

إنّ إتلاف كتب الغير من غير رضىً، محرّم شرعاً وموجب للضمان وضعاً.

وهو إضافة إلى المسؤوليّة الشرعيّة، فهو مسؤوليّة حضاريّة تستوجب الحساب والعقاب مهما كانت منزلة الفاعل الاجتماعيّة.

 

موافقوا عمر في رأيه وفعله

خضع نفر من الصحابة لدستور عمر وعملوا به، بعد أن كانوا يكتبون حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، من غير حرَج، فصاروا متشدّدين في المنع، ومنهم مَن رجع إلى مزاولته بعد وفاة عمر!

قال أبو نَضْرة: قلنا لأبي سعيد - الخُدْريّ - اكتَتَبْنا من حديث رسول

____________________

(1) تلبيس إبليس، لأبي الفرج ابن الجوزي: 314 - 316.


الصفحة 179

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟.

قال: امْحُه (1).

قال عبد الرحمان بن أبي مسعود: كنّا نسمعُ الشيءَ فنكتبه، ففطنَ لنا عبد الله - يعني: ابن مسعود - فدعا أُمَّ ولده، ودعا بالكتاب، وبإجانة من ماءٍ، فغسله (2).

وقال أبو بُردة: كان لأبي موسى - الأشعريّ - تابعٌ، فقذفه في الإسلام، فقال لي: يُوشك أبو موسى أن يذهبَ ولا يُحفظ حديثه، فاكتب عنه.

قال: قلتُ: نِعْمَ ما رأيتَ.

قال: فجعلتُ أكتبُ حديثه.

قال: فحدّث حديثاً فذهبتُ أكتبُه كما كنتُ أفعل، فارتاب بي وقال: لعلّك تكتب حديثي؟

قال: قلت نعم.

قال: فأتني بكلّ شيءٍ كتبته.

قال: فأتيته به، فمحاهُ، ثمّ قال: احفظ كما حفظتُ (3).

وهؤلاء حالهم حال عمر، فهم:

1 - لم يحاولوا أن ينسِبُوا شيئاً إلى الشرع، أو يستدلّوا بنصٍّ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

2 - انّ إقدام هؤلاء لم يكن إلاّ رأياً منهم، فلم يكن ملزماً للآخرين، لأنّه:

____________________

(1) تقييد العلم: 38.

(2) سنن الدارمي 1: 102.

(3) طبقات ابن سعد 4: 112.


الصفحة 180

أوّلاً: مخالفٌ لما ثَبتَ في الشرع من إباحة التدوين، على ما سلف من الكلام. وخلاصته أنّه اجتهادٌ - في تحسين العبارة! - في مقابل النصّ؛ وإلاّ فهو الخلاف والهلاك الذي قال عنه ابن عبّاس:

روى سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس، قال: تمتّع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

فقال عُروة بن الزُبير: نهى أبوبكر، وعمر عن المتعة!

قال: ابن عبّاس: ما يقولُ عُرَيَّة؟!

قال: يقول: «نهى أبوبكر، وعمر عن المـُتعة»!.

فقال ابن عبّاس: أراهُم سيهلكُون، أقول: «قال النبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله». ويقولُ: «نهى أبوبكر وعمر» (1).

وكان عبد الله بن عمر يُفتي بالذي أنزل الله عزّ وجلّ من الرُخصة بالتمتّع، وبما سنّ رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيها، فقال ناسٌ لابنِ عمر: كيف تُخالفُ أباكَ، وقد نهى عن ذلك؟.

فقال لهم: وَيْلكم، ألا تتّقون الله؟ إن كان عمر نهى عن ذلك، فيُبتغى فيه الخير؟!

فلِمَ تُحَرِّمون ذلك، وقد أحلّه الله، وعمل به رسول الله عليه الصلاة

____________________

(1) مسند أحمد - طبعة شاكر - 5: 48/3121 وطبعة مصر (6 أجزاء) 1: 337، الفقيه والمتفقّه 1: 145، السنة قبل التدوين: 88. [ آل الزبير عندهم عُقدة شديدة من المـُتعة، ومناظرات عبد الله بن الزبير مع ابن عبّاس كثيرة في هذا الأمر حتّى أحرجه ابن عبّاس وأثبت له أنّه ابن مُتعة! وتكلّمنا بما فيه الكفاية في موضعه عن ذلك ].


الصفحة 181

والسلام؟!

أفرسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أحقُّ أن تتَّبعوا سُنَّتَهُ؟ أم سُنّةَ عُمر (1)

وللشافعيّ في ذلك قول قاطع، قال:

لقد ضَلّ مَنْ ترك قولَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لقولِ مَن بعده (2). وقال ابن حزم: ومن جاءه خبرٌ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، يُقرُّ أنّه صحيح، وأنّ الحجّة تقوم بمثله، أو قد صحّح مثل ذلك الخبر في مكان آخر، ثمّ ترك مثله في هذا المكان، لقياسٍ، أو لقولِ فلان وفلان؛ فقد خالفَ أمر الله ورسوله، واستحقّ الفتنة، والعذاب الأليم (3).

وقال الدكتور عبد الغني عبد الخالق: لا يصحّ لنا أن نقول بالتعارض بين قول صحابيٍّ، وبين قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والإجماع، فإنّهما مقدّمان عندنا.

وقال: إنّ عملَ الصحابيّ، أو قوله، ليس بحجّة (4).

 

أساليب عمر في المنع

«قال قرظة بن كعب: بَعَثنا عمرُ بن الخطّاب إلى الكوفة، وشيَّعَنا إلى موضع قرب المدينة، يقال له: «صِرَار»، وقال: أتدرون لِمَ شيّعتُكم، أو مشيت معكم؟

قال: قلنا: نعم؛ لِحَقِّ صُحبة رسول الله، أو: نحنُ أصحابُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله،

____________________

(1) مسند أحمد - طبعة شاكر - 8: 77/ 5700. وإسناده صحيح ونقله ابن كثير في البداية والنهاية 5: 141، السنّة قبل التدوين: 90.

(2) الفقيه والمتفقّه 1: 149.

(3) الأحكام، لابن حزم 1: 98.

(4) حجيّة السنّة، عبد الغني عبد الخالق: 465.


الصفحة 182

ولِحَقِّ الأنصار.

قال عمر: لكنّي مشيتُ معكم لحديثٍ أردتُ أن أُحدّثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم: إنّكم تُقْدِمون على قوم، أو تأتون قوماً تهتزُّ ألسنتُهم بالقرآن اهتزازَ النَخْل - أو: للقرآن في صدورهم هَزيرٌ كهزير المِرْجَل، أو: لهم دَوِيّ بالقرآن كدويّ النَّحْل - فإذا رأوكم مَدّوا إليكم أعناقهم، وقالوا: أصحابُ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله - أو: فيأتونكم، فيسألونكم عن الحديث -؟

فأقلّوا الرواية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا شريكُكم (1)!

وفي المستدرك على الصحيحين، بسنده عن قرظة بن كعب قال:

خرجنا نريد العراق، فمشى معنا عمر بن الخطّاب إلى صِرَار، فتوضّأ ثمّ قال: لِمَ مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مشيت معنا، قال: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دَويّ بالقرآن كَدَويّ النحْل، فلا تبدونهم بالأحاديث فيشغلونكم، جَرّدوا القرآنَ، وأقلّوا الرّواية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأمضوا وأنا شريككم. فلمّا قدم قرظة قالوا: حدّثنا، قال: نهانا ابن الخطّاب.

هذا حديث صحيح الإسناد له طُرُق تُجمع ويُذاكر بها، وقرظة بن كعب الأنصاري صحابيّ سمع من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ومن شرطنا في الصحابة أن لا

____________________

(1) ذكرناه بألفاظه المختلفة من مصادره:

طبقات ابن سعد: 6، سنن الدارمي 1: 73 ح 285 و 286، سنن ابن ماجة 1: 12 ح 28، باب التّوقّي في الحديث، شرف أصحاب الحديث، للخطيب: 92، جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البرّ 2: 120، تذكرة الحفّاظ 1: 7، كنز العمّال 2: 284 - 285/رقم 4017.


الصفحة 183

نطويهم، وأمّا سائر رواته فقد احتجّا به (1).

عجب! أُناس لهم دَويّ بالقرآن كَدَويّ النّحل، فلماذا أرسل عمر إليهم عدداً من صحابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟ ألاَ يكفيهم كتاب الله تعالى أم أنّهم مفتقرون إلى من صحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلِم سننه ممّا ليس في القرآن الكريم، وسمعوا منه صلى‌الله‌عليه‌وآله تفصيل المـُجْمَل من كتاب الله تعالى؛ فهم بهذا حملة قرآن كريم وحديث شريف، فلِمَ النهي الشديد عن حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، والدخول من قِبَلِ صاحب الأريكة في شراكة مع وفده في ذلك المنع؟! وما هذا التعلّل بتجريد القرآن؟! أي أن لا يتحدّثوا بأحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، لئلاّ يختلط بالقرآن!!

قومٌ ليسوا من البربر ولا أقاصي الصين والهند، إنّما هم جمجمة العرب وأشهر أمصارها «الكوفة» حاضرة العلم والفقهاء ... وبعد: فهم قوم لهم دَويّ بالقرآن كَدَويّ النَحْل - بوصف عمر -، فكيف والحال هذه يغيب عليهم ما هو من القرآن أو من غيره؟

والقرآن جاء معجزاً ببلاغته ولفظه، فكيف يجاريه حديث بشر حتّى وإن كان من حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله؟! إنّ القرآن الكريم الذي بأيدي الصحابة وبأيدي أولئك الذين لهم دَويّ بالقرآن كَدَويّ النَّحْل؛ القرآن هو نفس القرآن الذي بأيدينا اليوم، وسيبقى نفسه إذ تكفّل الله تعالى بحفظه حتّى قيام الساعة: (إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (2).

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 1: 183/347. قال في التلخيص ذيل المصدر: صحيح وله طرق.

(2) الحِجْر: 9.


الصفحة 184

فالقرآن غير الكتب السابقة التي امتدّت إليها يدُ التحريف والتغيير وأمّا القرآن فالإجماع حاصل على أنّه لم تزد فيه سورة ولا آية، بل ولا كلمة ولا نقطة؛ ولم يسقط منه شيء من كلّ ذلك، فهو معصوم بمشيئة الله تعالى.

إلاّ أن يكون مصحف الفاروق عمر فيه اختلاف وزيادات غابت عن أهل الكوفة وغيرهم وثبتت في مصحفه لعنايته الفائقة بالقرآن، فأراد أن يفيدهم بها - هذا في أحسن الظنّ -، فضلاً عن سوء ظنّه بالنّاس! وأنّهم سيعرض لهم ما عرض له - أي لعمر - من تجربة التهوّك، فنهره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على رؤوس الأشهاد أَخْذَه من اليهود ونبّهه أن لا يعود لمثل ذلك ولا يُلبس القرآن بغيره ممّا يجده بأيدي اليهود، لا بأحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأنّ الأخيرة لفظها مُباين لألفاظ أهل الكتاب، ولأنّ الصحابة قد سمعوها وميّزوها، وسيأتي الكلام عن التهوّك.

 

مُصحف عمر بن الخطّاب

عن سعيد بن المسيّب قال: لمّا أفاض عمر من مِنْى أناخ بالأبطح فكوّم كَوْمة من بطحاء وطرح عليها طرف ثوبه ثمّ استلقى عليها ورفع يديه إلى السماء وقال: اللّهمّ كبُرتْ سِنّي وضعُفت قوّتي وانتشرت رعيّتي، فاقبضني إليك غيرَ مضيِّع ولا مفرِّط. فلمّا قدم المدينة خطبَ الناس فقال: أيّها الناس، قد فُرضت لكم الفرائض وسُنّتْ لكم السُّنن وتُركتم على الواضحة، ثمّ صفَقَ يمينه على شماله، وقال: إلاّ أنْ تضلّوا بالناس يميناً وشمالاً، ثمّ إيّاكم ان تهلِكوا عن آية الرجم وأنْ يقول قائل: لا نُحَدّ حَدّين في كتاب الله، فقد رأيت رسول الله [صلى‌الله‌عليه‌وآله]


الصفحة 185

رجم ورجمنا بعده، فواللهِ لو لا أن يقول الناس أحدثَ عمرُ في كتاب الله، لكتبتها في المـُصحف، فقد قرأناها، والشيخُ والشيخةُ إذا زنيا فارجموهما البتّة. قال سعيد: فما انسلخ ذو الحجّة حتّى طُعن (1).

إنّ عمر يؤكّد على مسألة خطرة تلك هي نقصان القرآن الكريم من آية فتعطّل بذلك حكم من أحكام الشريعة!

وإذا كان قد ذكر هنا أنّه قد سقطت من القرآن آية واحدة، فإنّه ذكر أنّ كثيراً من القرآن قد سقط!

«أخرج عبد الرزّاق في المصنّف عن ابن عبّاس قال: أمر عمر بن الخطّاب مناديه فنادى أنّ الصلاة جامعة، ثمّ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: يا أيّها الناس، لا تجزعُنّ من آية الرَّجْم، فإنّها آية نزلت في كتاب الله وقرأناها، ولكنّها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمّد (2)!!

وهنا المصيبة أعظم وأدعى من وجهين أوّلهما:

أنّه لم يكتفِ بالتشكيك بصحّة القرآن الكريم وأنّه على حاله الذي أنزله الوحي الكريم وتكفّله الربّ العظيم، فلم يشبع رغبته في ذلك آية الرجم المزعومة، وإنّما ذهب إلى القول: لكنّها ذهبت في قرآن كثير! ولم يحدّد هذا الكثير ممّا يفتح الباب لمن يزعم بعده أنّ هذا كان من القرآن وقد سقط، ويأتي بكلامٍ من عنده!

____________________

(1) طبقات ابن سعد 3: 255.

(2) الدرّ المنثور 5: 179.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة