الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة (139)

وهكذا تحوّل العبّاس (عليه السّلام) بشهادته هذه من شخص إلى شاخص ، ومن مؤمن إلى رمز للإيمان ، ومن بطل إلى رمز للبطولات(1) .

وجاء الحسين (عليه السّلام) كالصقر ووقف على جثمان أخيه العبّاس ، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ، وبعد أن استيقن من شهادة أخيه العبّاس قال بألم وحسرة : (( يعزّ والله عليّ فراقك ، الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي ، وشمت بي عدوّي ))(2) .

وأنشد(3) الحسين (عليه السّلام) عند جثمانه الطاهر يقول :

يـا مقلتي سيحي دموعاً   جمّة        وابكي على بطلٍ شديدِ   الباسِ
حامى ودافعَ ما استطاعَ  بنفسه        دونَ  الحسينِ بصولةٍ  ومراسِ
أسفي على العبّاسِ وهو مجدّلٌ        دامـي الجبينِ وخامدُ  الأنفاسِ

ـــــــــــــــ
(1) كان عمر العبّاس (عليه السّلام) عند شهادته (34) سنة ، وفي سقوطه عند نهر العلقمي نظم الشاعر السيد حيدر الحلّي :

وهـوى  بجنبِ العلقمي  فليته        لـلشاربينَ  بـهِ يدافُ  العلقمُ
وغدا يهمّ بأن يصولَ فلم يطق        كـالليثِ  إذ أظـفارهُ  تـتقلّمُ

كما وقال الخطيب الشيخ محمّد علي اليعقوبي حول الحالة نفسها :

فـخرَّ على ضفةِ  العلقمي        صريعاً فأعظم بهِ مصرعا

(2) عن علاقة الأخ بأخيه ومنزلته المميزة لديه ننقل في أدناه حكمة تنسب إلى لقمان الحكيم ، حيث قيل : إنّ لقمان حين قدم من سفره الطويل لقي غلامه في الطريق ، فقال له : يا غلام , ما فعل أبي ؟
قال : مات .
قال لقمان : ملكتُ أمري .
قال له : يا غلام , ما فعلت زوجتي ؟ قال : ماتت .
قال لقمان : جُدّد فراشي .
قال : ما فعلت اُختي ؟
قال : ماتت .
قال لقمان : سترت عورتي .
قال : ما فعل أخي ؟
قال الغلام : مات .
قال لقمان : الآن انكسر ظهري .
(3) الأقرب أن يقال : ولسان حال الحسين (عليه السّلام) ؛ وذلك لأنّ الأبيات ليست للإمام (عليه السّلام) قطعاً . (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)

الصفحة (140)

كما وأنشد (عليه السّلام) أيضاً :

عـباسُ  كبشُ كتيبتي  وكنانتي        وسريّ قومي بل أعزّ  حصوني
يـا   ساعدي في كلِّ معتركٍ به        أسطوا  وسيف حمايتي   بيميني
لمَنْ اللوا اُعطي ومَنْ هو جامعٌ        شملي وفي ضنكِ الزحامِ   يقيني

وعن هذه الحالة أيضاً نظم الشاعر السيد جعفر الحلّي يقول :

فمشى لمصرعهِ الحسينُ وطرفُه        بـيـنَ الخيامِ وبينهُ    مـتقسّمُ
ألـفـاهُ مـحجوبَ الجمالِ كأنّهُ        بــدرٌ  بـمنحطمِ الوشيجِ ملثّمُ
فـأكبَّ مـحنيّاً عليهِ   ودمـعُه        صـبغَ البسيطَ كأنّما هو   عندمُ
قـد رامَ يلثمهُ فلم يرَ    موضعاً        لم يدمَ من عضِّ السلاحِ    فيلثمُ

ثمّ عاد الحسين (عليه السّلام) إلى مخيمه حزيناً وباكياً على أخيه ، ولكنّه كان يكفكف دموعه بكمّه ؛ كي لا تراه النسوة فيزداد ألمهنّ بفراق حاميهم العبّاس ، وهو يقول : (( أما من مجير يجيرنا ! أما من مغيث يغيثنا ! أما من طالب حقّ ينصرنا ! )) .

وعندها سألته ابنته سكينة عن عمّها العبّاس ، ولماذا أبطأ في جلب الماء إليهنّ ، فقال لها : (( إنّ عمّك العبّاس قد قُتل )) .

فصاحت سكينة : وا عباساه ! راح والله المحامي والكفيل ، راح عمّي العبّاس .

وسمعت العقيلة زينب (ت 15 رجب 62هـ) بمقتل العبّاس فنادت : وا محمّداه ! وا فاطمتاه ! وا علياه ! وا أخاه ! وا عباساه ! وا ضيعتنا بعدك يا أبا الفضل !

وبكين النسوة حين سماعهنّ للخبر ، كما بكى الحسين (عليه السّلام) معهنّ ، ونادى : (( وا ضيعتنا بعدك يا أبا الفضل ! )) .


الصفحة (141)

وهكذا كانت عملية السقي هوايته ، ثمّ أصبحت رسالته ، وفي سبيلها تمّت شهادته .

وعندها نهض السجّاد (عليه السّلام) وكان مريضاً واتّجه نحو الأعداء ، وهو يتوكأ بيد على عصا ، ويشهر سيفه بيده الاُخرى ، فلمّا رآه الحسين (عليه السّلام) صاح باُمّ كلثوم : (( احبسه ؛ لئلاّ تخلو الأرض من نسل آل محمّد )) . وتشبثت به اُمّ كلثوم وأعادته إلى فراشه .

لقد شعر أهل البيت (عليهم السّلام) بالكارثة من مقتل العبّاس ؛ لأنّه كان عمود خيمتهم وها هو العمود قد انكسر ، وكان حامل رايتهم وها هي الراية قد سقطت .

وعن هذه الحالة يقول الشاعر :

لا  أقـمرت لـيلةٌ صارَ  صبيحتها        بـدورُ آلِ رسـولِ اللهِ في  خسفِ
لا أشرقت شمسٌ يومَ صارَ في غده        شـموسُ  آلِ رسولِ اللهِ في  كسفِ

كما ونظم شاعر آخر حول شهداء أهل البيت (عليهم السّلام) يقول :

عين جودي بعبرةٍ    وعويلِ        واندبي إن ندبتِ آلَ الرسولِ
سـبعةٌ مـنهم لصلبِ   عليٍّ        قـد أبيدوا وتسعةٌ    لـعقيلِ
وإذا ما بكيت عيني   فجودي        بـدموعٍ تـسيلُ كلّ   مسيلِ

ونشير بعد هذا إلى أنّ الحسين (عليه السّلام) كان قد أفرد خيمة في حومة الميدان بجوار معسكره ، وكان يأمر بحمل جثمان كلّ مَنْ يُقتل من صحبه وأهل بيته إليها , إلاّ أنّ أخاه العبّاس (عليه السّلام) كان قد تركه في مكان سقوطه قرب نهر الفرات (العلقمي) منحازاً عن الشهداء ، وحيث مرقده الطاهر الحالي .

وإنّما لم ينقل جثمان أخيه العبّاس إلى حيث حمل الشهداء من الأصحاب


الصفحة (142)

والأقارب إليها ؛ وذلك « لسرّ مكنون أطرته الأيام ليكون له مشهد خاصّ به يقصده الناس عبر الزمن بالحوائج والزيارات ، وبقعة يزدلف إليها الناس ، وتتزلف إلى المولى تعالى تحت قبّته التي ضاهت السماء رفعة وسناء ، فتظهر هنالك الكرامات الباهرة ، وتعرف الأمّة مكانته السامية ، ومنزلته الرفيعة عند الله تعالى فتؤدّي ما وجب عليهم من الحبّ المتأكّد ، والزيارة المتواصلة ، ويكون (عليه السّلام) حلقة الوصل فيما بينهم وبين الله تعالى »(1) .

وهكذا بات العبّاس (عليه السّلام) ينتقل من جيل إلى جيل ـ وعبر الزمن ـ ليس كتراث للإنسانية فحسب بل كمنبّه دائم لضمير البشرية كلّما عصفت به أزمة المثل العليا .

ـــــــــــــــ
(1) الثورة الحسينيّة ـ الشيخ فاضل المالكي .

الصفحة (143)

ما بعد الملحمة

لقد قال الكثير عن العبّاس (عليه السّلام) ومواقفه المميّزة في يوم الطفّ ، كما وجرى الكثير بعد هذا اليوم الذي ليس له نظير في تاريخ الإنسانية .

فممّا قاله أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) في شأن العبّاس ، نكتفي هنا بإيراد قولين فقط ؛ فقد قال عنه الإمام علي بن الحسين السجّاد (ت 95هـ) بالحرف : (( رحم الله عمّي العبّاس ، فلقد آثر وأبلى ، وفدى أخاه بنفسه حتّى قُطعت يداه ، فأبدله الله عزّ وجلّ بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كما جعل لجعفر بن أبي طالب . وإنّ للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة )) .

كما وقال الإمام جعفر الصادق (ت 148هـ) عنه : (( كان عمّنا العبّاس نافذ البصيرة ، صلب الإيمان ، جاهد مع أخيه أبي عبد الله الحسين وأبلى بلاء حسناً ، ومضى شهيداً )) .

وأمّا ما قاله سواهم إزاء العبّاس فلا يعدّ ولا يحصى ، وكلّ الذي جاء في هذه الدراسة من أقوال لهم (شعراً ونثراً) هو النزر اليسير ممّا قالوه في شأن العبّاس ، مكتفين هنا بهذه الإشارة ، وإنّ في وسع مَنْ يرغب في الاستزادة الرجوع إلى تلك المظان والمراجع .

وأمّا الذي جرى بعد يوم الطفّ فهي حوادث ووقائع كثيرة ، نقتطف منها هنا الشيء اليسير الذي يرتبط بهذا اليوم التاريخي المهم .


الصفحة (144)

لقد كانت اُمّ البنين (والدة العباس) من أوّل الناس الذين خرجوا لاستقبال بشر بن حذلم ، الذي أرسله علي بن الحسين (عليه السّلام) إلى المدينة ؛ لغرض إشعار أهلها بما حلّ بالحسين (عليه السّلام) وبأهل بيته وأصحابه ، حيث نادى بشر هذا عند وصوله مشارف المدينة برفيع صوته :

يا أهلَ يثربَ لا مُقامَ لكم بها        قتلَ  الحسينُ فأدمعي  مدرارُ
الجسمُ  منهُ بكربلاء  مضرّجٌ        والرأسُ منهُ على القناة  يدارُ

وحين وقع بصرها على الناعي لم تستفسر منه على مصير ابنها العبّاس وإخوته الثلاثة ، وإنّما سألته عن الحسين (عليه السّلام) .

وما كاد يصل إلى ذكر ولدها العبّاس [حتّى] اضطربت ، وسقط حفيدها الصغير الذي كانت تحمله على الأرض ، وقالت : قطّعت نياط قلبي , أولادي الأربعة ومن تحت الخضراء فداء لسيدي الحسين .

وحين أخبرها بمقتل الحسين صرخت ونادت بألم وحسرة : وا حسيناه ! وا حبيب قلباه ! يا ولدي يا حسين ! نور عيني يا حسين !

ولقد شاركها مَنْ كان حاضراً إلى جوارها في النياحة والبكاء والعويل على شهداء كربلاء عامّة والحسين خاصّة .

وعن هذه الحالة نظم الشاعر الشيخ أحمد الدجيلي :

اُمّ الـبـنـيـن وما أسمى مزاياكِ        خـلّدت بالصبرِ والإيمانِ    ذكراكِ
أبناؤك الغرّ في يومِ الطفوفِ قضوا        وضـحّوا في ثراها بالدمِ    الزاكي
لـمّا أتـى بشرُ ينعاهمُ   ويـندبهم        إلـيكِ لـم تنفجر بالدمعِ   عـيناكِ


الصفحة (145)

وقلتِ قولتكِ العظمى التي  خلدت        إلـى القيامةِ باقٍ عطرها الزاكي
أفدي بروحي وأبنائي الحسينَ إذا        عاشَ الحسينُ قريرَ العينِ  مولاكِ

ولقد كانت اُمّ البنين بعد وصول أخبار مجزرة كربلاء إليها ، وسماعها لاستشهاد أبنائها الأربعة ، تخرج إلى البقيع (حاملة ولد العبّاس عبيد الله) وتندب وترثي أولادها الأربعة أشجى ندبة وأحرقها ، حيث يجتمع الناس عندها لسماع ندبتها وبكائها .

ويعبّر الخطيب الشيخ محمّد علي اليعقوبي عن هذه الحالة فينظم :

وإن أنسى لن أنسى اُمّ البنين        وقـد فقدت ولدها    أجـمعا
تـنوحُ عليهم بوادي   البقيع        فـيذري الطريدُ لها   الأدمعا
ولـم تسلُ مَنْ فقدت   واحداً        فـما حال مَنْ فقدت    أربعا

ويُقال هنا : إنّها كانت تخطّ قبوراً لأولادها الأربعة على الأرض وتجلس في الشمس بينها تندبهم ، وتنعيهم بصوت حزين يقرح القلوب ، ويحرّك المشاعر ، فيجتمع الناس إليها يسمعون منها .

وكان مروان بن الحكم على شدّة عداوته لأهل البيت يجيء فيمَنْ [يجيء] فلا يزال يسمع ندبتها ونعيها ويبكي ، وفي هذا نظم الشاعر :

رقّ لـها الشامتُ عمّا  بها        ما حالُ مَنْ رقّ لهُ الشامتُ

وممّا كانت اُمّ البنين ترثي أولادها الأربعة قولها :

لا تـدعـوني ويكِ اُمَّ الـبنينْ        تـذكّريني بـليوثِ   الـعرينْ
كـانـت بنونُ ليَ اُدعـى بهم        واليومُ أصبحت ولا من    بنينْ
أربـعةٌ مـثلُ نسورِ   الـرُّبى        قد واصلوا الموتَ بقطعِ الوتينْ
يـا ليتَ شعري أكما    أخبروا        بـأنّ عـباساً قطيعَ   الـيمينْ


الصفحة (146)

وكانت العقيلة زينب بنت علي (عليها السّلام) تزور اُمّ البنين باستمرار في بيتها ، وخصوصاً أيام الأعياد والمناسبات ، كما وتزورها أيضاً بقية نساء أهل البيت والمدينة مواسين لها ، ومخفّفين من آلامها وحزنها إزاء أولادها الأربعة ، وبقية الشهداء من أهل بيتها الأكرمين .

أمّا عن دفن ضحايا واقعة الطفّ فنشير إلى قيام أبناء قبيلة بني أسد في اليوم الثالث عشر من المحرّم الحرام عام (61هـ) ـ أي بعد ثلاثة أيام من الملحمة ـ بدفن جثمان الحسين (عليه السّلام) وأخيه العبّاس (عليه السّلام) وبقية شهداء كربلاء في أرض الطفوف , كلّ في أماكنها التي حدّدها لهم الإمام زين العابدين السجّاد (عليه السّلام) ، وبنو للقبور علائم لا يُدرس أثرها .

ونشير هنا ـ وبهذه المناسبة ـ إلى أنّه حين دفن الأجساد الطاهرة نزل الإمام السجّاد (عليه السّلام) مساعداً لبني أسد في نقل الجثث الزواكي إلى محلّها الأخير ، عدا جسد الحسين (عليه السّلام) وجثة عمّه العبّاس (عليه السّلام) ؛ فتولّى وحده إنزالهما إلى مقرّهما ، وقال لبني أسد : (( إنّ معي مَنْ يعينني )) .

وحيث إنّ الإمام لا يلي أمره إلاّ الإمام فهذا أمر مفهوم ، أمّا بالنسبة للعباس فهو أمر لا نكاد نصل إلى حقيقته ، وإن كنّا نرى أنّ مكانة العبّاس ودرجته وسموّ مركزه ، أنّ كلّ هذه قد أوصلته إلى نقطة قريبة من تلك التي يقف عندها الإمام المعصوم .

هذا ولقد كان عبيد الله بن الحرّ الجعفي(1) هو أوّل شخص كان قد جاء إلى

ـــــــــــــــــ
(1) بعد استشهاد الحسين (عليه السّلام) تفقّد ابن زياد أشراف الكوفة فلم يجد بينهم عبيد الله بن الحرّ الجعفي , فطلبه فجاءه بعد أيام ودخل عليه ، وقال له : أين كنت يابن الحرّ ؟ فأجابه : كنت مريضاً . فقال له : كنت مريض القلب أم مريض البدن ؟ فأجابه : أمّا قلبي فلم يمرض ، وأمّا بدني فقد منّ الله عليه العافية . فقال : كذبت ، ولكنّك كنت مع عدوّنا . فأجابه : لو كنت مع عدوك لرؤي مكاني وما =

الصفحة (147)

كربلاء ـ بعد ملحمة الطفّ ـ لغرض زيارة قبر الحسين والعباس (عليهما السّلام) وبقية الشهداء ؛ حيث رأى الديار خالية ، والأرض وحشة إلاّ قبري الحسين مع شهداء الطفّ في جهة ، وقبر العبّاس في الجهة الاُخرى (الشرقية) . ووقف على قبر الحسين (عليه السّلام) وبكى عنده بكاءً شديداً كادت روحه تزهق ، ثمّ أنشده قصيدة طويلة جاء في بعضها :

سـقـا اللهُ أرواحَ الذين    تـآزروا        عـلى نصرهِ سقياً من الغيثِ   دائمهْ
وقـفـتُ على أجداثهم    ومـحالِهمْ        فـكادَ الحشا ينفضّ والعينُ    ساجمهْ
لعمري لقد كانوا مصاليتَ في الوغى        سـراعاً إلى الهيجا حماةً   خضارمهْ
تـآسوا  على نصر ابنِ بنتِ   نبيّهمْ        بـأسـيـافـهم آسادُ غيلٍ ضراغمهْ

وعند حلول أربعين شهداء كربلاء في (20 صفر 61هـ) ، وقيل : (20 صفر 62 هـ) , والأخير « هو التاريخ الذي تميل إليه الأوساط العلمية عند مؤرّخي الإماميّة »(1) , قدمت إلى كربلاء سبايا أهل البيت (عليهم السّلام) بقيادة الإمام علي بن الحسين (عليه السّلام) ، وهي في طريق عودتها من الشام إلى المدينة المنوّرة .

وصادف عند مجيئها إلى أرض الطفوف قدوم الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري (ت 76هـ) إلى المنطقة لزيارة مشهد شهداء الطفّ ؛ حيث تولّى الجميع دفن رؤوس الشهداء إلى جوار أجسادهم الطاهرة ، ثمّ غادروها إلى المدينة المنوّرة .

وحول ملحمة الطفّ نظم الكثير من الشعراء ، منها هذا الشاعر نظم يقول :

ـــــــــــــــ
= كان مثل مكاني ليخفى على أحد . وعند انشغال ابن زياد بالحديث مع غيره تمكّن ابن الحرّ من التسلل إلى الخارج , فجاء إلى داره ، ثمّ خرج إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين وبقية شهداء الطفّ (عليهم السّلام) .
(1) مدينة الحسين ـ محمّد حسن مصطفى الكليدار .

الصفحة (148)

يا وقعةَ الطفِّ كم أوقدتِ في كبدي        وطيسَ حزنٍ ليومِ الحشرِ  مسجورا
كـأنّ كـلّ مـكانٍ كـربلاء  لدى        عـينيّ وكـلّ زمانٍ يوم  عاشورا

كما ونظم السيد الحميري يقول :

اُمرر على جدثِ الحسي        ن وقل لأعظمهِ   الزكيهْ
يـا أعظماً لا زلت  من        وطـفاء سـاكبةً   رويهْ
ما  لذّ عيشٌ بعد   رضّ        كِ  بـالـجيادِ الأعوجيّهْ

ونظم الشاعر عقبة بن عمرو العبسي أيضاً حول الموضوع , حيث قيل : إنّه أوّل مَنْ رثى الحسين بعد شهادته , يقول :

مررتُ على قبرِ الحسينِ   بكربلا        ففاضت عليهِ من دموعي غزيرُها
ومـا  زلتُ أبكيه ورائي   لشجوهِ        ويـعدّ عـيني دمعها   وزفـيرُها
سـلامٌ  على أهلِ القبورِ   بكربلا        وقـلَّ لهم منّي سلامٌ    يـزورُها
ولا بـرحَ الـوفّادُ زوّارُ   قـبرهِ        يـفوحُ عـليهم مسكها   وعبيرُها

كما ونظم الشاعر محمّد حسن أبو المحاسن الكربلائي يقول :

فيا يوم عاشوراء كم أوقدت في الحشا !       من الحزنِ نيراناً مدى الدهرِ لا   تخبو
قـد  كـنت عيداً قبل يجنى بك   الهنا        فـعدت قذى الأطفال يجنى بك الكربُ
فـكـم قـد أريقت فيهِ من آلِ أحمدٍ        دمـاءٌ لـساداتٍ وكم هُتكت   حـجبُ

كما ونظم الشاعر دعبل الخزاعي يقول :

هلاّ بكيت على الحسينِ وأهلِه        هـلاّ بكيت لمَنْ بكاهُ    محمّدُ
فلقد بكتهُ في السماءِ    ملائكٌ        زهـرٌ كرامٌ راكعونَ    وسجّدُ
قـتلوا الحسينَ فأثكلوهُ بسبطه        فالثكلُ من بعدِ الحسينِ    مبدّدُ

ونظم شاعر آخر حول الموضوع يقول :

الصفحة (149)

ألم تر أنّ الأرضَ أضحت مريضةً        لـفقدِ  حـسينٍ والـبلادَ  اقشعرتِ
وقـد  أعـولت تبكي السماءُ  لفقده        وأنـجمها نـاحت عـليهِ  وصلّتِ

كما ونظم شاعر كربلاء الحاج محمّد علي كمونة الأسدي يقول :

لـعصابة أورى الظما   أحـشاءها        قـضيت ولم يبرد جوى   أحشائها
نظرت إلى الملكوتِ فاشتاقت  لمَنْ        فـي عالمِ اللاهوتِ من    نظرائها
خاضت غمارَ الحتفِ حتّى  خضّبت        دونَ ابـن فاطمةٍ بفيضِ    دمـائها
عـن كربلا وبلائها سل   كـربلا        سـل كربلا عن كربلا   وبـلائها


الصفحة (150)

كرامات العبّاس (عليه السّلام)

إنّ الحديث عن كرامات العبّاس قد يطول شرحه وتبيانه ، ولا تتّسع له هذه الدراسة الموجزة رغم ما قد يبذل من جهود وعناء ، كما وأنّه من العبث مناقشة هذه الكرامات وفقاً لما يسمّيه البعض بالتفسير العلمي للتاريخ أو الأحداث ، إذ من الغرور والسطحية بمكان ادّعاء أي فرد أنّه ملمّ بكلّ ما في الكون من أسرار إلهية ، أو خفايا غيبية ، حيث يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَا أُوتِيتُم مّنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً )(1) .

ومن غير هذا المنطق ، وبقدر تعلّق الأمر بموضوع هذه الدراسة نشير إلى أنّ مزار العبّاس (عليه السّلام) في كربلاء ، وهو البطل المغوار الذي قدّم كلّ غال وثمين في سبيل القضية المقدّسة التي كان يدافع عنها .

إنّ هذا المزار يغصّ بالزوار والقاصدين من هذا القطر أو ذاك ، وعلى مدار أيام السنة ، وهو أيضاً باب وملجأ أصحاب الحاجات والمطاليب ، والمشاكل والقضايا والمسائل يأتونه من كلّ فجّ عميق ؛ لأنّه يذكّرهم بالله تعالى وبالتضحيات التي قدّمها في الذود عن الحقّ والحرية والمثل العليا .

ــــــــــــــ
(1) سورة الإسراء / 85 .

الصفحة (151)

ويؤكّد الثقات والأخيار الذين سمعنا منهم مباشرة ، أو غير مباشرة بأنّ الله سبحانه وتعالى ـ كرامة لوليه الذي قدّم حياته رخيصة في سبيله(1) ـ قد استجاب لدعوات المئات , بل الاُلوف من زوّار حرم العباس (عليه السّلام) ؛ فشفي كثيرون من أعراض مستعصية كالسلّ والسرطان والشلل والجنون ، كما واستقام وطاب آخرون كانوا يشكون العوق في أرجلهم أو سواها .

فضلاً عن أنّه سبحانه قد فرّج عن غيرهم أزماتهم وهمومهم ومشاكلهم ، والتي قد تصل هنا أو هناك إلى مرتبة ودرجة المعجزات(2) .

ــــــــــــــــــ
(1) لقد قلنا في أكثر من مكان في هذا البحث إلى أنّ الله سبحانه قد منح بعض أصحاب العبقريات ممّن يعملون في سبيله بإخلاص ويقين معلوماتٍ ومعارف في الحياة الدنيا ـ قد تصل إلى حد الغيب ـ ولا تتوفر عند الآخرين .
كما ويوفر لمراقدهم بعد رحيلهم كرامات بسبب تقديمهم لحياتهم رخيصة في سبيل المبادئ الإلهية السامية ؛ لذا فقد ورد في الحديث القدسي تأكيداً لهذا النقطة وهو قوله تعالى : « عبدي أطعني تكن مَثَلي ـ أو مِثْلي ـ تقول للشيء كن فيكون » .
(2) وعن هذه الكرامات نظم الشاعر الشيخ كاظم السوداني يقول :

فـكم  لأبـي الفضلِ الأبي كراماتٌ      لـها تُـليت عـند الـبرية  آيـاتٌ
وشاراتُه كالشمس في الاُفق شوهدت      لـها من بنات المجد أومت  إشاراتٌ

وقال شاعر آخر :

أبو الفضل ابن داحي الباب أعلا !      إلـه الـعرش فـي الـدنيا  مقامه
وكـم مـن مـعجزات  بـاهرات      لـه  قـد عـرفوه أبـا الكرامه !
حـبـاه  الله فـيها مـنه  فـضلاً      كــذا  فـرع الـنبوّة  والإمـامه

وقال شاعر آخر :

قصدتُ أبا الفضل الذي هو لم يزلْ      قـديماً  حـديثاً لـلحوائج يُـقصدُ
يـمدّ عـلى الـعين الـسقيمةِ كفّهُ      وإن قُـطعت يـوم الطفوف له  يدُ

 


الصفحة (152)

وعليه فللعباس (عليه السّلام) حضور يومي في حياة الملايين من الناس ، وهو وسيلتهم في الحصول على الحوائج من الله تعالى وقدوتهم في البحث عن الغايات ، فضلاً عن اتّخاذه كمثابة موقع للحلف به ، وكشاهد أو طرف ثالث ، أو (فصل) في كثير من القضايا والمنازعات المهمّة القائمة بين صفوف هؤلاء الملايين .

إنّني هنا ـ من منطلق الدراسة العلمية لهذا الموضوع ـ لن أورد الكرامات الكثيرة التي سطّرها العديد من الكتّاب والمؤلّفين في كتبهم ؛ لأنّه في المستطاع لمَنْ أراد الوقوف عليها مراجعة هذه الكتب مباشرة , وإنّما آثرت هنا أن أضيف إلى تلك الكرامات ـ والتي قد يؤمن بها القارئ الكريم أم لا ؛ حيث إنّ هذا من شأنه ـ كرامات اُخرى قد تتشابه مع سابقاتها أو لا تتشابه .

نعم ، أن أضيف وأدوّن في هذه الدراسة بعض الكرامات التي رواها إليّ شهود عيان ، ووجهاً لوجه من دون حاجز وحائل ؛ لأنّي من منطلق هذه النظرة العلمية آثرت أن أتأكّد بنفسي من صحة مشاهداتهم ورواياتهم للأحداث التي يرونها لي عن كرامات شاهدوها عن كثب ، أو إنّها وقعت أمامهم ولم يشعرهم شخص آخر عنها .

وطبيعي أنّ كلّ كرامة حين وقوعها فإنّها تحدث أمام حشد كبير من الزائرين والحاضرين ، وهم الذين كانوا متواجدين في الحرم عند ظهورها وبروزها شاخصة ؛

ـــــــــــــــــــ
= وقال شاعر رابع :

كـم  فـرّجَ اللهُ عن كلّ  معضلةٍ      كـرامةً مـنهُ للعباسِ شبلِ  علي
ورحـمة اللهِ خـصتنا  بـفضلهمُ      عند الصعابِ وعمّت فيه كلّ ولي


الصفحة (153)

لذا فقد حاولت هنا البحث بجديّة عن هؤلاء ، فضلاً عن ملاحقة كلّ امرئ طرق سمعي أنّه كان موجوداً في الحرم المقدّس عند ظهور كرامة معينة ؛ للاستماع إليهم وبأذن صاغية لكلّ ما شاهدوه بأعينهم ـ وبأعينهم فقط ـ ومن ثمّ يروونه لي من أحداث وكرامات عن كثب ، ومن دون حاجز يذكر .

أكرر هنا أنّ أسلوبي في الكتابة الآن وقبل الآن هو علمي قبل أن يكون أدبي ، وموضوعي قبل أن يكون عاطفي ، وأنّ ما سأشير إليه في أدناه ـ سواء قبله البعض وارتضاه أم لا ـ هو الذي سمعته ممّن عاصر الحدث والكرامة , وشاهدها بعينيه المفتوحتين ، وبعيداً عن العبارة أو الجملة التي تفيد أو تقول : « روى فلان عن فلان » ، أو « سمعت ممّن أثق به » ، أو « شاهدها خلق كثير »... إلخ .

هذا ، إضافة إلى أنّ الذين استمعت إليهم ليست لهم مصلحة صغيرة أو كبيرة في صحة أو عدم صحة ما يقولونه ويروونه ، وإن كان لديهم شيء من ذلك فهو يقدر ما لديّ ولديك ـ أيّها القارئ العزيزـ من مصلحة في حصة وحقيقة أو عدم صحة وحقيقة ذلك , ثمّ إنّ الذين استمعت منهم هم من الأخيار والملتزمين والبعيدين عن الكذب واللف والدوران ، خصوصاً في حالات لا مصلحة لهم بها من قريب أو بعيد .

وأشير بعد هذا إلى أنّني قد أكون أكثر من كثير من القرّاء من حيث عدم اليقين والإيمان بالخرافات والأوهام ؛ سواء التي تُضاف إلى الدين أو المذهب ، أو التاريخ أو الأهداف من قبل الكثير من المتزمّتين والمتشدّدين عبر الزمن ؛ لتصوّرهم بأنّ هذه الإضافات قد تُضفي بريقاً ورسوخاً على تلك الأمور , بل هي في الحقيقة


الصفحة (154)

تسلبها نقاءها وواقعها التي هي عليه في الحقّ والحقيقة .

وقبل أن أخوض وأنقل بعض بعض الكرامات والأحداث التي سمعتها في أدناه ، أروي للقارئ الكريم حادثة وواقعة بسيطة جرت أمامي ، وعلى بعد عدّة أمتار منّي وقد شاهدتها بكلتا عينيّ ـ وللقارئ العزيز أن يثق بها أو لا يثق ؛ فهذا أمر يخصّه هو ـ ، وقد تكون هذه الواقعة ضمن مسلسل الأمور والشؤون التي لا يربطها بالعلم رابطة ؛ لبعدها عن التفسير العلمي .

كما ويمكن اعتبارها وربطها في خانة وزاوية ما سننقله من كرامات تجلّت لكثير من الناس ، وإن كانت هذه تختلف عن تلك في شيء ، فكونها لم تقع في حرم العباس (عليه السّلام) , بل إنّ مسرحها كان في أحد بيوت الله تعالى التي أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه .

والواقعة باختصار هي : في ليلة النصف من شهر رمضان المبارك لعام (1414 هـ ) , وبعد أن أقمت صلاة المغرب في البيت ، ومن ثمّ تناول طعام الإفطار لذلك اليوم ، آثرت أن يكون أداء صلاة العشاء في وسط البلدة ، وفي أحد مساجدها(1) .

وشاء القدر أن تكون صلاة العشاء لهذه الليلة في مسجد المخيّم الخاصّة بالحرم ، وقبل الدخول إلى الحرم لا بدّ من اجتياز العارضة الحديدية ، والتي هي بارتفاع قدم واحد من الأرض , حيث تُخلع عندها الأحذية تمهيداً للدخول إليه .

ــــــــــــــــــ
(1) يبلغ عدد مساجد مدينة كربلاء وأحيائها حوالي (110) مسجداً ، علماً بأنّ المدينة التي تضمّ أكثر عدد من المساجد في العالم هي مدينة كراجي بباكستان ، حيث تضمّ أكثر من (5) آلاف مسجد . ولقد أشرنا إلى تواريخ وأحكام وآداب المساجد في كتابنا « تاريخ المساجد في الإسلام » .

الصفحة (155)

ولقد شاهدت عند العارضة هذه حذاء واحد وبلون أصفر ، وهذا يعني طبعاً بوجود شخص واحد فقط في داخل حرم المسجد دون سواه .

وتركت حذائي إلى جوار ذلك ودخلت الحرم باجتياز العارضة ، حيث وجدت فيه بالفعل شخصاً ، وكان يقف بالقرب من جدار المحراب وأمامه ، وهو متّجه إلى القبلة ، ورافع يديه إلى الأعلى بالدعاء ، وظهره إليّ وإلى حرم المسجد .

إنّ هذا الحال لم يجلب انتباهي ولا اهتمامي إلاّ شيء واحد وهو رفع الرجل ليديه إلى الأعلى وبكلّ امتدادها ؛ حيث إنّ الجاري والمتعارف لدينا هو أن تكون الكفّين عند الدعاء أمام الوجه ، أو إلى الأعلى قليلاً , وليس إلى نهاية امتدادها كما كان حال هذا الرجل , ورغم ذلك فقد اعتبرت أنّ هذا شيئاً عادياً يخصّ مَنْ يدعو ؛ حيث له الخيار في القيام بأيّة طريقة يدعو الله تعالى بها .

وشرعت في أداء صلاة العشاء ـ والرجل الذي يقف أمامي لا يغيب عن نظري ـ , وعند وصولي إلى الركعة الثانية وما بعدها ظلّ هذا الرجل مواظباً على دعائه من دون أن يحرّك يديه شيئاً ، أو يسمع منه صوت ولو كان هذا خافتاً .

وبعد الفراغ من صلاة العشاء استمر الرجل على حاله ؛ ممّا جلب اهتمامي وشكوكي ، حيث امتد وقت وفترة دعائه كلّ وقت صلاتي الرباعية وهي العشاء . وفي سبيل معرفة حقيقة هذا الرجل ، صلّيت في مكاني ـ وكان هذا المكان عند مدخل الحرم ـ صلّيت صلاة (الوتيرة) , وهي ركعتان عن جلوس تُقام بعد العشاء استحباباً ، ويقرأ بعد سورة الحمد في الركعة الأولى سورة , كما تقرأ أيّة سورة بعد سورة الحمد في الركعة الثانية .


الصفحة (156)

وبعد الفراغ من هذه الصلاة ظلّ الرجل على حاله من دون حركة يديه ، أو ذهابه إلى الركوع ، أو الالتفاف إلى اليمين أو الشمال ؛ ليمكن مشاهدته بوضوح ، أو أي شيء آخر .

وهنا آثرت الانتظار في المسجد لفترة اُخرى للوقوف على جلية الأمر ، حيث تناولت مصحفاً من مصاحف المسجد للقراءة فيه لحين فراغ الرجل من دعائه وعبادته ؛ ليتاح لي مشاهدته عن كثب بعد ذلك .

وفي الحقيقة فإنّ كلّ نظراتي وأفكاري ـ والتي كان المفروض أن تنصبّ في المصحف ـ قد انقلبت على العكس ، حيث ظلّت كلّ هذه مسدّدة صوب الرجل ، والذي يقف أمامي وعلى بعد (5) أمتار فقط إلى الأمام .

وبعد حوالي الـ (5) دقائق من البدء في القراءة بالمصحف فوجئت بغياب واختفاء هذا الرجل من أمامي ومن دون أيّ أثر له ، وكأنّه لم يكن هناك أمامي إنسان بطوله وعرضه وملابسه ، وهو رافع يديه إلى السماء لما يقرب من (15) دقيقة .

وقمت في الحال ـ بعد غلق المصحف الشريف ـ إلى المكان الذي كان يقف الرجل عليه فلم أجد أيّ أثر أو ذكر له ، وخرجت مسرعاً إلى السوق الذي يقع المسجد فيه فلم أجد أيّ شيء أو أثر يرشد إلى الرجل .

إنّ علم النفس يشير إلى « أنّ بعض حواس الإنسان تتعطّل أو تتوقّف مؤقتاً ؛ كلاً أو جزءاً في حالات الارتباك والخوف والفزع والقلق ، حيث تضطرب نشاطات العقل فلا يعي المرء كلّ الأشخاص الذين معه أو حوله ، فتضيع حلقات أو مفردات من الإدراك والاستيعاب يتفاوت عددها (عند الجماعة) بين شخص


الصفحة (157)

وآخر ، فما يراه هذا لا يراه ذاك ، وما يسمعه هذا لا يدركه أو يعيه غيره ... » .

نعود بعد هذا إلى صلب الموضوع فنقول : إنّ كرامات العباس لا تُعدّ ولا تُحصى ، وقد آثرت هنا الإشارة إلى بعضها ، والتي رواها لي مشاهدوها من دون واسطة ، ومن هذه الكرامات هي :

1 ـ لقد أخبرنا الشيخ حسين نجل المرحوم الشيخ محمّد علي الكيشوان ، وفي حرم العباس المقدّس بالحرف : « لقد جاء رجل مع زوجته في عام 1938 إلى حرم العباس ، وهما من سكنة أطراف كربلاء ، وكان هذا الرجل يحمل على ظهره ابنته وهي بحدود (14) سنة ، وكانت معوّقة في كلّ أطرافها ولا تتكلّم ، وكنت عند قدومهم جالساً عند باب القبلة ، حيث طلب منّي الرجل عند دخوله إلى الروضة أن أصاحبه إلى داخل الحرم وأربط البيت بشباك العباس (عليه السّلام) .

وفعلاً دخلت مع الثلاثة (الرجل والبيت على ظهره والزوجة) إلى داخل الحرم وربطت البنت التي كانت ممتدّة على الأرض (لعجزها عن الوقوف) بقطعة من القماش بشباك العباس ـ كما هي العادة ـ ، ودعوت الله تعالى عند الشباك أن يعافيها من علّتها ، وعقب ذلك عدّت إلى مكاني عند باب القبلة .

وبعد فترة زمنية سمعت أصوات عالية ، وزغاريد وصلوات على محمّد وآله منبعثة من داخل الحرم ، وإثرها جاءني الرجل المذكور (والد البنت) وطلب منّي مصاحبته إلى داخل الحرم ؛ لأنّ البنت قد شفيت من علّتها بكرامة العباس ، وهي لا تترك الشباك والمربوطة إلاّ بحضوري .

وبالفعل دخلت الحرم معه ، ووجدت البنت واقفة على قدميها من دون دعم أو إسناد من آخر ، وبعد ذلك خرجت البنت من الحرم مع والديها تمشي على رجليها


الصفحة (158)

وبصورة طبيعية واعتيادية » .

2 ـ وأعلمنا السيد عبد الأمير السيد محمّد علي نصر الله الخادم في الروضة العباسية بالحرف : « في شهر آذار من عام 1975 جاء إلى الحرم العباسي رجل بمعية زوجته وأخته ، وهم من أهالي الموصل ، وكان وصولهم هذا في الساعة (10) مساءً (وكانت ليلة الجمعة) , حيث إنّ خفارتي في الحرم تبدأ في هذه الساعة حتّى الفجر ؛ حيث إنّ الحرم يبقى مفتوحاً للزائرين طيلة هذه الليلة من كلّ أسبوع .

وكان الرجل مكفوف البصر تقوده زوجته وأخته ، وقد طلبوا منّي ربطه بشباك العباس (عليه السّلام) ، وفعلاً ربطته بالشباك كالعادة ، وأعطيته قدراً من ماء الشفاء (وهو الماء الذي يسكب ويمرر على قفل باب الشباك) , ودعوت الله تعالى أن يمنّ على الرجل بالعافية بجاه ومنزلة العباس (عليه السّلام) لديه .

وفي الساعة (12) مساءً (أي في منتصف الليل) ، أي بعد ساعتين من ربطه بالشباك ، ارتفعت الأصوات داخل الحرم ، وزغاريد النسوة والصلوات على محمّد وعلى آل محمّد .

وتوجّهت على الفور صوب مكان الرجل حيث شاهدته بعينيّ قد استرد بصره ، وأخذ ينظر يمنة ويسرة وبصورة طبيعية ، وقد تجمهر جماهير كبيرة من زوار الحرم ممّن كان متواجداً هناك في تلك الساعة حول الرجل وكلّ واحد يطلب من الله المراد ... » .

3 ـ روى لنا أحد الزائرين للحرم العباسي ، واسمه عدنان الخباز الدعمي « أنّه في إحدى ليالي الجمع من عام 1996 جيء بمعوّق في قدميه بصحبة أمّه إلى حرم


الصفحة (159)

العباس (عليه السّلام) ، وقد ربطه أحد خدّام العباس (عليه السّلام) بالشباك بقطعة من القماش ، ودعا له عند الله بالعافية والصحة ، وكان ممدّداً على الأرض بجوار الشباك ؛ لعدم قدرته على الوقوف ، وبينما كنّا نؤدّي الصلاة على بعد عدّة أمتار من الشباك فإذا بأصوات ، وزغاريد النسوة والصلوات على محمّد وعلى آل محمّد ترتفع وتملأ أركان المكان .

وعندما اقتربت من الرجل وجدته واقفاً أمام الشباك وعلى ارتفاع قليل من الأرض ؛ حيث إحدى يديه كانت متّجهة إلى الأعلى والأخرى والتي سبق أن رُبطت بالشباك إلى الأسفل ، وجاء خدم الحرم وأوقفوه على الأرض ، وقد سألت أمّه عمّا حدث حيث أجابت :

إنّ ابني هذا معوّق منذ مدّة ، وأنا أجلبه لثلاثة أيام متتالية لربطه بشباك العباس (عليه السّلام) ، والآن فقد شافاه الله تعالى بكرامة العباس » .

4 ـ اتّهم رجل من أهالي الكوت بأنّ له علاقة مريبة مع امرأة من أقاربه ، وطلب إليه الزواج منها ـ لقطع دابر القيل والقال ـ إلاّ أنّه رفض الزواج منها ؛ بادّعاء أنّها حامل من غيره , وليس له علاقة بها أبداً ، وقد أشعر أهلها بأنّه مستعدّ للذهاب إلى كربلاء وأداء القسم عند ضريح العباس (عليه السّلام) بصحة أقواله هذه .

وفعلاً جاء هذا الرجل إلى كربلاء برفقة أقرباء المرأة في يوم 16 رجب لعام 1416 هـ , المصادف لعام 1996 م ، ودخل حرم العباس (عليه السّلام) ، وقبل أن يرفع يده ليؤدّي القسم جاءته ضربات وصدمات شديدة وعنيفة من جهات مختلفة أفقدته صوابه ؛ حيث أخذ الدم ينزف من جسمه وتمزّقت ثيابه ، ثمّ أخذ يصرخ ويستغيث بكلمات وألفاظ غير مفهومه ، وقد أُخرج إلى خارج الروضة ووضع عند الباب الشرقية المسمّاة « باب الأمير علي » وهو بهذه الحالة المزرية .


الصفحة (160)

وصادف أن كان الأخ الأستاذ (علي عبود أبو لحمة) مارّاً من هناك , فشاهد الحالة على حقيقتها , ووقف على طبيعتها ، كما وشاهدها صديق آخر هو (أحمد مهدي الكربلائي) حيث كان مارّاً من هناك في تلك اللحظة ممتطياً لدراجة هوائية ، حيث وقف وشاهد المشهد على الطبيعة أمامه ، واستفسر من الحاضرين على ملابسات الموضوع فكان كما ورد أعلاه .

5 ـ كما وروى لنا الحاج الشيخ عباس نجل المرحوم الشيخ محمّد علي الكيشوان ومن داخل حرم العباس (عليه السّلام) ، وعلى مشهد جمع غير قليل من الأصدقاء وزوار العباس (عليه السّلام) ، حيث قال لي ولهؤلاء وأمام شباك وضريح العباس (عليه السّلام) وبالحرف : « في عام 1968 , وقبيل الساعة (10) مساءً ، وعند الشروع والبدء في غلق باب حرم العباس القبلي ـ وبعد أن تمّ غلق بقية أبواب الحرم الاُخرى ـ شاهدت عن بعد وقوف سيارة (مرسيدس استيشن) أمام باب قبلة العباس (عليه السّلام) ، حيث نزل منها ثلاثة رجال مع امرأتين برفقة طفلة (بنت) مريضة وبعمر (12) سنة ، حيث كانت مسجّاة فوق فراشها .

ولقد قام الرجال ـ وأحدهم كان أباها ويُدعى (زبلان) ـ بنقل الطفلة (البنت) وهي في فراشها ووضعوها في أرض الصحن المحيط بالحرم المقدّس ، حيث كان يسمح في ذلك الوقت بمنام الزوار في داخل الصحن رغم غلق أبوابه عند منتصف الليل ، عدا ليالي الجمع حيث تظلّ أبواب الحرم والصحن مفتوحة حتى الصباح . وعند وصولي إليهم طلب الرجال منّي ـ والذين هم من أهالي الدليم (الأنبار) ـ طلبوا منّي وضع الطفلة (البنت) المريضة في صباح الغد في الحرم ، وربطها بشباك العباس (عليه السّلام) لعلّ الله تعالى يعافيها ممّا تشكو منه ؛ لأنّهم قد يئسوا من


الصفحة (161)

حالتها الصحية .

ثمّ غادر الرجال الثلاثة المكان بعد أن أعطوا النساء رقم هاتف خاصّ ؛ لغرض الاتصال بهم في حالة وفاة البنت ، أو حدوث شيء آخر .

وفي فجر اليوم التالي ، وعند فتح أبواب الحرم قمت وبمساعدة آخرين من خدم الروضة بنقل البنت ، وهي نائمة في فراشها (وكانت لا تكاد تخرج عن أن تكون هيكلاً عظمياً ، وأنّها لا تأكل ولا تشرب إلاّ قطرات من الماء ، والسوائل التي تسكب في فمها بين فترة واُخرى) إلى داخل الحرم . نعم ، تمّ نقلها إلى داخل الحرم ، وقمت بدوري بربطها بالشباك بقطعة من القماش ، والدعاء إلى الله تعالى في أن يعافيها من علّتها التي تشكو منها .

وهكذا استمر الحال على هذا المنوال (أي نقلها يومياً عند الصباح إلى الحرم وربطها بالشباك ، وإعادتها في الليل وعند إغلاق الحرم إلى مكانها في الصحن) استمر الحال لمدّة (7) أيام متتالية .

وفي اليوم السابع والأخير ، وكالعادة ـ وعند فتح الحرم صباحاً ـ نقلنا البنت إلى الحرم ، وتمّ ربطها إلى الشباك ، وبعد ذلك قمت بأداء بعض الصلوات والنوافل .

وفيما كنت مشتغلاً في أداء هذه الصلوات وإذا بي أسمع أمّ الطفلة تنادي بصوت عالي داخل الحرم : « يا ابنتي ! يا حبيبتي ! » . ولم أكن أعرف سبب صدور هذا الصياح أو حقيقته ، إلاّ أنّي شعرت بأنّ هناك شيئاً جديداً ربّما قد حصل للبنت ؛ لذا أسرعت في إنهاء الصلاة ، وتوجّهت إثرها إلى المكان الذي ربطت فيه البنت بالشباك ـ والذي لا يبعد عن مكان صلاتي كثيراً ـ , وعند وصولي إلى هناك وجدت


الصفحة (162)

فراش البنت خالياً منها وليس للبنت أثر ، ظننت أنّ هناك خلافات عشائرية بين قبيلة البنت وقبيلة أخرى قام إثرها شخص من القبيلة الأخيرة باختطافها ـ كما هو جار بين بعض القبائل ـ ؛ لغرض إملاء شروط معينة ، أو لردّ اعتبار ، أو سوى ذلك .

وبسبب ذلك قد ارتبكت كثيراً ؛ لأنّ مردود هذا الاختطاف ـ لو حصل فرضاً ـ سينعكس علينا كخدّام للروضة العباسية ، حيث إنّها باتت في ذمّتنا منذ أن حطّت رحالها في روضة العباس (عليه السّلام) ؛ لذا فقد قمت بالبحث عنها هنا وهناك ، كما وكلّفت مَنْ كان موجوداً في الحرم من الخدم بالتفتيش والبحث عنها في أرجاء الصحن ، أو عند أبوابه في الشوارع القريبة .

وبينما كنت أبحث عنها في أرجاء الحرم بما فيها رواقاته (أواوينه) ـ والشمس لم تشرق بعد ـ وإذا بي أجد أمامي بنتاً في إحدى أروقة الحرم ، وهو (الشمالي الشرقي) ، وهي تمشي وتتعثّر في مشيتها ، وحيث إنّي لم أكن أعرف شكلها جيداً ؛ لذا فقد سألتها عمّن تكون , فأجابت : أنا الذي كنت نائمة بجوار شباك العباس (عليه السّلام) لمدّة (7) أيام ؛ حيث جاءني سيدي هذا اليوم وطلب منّي القيام فقمت وجئت معه إلى هنا ، وقد قلت ـ والكلام لا زال للبنت ـ له : مَنْ أنت ؟ فقال : أنا الذي جئتِ إليه منذ أسبوع .

وأضافت البنت في حديثها : أنّ سيدي كان واقفاً إلى جواري حين جئت إلى هنا ، ولكن يظهر أنّك لم تشاهده .

وفي الحال ذهبت إلى أهلها في الخارج وناديتهم فجاؤوا إليها مسرعين ، ولقد


الصفحة (163)

اجتمع الناس وازدحموا حولها بأعداد كبيرة ، وهم يصلّون على محمّد وعلى آل محمّد ، كما أخذت النسوة بإطلاق الزغاريد والهلاهل ، وأوشك هؤلاء المجتمعين أن يمزّقوا ثياب البنت للتبرّك والمراد ـ كما هي العادة في مثل هذه الحالة ـ ؛ ممّا اضطررت لإدخالها ووضعها في إحدى حجرات (غرف) الحرم الداخلية الصغيرة ، وتقع هذه في الجهة الشمالية الشرقية ، والتي لها نافذة مطلّة على الصحن الشرقي للروضة .

وبعد بزوع الشمس بفترة قصيرة ، وانتشار خبر البنت ، وسماع الناس في الخارج له ، تجمهروا بأعداد كبيرة عند نافذة (شباك) الحجرة (الغرفة) المطلّة على الصحن ، وتعالت منهم الصلوات على محمّد وآل محمّد ، والهلاهل والزغاريد ، وارتفعت الأصوات ، حيث اختلط الحابل بالنابل (كما يقول المثل) .

ولقد تمّ الاتصال بالمتصرّف (المحافظ) ، وكان حينذاك هو (السيد عبد الصاحب القرغولي ـ أبو زمن) , فجاء المحافظ في الحال ، وطلب مخاطبة البنت بنفسه ، حيث فتحت له باب الحجرة , وبالفعل تكلّم معها ، واستفسر عن حالها ووضعها الراهن ، فأجابت بمثل ما سبق لها أن أجابتني , ثمّ طلبت البنت منّي شيئاً من الطعام ، فجلبت لها الفطور ـ وكان هذا على ما أتذكر هو (باجة على خبز منقوع) ـ فأكلته .

كما ووصل إثر ذلك سادن الروضة العباسية ، وهو السيد بدر الدين ضياء الدين بعد أن أوصل الناس إليه الخبر ، وتكلّم هو بدوره معها . وطلبت أنا هنا من المحافظ تأمين إخراج البنت من الحجرة إلى خارج الصحن ؛


الصفحة (164)

لأن الناس قد تضاعف عددهم ، وسيمزّقون كلّ ثياب البنت (فيما لو خرجت من دون حماية) شرّ ممزّق ؛ لغرض التبرك بها .

وأجابني المحافظ بأنّ هذا الأمر هو من صلاحية واختصاص خدمة الروضة والأوقاف ، وليس من صلاحياتنا ، ووعد بأنّه سيوعز إلى مدير الأوقاف للمجيء إلى هنا فوراً ؛ للمساعدة في إخراج البنت إلى الخارج بسلام وأمان .

وبالفعل جاء السيد مدير الأوقاف ، وكان يُدعى « تركي حسن ـ أبو غازي » إلى الروضة ، وبمساعدة خدمة الروضة ، ومَنْ يعتمد عليهم من الناس أمكن صنع زنجيل وجدار محكم من الأيدي استطعنا عبره من إخراج البنت من داخل الحجرة ، والتي كانت تسير على قدميها داخل هذا الطوق المحكم ، والمحاط من الخارج بالحشود الكبيرة من جماهير البلدة ، والتي لا تُعدّ ولا تُحصى عدداً ، والتي كانت تردد الصلوات على محمّد وآل محمّد والهلاهل والزغاريد .

نعم ، أمكن إيصالها بسلام إلى السيارة التي كانت واقفة عند باب قبلة العباس (عليه السّلام) ، والتي جاء بها أهلها إلى كربلاء بعد سماعهم بالخبر ـ باتصال هاتفي ـ ، وانطلقت السيارة بها من أمام باب قبلة العباس بين الآلاف المؤلّفة من الناس إلى بلدهم في محافظة الدليم (الأنبار) » .

6 ـ كما وروى لنا الشيخ الحاج عباس الكيشوان أيضاً الكرامة الأخرى التالية ، والتي تمّت تحت بصره وسمعه : « بعد مضي فترة على الكرامة (المعجزة) السابقة ، جاء رجل من أهالي بغداد إلى حرم العباس (عليه السّلام) برفقة طفل كان يحمله معه ، وبعمر (8) سنوات ، وكان مشلولاً لا يتمكّن من السير والحركة ؛


الصفحة (165)

حيث أخذه أبوه إلى عدّة دول خارجية لعلاجه , ولكن من دون جدوى ؛ لذا آثر هذا البغدادي أن يجلبه معه إلى حرم العبّاس (عليه السّلام) في كربلاء علّه يجد في كنفه العافية والشفاء .

وبالفعل [ يقول والد الطفل : ] ربطته بشباك العبّاس (عليه السّلام) ودعوت الله تعالى بمنزلة ومكانة العبّاس عنده أن يشافيه ، وما هي إلاّ عدّة ساعات (ثلاث ساعات على وجه التحديد) وإذا بهذا الطفل يقف أمامنا صحيحاً معافىً من دون أيّة علّة أو عجز أو ما يشكو منه ، وتعالت الصلوات والهلاهل إثر ذلك من كلّ الحاضرين في المكان .

7 ـ وقصّ علينا الشيخ الحاج عباس الكيشوان أيضاً هذه الكرامة لأبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) وهي : في ليلة الجمعة ، والذي يبقى فيها مفتوحاً حتّى الصباح ، وعند منتصف الليل من أحد أيام عام 1969 م جاء إلى حرم العبّاس (عليه السّلام) طبيب أعمى العينين (بصير) ، وطلب منّي أن أتولّى زيارة للعباس (عليه السّلام) ودعاء له عند الله تعالى بمكانة العبّاس ومنزلته أن يعيد بصره إليه .

وبالفعل ، وبعد فترة قصيرة من قيامي بما طلب منّي هذا الطبيب عمله ، أبصر هذا الطبيب ورأى النور لأوّل مرّة أمامي وأمام كلّ مَنْ كان حاضراً في الحرم حينذاك ، وقد تعالت إثر ذلك الصلوات على محمّد وآل محمّد ، والزغاريد والهلاهل في المكان .

8 ـ قال لنا السيد عبد المطلب هاشم القصير آل نصر الله بحضور عدد من خدم الروضة العباسية ، ومنهم كان السيد محمود أبو المعالي ، وأمام باب العبّاس المسمّاة (باب الحسين) قال بالحرف : في عام 1960م دخل شاب أخرس من أمامي إلى الحرم العباسي ، وبعد


الصفحة (166)

ساعتين ـ على وجه التحديد ـ من ذلك خرج هذا الشاب ومن أمامي أيضاً وهو ينطق ، ويتكلّم بكلّ صراحة وبصورة صحيحة ، وقد تعالت لذلك الصلوات على محمّد وعلى آل محمّد ، والزغاريد والهلاهل والتكبير من قبل الجموع التي أحاطت به من كلّ جانب .

9 ـ حدّثنا الأخ السيد حميد هاشم جلوخان وعند باب العبّاس الغربية المسمّاة (باب الحسن) ، وبحضور السيد محمود أبو المعالي وغيره من خدم الروضة بالحرف : في منتصف الأربعينات كنّا نذهب عادة مع كثير من خدم الروضتين المقدّستين إلى محطّة القطار ؛ لغرض استقبال زوار الحرمين واستصحابهم إلى البلدة ؛ لغرض أداء الزيارة لهم في حرمي الحسين والعباس (عليهما السّلام) ، وتقديم كلّ خدمة يحتاجونها .

وصادف مرّة أن وجدت في المحطة امرأة زائرة كانت تشكو من مرض عضال في رقبتها يعيق حركتها ، وأعلمتني في الطريق إلى البلدة بأنّ لديها نذراً مقداره دينار واحد إلى العبّاس (عليه السّلام) ، وعند استصحابها إلى حرم العبّاس لأداء الزيارة لها والدعاء لها ، ومن ثمّ استلام مبلغ النذر منها كما هي العادة , قالت لي في حرم العبّاس : إنّي لن أدفع هذا النذر إليك إلاّ بعد شفائي ممّا أشكو منه . وطلبت أيضاً ربطها بالشباك والدعاء لها عند الله بالشفاء .

وبالفعل نفذّت طلبها ؛ حيث ربطتها بالشباك ودعوت لها ، حيث يئست من استلام النذر منها في الوقت ؛ لاستحالة شفائها من دون معجزة سريعة .

وتركتها في داخل الحرم وذهبت إلى مكان تواجد خدم الروضة في الطارمة


الصفحة (167)

الأماميّة ، ولم تمض إلاّ ربع ساعة ـ على وجه التحديد ـ وإذا بأصوات الزغاريد والهلاهل والصلوات تملأ أرجاء الحرم , وعند دخولي إلى الحرم حيث تتواجد هذه المرأة , شاهدتها بأمّ عينيّ محاطة بالزوار من كلّ جانب وهي بكامل صحتها وعافيتها , وعلى الفور أقبلت إليّ وأعطتني الدينار الموعود رغم أنّي كنت قد يئست منه عند ربطها بالشباك .

10 ـ لقد روى لنا السيد سلمان السيد حسن ضياء الدين في داخل دكان (حانوت) أولاده عند باب قبلة الحسين (عليه السّلام) , بحضور أولاده وبعض الزوار السعوديين والإيرانيين الذين جاؤوا إلى الدكان لشراء ما يحتاجونه من الهدايا ، كالسبح والخواتم والأكفان والترب... إلخ بالحرف :

في منتصف الخمسينات كنّا نحن خدم الروضتين المقدّستين نجلس عند أبواب البلدة لاستقبال الزوار القادمين إلى كربلاء ، وفي أحد أيام الخميس (ليلة الجمعة) كنت أجلس مع كثير من الخدم عند باب طويريج (الهندية) ، وفي صباح هذا اليوم قدمت امرأة محمولة ـ بالعبي ـ من قبل زوجها وبعض أقربائها من النساء والرجال ، وقد سألني الزوج عن موقع كراج سيارات بغداد ، وعند الاستفسار منه عن علّة ذلك أجاب : بأنّ زوجته هذه مريضة جداً ولا تتحرك ، ويرغب في أن ينقلها إلى بغداد لإدخالها المستشفى هناك لمعالجتها .

وهنا قلت صراحة للجميع : بأنّ هذه الليلة هي ليلة الجمعة ، والناس تأتي من كلّ الأطراف إلى كربلاء لزيارة الحسين والعباس (عليهما السّلام) ، وأنتم في مثل هذا الوقت


الصفحة (168)

تتركون كربلاء إلى بغداد ، وحبّذت لهم البقاء في كربلاء هذه الليلة وربط المرأة بشباك العبّاس (عليه السّلام) ؛ لعل الله تعالى يعافيها من مرضها ، وأضفت أنّه يمكن في اليوم التالي (الجمعة) السفر إلى أية جهة يرغبونها .

ولقد أيّدت النسوة اقتراحي هذا فيما أصرّ الزوج على السفر فوراً إلى بغداد , إلاّ أنّ النتيجة كانت لصالح النسوة .

وبالفعل جئت بالمرأة مع أهلها إلى حرم العبّاس (عليه السّلام) وربطتها بالشباك ، وقدّمت لها شيئاً من ماء الشفاء فشربت منه شيئاً ، ومسحت بالباقي منه على جسمها ، ومن ثمّ دعوت الله تعالى لها بالشفاء ، وتركت الجميع عند شباك العبّاس (عليه السّلام) .

وفي صباح اليوم التالي (الجمعة) وعند دخول روضة العبّاس من باب القبلة رأيت امرأة تقع (تنزل) على أقدامي ، وتتوسّل إليّ وتدعو لي بالخير والتوفيق , وقد سألتها عمّن تكن وماذا جرى , فأجابت بأنّها المرأة التي ربطتها بشباك العبّاس في صباح الأمس ، وأنّ الله تعالى قد شافاها في المساء ، وأنّها كانت تبحث عنّي منذ ذلك الوقت إلى الآن ، وقد وجدتني الآن .

وبدلاً من أن يذهب بها أهلها إلى بغداد لإدخالها إلى المستشفى هناك عادت هي معهم سليمة وصحيحة إلى بلدها ، والذي يقع في محافظة المثنى (السماوة) بعد أن منحوني ما هو مقسوم من النذر .


الصفحة (169)

ما يُنسب إلى العبّاس

يحتل القادة والمجاهدون والمناضلون في سبيل الحقّ والعدل والحرية مكانة مميّزة ومرموقة في نفوس مواطنيهم ؛ لما قدّموه لهم من جهود وتضحيات جسام في سبيل تقدّمهم ونهضتهم وسعادتهم ، وهي مكانة ومنزلة خاصّة لا تضاهيها أيّة مكانة اُخرى .

وفي سبيل تقريب أسماء ورموز هؤلاء القادة إلى نفوس الجماهير ، وجعلهم على تماس واتصال دائم ومستمر معهم بعد رحيلهم عن وجه الأرض ؛ لغرض الاقتداء بهديهم ، والاسترشاد بسلوكهم وسيرتهم الحافلة في خضمّ الحياة الدنيا .

قام هؤلاء بالاحتفاظ بكلّ ما خلّفه هؤلاء من آثار ومخلّفات ورسوم خاصّة بهم ؛ مخافة أن تودي بها عوادي الدهر ، فضلاً عن مساعيهم في إحياء أيامهم والإشادة بذكراهم في كلّ مناسبة ووقت متاح .

وهذه الحالة لا تنسحب فقط على رسل الله تعالى وأنبيائه ، وبمَنْ تعلّق بهؤلاء الرسل من أهل بيت وعشيرة وأصحاب ، وإنّما تمتد إلى سواهم من الناس ممّن لهم جهود ونضال في استقلال بلدانهم ، ودرء العدوان عنها ، وازدهار مواطنيها ، رغم بعد بعض هؤلاء عن المحيط السماوي والفلك الإلهي والدعم الربّاني .

ففي تايلند وسريلانكا القادم إليهما عن كثب تماثيل بوذا بمختلف أحجامها ، ويشاهد متاحفه المختلفة ووصاياه ، وقد خُطّت على لوحات ، ووضعت أو رفعت على جدران هذه المتاحف ، أو في الشوارع العامّة والساحات ، وأطراف الحدائق


الصفحة (170)

والمتنزهات والمحلاّت العامّة .

وفي الهند نجد نفس الشيء بالنسبة إلى « راما ، سيتا ، لكشمي ، هانومان » ، وهم قادة الهندوس الروحيين قديماً .

وفي العالم الاشتراكي نرى آثار ومخلّفات قادته معروضة في متاحف خاصة ، إضافة لتحنيط البعض منهم ؛ ليتسنى للجميع مشاهدتهم عن كثب ، فضلاً عن تعميم وصاياهم ، وخطبهم في كتب ودراسات ، وكراسات يتداولها الناس ويقرؤونها باستمرار ، ويستشهدون بها في كلّ مناسبة .

وفي العالم الرأسمالي ، وفي الدول النامية نجد الحال نفسه ، حيث تتواجد المتاحف التي تضمّ مخلّفات زعمائهم وقادتهم ، فضلاً عن نشر أقوالهم وخطبهم في الكتب ، أو خطّها في لوحات كبيرة داخل المتاحف ، أو إيداعها شاخصة في أماكن بارزة في الساحات العامة والشوارع والحدائق والمنتزهات .

أمّا في المحيط الإسلامي ، فإنّ آثار الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته الكرام وأصحابه العظام لا تكاد تخلو منها المتاحف الإسلاميّة في هذا القطر أو ذاك ؛ لغرض التبرّك بها والاعتبار منها .

ففي دلهي بالهند ، وفي زاوية خاصّة من جامعها الكبير (جامع سجود) نجد متحفاً يضمّ بعض المخلّفات الخاصّة بالرسول (صلّى الله عليه وآله) مثل بعض الشعرات من رأسه محفوظة داخل وعاء زجاجي أمين ومحكم ، فضلاً عن تواجد قميص يُنسب إليه (صلّى الله عليه وآله) ، وقرآن خطّي يُنسب إلى الإمام علي (عليه السّلام) ، وعباءة تُنسب إلى فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، ونعل يُنسب إلى الحسن (عليه السّلام) ، وعمامة تُنسب إلى الحسين (عليه السّلام) ، وأسنان تُنسب إلى أويس القرني... إلخ .


الصفحة (171)

ومثل هذه الأشياء وسواها نجدها في ركن خاص في مسجد لاهور المركزي (بادشاهي مسجد) في الباكستان ومدن باكستانية قليلة اُخرى .

وفي اسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية نجد في متحفها الإسلامي الكبير من هذه المخلّفات التي تُنسب إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، أو أهل بيته وأصحابه ، أو التابعين لهم بإحسان .

هذا ، وإنّ الذي أوردناه آنفاً يُنسب أيضاً إلى العبّاس بن علي (عليه السّلام) موضوع هذا البحث ، حيث نشير هنا إلى أنّ هناك حاجات ومواقع كثيرة تُنسب إليه ، وإنّما احتُفظت هذه إلى هذا الوقت ؛ وذلك تثميناً وجزاء وفاقاً لما قدّمه هذا الفارس المغوار من جهود وتضحيات في سبيل نصرة كلمة الحقّ والعدل ، وسحق نوازع الظلم والعدوان ، والتي توّجها بتقديم نفسه وروحه رخيصة على هذا الطريق .

ومن هذه الأشياء والمواقع التي تُنسب إليه (عليه السّلام) ، ولا زالت بارزة وصامدة إلى الآن ، ولم يعف عليها الزمن هي :

1 ـ يوم العبّاس (سابوعاه)

وهو اليوم السابع من شهر محرّم الحرام لعام 61هـ ، حيث إنّ العبّاس (عليه السّلام) في مثل هذا اليوم كانت قد اُنيطت به مع بعض خاصّة أصحاب الحسين (عليه السّلام) مهمّة اقتحام نهر الفرات (العلقمي) عنوة ، وإزاحة جموع الأعداء منه ، ومن ثمّ جلب الماء إلى الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته وأصحابه المتواجدين داخل المخيّم ، وفي (20) قربة مملوءة منه لإرواء عطشهم الذي أخذ منهم كلّ مأخذ .

لذا يحتفل المسلمون بمثل هذا اليوم من كلّ عام ، ويعدّونه يوم العبّاس كما يعدّون يوم الثامن من المحرّم يوم علي الأكبر ؛ حيث يشيدون ويجدّدون فيه


الصفحة (172)

نضاله (عليه السّلام) , وهمّته وجهوده في جلب الماء من النهر رغم ما تعرّض له من مخاطر عند الذهاب والإياب , فضلاً عن مساعيه الاُخرى في الدفاع عن الحسين (عليه السّلام) وعن المبادئ السامية التي كان يحملها معه عند قدومه إلى كربلاء ، والتي يجدها القارئ الكريم مبسوطة في سطور هذا الكتاب .

2 ـ مقام كفّ العبّاس اليمنى

ويقع هذا المقام في الجهة الشمالية الشرقية من روضة العبّاس المطهّرة ، وعلى بعد ما يُقرب من (70) متراً من جدار هذه الروضة ، وفي هذا المكان بالذات كان العبّاس في العاشر من المحرّم يحمل لوحده الماء إلى مخيّم الحسين (عليه السّلام) بعد أن اقتحم المشرعة وحده ، وملأ القربة التي كان يحملها بالماء منها ، حيث تصدّى له في طريق عودته ، وفي هذا المكان بالتحديد أحد مرتزقة جيش ابن سعد وضربه على كفّه اليمنى وقطعها ، حيث هوت هنا إلى الأرض .

وحينها نقل العبّاس (عليه السّلام) السيف من يده اليمنى التي قُطعت كفّها إلى اليد اليُسرى ؛ لغرض حماية الماء الذي يحمله ، وإيصاله بسلام إلى مخيّم الحسين (عليه السّلام) لإرواء عطش مَنْ يُقيم فيه من النساء والأطفال والمرضى .

هذا وقد تمّ إعادة تشييد المقام ، وغُطّي بالكاشي والذي يضمّ آيات قرآنية مختلفة ، فضلاً عن صورة لكفّي العبّاس ، وأبيات من الشعر ، ومنها ما نظمه السيد جعفر الحلّي حول الموضوع , وهي :

فمشى لمصرعهِ الحسينُ وطرفُه        بـينَ الـخيامِ وبـينه  مـتقسّمُ
قـد رامَ يـلثمهُ فلم يرَ  موضعاً        لـم  يـدمهِ عضُّ السلاحِ  فيلثمُ


الصفحة (173)

3 ـ مقام كفّ العبّاس اليُسرى

وفي هذا المكان بالذات والقريب من الأوّل , ضرب مرتزق آخر ، ضرب العبّاس (عليه السّلام) على يده اليُسرى فقطعها وهوت إلى الأرض .

ويقع هذا المقام حالياً إلى الجنوب الشرقي من الروضة المقدّسة ، وعلى بعد حوالي (50) م من جدار الروضة .

وبسبب التطوّر الكبير الذي جرى أخيراً على الشوارع والأزقّة المحيطة والقريبة من الروضة المقدّسة ، ووقع المقام القديم في وسط الشارع المحيط بالروضة ؛ لذا فقد نُقل هذا المقام إلى مكان قريب آخر يجاور المكان السابق ، وبالتحديد في وسط زقاق عريض يمتدّ من الشارع المحيط إلى محلّة باب الخان ، حيث شيد على هذا المكان بناء حديث اسطواني الشكل مغطّى بالشبابيك والكاشي الكربلائي البديع ، وهو يتناسب وذكرى صاحبه الشهيد الباسل .

هذا ، وإنّ تشييد المقامين « كان من وحي العقيدة التي لا تفتأ ، تدفع بمحبّي أهل البيت (عليهم السّلام) تشييد المقامات والرموز ؛ إذ يرون في عملهم هذا متمّماً لما عليهم من واجب التقديس والحبّ »(1) .

وفي أعلى المقام القديم الذي هدّم بعد وقوعه في وسط الشارع ، واستبدله بالمقام الحديث القريب منه كانت هناك لوحة من الكاشي كانت قد سجّلت عليها الأبيات التالية ، وهي من نظم الشاعر الشيخ محمّد السراج الكربلائي :

ــــــــــــــ
(1) مدينة الحسين ـ محمّد حسن مصطفى الكليدار .
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة