الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة (118)

ما قبل ساعة الصفر

لم تمض إلاّ ساعات معدودة على أرض الطفوف ، والتي ضمّت فريقين ؛ أحدهما باع نفسه وحياته رخيصة لله تعالى من أجل إعلاء كلمته ونشر رسالته ، وآخر باع نفسه للشيطان من أجل القضاء على هذه الكلمة ، وإخماد وسحق هذه الرسالة « وفي سبيل اُكذوبة صغيرة اسمها يزيد ، وجريمة منكرة اسمها ابن زياد »(1) .

ثمّ لم تمضِ إلاّ ساعات قليلة وإذا بفجر عاشوراء لعام (61هـ) يطلّ على ربوع كربلاء ، ومن ثمّ أشرقت الشمس ، وأرسلت كلّ أشعتها وحرارتها إلى هذه الأرض لتزيد من سخونتها وحرارتها التي وصلت إليها .

هذه الأرض التي ستنتقل بعد فترة جدّاً قصيرة من أرض جرداء قاحلة لا يعرفها أحد ولم يسمع عنها إنسان ، تنتقل إلى كعبة ثانية ، ومنار للحرية والتضحية ، لا فقط لأهل المنطقة أو قطر العراق بل لكلّ العالم من المحيط إلى المحيط ، ومن القلب إلى القلب .

وكذلك لا لجيل واحد وهو الذي عاصر أحداث هذه الأرض وشهد وقائعها عن كثب ، أو سمع أنباءها عن بعد ، وإنّما لكل الأجيال والسلالات والعصور وفي هذه القارة عن العالم ، أو في القارات الأربع الاُخرى .

هذه الأرض التي خطّ الحسين (عليه السّلام) رمالها وشعابها صفحة لامعة من تاريخ

ــــــــــــ
(1) أبناء الرسول في كربلاء ـ خالد محمّد خالد .

الصفحة (119)

الإنسانية ، وطوى وقضى على عرش كانت دعائمه الجور والاستبداد والطغيان .

هذه الأرض التي كانت خارج التاريخ ، ثمّ جاء الحسين (عليه السّلام) إليها ليدعها تدخل من بعده التاريخ ، ولكن من أوسع أبوابه .

لقد صلّى الحسين (عليه السّلام) بأصحابه الفجر (الصبح) ليوم عاشوراء لعام (61هـ) وهو يوافق عام (680م) ، وكان يوم الجمعة , وقيل : يوم الإثنين . وبعد الصلاة قام الإمام خطيباً ليلقي في أصحابه وأهل بيته ، حيث ألقى عليهم كلمة موجزة استهلها بحمد الله والثناء عليه أجزل الثناء ، ثمّ قال : (( إنّ الله تعالى قد أذن في قتلي وقتلكم في هذا اليوم ، فعليكم بالصبر والقتال )) .

ثمّ بدأ للتحضير للصفحة (المرحلة) الرابعة من معركة الكفاح والنضال ضدّ قوى الظلم والجور عن طريق صفّ وإعداد رجاله للحرب والمنازلة ، تمهيداً لنزولهم إلى ميدان المعركة والنزال .

لقد كان كلّ رجال الحسين (72) شخصاً بين فارس وراجل ؛ حيث كان منهم (32) فارساً و (40) راجلاً « ما على وجه الأرض يومئذ لهم شبه » كما يصفهم الحسن البصري ، التابعي المعروف (ت 110هـ)(1) ، وكانوا فضلاً عن ذلك قمّة الشهادة والفداء ، والنخوة والإيثار ، وهم معدودون في علم الله ، ومعروفون بأسمائهم قبل شهاداتهم ، وإنّهم لم ينقصوا رجلاً ولو خذلهم العالم بأسره ، كما ولم يزدادوا آخر ولو نصرهم الخلق كلّه .

إنّ « هؤلاء هم أنصار الحسين جميعاً بضعة عشرات من الرجال يقفون في

ـــــــــــــ
(1) إنّ سيرة الحسن البصري وعلاقته بالتصوّف مبسوطة في كتابنا (تاريخ التصوّف في الإسلام) .

الصفحة (120)

وجه الآلاف ، ويلحّ عليهم العطش والضيق ، وينتظرون الموت واحداً واحداً ، وكلّهم اطمئنان إلى نيل الموت وجلال الشهادة »(1) , علماً بأنّ هذه القلّة المؤمنة كانت كفؤاً لتلك الكثرة التي تملك الكثير من العتاد والسلاح ، والإمدادات العسكرية والغذائية ، والتي لا تقف هذه ولا تنضب لحظة واحدة .

هذه القلّة بعددها وعدّتها كانت قوية وصلبة ، وكبيرة وعملاقة في إيمانها ويقينها ، حيث لم تركع ولم تستسلم بل صمدت وقاتلت تحت لواء الحسين وفي ظلّه ببسالة عجيبة ، وشجاعة نادرة حتّى آخر جندي ، وآخر سيف ، وآخر سهم ، و(آخر طلقة) بالمفهوم الحديث ؛ ذلك لأنّ هدفها لم يكن إحراز نصر عسكري مؤقت ، أو نجاح تكتيكي لفترة بقدر ما كان تصحيح انحراف عريض بعد أن أصبح تقويمه غير ممكن إلاّ عن طريق القيام بعملية انتحارية جماعية ؛ لذا فإنّ « أغرب ما في ثورة الحسين وصحبه على حكم يزيد بن معاوية إنّهم كانوا يعلمون مصائرهم قبل الإقدام عليها »(2) .

ويصف أحد زعماء جيش ابن زياد هذه القلّة المؤمنة وصفاً دقيقاً يقول فيه : أثارت علينا عصابة أيديها على مقابض سيوفها ؛ كالأسود الضارية ، تحطّم الفرسان يميناً وشمالاً ، وتُلقي بنفسها على الموت ، لا تقبل الأمان ، ولا ترغب في مال ، ولا يحول بينها وبين حياض المنية أو النصر ، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على

ـــــــــــــ
(1) الإمام علي صوت العدالة الاجتماعية ـ جورج جرداق .
(2) الحسين بن علي ـ محمّد كامل حسن .

الصفحة (121)

نفوس العسكر بحذافيرها .

لقد وضع الحسين (عليه السّلام) على رأس ميمنة قوّاته زهير بن القين ، بينما أسند ميسرته إلى حبيب بن مظاهر الأسدي ، وقد بقي هو في القلب لإدارة المعركة وتوجيهها عن كثب .

أمّا رايته(1) فقد أودعها عند أخيه أبي الفضل العبّاس ؛ لأنّه قمر بني هاشم ، وأكفأ وأشجع الرجال جميعاً ، وأثبت للطعن ، وأشدّ مراساً من سواه ؛ حيث كان الحسين (عليه السّلام) يعتبره ويعدّه ذراعه الأيمن وساعده القوي الأمين .

وإنّما أودع الراية إلى العبّاس ؛ وذلك لأنّ من عادة العرب عند الحرب أن يَدعوا الراية عند أشجع رجل في الجيش ؛ إذ عليه أن يحتفظ بها مرفوعة دائماً ، وهو في وسط مجموع الأعداء ، حيث يرفعها بيد ، ويحارب باليد الاُخرى ؛ ولهذا السبب اختار الحسين (عليه السّلام) أخاه العبّاس لحمل رايته ؛ لأنّه كان ـ وكما ستثبت الوقائع ـ الأقوى والأشجع من الجميع في القيام بهذه المهمة .

وعليه فما كان سيف الحسين أطول سيوف الحقّ والتاريخ ، فإنّ راية العبّاس

ــــــــــــــ
(1) إنّ الفرق بين الراية واللواء ، هو أنّ الراية هي العلم , واللواء دونها ، فالراية ـ والتي لا يحملها إلاّ الشجعان والأكفاء والأوفياء في العسكر ـ كانت مع العبّاس ، والألوية أودعت بيد قادة الميمنة والميسرة والقلب .
وعن الراية ومكانتها يُنقل عن الإمام (عليه السّلام) قوله : (( لا تميلوا براياتكم ، ولا تزيلوا ولا تجعلوها إلاّ مع شجعانكم ؛ فإنّ المانع للدمار , والصابر عند نزول الحقائق أهل الحفاظ . واعلموا أنّ أهل الحفاظ هم الذين يحتفظون براياتهم ويكتنفونها , ويصيرون حفافها وأمامها وورائها ، ولا يضيّعونها , ولا يتأخرون عنها فيسلمونها ، ولا يتقدّمون عنها فيفردونها )) . والراية ـ من ثمّ ـ ما دامت هي مرفوعة فإنّها إشارة الظفر وعلامة الفوز والنجاح ، أمّا إذا انكسرت أو سقطت تعني الهزيمة والخسارة .

الصفحة (122)

هذه كانت أرفع رايات العدالة فيه .

أمّا في الجانب والطرف الآخر فقد قام ابن سعد بدوره بصف وتعبئة جيشه ، وكان تعداده يربو على الـ (30) ألف مقاتل في أقل تقدير ، وقيل : (70) ألفاً ، جلّهم من أهل الكوفة ، والبقية القليلة من المناطق المجاورة لها .

ولقد وضع عمرو بن الحجّاج الزبيدي على ميمنته ، والشمر على ميسرته ، واختار فروة بن قيس ليكون على الخيالة ، بينما أودع رايته إلى مولاه ويُدعى هذا دريد , علماً بأنّ إعطاء الراية لعبده يعني في العرف العسكري أنّه أبقاها لنفسه .

وعن تعداد كلا الجيشين المتقابلين على أرض كربلاء نظم أحد الشعراء الشعبيين يقول :

سبعين ألف دارت على إحسين        اُو  عـنده زلم ما غير  سبعين

كما ونظم السيد باقر الهندي حول هذا التعداد للجيشين يقول :

جاؤوا بسبعينَ ألفاً سل بقيَّتَهم        هل قاومونا وقد جئنا  بسبعينا

ولقد كان مجموع المسافة بين مخيّمي الجيشين يقارب الميلين على أقل تقدير ، وهذه القاعدة كانت متّبعة دائماً في المعارك بسبب جولان الفرسان المحاربين أولاً ، ولكي يكون كلا المخيّمين بعيدين عن نطاق وأذى السهام والنبال المتبادلة بين صفوف المحاربين ثانياً .

لقد ارتفع قرص الشمس قليلاً في السماء ، وعندها تقدّمت قطعات جيش الشيطان صوب مواقع ومخيّمات الحسين (عليه السّلام) ، وأخذت تصول وتجول حول المخيّمات من مختلف الاتجاهات .


الصفحة (123)

وحينها أمر الحسين (عليه السّلام) بإشعال الحطب الذي صُفّ خلف المخيّم ؛ لتتولى النار منع قطعات العدو من الاقتراب ، أو الدخول من خلف المخيّم .

وعندما رأى الذئاب النار تضطرم في الخندق خلف المخيّم صاح الشمر برفيع صوته : يا حسين ، تعجّلت بالنار قبل يوم القيامة .

فأجابه الحسين (عليه السّلام) : (( يابن راعية المعزى ، أنت أولى بها منّي صليّاً )) .

وأراد مسلم بن عوسجة هنا أن يرميه بسهم ليرديه صريعاً ، إلاّ أنّ الحسين (عليه السّلام) منعه من ذلك ، وقال له : (( أكره أن أبدأهم بالقتال ))(1) .

وعند ذلك امتطى الحسين (عليه السّلام) فرسه ، وأخذ مصحفاً ونشره على رأسه ، وألقى فيهم خطبته الثانية المشهورة(2) في يوم عاشوراء ، والتي جاء في بعضها : (( يا قوم ، إنّ بيني وبينكم كتاب الله وسنّة جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . يا أهل الكوفة ، قبحاً لكم وتعساً ! حيث استصرختمونا والهين فأتيناكم موجفين ، فسحقاً لكم يا عبيد الأمة ، وشذّاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ومحرّفي الكلم ، وعصبة الآثم ، ونفثة الشيطان ، ومطفئ السنن !

ويحكم ! هؤلاء تعضدون ، وعنّا تتخاذلون ؟!

ــــــــــــــــ
(1) نشير إلى أنّه في كلّ المعارك التي خاضها الإمام علي (عليه السّلام) في خلال خلافته الراشدة كان لا يبدأ عدوّه بالقتال أبداً ، بل يبدأ ويشرع هذا العدو بالقتال ليتولّى هو حينئذٍ ردّه ؛ وذلك لتكون الحجّة على العدو مضاعفة ؛ أحدها هو العصيان والتمرّد الذي يمارسه إزاء الإمام وسلطته الشرعية ، والاُخرى لبدئه وشروعه بالقتال والنزال . وهكذا كان الولد , وهو الحسين (عليه السّلام) , هنا وهنالك على سرّ أبيه كما يقول المثل العربي الشائع .
(2) لم نشر إلى الخطبة الأولى للاختصار الذي آثرناه في هذه الدراسة ، وهي مدونة بالتفصيل في الكتب التاريخية والمقاتل ، ومنها كتابي (الحسين ... ثورة دائمة) .

الصفحة (124)

ألا وإنّ الدعي ابن الدعي(1) قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة ، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، واُنوف حمية ، ونفوس أبيه من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام .

ألا وإنّي زاحف بهذه الاُسرة على قلّة العدد ، وخذلان الناصر . أما والله ، لا تلبثون بعدها إلاّ كريثما يركب الفرس حتّى تدور بكم دور الرحى ، وتقلق بكم قلق المحور ، عهد عهده إليّ أبي عن جدّي رسول الله ، فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثمّ لا يكن أمركم عليه غمّة .

اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنينَ كسنيِّ يوسف ، وسلّط عليهم غلام ثقيف(2) يسقيهم كأساً مصبّرة ، ولا يدع فيهم أحداً إلاّ قتله ؛ قتلة بقتلة ، وضربة بضربة ، ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي منهم ؛ فإنّهم كذبونا وخذلونا ، وأنت ربّنا عليك توكّلنا وإليك المصير ... ))(3) .

ـــــــــــــــ
(1) الدعي والاستلحاق : هو أن يدّعي المرء رجلاً ينسبه ، وقد يكون عبداً ، أو أسيراً ، أو مولى فيسمّيه مولاه وينسبه إليه . وكان العرب يسمّون المستلحق (دعياً) .
(2) تمّ إعداد كتاب جديد عن حياة المختار الثقفي باسم (المختار) .
(3) من الملاحظ والشائع أنّ الحسين (عليه السّلام) كان قد أكثر ووسّع من خطبه ومواعظه على جماهير الناس ، وفي كلّ مناسبة متاحة ، ومنذ مغادرته المدينة المنورة حتّى وصوله إلى أرض كربلاء .
ومردّ ذلك أنّه (عليه السّلام) كان يتحاشى ويخشى أن يدخل أحد من الناس إلى النار بسببه ، أو عن طريقه ؛ لكونه من أهل البيت الذين جعلهم الله رحمة للعالمين ، وسبيلاً لنجاتهم وفوزهم ، لا ليكونوا سبيلاً لدخول أحد إلى جهنم وبئس المصير .
إنّ هذه هي أخلاق أهل البيت (عليهم السّلام) ، وتلك هي أخلاق وسيرة خصومهم في شنّهم لحرب الإبادة والاستئصال ، ومنع الماء لأهل هذا البيت ، والذي لا يرجو لهم ـ في المقابل ـ إلاّ الخير والنجاة من النار .

الصفحة (125)

ثمّ أنشد (عليه السّلام) أبيات لفروة المرادي :

فـإن نُهزم فهزّامون    قُدماً        وإن نُـهزم فغيرُ    مُهزّمينا
ومـا إن طبّنا جبنٌ    ولكن        مـنايانا ودولـةُ   آخـرينا
فـقل لـلشامتين بنا   أفيقوا        سـيلقى  الشامتونَ كما لقينا
إذا ما الموتُ رُفّعَ عن اُناس        بـكـلكلهِ أناخَ    بـآخرينا

وبعد الفراغ من الخطبة الثانية هذه أجابه أهل الكوفة : إنّنا لا نفهم ما تقول .

ممّا اضطر الحسين (عليه السّلام) للعودة إلى مكانة لانتظار الخطوة التالية بعد أن أصبح الجيشان في أعلى درجات التأهّب والاستنفار .


الصفحة (126)


الصفحة (127)

الملحمة الكبرى

بعد أن أنهى الحسين (عليه السّلام) من إلقاء خطبته الثانية على القوم ، تقدّم ابن سعد بصفته القائد العام لقوات الغدر والعدوان ، تقدّم إلى أمام معسكر الحسين (عليه السّلام) وأطبق عليه من الأمام ؛ تمهيداً لإشعال فتيل الحرب المدمّرة ضدّ الحسين وأعوانه ؛ حيث تناول من مولاه دريد سهماً ووضعه في كبد قوسه ، ورمى به على معسكر الحسين (عليه السّلام) وهو ينادي برفيع صوته ؛ ليسمع أفراد جيشه قائلاً : اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَنْ رمى الحسين ، أو ضرب بسهم .

وبذلك فقد ابتدأت الملحمة الكبرى في أرض كربلاء ، والتي خطّط لها ابن سعد وسيّده ابن زياد وطاغيتهم في الشام يزيد ؛ لتكون حرب إبادة واستئصال لآل الله ورسوله ، ولمَنْ أعانهم ونصرهم وذاد عنهم ولو بشربة من ماء(1) .

وبعد أن رمى ابن سعد بسهمه انهالت السهام على معسكر الحسين كأنّها رشق المطر الغزير ، وهنا قال الحسين (عليه السّلام) لأصحابه وأهل بيته : (( قوموا ـ يرحمكم الله ـ يا كرام إلى الموت الذي لا بدّ منه ، ولا مفرّ لكم عنه ؛ فإنّ هذه السهام هي رسل القوم إليكم )) .

ــــــــــــــــ
(1) نشير إلى أنّه بعد أن أعلن الحرّ الرياحي توبته وندمه على فعله إزاء الحسين (عليه السّلام) ، وحيث كفّر عن ذلك بانضمامه إلى صفوف الحسين (عليه السّلام) قبل بدء الحرب ، وخشية أن يتبعه الآخرون من المقاتلين بالالتحاق بصفوف الحسين (عليه السّلام) ؛ لذا فقد أسرع ابن سعد في التقدّم إلى أمام معسكر الحسين وأشعل هناك نيران الحرب المدّمرة .

الصفحة (128)

وبهذا النداء فقد ابتدأت الصفحة (المرحلة) الرابعة في معركة الكفاح والنضال والجهاد لتقويض دعائم الظلم والجور ، وهي معركة ـ بحقّ ـ بين منطق الذي ينظر إلى الدنيا بعين الآخرة ، ومنطق الذي لا يؤمن بالآخرة أصلاً .

وكان الهاشميّون وعلى رأسهم العبّاس (عليه السّلام) يطالبون بالقتال أوّلاً , حيث إنّ مرادهم من ذلك هو : ألاّ نترك أصحابنا يتقدّمون أوّلاً إلى القتال ؛ لأنّ الحمل الثقيل لا يحمله أو يقوم به إلاّ أهله ، فنحن نتقدّم أوّلاً إلى الحرب ثمّ هم بعدنا .

بينما كان مراد الأصحاب وهدفهم بقيادة حبيب بن مظاهر الأسدي عكس ذلك ، حيث قالوا للهاشميين : بل نحن نتقدّم إلى الموت أوّلاً ، ثمّ تجيئون أنتم على الأثر حتّى لا نرى أمامنا هاشمياً مضرّجاً بدمه .

وفي هذا المعنى يقول أحد الشعراء :

يتنافسونَ  على المنيّة  بينهمْ        فـكأنّما هـي غادةٌ  معطارُ
يتسابقونَ على الكفاحِ ثيابهمْ        فـيها  وعـمّتهم قنا وشفارُ

كما ونظم السيد حيدر الحلّي حول الموضوع يقول :

قـوم إذا نـودوا لدفعِ    مـلـمّةٍ        والـخيل بين مدّعسٍ    ومكردسِ
لبسوا القلوبَ على الدروعِ وأقبلوا        يـتهافتونَ عـلى ذهابِ   الأنفسِ
نصروا الحسينَ فيا لهم من    فتيةٍ        باعوا الحياةَ وأُلبسوا من    سندسِ

كما وقال شاعر ثالث حول نفس المعنى :

جادوا بأنفسهم عن نفسِ سيّدهم        وقـد رأوا لبثهم من بعدهِ عارا

وفي الأخير كان السبق هنا للأصحاب في اقتحام جبهة العدو ؛ حيث كانوا يعرفون أنّهم غير قادرين على دفع القتل عن الحسين (عليه السّلام) ؛ لذا فقد كانوا يتنافسون

الصفحة (129)

على أن يُقتلوا بين يديه ، حيث حملوا على القوم (جيش أهل الكوفة) بعد التوكّل على الله تعالى ، ووداع إمامه الحسين (عليه السّلام) وأخذ الأذن منه .

نعم ، حملوا على جيش العدوان بآلافه المؤلّفة الميسورة بسيوفه العادية ، ورماحه الباغية حملة رجل واحد ، وشدّوا عليهم شدّ الليوث ، واقتتلوا بشجاعة وبسالة فائقين منزلين بالعدو خسائر فادحة في الأرواح والمعدات ، وكلّ أمانيهم أن تواتيهم مناياهم بين يديّ الحسين أو عند قدميه ، حيث استشهد عقبها نصف أصحاب الحسين (عليه السّلام) في هذه الحملة .

كما وأخذ من ثمّ الرجلان والثلاثة والأربعة يستأذنون الحسين (عليه السّلام) في قتال أهل الكوفة ، والذبّ عنه ، والدفاع عن حرمه ، وكان كلّ واحد منهم يحمي الآخر من كيد عدوّه .

وينقل هنا بالمناسبة أنّ أربعة من أصحاب الحسين من بينهم عمرو بن خالد الصيداوي ومولاه سعد ، واثنين آخرين كانوا قد شدّوا جميعاً على أهل الكوفة , حيث أوغلوا في قلب جيش الكوفة ، حيث أحاط بهم جيش أهل الكوفة وانقطع ارتباطهم بمعسكر الحسين (عليه السّلام) .

فما كان من الحسين (عليه السّلام) هنا حين تجلّى له الأمر إلاّ أن يندب إليهم أخاه العبّاس (عليه السّلام) ، حيث تمكّن العبّاس بشجاعته وبسالته من إنقاذهم من وسط جيش الغدر والعدوان ؛ لأنّه كان رجل المهمّات الصعبة في معسكر كلّ مهمّاته كانت صعبة . وهكذا أخذ أصحاب الحسين (عليه السّلام) يتساقطون واحداً بعد آخر , بدءاً من الحرّ الرياحي(1) ، ومروراً بمسلم بن عوسجة ، وحبيب بن مظاهر ، وزهير بن القين ,

ـــــــــــــــ
(1) لقد كان الحرّ الرياحي أوّل الذين خاضوا المعركة ضدّ أهل الكوفة ؛ لأنّه أراد بذلك أن يكفّر =

الصفحة (130)

وانتهاءً عند جون مولى أبي ذر الغفاري وسواه .

حيث كلّما برز واحد منهم ودّع الحسين (عليه السّلام) وأسلمه إلى مَنْ خلفه ليحميه ويذود عنه حتّى فارقوه جميعاً ؛ ليلتقوا معه في جنّات الخلد ، والتي عرضها السماوات والأرض .

وهكذا فقد عبّد هؤلاء بدمائهم الزكية للأجيال القادمة طريق الكرامة والعزّة والعدالة الاجتماعية ، كما وأنّ مصرعهم على أرض الطفوف , وبيد شرار الخلق وفساقها , هي مزية ومأثرة ادّخرها الله سبحانه لهم .

علماً بأنّ هذه المنازلة مع جيش العدو ، والتي خاضها أصحاب الحسين تعتبر الحملة الأوّلى في يوم عاشوراء ، وقد استشهد فيها (50) بطلاً من أصحاب الحسين (عليه السّلام) وأعوانه .

وجاء من بعد مصرع هؤلاء دور فرسان وشجعان أهل البيت (عليهم السّلام) , وعددهم (17) شاباً ، وكلّهم من أبناء علي وجعفر وعقيل ، والحسن والحسين (عليهم السّلام) ... إلخ ، وهم الفتية الأبرار الذين تأخّر موعد منازلتهم للعدو ؛ ليكونوا ضمن الحملة الثانية على طريق الفداء والتضحية ونكران الذات ؛ حيث إنّ القتل لهم عادة وكرامتهم من الله

ــــــــــــــــ
= عن تصرّفاته السابقة إزاء الحسين (عليه السّلام) ، حيث كان هو أوّل مَنْ لقى الحسين (عليه السّلام) في صحراء العراق الغربية على رأس جيش من مرتزقة وأزلام العدو يبلغ (1000) فارساً ، وهو الذي ضيّق على الحسين (عليه السّلام) وحال دون حركته وانتقاله إلى مكان آخر ، وأدّى هذا التضييق في النهاية لأن يصل الحسين (عليه السّلام) أرض كربلاء .
ولقد خاض الحرّ المعركة بعد أن استفسر من قائد جيشه ابن سعد عمّا إذا كان في النيّة قتال الحسين , حيث أجابه : نعم ، قتال أقلّه أن تُقطع الأيدي وتطيح الرؤوس .

الصفحة (131)

الشهادة(1) .

فتقدّم إلى الجبهة علي الأكبر وعمره (27) سنة ، وقيل : أقل ، وتبعه عبد الله بن مسلم ، فأبناء عبد الله بن جعفر الطيار ، ثمّ أبناء الحسن الزكي المجتبى (عليه السّلام) ، وكان القاسم أصغرهم ... إلخ .

وكلّ مَنْ كان يبرز من هؤلاء لخوض غمار المعركة كان ينطق بالعطش ، ويطلب الماء ليروي غليله , إلاّ أنّ جواب الحسين (عليه السّلام) لكلّ واحد منهم كان : (( اصبر فإنّك لا تُمسي حتّى يسقيك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بكأسه الأوفى )) .

أمّا العبّاس (عليه السّلام) والذي كان يقف إلى جوار الحسين (عليه السّلام) ، فإنّ حضوره هذا قد جعل للملحمة حجم أوسع ممّا كان لها ، ومقاسات أكثر علوّاً وسموّاً وارتفاعاً ، فقد كان يحيّي كلّ مَنْ كان يتقدّم من أقربائه هؤلاء إلى الجبهة ، وكان يقول لهم لغرض تشجيعهم على المنازلة ، وإنزال أقصى الخسائر في صفوف العدو كان يقول : تقدّموا حتّى أراكم قد نصحتهم لله ورسوله .

ولمّا رأى العبّاس كثرة القتلى في أهله علم بأنّ دور إخوته في الكفاح والنزال قد حان ، حيث لم يبقَ من المحاربين حيّاً سواهم ، فقال لهم ، وهم : عبد الله , وعثمان ,

ــــــــــــ
(1) عن الشهادة وطلبها يروى أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) كان قد زار علياً (عليه السّلام) بعد واقعة اُحد لمواساته على الجروح التي أصابته فيها ، والتي بلغ عددها (70) جرحاً ، فقد قال الإمام (عليه السّلام) للرسول (صلّى الله عليه وآله) متأسّفاً : (( يا رسول الله ، أرأيت كيف حيزت عنّي الشهادة ؟ )) . فقال له الرسول (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّها من وراءك يا علي ، فكيف صبرك إذن ؟ )) . فقال علي (عليه السّلام) : (( يا رسول الله ، ليس هذا من مواطن الصبر ، ولكن من مواطن البشرى والشكر ؛ إنّ الصبر يكون على البلاء , بينما الشهادة ـ في رؤية أهل البيت ـ نعمة وبركة ، فهي موطن شكر وبشرى )) .

الصفحة (132)

وجعفر : تقدّموا يابني اُمّي , فحاموا عن سيّدكم حتّى تموتوا دونه ، وحتى أراكم قد نصحتم لله ولرسوله ... تقدّموا بنفسي أنتم حتّى أراكم قتلى فأحتسبكم واُثاب بكم .

فاستجاب إخوة العبّاس لنداء أخيهم ، فهبّوا مسرعين للقتال ، ووطّنوا أنفسهم على الموت دفاعاً عن أخيهم الحسين (عليه السّلام) ، وهم يردّدون :

نـحنُ بـنو اُمِّ البنين  الأربعهْ        ونحنُ خيرُ عامر بن صعصعهْ

الضاربونَ الهامَ وسطَ  الجمجمهْ

فقاتلوا جميعاً قتالاً عنيفاً شديداً حتّى هووا كما تهوي النجوم إلى الأرض مضرّجين بدمائهم .

ووقف العبّاس على أشقائه الذين مزقّت أشلاءهم سيوف الأعداء ، فأخذ يذرف عليهم أحرّ الدموع ، وتمنّى لو أنّ المنيّة كانت قد وافته قبلهم .

أمّا العبّاس (عليه السّلام) نفسه فكان آخرهم وخاتمهم على طريق العزّة والنضال والجهاد ، حيث إنّ الحسين (عليه السّلام) كان قد أرجأ الترخيص والإذن له بالمنازلة حتّى حين .

وإنّما استبقاه إلى جواره ـ رغم إلحاح العبّاس في خوض المعركة ـ حتّى تستمر هذه المعركة ضدّ العدو الغاشم بعنفوانها وغليانها ، وليبقى مع العائلة إلى آخر لحظة ممكنة ؛ لأنّ شهادته في البداية ـ وهي لا بدّ منها ـ قد تفّت في عضد جيش الحسين (عليه السّلام) ، وتضعف معنويات العائلة .

لذا فقد قال الحسين (عليه السّلام) له :


الصفحة (133)

(( أخي أنت صاحب لوائي ، وكبش كتيبتي ، إذا مضيت تفرّق عسكري ، ويؤول جمعنا إلى الشتات )) .

وعن هذه الحالة يقول الشاعر الشعبي جليل الجنابي :

يگلـه اشلون يا   عباس        عنّي تروح يا    رجواي
أنـت رمحي اُو   سيفي        وانت يسرتي اُو   يمناي
أنت الگلب وانت الروح        وانـت نـور   البعيناي

لهذا لم يأذن بالقتال إلاّ في الساعات الأخيرة ، وبعد أخذ ورد ؛ لأنّ العبّاس كان على عجلة من أمره لدخول الجنّة ، كما كان أعداؤه على عجلة من أمرهم لكسب الجائزة من ابن زياد . وحين لم يجد الحسين (عليه السّلام) بدلاً من الإذن له بعد أن ذاب قلبه ، وذهبت نفسه حزناً وأسى على ما حلّ في آل وأصحاب الحسين من مصائب ونوائب ، وبعد أن وجد أنّ نفسه تسبق جسمه في جهاد الطغاة والظالمين .

حيث أضاء له اللون الأخضر ، وترك له حرية المواجهة والنزال , حيث قال له : (( إن كان ولا بدّ ، فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء )) .

وهكذا فقد قيّد يديه ورجليه بإتيان الماء للأطفال .

وقبل أن يحمل العبّاس (عليه السّلام) على جيش العدوان ، ويخترق صفوفهم ، نادى أمام هذا الجيش : يا عمر بن سعد ، هذا الحسين ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , قد قتلتم أصحابه وأهل بيته ، وهؤلاء عطاشى منذ (3) أيام , فاسقوه من الماء ؛ فقد أحرق الظمأ قلوبهم . أما تذكرون العطش يوم الفزع الأكبر ، أما تذكرون ما أنزل الله ، أما تخافون من عذاب الله ونقمته يوم يجمع الله الناس فيه إلى المحشر ؟!


الصفحة (134)

وفي هذا المعنى نظم الشاعر أنور الجندي يقول :

وذئـابُ الـشرورِ تنعمُ    بـالما        ء  وأهـلُ النبيِّ من غيرِ   مـاءِ
يـا لظلمِ الأقدار يظمأ قلبُ   اللي        ث والـليثُ مـوثقُ  الأعـضاءِ
وصغارُ الحسينِ يبكونَ في الصح        راء يـا ربِّ أينَ غوثُ   القضاءِ

كما وقال الشاعر أبو المحاسن حول الموضوع :

لو أنّ بالصخرِ ما قاساهُ من عطشٍ        كـادت لهُ الصخرةُ الصماءُ  تنغلقُ

إلاّ أنّ الجواب على هذا النداء كان قد جاء على لسان الشمر حيث قال بصوت عالي : يابن أبي تراب(1) ، قل لأخيك لو كان وجه الأرض كلّه ماءً ، وهو تحت أيدينا , لما سقيناكم منه قطرة واحدة ، ولا ذقتم منه شربة باردة حتّى نجرّعكم كأس المنون غصة بعد غصة ، إلاّ أن تدخلوا في بيعة يزيد ... .

فغضب العبّاس وقال : إنّ القوم قد استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ... إلخ .

وإثر ذلك شدّ على الأعداء حيث أخذت أبدانهم ترتجف ، ومفاصلهم ترتعد ، ووجوههم تتغيّر خوفاً منه حيث هزمهم نفسياً قبل أن يهزمهم في ساحات

ـــــــــــــــ
(1) إنّ كلمة أبو تراب كناية عن كثرة عبادته وصلواته ؛ وذلك لأنّ المسلمين كانوا في السابق يسجدون على التراب ، وكان الإمام علي (عليه السّلام) معفّر الجبين لكثرة ما يسجد على التراب .
وجاء في صحيح البخاري ومسلم أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) وجد الإمام مرّة في المسجد نائماً وقد ترب جبينه ، فجعل يمسح التراب عن جبينه ويقول : (( قم يا أبا تراب )) ، أي قم يا كثير العبادة . وكانت هذه الكنية (أبو تراب) أحبّ الكنى إلى الإمام علي (عليه السّلام) .

الصفحة (135)

الحرب ، حيث يعبّر الشاعر السيد حيدر الحلّي عن الموقف ويقول :

عـبست وجوهُ القومِ خوفَ المو       ت والعباسُ فيهم ضاحكٌ متبسّمُ

واتجه صوب نهر العلقمي حيث فرّت الكتائب من أمامه ، وباتت تسحق بعضها بعضاً ، ولم يفزعه جيش الكوفة الضال عن رشده المكلّف بحراسة الشريعة ، والذي يقدّر بـ (4) آلاف فارس كأنّهم جراد منتشر ، حيث تمكّن من كشفه عن الماء والوصول إليه ، وملأ القربة التي كان يحملها معه بالماء .

وأراد ـ وهو في الماء ـ أن يشرب شيئاً منه ؛ لأنّ عطشه كان لا يقلّ عن عطش الحسين وأهل بيته (عليهم السّلام) , إلاّ أنّه تذكر عطش أخيه الحسين (عليه السّلام) والأطفال والنسوة , ومَنْ قُتل من بني عمّه وأصحابه ، فرمى الماء من يده ولم يشرب منه قطرة واحدة ، وقال :

يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني        وبـعدهُ لا كـنتِ أو  تـكوني
هـذا  الـحسينُ واردُ  المنونِ        وتـشـربينَ بـاردَ  الـمعينِ

تاللهِ  مـا هـذا فـعالُ ديـني

ثمّ صمّم العبّاس إثرها على إيصال القربة إلى معسكر الحسين (عليه السّلام) ؛ لريِّ مَنْ فيه , وبكلّ صورة ووجه , وذلك بعد أن أحكم شدّ فتحتها ورماها على عاتقه ، حيث إنّ حياته وأمله في تلك اللحظات كانت معلّقة بتلك القربة ، وهي أن يوصلها سالمة إلى مخيّم الحسين (عليه السّلام) .

وعن هذه الحالة يقول الشاعر :

أأبـردُ  قـلبي بالزلالِ  وبرده        ويُحرقُ من آلِ الرسولِ  قلوبُ
فيا نفسُ موتي بالظما وتقطّعي        وإن كان ماءُ الشطِّ منكِ قريبُ


الصفحة (136)

فـواللهِ لا ذقـت من الماءِ  قطرةً        إلى حيث سهمُ المنونِ يصيبُ(1)

كما ويقول شاعر آخر حول الموضوع :

ودمـدمَ لـيـثُ الغابِ يعطو بسالةً        إلـى الماءِ لم يكبر عليهِ    ازدحامُها
ألـمّتِ  بـهِ سوداءُ يخطفُ برقُها ال       بـصائرَ من رعبٍ ويعلو    قـتامُها
جـلاها بمشحوذِ الغرارينِ    أبـلجٍ        يـدبُّ بـهِ لـلدارِعينَ   حـمـامُها
ثنى رجلهُ عن صهوةِ المهرِ وامتطى        قـرى  النهرِ واحتلَّ السقاءَ   همامُها
وهـبَّ إلـى نحو الخيامِ   مـشمّراً        لــريّ  عـطاشى قد طواها أوامُها

كما ونظم شاعر ثالث يقول :

سل الشريعةَ عنهُ يومَ خاضَ بها        هل ذاقَ للماءِ طعماً وهو  غارفهُ
رمـى المعينَ بنهرٍ من  أنـاملِه        وصـدّ عنهُ وما بلّت   مـراشفهُ
إن  لـم يزد معنىً في   شجاعته        عـلى   أبـيهِ فقد ساوت مواقفهُ

وفي هذا المعنى نظم شاعر رابع على لسان اُمّ البنين ، وأنّها قالت بالفعل واصفة الموقف على حقيقته :

يا مَنْ رأى العباسَ  كرَّ        على   جماهيرِ النقدْ(2)
ووراهُ مـن أبناءِ حي        در  كـلّ ليثٍ ذو   لبدْ
اُنبئتُ أنّ ابني    اُصي        ب بـرأسهِ مقطوعَ  يدْ
لو كانَ سيفكَ في   يدي        ك لـما  دنـا منكَ أحدْ

إلاّ أنّ الأعداء تكاثروا عليه في الطريق ، وأحاطوا به من كلّ صوب وجهة حتّى قطعوا عليه طريقه ؛ ليحولوا دون إيصال الماء إلى معسكر الحسين (عليه السّلام) فلم يبالِ بهم ، وأخذ يضرب القوم بسيفه مجندلاً كلّ مَنْ يقترب منه ، ولسان حاله يقول :
ــــــــــــــ
(1) في البيت خلل عروضي واضح . (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
(2) النقد : معناه الأغنام .

الصفحة (137)

لا أرهبُ الموتَ إذا الموتُ    زقا       حـتّى اُوارى في المصاليتِ   لقى
إنّـي أنا العباسُ أغدو    بـالسقا        نفسي لسبطِ المصطفى الطهرِ وقا
ولا أهـابُ الموتَ يومَ    الملتقى        بـل أضربُ الهامَ وأفري المرفقا

إلاّ أنّ السهام كانت قد أتته كالمطر ، كما وكمن له أحد مرتزقة جيش البغي فضربه على يمينه فقطعها ، فأخذ العبّاس السيف بشماله وجعل يضرب بعنف وقوّة جنود جيش الكوفة ، وهو يردّد :

واللهِ إن قـطعتموا  يميني        إنّي اُحامي أبداً عن  ديني
وعـن إمامٍ صادقِ  اليقينِ        سبطِ النبي الطاهرِ الأمينِ

كما ونظم شاعر آخر هذا الشعر على لسان العبّاس :

أقـسمتُ باللهِ الأعزِّ   الأعظمِ        وبـالحجونِ صادقاً   وزمـزمِ
وبـالحطيمِ والقنا    الـمحرّمِ        لـيخضبنَ اليومَ جسمي  بالدمِ
دونَ الحسين ذي الفخارِ الأقدمِ        إمـامِ أهلِ الفضلِ   والـتكرّمِ

وكان العبّاس يحثّ فرسه بقوّة لعله يوصل القربة سالمة إلى المخيم ، وهو يدمدم قائلاً :

يا نفسُ لا تخشَي من الكفّارِ        وأبـشري بـرحمةِ  الجبّارِ
مـع الـنبي السيدِ  المختارِ        قـد  قطعوا ببغيهم  يساري

فـأصلهم يـا ربِّ حرَّ النارِ

كما ونظم الشاعر محمّد علي كمونة الكبير حول الموضوع يقول :

أرى الموتَ عندَ الناسِ مرّاً مذاقُه        وعندكَ أحلى من عناقِ  الكواعبِ
ولكنكَ  اخترتَ الوصولَ لرتبةِ ال      شـهادة شوقاً وهي أعلى  المراتبِ

وبعد كرّ ومناوشة واقتحام كمن له مرتزق آخر فضربه على شماله فقطعها ،

الصفحة (138)

فضمّ الراية إلى صدره ، وبعد ذلك تكاثر عليه الأعداء كالغربان ، وأتته السهام كالمطر ، فأصابت إحداها القربة واُريق ماؤها على الأرض ، كما أصابت عدّة منها صدره وعينيه .

كما وحمل عليه مرتزق ثالث بعمود من حديد فضربه على رأسه حيث خارت قواه وسقط على الأرض يخور بدمه الزكي .

وهكذا فقد ضحّى العبّاس بكفّه حتّى لا يضحّي بكف الحقيقة ، وضحى بعينه حتّى لا يضحّي بعين البصيرة ، وضحّى برأسه حتّى لا يضحّي برأس الإيمان .

علماً بأنّه لا السيف الذي قطع يده ، ولا السهم الذي أصاب عينه ، ولا العمود الذي فلق هامته قد استطاع من أن يؤثّر على معنوياته وتصميمه في الدفاع عن الحقّ والمثل العليا .

وعن هذه الحالة يقول أحد الشعراء الشعبيين :

ولا تـهمّه السهامُ حاشى        مَنْ همُّه سقايةُ  العطاشى
فـجادَ  باليمينِ  والشمالِ        لنصرةِ الدينِ وحفظِ الآلِ

كما ونظم شاعر آخر وهو علي محمّد الحائري في هذا المعنى يقول :

فـيا حـاملاً رايـةَ الخالدين        ويـا  حـاملَ الماءَ للظامئينا
فإن أنت أعطيتَ منكَ الشمال        فـشرخٌ  بعهدكِ تبقى  اليمينا

نعم ، سقط بجنب ضفاف نهر العلقمي بعد أن أوقع في جيش العدو الغاشم خسائر فادحة في الأرواح شملت كلّ بيوت الكوفة على سعتها .

وحين سقوطه أخذ يودّع أخاه الحسين الوداع الأخير بقوله : عليك منّي السلام يا أبا عبد الله .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة