الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة (97)

فأنتَ  أخو السبطينِ في يومِ  مفخر        وفي يومِ بذلِ الماءِ أنتَ أبو الفضلِ

وقيل هذا : إنّ العبّاس (عليه السّلام) ارتجز هذه الاُرجوزة عند الطلب منه شرب الماء دون البقية في المخيم :

يا نفسُ من بعدِ الحسين هوني        وبـعدهُ لا كنتِ أو    تـكوني
هـذا الـحسينُ واردُ المنونِ        وتـشـربينَ باردَ    الـمعينِ
تـا اللهِ ما هذا فعالُ    ديـني        ولا فـعـالُ صادقُ   الـيقينِ

وإثر ذلك حدثت بعض المناوشات بين الطرفين تمكّن بعدها العبّاس (عليه السّلام) ورفاقه من السيطرة على الموقف بإزاحة قوّات العدو ، وشقّ طريقهم إلى ضفاف النهر عنوة ، وملء قربهم كلّها بالماء وجلبها إلى داخل مخيّم الحسين (عليه السّلام) من دون أن يخدش أيّ رجل منهم بخدش ؛ وذلك لخشية القوم من الدنو منهم لوجود العبّاس (عليه السّلام) معهم ، كما ولم يكن أحد يجرأ على التصدّي لهم خوفاً من العبّاس وبطشه .

وعن هذه الحالة نظم أحد الشعراء ، وهو السيّد محسن الأمين العاملي , يقول :

لا  تـنـسى للعباسِ حُسنَ بلائهِ        بـالـطـفِّ عندَ الغارةِ الشعواءِ
واسـى أخاه بها وجادَ    بـنفسه        فـي سـقي أطفالٍ لهُ   ونـساءِ
ردّ الاُلوفَ على الاُلوفِ معارضاً        حـدَّ الـسـيـوفِ بجبهةٍ غرّاءِ

كما ونظم شاعر ثانٍ ، وهو السيد جعفر الحلّي , حول الموضوع ، ومشيداً بشجاعة العبّاس :

أوَتشتكي العطشَ الفواطمُ عنده        وبصدرِ صعدتهِ الفراتُ   المفعمُ
ولو استقى نهرَ المجرّةِ  لارتقى        وطـويـلُ   ذابـلـةٍ إليها سُلّمُ
لو سدّ ذو القرنين دونَ   ورودِهِ        نـسـفـتهُ همّتهُ بما هو أعظمُ


الصفحة (98)

في  كفّهِ اليسرى السقاءُ  يقلّه        وبكفهِ  اليمنى الحسامُ  المخذمُ
مثلُ  السحابةِ للفواطمِ  صوبه        فيصيبُ حاصبهُ العدو فيرجمُ

ونظم شاعر ثالث حول نفس الموضوع يقول :

إنّــي لأذكـرُ للعباسِ   مـوقفَهُ        بـكربلاءَ وهـامُ القومِ   يختطفُ
يحمي الحسينَ ويحميهِ على   ظمأٍ        ولا يـولّي ولا يثني    فـيختلفُ
ولا أرى مـشهداً يوماً   كـمشهدِهِ        مع الحسينِ عليهِ الفضلُ والشرفُ
أكـرم بـهِ مشهداً بانت   فضيلتُهُ        ومـا أضـاعَ لهُ أفعالهُ    خـلفُ

هذا ، وإنّ الكمية المحدودة من الماء التي جاء بها العبّاس (عليه السّلام) إلى مخيّم الحسين (عليه السّلام) والبالغة (20) قربة لم تعدّ تكفي لشرب وإرواء العدد الكبير من آل وأصحاب الحسين (عليهم السّلام) ، والذي عددهم جميعاً ما يقرب من (200) شخصاً ، عدا الخيول والإبل التي جاءت معهم من الحجاز .

كما وإنّها كانت آخر ما تمّ الحصول عليه من الماء في كربلاء حتّى مقتل الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته وأصحابه في يوم عاشوراء ؛ لذا فقد امتدّ العطش بهؤلاء وشعروا بمرارته وقسوته بدءاً من اليوم الثامن من المحرّم وحتّى العاشر منه ، أي لمدة ثلاثة أيام متوالية .

إنّ هذا كان موقف أهل الكوفة(1) بمنع الماء عن الحسين (عليه السّلام) وأنصاره ، بينما كان

ـــــــــــــــــ
(1) لقد تردّد في هذا البحث لفظ (أهل الكوفة) ، أو (القوم) لمرّات عديدة باعتبارهم قد كتبوا للحسين (عليه السّلام) للقدوم إليهم للنضال معه ، ثمّ انقلبوا عليه ليصطفّوا إلى جانب النظام القائم ، وضمن سرايا جيشه ، حتّى قال المسعودي في مروجه : وأهم ما في حركة الحسين (عليه السّلام) أنّ كلّ مَنْ حاربه وتولّى قتله كان من أهل الكوفة ، لم يحضره شامي واحد .
ولقد تمّ ذمّ وتقريع هؤلاء من قبلنا ، أو من غيرنا عبر الزمن على فعلتهم هذه ؛ باعتبار أنّهم قد سحقوا =

الصفحة (99)

موقف الحسين (عليه السّلام) بالمقابل هو أنّه سقى جيش الحرّ بن يزيد الرياحي في صحراء العراق الغربية ، كما وسقى خيلهم عند ما كان يملك الماء .

كما وسقى من قبل ذلك الوقت الإمام علي (عليه السّلام) في صفّين جيش معاوية عند ما استولت فرسانه بالقوّة بقيادة مالك الأشتر على الشاطئ (الشريعة) ، بعد ما امتنع ورفض هذا الطاغية وجنوده من سقي جيش الإمام (عليه السّلام) عند ما كان الماء في أيديهم وتحت هيمنتهم وسلطتهم .

ــــــــــــــــ
= مبادئهم وانضموا إلى جانب معسكر الظلم والظالمين ، حتّى انتشر لدينا مثل عنهم يقول : الكوفي لا يوفي ، وأغدر من الكوفي ، لا أمان لأهل الكوفة .
ولفرض حصر معنى أهل الكوفة الذي نعنيهم هنا ، نقول : إنّ الذين نقصدهم هم شرار أهل الكوفة ، وهم الذين عاشوا فيها قرب منتصف القرن الأوّل الهجري ، وبين وقت اتخاذها من قبل الإمام علي (عليه السّلام) عاصمة له ، وإلى ما بعد وقت استشهاد الحسين (عليه السّلام) بقليل ، وليس الذين يقطنونها الآن أو بعد الوقت الوارد آنفاً .
ذلك لانّ أهل الكوفة الآن كلّهم جميعاً لا يقلّون حبّاً وولاءً وإخلاصاً للحسين (عليه السّلام) وأهل بيته من أيّ محبّ وموالٍ آخر في أي بقعة من العالم ، ولا نجد بين صفوفهم مَنْ كان يقصدهم الإمام علي (عليه السّلام) حين طلب مصارفة عشرة منهم بواحد من أهل الشام ، والذي قال فيهم : (( أخلاقكم دقاق ، وعهدكم شقاق ، ودينكم نفاق ، وماؤكم زعاق ، المُقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه ، والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربّه )) .
كما وقال عنهم أيضاً : (( لوددت أنّي لم أركم ولم أعرفكم ، معرفة والله جرّت ندماً ، وأعقبت سدماً . قاتلكم الله ، لقد ملأتم قلبي قيحاً ، وشحنتم صدري غيظاً ، وجرّعتموني نغب التهمام أنفاساً ، وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان )) .
كما إنّ الكوفة كانت على مرّ التاريخ إحدى المدن المحسوبة في الولاء لأهل البيت (عليهم السّلام) ، إلاّ في فترات وظروف استثنائية ، ولقد أنجبت الكوفة ـ على مرّ الزمن ـ شخصيات علوية جاهرت بالولاء لعلي وأولاده (عليهم السّلام) وأفكارهم ، وقاومت طغيان الاُمويِّين وعسفهم بحدّ السيف ، وقدّمت رقابها رخيصة في الدفاع والذود عن هذا الحبّ والولاء .

الصفحة (100)

حيث أصرّ أصحاب علي هنا على معاملة القوم بالمثل ، إلاّ أنّ جواب الإمام (عليه السّلام) لهم كان : (( لا نفعل ما فعل الجاهلون )) .

فهذه هي أخلاق وخصال أبناء هاشم وعبد المطلب ، وتلك هي أعمال وأفعال أبناء حرب وأميّة ، وبين هذه وتلك ما بين السماء والأرض ؛ لأن الإناء ينضح دائماً بما فيه .

هؤلاء يسقون خصومهم وأعدائهم بل ولإبلهم وخيولهم ، وهم في قلب الصحراء حيث لا ماء ولا حياة ، وأولئك يردّون جميلهم هذا بمنع الماء عن مناوئيهم بل وعن نسائهم وأطفالهم ومرضاهم ، وهم بجنب وجوار النهر المتدفّق ماؤه ، وتشرب منه الحيوانات والبهائم حينما تريد وقدر ما تريد .

والعجيب هنا أنّ سياسة منع الماء قد مارسها كلّ من الجدّ والأب والحفيد من بني اُميّة بحقّ الجدّ والأب والحفيد من بني هاشم ! وهكذا ينضح كلّ إناء بما فيه كما تقدّم بيانه ؛ ذلك لأنّها مسيرة واحدة من عائلة تمثّل كلّ الجور والظلم والطغيان في مواجهة عائلة تمثّل كلّ العدل والإنصاف .

وبمقدار ما كانت العائلة الأولى تمثّل الصفحة السوداء والقائمة من التاريخ ، فإنّ العائلة الاُخرى (الثانية) كانت تمثّل الصفحة البيضاء والناصعة منه .

وفي سقي العبّاس للماء في كربلاء نظم الشيخ محسن أبو الحبّ الكبير يقول :

إذا كان ساقي الحوض في الحشرِ حيدرٌ        فـساقي  عـطاشى كربلاء أبو الفضلِ
على أنّه ساقي الناس في الحشرِ    قلبه!       مـريـعٌ وهـذا بـالظما قلبهُ   يـغلي
أخـي كنتَ لي درعاً ونصلاً    كلاهما        فـقدتُ فـلا درعي لديّ ولا   نـصلي


الصفحة (101)

بدء العدّ التنازلي

نشير هنا إلى أنّ ابن سعد قد كتب إلى سيّده ابن زياد في النخيلة(1) ، والتي انتقل إليها بعد وصول الحسين (عليه السّلام) أرض كربلاء ؛ ليكون قريباً من مسرح العمليات إثر مقابلاته المتكرّرة مع الحسين (عليه السّلام) , كتب إليه خطاباً عاجلاً ربما كان لجسّ نبضه ، وربما تخلّصاً من المهمّة القذرة التي أُنيطت بكاهله ، يتضمّن ادّعاءات وأقوال منسوبة للحسين (عليه السّلام) لم يتفوّه أو يقول الأخير (عليه السّلام) بها جملة وتفصيلاً ، ولا من قريب أو بعيد .

وممّا كتب له في خطابه هو : إنّ الحسين قد أعطاه العهد في أن يرجع إلى المكان الذي خرج منه ، أو أن يسير إلى ثغر من ثغور المسلمين ؛ ليكون رجلاً منهم ، أو أن يأتي إلى يزيد ويضع يده في يده .

وقد ختم خطابه هذا بعبارة : وفي كلّ هذا الرضا لكم ، والصلاح للأمّة .

ــــــــــــــ
(1) النخيلة : وقد سمّيت بهذا الاسم لكثرة نخيلها ، وهي موضع قرب الكوفة ، ومعروف في الوقت الحاضر باسم (جسر العباسيات) التابع لناحية الكفل بمحافظة بابل ، وكانت النخيلة حينذاك قاعدة عسكرية متقدّمة لتجهيز وانطلاق الجيوش ، وقد كان الإمام علي (عليه السّلام) يعسكر فيها عندما كان يتهيّأ للخروج إلى الحرب .
كما واتّخذها ابن زياد معسكراً له ، ولبث فيها حتّى جاءه مَنْ يخبره بشهادة الحسين (عليه السّلام) على أرض كربلاء ؛ حيث تركها وعاد مسرعاً إلى الكوفة لاتّخاذ الاحتياطات الاحترازية في حفظ الأمن واستتبابه قبل أن يفلت الزمام من يده حين يشيع خبر استشهاد الحسين وآله وأصحابه (عليهم السّلام) بين أبناء الكوفة .

الصفحة (102)

وقد ظل ابن سعد ينتظر الجواب من سيّده ليرى ما يقوله ويفعله حوله .

وعند قراءة ابن زياد ما جاء في خطاب قائد جيشه ظنّ ، أو أنّه قد حصل لديه اقتناع كامل بأنّ هناك تحوّلاً كبيراً وخطيراً قد حصل في موقف الحسين (عليه السّلام) من النظام القائم ، وربّما قد جاء هذا كنتيجة طبيعة للحصار الظالم الذي طلب فرضه عليه ، أو بسبب ضعفه وقلّة أعوانه ومناصريه ، أو بسبب آخر قد يكون غير هذا أو ذاك .

لذا فقد عزم على الإجابة بالإيجاب والموافقة على ما جاء في خطاب ابن سعد ، إلاّ أنّ رفاق ومستشاري الضلالة ضمن حاشية ابن زياد حالوا دون تحقيق هذه الخطوة ، رغم أنّ المسألة هي برمتها موضوعة ومدسوسة من صنع ابن سعد ، ولا أساس لها من الصحة قليلاً أو كثيراً .

ولقد كان ضمن حاشية السوء لدى ابن زياد الكثير من الموتورين والمنتفعين ، ومنهم على سبيل المثال الشمر بن ذي الجوشن ، ويُعدّ هذا الوغد من ألدّ وأشدّ أعداء أهل البيت (عليهم السّلام) .

حيث أشار هذا الأخير على ابن زياد بعد أن سمع مقولة ابن سعد كاملة حول الحسين (عليه السّلام) ، أشار إليه وقال بالحرف : لقد أمكنك الله من العدو ، ويمكنك هنا أن تسيّره إلى (الطاغية) يزيد ، ادعه أوّلاً لينزل على حكمك هو وأصحابه ؛ فإن عاقبت كنت ولي العقوبة ، وإن عفوت كان ذلك لك .

فاصتصوب ابن زياد هذا الرأي وقرّ قراره على أن يكتب رسالة جوابية عنيفة إلى مرؤسه ابن سعد يضمنّها ما أشار إليه الشمر , وبالفعل كتب إليه رسالة جاء في بعضها : أنّه لم أبعثك لتكفّ عن الحسين ، أو لتمنيه بالسلامة والدعة والبقاء ، ولا لتكون


الصفحة (103)

له عندنا شفيعاً ، فاعلم أنّه إذا نزل الحسين وأصحابه على حكمي فخير ما حصل ، وإلاّ فازحف عليهم جميعاً حتّى تقتلهم عن بكرة أبيهم ، وتمثل بهم أيضاً ؛ فإنّهم يستحقون ذلك ، وإذا ما قتلت الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره ؛ فإنّه عاق شاق قاطع ظلوم ، ولتكن على علم يابن سعد بأنّك إن مضيت على أمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا ، ودع الشمر ليحلّ مكانك في قيادة جيش (البغي والعدوان) ؛ فإنّه قد أمّرناه أمرنا , والسّلام .

وجاء الشمر بالرسالة هذه إلى ابن سعد على عجل , وفي 8 محرّم على وجه التحديد , وقرأها من ألفها إلى يائها حيث سقط في يديه ، وحين سأله هذا الوغد ما الذي سيفعله الآن ، أجاب : لقد أفسدت علينا أمراً كنّا نرجو صلاحه ، والله لن يستسلم الحسين أبداً .

فأجابه الشمر : امضِ لأمر أميرك وقاتل ، أو فخلِّ بيني وبين الجند .

فقال ابن سعد بعد أن حسم موقفه : أنا أتولى تنفيذ ذلك .

وهنا طلب ابن سعد من الشمر أن يتولّى قيادة أفراد المشاة (الرجالة) في جيشه , وأراد الشمر بعد ذلك أن يلعب لعبته بفتّ عضد وقوّة تماسك جيش الحسين (عليه السّلام) ، والتأثير على معنوياته ، وإضعاف شوكته ، وذلك ـ بتصوّره ـ عن طريق تقديم الأمان للعباس بن علي وإخوته الثلاثة سبب التقاء نسب اُمّ البنين (والدة العباس) مع نسبه ، حيث يرجعان إلى عشيرة وقبيلة مشتركة وواحدة هي كلاب .

ولم يفهم الشمر أو يعلم بأنّ القضية التي جاء من أجلها العبّاس إلى كربلاء هي أسمى وأعظم وأرفع من قضية النسب والانتماء القبلي ، وأنّ إخلاص العبّاس وإيمانه بالطريق الذي يسير عليه أخوه الحسين لا يمكن لأيّة قوّة غاشمة في العالم ,


الصفحة (104)

ولا لأيّة إغراءات مهما عظمت أن تزيحه أو تحركه عنه وإن كان قيد أنملة .

ففي صباح (9 محرّم) تقدّم هذا الوغد ليقف أمام معسكر الحسين (عليه السّلام) بعد أن استحصل الإذن على ذلك من قبل , وأخذ يصيح برفيع صوته : أين بنو اُختنا ؟ أين العبّاس وإخوته ؟

فقال الحسين (عليه السّلام) لإخوته : (( كأنّي اسمع فتىً يناديكم )) .

فقال العبّاس وإخوته : إنّه الشمر .

فقال الحسين (عليه السّلام) : (( أجيبوه ولو كان فاسقاً ؛ فإنّه بعض أخوالكم )) .

فقال العبّاس وإخوته بعد أن تقدّموا قرب مكان الشمر : ما شأنك , وما تريد يابن ذي الجوشن ؟

فأجاب : يابني اُختي , اخرجوا فأنتم آمنون ، ولا تقتلوا أنفسكم مع الحسين ، وألزموا طاعة يزيد .

فقال له العبّاس (عليه السّلام) بحدّة : لعنك الله يا شمر ، ولعن أمانك ! وقبحت وقبح ما جئت به لئن كنت خالنا كما تدّعي ! فكيف تؤمننا وابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا أمان له ، وتأمرنا أن ندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء ؟!(1) إنّ أمان الله خير من أمان ابن سمية .

وتكلم إخوة العبّاس بنحو كلامه , حيث أغلظوا له القول ثمّ رجعوا . وهكذا ضرب العبّاس وإخوته بذلك مثلاً أعلى في الإباء والشمم ، والتضحية والتمسك بالمبادئ السامية الشريفة .

ـــــــــــــــــ
(1) هذه إشارة ـ كما ورد في تاريخ الطبري ـ إلى لعن الرسول (صلّى الله عليه وآله) لأبي سفيان ومعاوية وأخيه يزيد عندما كان الأوّل يركب حماراً , والآخر يقوده , والثالث يسوقه .

الصفحة (105)

وعن هذه الحالة نظم الشاعر يقول :

أبو  الفضلِ ردّ أمانَ   العدى        وسارَ  إلى الموتِ   مستعجلا
وقال اخسؤوا يا عبيدَ الورى        فـلسنا   نـطيعُ شرارَ الملا
فـهيهاتَ نذعنُ لابن  الدعي        وحـكمِ   الـطليقِ لئيمِ الملا
ألا حبّذا الموتُ موتُ  الكرام        عـلى العزِّ والذلِّ منّا   فـلا

وعاد الشمر بدوره إلى جحره خائباً ، وبخفي حنين ومغضباً بعد أن خيّب العبّاس آماله ، وأسقطها إلى القعر حيث ظنّه من طراز أصحابه الممسوخين ، وزمرته المبتذلين الذين بايعوا نفوسهم للشيطان رخيصة ، وللطغاة زهيدة إن لم تكن من دون مقابل .

وبعد رجوع العبّاس (عليه السّلام) إلى معسكر أخيه بعد اختتام لقائه مع الشمر ، وإفحامه بأغلظ الكلام وأشدّه ، جاءه زهير بن القين ـ وهو أحد قادة الحسين ـ لمقابلته لغرض رفع معنوياته بعد ملاقاته هذه للشمر ، حيث قال للعباس : إنّ أباك الإمام علياً (عليه السّلام) كان قد طلب من أخيه عقيل أن يختار له امرأة ولدتها الفحول من العرب ليتزوجها ؛ لتلد له ولداً شجاعاً ينصر ابنه الحسين في كربلاء ، ولقد ادّخرك أبوك الإمام علي (عليه السّلام) لمثل هذا اليوم ، فلا تقصّر في نصرة أخيك وحماية إخوانك ، والذود عن الرسالة التي جاؤوا من أجلها إلى هذا المكان .

أمّا جواب العبّاس (عليه السّلام) لزهير على هذا النداء والتشجيع ، فكان بالحرف : أتشجعني يا زهير في مثل هذا اليوم ؟! والله لأُرينك مع هؤلاء الظالمين شيئاً ما رأيته من قبل .

هذا ولقد كان ما قاله العبّاس آنفاً حقيقة وواقعاً ، حيث أظهر العبّاس بالفعل في الدفاع عن أخيه الحسين (عليه السّلام) ، أو في جلب الماء من نهر الفرات (العلقمي) لسقي


الصفحة (106)

الأطفال والنسوة الطاهرات من فنون الشجاعة البسالة ما أثار إعجاب الجميع ، وغدا بذلك المثل والرمز في الإقدام والنخوة والإيثار يقتدي به الآخرون ، ويتأسى به المجاهدون في كلّ وقت ومكان .

والعجيب هنا هو أنّ زهير بن القين ، والذي كان إلى وقت قريب عثماني الهوى ، وكان يبتعد ويتحاشى حتّى عن مجرد ملاقاة الحسين (عليه السّلام) ومواجهته في خلال مسيرته التاريخية الطويلة من مكة إلى العراق بعد أدائه لفريضة الحج ، يصبح هذا العلم والرائد هو الذي يحثّ الآخرين ويدعوهم بقوّة وعزيمة إلى نصرة الحسين (عليه السّلام) والذّب عن حياضه ، وعدم التقصير في ذلك من بعيد أو قريب .

والأعجب من مقولة زهير هو موقف الحرّ بن يزيد الرياحي الذي قَدِم على رأس جيش ، يقف الحرّ بقوّة وعزم أمام جند ابن سعد , وقبل دقائق معدودة من بدء المنازلة الكبرى والتحام الجيشين , يقف ليعلن أمام الأشهاد توبته وندمه على ما بدر منه سابقاً من أعمال ، وأنّه قرّر من هذه اللحظة والدقيقة الانحياز الكامل والوقوف إلى جانب صفِّ الحسين (عليه السّلام) .

ثمّ يطلب من قوات الغدر أن يتأسوا به ، ويكونوا مثله في هذا المجال خصوصاً وإنّهم دعوه للمجيء إليهم ، ثمّ أحاطوا به ليقتلوه ويمنعوه من التوجّه في بلاد الله العريضة ، كما ومنعوه ومَنْ معه من ماء الفرات ، وها هو وأهله قد صرعهم العطش ، فبئسما خلفتم محمداً في ذريته ، لا سقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتفزعوا عمّا أنتم عليه .

ثمّ يشتدّ الحرّ في خطابه ليقول لجيش ابن زياد وقيادته بصراحة وبرفيع صوته :


الصفحة (107)

لأمّكم الهبل والعبر(1) !

وهكذا نرى بجلاء كيف تؤدّي العقيدة ثمارها ، وكيف يؤدّي الإخلاص والإيمان بالقضية أكلهم كاملة ، وكيف يؤدّي استيقاظ الضمير مفعوله وأثره ؟

وحلّ نهار التاسع من المحرّم (ويدعى تاسوعاء) والوضع في جبهة كربلاء من الناحية العسكرية والنفسية يزداد تعقيداً وتفاقماً ، وبات يسير من سيء إلى أسوء ؛ فالقوات العسكرية والإمدادات في العتاد والغذاء الخاصّة بجيش ابن سعد الباغي متواصلة ومستمرة على قدم وساق , ومن دون انقطاع ، وكأنّهم سيواجهون جيوش جرّارة وكثيفة للفرس أو الترك ، أو الروم أو الديلم .

وفي الجانب الآخر حيث معسكر الحسين (عليه السّلام) والذي كانت كلّ مهمّاته صعبة ومعقّدة ؛ حيث إنّ الحصار يوشك أن يخنقه ويعصره ، وإنّ العطش يكاد يقتل الصغير والكبير ، والنساء والرجال , والمرضى والأصحّاء .

وعند عصر هذا اليوم طلب ابن سعد من جنوده وقواته المحتشدة الاستعداد والتهيؤ للحركة والزحف على الحسين ، وإشعال فتيل الحرب ضدّه , حيث خاطبهم بالقول : يا خيل الله اركبي , وبالجنة ابشري .

وعلا الصياح وارتفعت الغبرة وتوتّر الموقف ، وهنا أوعز الحسين (عليه السّلام) لأخيه العبّاس بالذهاب إليهم ؛ لاستطاع الحال ، ولمعرفة حقيقة ما يريدون وينوون عمله من كلّ ذلك .

ـــــــــــــــــ
(1) الهبل : هو الثكل . والعبر : البكاء وجريان الدمع . ومعنى العبارة : ثكلتكم اُمهاتكم وبكت على رحيلكم ، وهي أسوأ وألذع الشتائم التي عرفها العرب واستعملها في الجاهليّة والإسلام .

الصفحة (108)

وبالفعل توجّه العبّاس (عليه السّلام) مع (20) فارساً من ضمنهم زهير وحبيب بن مظاهر إلى الأمام ، ووقفوا أمام جيش البغي والعدوان ، وهنا سأل العبّاس قائده ما يريدونه من هذا النفير ، ومن هذا الاستعداد الكامل لقطعات الجيش ، فأجاب ابن سعد : أنّه قد ورد للتو أمرٌ من الأمير في الكوفة يطلب منكم النزول على حكمه ، وإلاّ فشنّ الحرب عليكم حالاً .

وعاد العبّاس (ومَنْ معه) ليشعر أخاه الحسين (عليه السّلام) بالموقف الجديد لابن سعد وجيشه المتأهب للقتال ، فطلب منه الحسين (عليه السّلام) العودة إلى ابن سعد واستمهاله هذه العشية إلى غد ؛ لغرض أن نصلّي لربّنا هذه الليلة ، وندعوه ونستغفره ؛ لأنّ الله سبحانه يعلم مدى حبّنا للصلاة ، وتلاوة القرآن ، وكثرة الدعاء له والاستغفار .

فرجع العبّاس إليه واستمهل منه هذه العشية فقط ، حيث إنّ العبّاس ـ كما قلنا في مكان آخر ـ هو رجل المهمّات الصعبة في معسكر كلّ مهمّاته كانت صعبة وشاقّة .

ولقد سأل ابن سعد بعض مساعديه عن رأيهم حول هذا الطلب ، فأجابوه : سبحان الله ! لو كان هؤلاء من الديلم أو الترك ثمّ سألوك هذه المسألة لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليه من دون إبطاء أو تأخير .

عدا الشمر بن ذي الجوشن فإنّه انفرد بتنفيذ مهمّته القذرة , حيث قال :


الصفحة (109)

لو كنت الأمير لم أنظره .

وعندها ـ ونزولاً عند قرار الأكثرية ـ وافق ابن سعد على تأجيل موعد المنازلة إلى صباح الغد كآخر مهلة ، وإنّها لن تمدّد مرّة اُخرى لأي سبب كان ، حيث عبّر عن ذلك بقول للعباس : إنّا أجّلناكم إلى غد ، فإن استسلمتم سرّحنا بكم إلى ابن زياد ، وإن أبيتم فلسنا تاركيكم .

وجاء العبّاس إلى أخيه الحسين (عليه السّلام) ليشعره بهذه الموافقة .

وفي الطرف الآخر طلب ابن سعد من أفراد جيشه ـ وقد قدم الليل ـ أن ينزلوا عن خيولهم ، وأن يكونوا في صباح الغد على أهبة الاستعداد لشنّ الحرب وبدء النزال ضدّ الحسين وأصحابه الكرام .

وهكذا اُرجئ القتال بموافقة الطرفين إلى اليوم التالي ، وهو اليوم العاشر من المحرّم الحرام لعام (61هـ) . نعم ، اُرجئ القتال بين كلّ قوات البغي والعدوان بقيادة ابن سعد ، وبين كلّ جند العدل والإنصاف والحرية بقيادة الإمام الحسين (عليه السّلام) ونائبه ومساعده وذراعه اليمنى أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

وهكذا بدأ العدّ التنازلي في التناقض ساعة بعد ساعة ، ودقيقة إثر اُخرى ؛ لتصبح ساعة الصفر بالأفق ، أو على الأبواب إن لم تكن قرب تناول اليد .


الصفحة (110)

إنّ الذين يبايعونك

عند ما جاء المساء (ليلة عاشوراء) أراد الحسين (عليه السّلام) أن يدع أصحابه وأقرباءه على بيّنة من أمرهم قبل بدء المنازلة ، وتشابك السيوف ، وإطلاق السهام ، ورمي الرماح .

لذا فقد جمع (عليه السّلام) أصحابه وأقرباءه ، وخطبهم خطبة هامّة ومؤثرة بما ليس لها نظير في مثل تلك الساعات الحاسمة والحرجة والدقيقة من حياة ملحمة كربلاء .

وممّا جاء في خطابه : (( لقد نزل بنا ما قد ترون ، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكرت ، وأدبر معروفها ، ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به ، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه ؟ ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً ؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة ، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً .

ألا وإنّي لا أعلم أصحاباً خيراً وأوفى من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ رحماً وأوصل ولا أفضل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عنّي جميعاً خيراً ؛ فقد بررتم وأعنتم ، وأنّكم لتعلمون أنّ القوم لا يريدون غيري ، ولو أصابوني لتركوا طلب غيري ، وأنّي لأظنّ أنّ يومنا مع هؤلاء الأعداء غداً ، وأنّي قد أذنت لكم جميعاً فانطلقوا في حلٍّ من بيعتي ، وفي غير حرج ، وليس عليكم منّي ذمام .

وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ، فتفرّقوا في سواد هذه الليل حتّى يفرّج الله ، وذروني فإنّهم لا يريدون غيري ، ولو أصابوني لهو عن طلب غيري ، فجزاكم الله جميعاً خيراً )) .

ولقد جسّد هذا الموقف الفريد والتاريخي الشاعر السيد الحميري حيث نظم :


الصفحة (111)

لـستُ أنساهُ حينَ أيقنَ  بـالمو        تِ دعـاهم وقامَ فيهم   خـطيبا
ثـمّ قالَ ارجعوا إلى أهلكم   لي        س سـواي أرى لهم   مـطلوبا
فـأجابوهُ  والـعيونُ   سـكوبٌ        وحشاهم قد شبَّ منها  لهيبُ(1)
أيُّ عـذرٍ لنا غداً حين   نـلقى        جـدّكَ المصطفى ونحنُ هروبا

أمّا جواب أصحابه وأهل بيته بعد أن فرغ القائد من إلقاء كلمته فلم يكن جواب الأذلاّء ، ولا ردّ الجبناء والضعفاء ، رغم أنّ فرص النجاة كانت أمامهم مفتوحة وسهلة .

إنّما كان جوابهم الحاسم والنهائي هو صرخة رجل واحد ، وبلسان واحد ، وصوت واحد ، ومضمونه هو الدفاع عن حياض سبط الرسول (صلّى الله عليه وآله) حتّى الرمق الأخير ، والتضحية بالأرواح رخيصة دونه .

ذلك لأنّ العقيدة شجرة لا تُسقى من دون ماء معتنقيها ، ولا تتغذّى بغير رفاتهم ، فإن لم تُسقَ ، وإن لم تُغذَّ لن تؤتي أكلها للطالبين ، ولن تنشر ظلالها للقائلين .

وكنماذج حيّة لموقف الأصحاب وأهل البيت إزاء خطاب الحسين (عليه السّلام) الآنف الذكر نشير إلى أنّ أحدهم ، وهو زهير بن القين ، والذي نهض من مكانه وقال : والله ، لوددت أنّي قُتلت ، ثمّ نُشرت ، ثمّ قُتلت حتّى اُقتل ألف مرّة وإنّ الله عزَّ وجلّ يدفع بذلك القتل عن نفسك ، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك .

كما وقام مناضل آخر , وهو مسلم بن عوسجة الأسدي ، وقال بصوت عال : أنحن نتخلى عنك ولمّا نعذر إلى الله في أداء حقّك ؟! أما والله لا اُفارقك حتّى أكسر في صدورهم رمحي ، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، ولو لم يكن معي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتّى أموت معك .

وقال مجاهد ثالث , وهو سعيد بن عبد الله الحنفي , وبكلّ قوّة وإيمان :

ـــــــــــــــــــــ
(1) في البيت إقواء واضح . (موقع معهد الإمامين الحسنَين)

الصفحة (112)

والله لا نخليلك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيك ، والله لو علمت أنّي أُقتل فيك ثمّ أُحيا ، ثمّ أُحرق حيّاً ، ثمّ أُذرى ، ويُفعل ذلك بي (70) مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك ، إنّما هي قتلة واحدة ، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً .

وقام بطل رابع وهو عابس بن أبي شبيب الشاكري الهمداني(1) ليقول برفيع صوته : والله لو قدرت على أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعزّ من نفسي لفعلت .

وبعد هذا ينتقل الكلام من دائرة الأصحاب إلى محيط الأقرباء ، ومن دائرة الأفراد والأشخاص إلى محيط الجماعات والفئات .

حيث وقف هنا بنو عقيل ليقولوا للحسين (عليه السّلام) قوله رجل واحد ، وبصوت واحد : لا والله لا نفعل ، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ، نقاتل حتّى نردّ موردك ، فقبّح الله العيش بعدك .

كما وأعلنت فئة اُخرى ـ وكان على رأسها العبّاس بن علي (عليه السّلام) ـ عن مكنونات قلوبها , بقولها : لِمَ نفعل ذلك ؟! لنبقى بعدك ! لا أرانا الله ذلك أبداً .

وهكذا تعدّ كلّ هذه أمجد بيعة في تاريخ التضحية والفداء ، بيعة على موت محقّق ؛ لأنّه ليس هناك دون الموت أدنى احتمال ، فهم بذلك قد حملوا مصائرهم فوق أكفهم ومضوا إلى حتفهم في حبور وسرور دونه كلّ سرور ، مع إنّه كان في

ــــــــــــــــ
(1) لقد عرفت عشيرة ـ بنو شاكر ـ والتي هي بطن من همدان اليمانية بالشجاعة والبسالة ، وفيهم يقول الإمام علي (عليه السّلام) : (( لو تمّت عدّتهم ألفاً لعُبدَ الله حقّ عبادته )) .

الصفحة (113)

وسع كلّ واحد منهم أن يتجنّب القتل بكلمة واحدة يقولها ، أو بخطوة صغيرة يخطوها .

وكأنّ الشاعر كان يقصد هذا المعنى حين نظم :

نـفوسٌ أبـت إلاّ تراثَ  نبيِّهمْ        فـهم بـينَ موتورٍ لذاك  وواترِ
لقد ألفت أرواحُهمْ حومةَ الوغى        كـما  أنـست أقدامُهم  بالمنابرِ

كما ونظم شاعر آخر ، وهو السيد رضا الهندي , في تصوير هذا المشهد العظيم يقول :

وتـنادبت للذبِّ عنهُ    عصبةٌ        ورثـوا الـمعالي أشيباً وشبابا
مَـنْ  ينتدبهمْ للكريهةِ   ينتدب        منهم ضراغمةُ الاُسودِ   غضابا
أُسـدٌ قد اتخذوا الصوارمَ حليةً        وتـسربلوا حتّى الدروع   ثيابا
وجدوا الردى من دونِ آلِ محمّدٍ       عـذبـاً وبـعدهمُ الحياةَ عذابا

وقال شاعر ثالث حول الموضوع نفسه :

نصروا ابنَ بنتِ نبيِّهم طوبى لهم        نـالوا  بـنصرتهِ مراتبَ  ساميهْ

هذا وحين لمس الحسين (عليه السّلام) صدق نيّة أصحابه وأقرباءه ، وإخلاصهم غير المحدود وغير المشروط في مفاداة أرواحهم رخيصة دونه ، أشعرهم بغامض القضاء الذي لا يردّ ولا يبدّل بقوله (عليه السّلام) لهم بصراحة(1) :
ـــــــــــــــ
(1) نشير إلى أنّ هذا الذي قاله الحسين (عليه السّلام) ، وما أعلنه جدّه الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ، ووالده الإمام علي (عليه السّلام) من قبل حول استشهاده في أرض كربلاء , يندرج ضمن الكرامات والخوارق الممنوحة لهم ، والتي تفيد العلم بوقت ومكان وتفصيل بعض الحوادث المهمّة والحالات الخاصة ؛ حيث تندرج كلّ هذه من الوقت الحاضر ـ بالنسبة لسائر الخلق أو اُولي العلم والفهم منهم ـ ضمن نطاق التنبؤ والتوقّع والاحتمال ، وقد تكون هذه صحيحة أو غير صحيحة ، ناهيك عمّا أخبره الله تعالى لرسوله (صلّى الله عليه وآله) من تفصيلات لبعض الحوادث ، وقيام الرسول (صلّى الله عليه وآله) بإشعار ذلك لأعزّ أقربائه وأصحابه .

الصفحة (114)

(( إنّي ساُقتل غداً ، وستقتلون كلّكم ، ولا يبقى منكم أحد حتّى القاسم وعبد الله الرضيع ، عدا ولدي زين العابدين ؛ لأنّ الله سبحانه لا يريد أن يقطع نسلي منه ))(1) .

ولقد أجاب الكل تعقيباً على كلام سيّدهم الحسين (عليه السّلام) وبلسان واحد : الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك ، وشرّفنا بالقتل . أوَ لا ترضى أن نكون معك في درجتك يابن رسول الله ؟

وإثرها دعا الحسين (عليه السّلام) لهم بالخير والتوفيق والصلاح .

وكأنّي بشعور هؤلاء وفقاً لما نظمه الشاعر :

ولـمّا دنـت آجالُهمْ رحبّوا   بـها        كــأنّ  لـهـم بالموتِ بلغةُ آملِ
فـمـاتـوا وهم أزكى الأنامِ نقيبةً        وأكـرمُ مَنْ يُبكى لهُ    بـالمحافلِ
عطاشى بجنبِ النهرِ والماءُ حولَهمْ        يُـباحُ إلى الورّادِ عذبُ    المناهلِ
فـلم  تـفجعِ الأيامُ من قبلِ يومهم        بـأكـرمَ مـقـتولٍ لألأم   قـاتلِ

هذا ولقد سمعن النسوة كلّ الذي جرى بين الحسين (عليه السّلام) وبين أهل بيته وأصحابه ، فأخذن بالبكاء ، ولطمن الخدود ، وشققن الجيوب ، وهنا دخل الحسين (عليه السّلام) عليهن ، وقال لهن : (( انظرن , إذا أنا قُتلت لا تشققن عليّ جيباً ، ولا تخمشن وجهاً ، ولا تقلن هجراً . صبراً يا بني عمومتي ، صبراً يا أهل بيتي ، لا رأيتم هواناً بعد اليوم )) .
ــــــــــــــ
(1) نشير إلى أنّه « ليس للحسين السبط عقب إلاّ منه ، وهو أبو الحسينيِّين كلّهم ؛ لأنّه كان الوحيد من الذكور من أولاد الحسين (عليه السّلام) على قيد الحياة بعد استشهاد الحسين » سيرة وأقوال زين العابدين ـ جميل إبراهيم حبيب .

الصفحة (115)

ثمّ أمر الحسين (عليه السّلام) أصحابه في تلك الساعات الأخيرة والمظلمة من الليل أن يقاربوا بيوتهم من بعض ، وأن يدخلوا أطناب الأقبية بعضها في بعض حتّى تصبح كأنّها خباءٌ واحد ؛ ليستقبلوا القوم من وجه واحد وجهة واحدة ، والبيوت من ورائهم .

وأمر (عليه السّلام) أيضاً ـ في تلك الساعة ـ بحفر خندق عميق (ساقية) خلف هذه البيوت ، وأن يملأ بالحطب والقصب الجاف يمكن إشعاله عند بدء الحرب ، أو عند الضرورة ؛ ليصبح ساتراً منيعاً يتعذّر أن تعبره أو تقتحمه خيول الأعداء ، وليكون القتال والنزال من وجه وطرف واحد بسبب عدم التكافؤ في عدد القوات بين الطرفين ، وبذلك لن تكون هناك إلاّ جبهة واحدة إذا ما اشتعلت الحرب ، وتشابكت السيوف ، وحمي الوطيس(1) .

هذا وكانت خيّالة ابن سعد في تلك الليلة الظلماء تدور من وراء مخيّمات الحسين (عليه السّلام) , بل من كلّ جوانبها حتّى جعلوها (المخيمات) في مشكل الحلقة ؛ وذلك لرصدها ومراقبتها حتّى لا يفرّ أحد من داخل المخيّمات إلى الخارج ، كأنّما كانوا ينوون ويريدون من عملهم هذا قتلهم جميعاً والقضاء عليهم ، ومن دون أن يسمحوا أو يدعو أحداً منهم للإفلات أو الهرب من الطوق الذي صنعوه إلى الخارج .

أمّا ما تبقى من الليل فقد أمضاه الأصحاب وأهل البيت في العبادة ، وفي الركوع

ـــــــــــــــ
(1) إنّ تقريب البيوت من بعضها ، أو حفر خندق من خلفها ، وملئه بالحطب والقصب لإشعاله عند الضرورة ليدل على اطّلاع الحسين (عليه السّلام) على فنون الحرب وأساليبها وتكتيكاتها ؛ خصوصاً أنّ الحسين (عليه السّلام) كان قد شارك مع والده الإمام علي (عليه السّلام) في معاركه ضدّ الناكثين والقاسطين والمارقين ، حيث كانت له في هذه المعارك مواقف مميزة يُشار إليها بالبنان .

الصفحة (116)

والسجود ، والقيام والقعود ، والدعاء والاستغفار لله تعالى . وهم أكثر انشراحاً وسروراً بالمصير المشرق الذي ينتظرهم ، وهم أيضاً «فرحين مستبشرين بقرب لقاء الله وباستشهادهم ، وهم يضحكون ويتضاحكون»(1) .

فضلاً عن «أنّ خصومهم في تلك كانوا أشراراً .. أشراراً من الرأس إلى القاع ، ولم يكن فيهم خيّر ، ولا برّ واحد يمكن أن يشكّل وجوده بينهم أمارة احتجاج ، أو علامة استفهام»(2) .

أمّا مهمّة العبّاس (عليه السّلام) في تلك الليلة أو الساعة فكانت حفظ بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته والأصحاب ليجدوا نصيبهم من الراحة أو العبادة ؛ حيث ركب جواده وتقلّد سيفه ، وأخذ يطوف حول المخيّمات لحراستها خشية أن يتسلل إليها أحد من أعوان الشيطان في الظلام ، أو في غفلة من الزمن لحرقها ، أو استفزاز مَنْ فيها ، أو ممارسة بعض الأعمال التخريبية الاُخرى داخلها .

وعن حالة هؤلاء الأصحاب وأهل البيت نظم الشاعر :

لـلـهِ قـومٌ إذا مـا الليلُ جنّهمُ        قاموا من الفرشِ للرحمنِ   عبّادا
ويـركـبونَ مطايا لا    تـملّهمُ        إذا  هـمُ بمنادِ الصبحِ قد   نادى
الأرضُ تبكي عليهم حين تفقدهمْ        لأنّـهم جـعلوا للأرضِ   أوتادا

كما ونظم شاعر آخر يصف حالة هؤلاء الكرام :

وقد أخذت في نينوى منهم   النوى        ولاحَ بـها للغدرِ بعضُ   الـعلائمِ
غـدا ضـاحكاً هذا وذا   مـتبسّماً       سـروراً  ومـا ثغر المنونِ   بباسمِ
لقد صبروا صبرَ الكرامِ وقد قضوا        عـلى رغبةٍ منهم حقوقَ   المكارمِ

ــــــــــــ
(1) أبو الشهداء ـ عباس محمود العقّاد .
(2) أبناء الرسول في كربلاء ـ خالد محمّد خالد .

الصفحة (117)

ونظم شاعر ثالث حول الموضوع يقول :

الـسابقونَ إلى المكارمِ  والعلا        والحائزونَ غداً حياضَ الكوثرِ
لـولا  صوارمُهم ووقعُ  نبالِهم        لـم يسمع الأذانَ صوتُ مكبّرِ

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة