الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة (75)

ــــــــــــــــــــــــــــ
= ساحات القتال أو مناطق التوتر والنزال ؛ وذلك خشية أن يصيبهم مكروه أو وقوعهم في الأسر كغنائم .
لذا فقد وجّه الإمام علي (عليه السّلام) اللوم الشديد إلى طلحة والزبير على استصحابهم لأمّ المؤمنين عائشة إلى البصرة للمطالبة المزعومة بدم الخليفة عثمان وتركهم لزوجاتهم في بيوتهم ؛ لأنّ خروجها من بيتها على الجمل ليس أهون من قتل الخليفة عثمان ؛ لأنّه كما لها من الله تعالى ستر وحرمة فهتكت واُبيحت الحرمة بهذا الخروج , وأنّ مَنْ يرى قتالها يرى قتلها .
إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) لم يغفل هذه النقطة أو ينساها عند استصحابه لنسائه إلى العراق ، وإنّما كان يرجو من ذلك الجانب الإعلامي لنهضته وثورته بحمل ألسنة ناطقة معه لنشرها في العالم الإسلامي ؛ لأنّ كلّ ثورة تخلو من النشاط الإعلامي ستؤول إلى النسيان والضمور بمرور الزمن ، ولا تُذكر إلاّ في بطون بعض كتب التاريخ كنبأ بسيط مشوّه عن حقيقتها وواقعها .
إنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) لو كانت بغير نساء لذهب دم مفجّرها هدراً ، ولما شعر أو أحسّ أحد من المسلمين ؛ لأنّ رؤوس الشهداء كانت ستدخل الكوفة أو دمشق على أنّها رؤوس خوارج ، ودون أن يعرف أحد أنّها لآل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ لأنّها لا تتكلم ولا تحرّك ساكناً ، ودون أن يعرف هؤلاء عظم المأساة التي أنزلها الطاغية يزيد بالحسين وآله وأصحابه في كربلاء .
إنّ نساء الحسين (عليه السّلام) رغم ما أصابهنّ من المتاعب والقلق طيلة الطريق إلاّ أنّ ما قدمنَ للثورة الحسينيّة من إعلام ، وكشف للحقائق ، ونشر للوعي ، وتنبيه للغافلين ، وفضح للدعايات المضللة يهون بجواره كلّ تعب وألم أصابهنّ هنا وهناك .
وعن هذه الحالة كتبت الدكتورة بنت الشاطئ في كتابها (بطلة كربلاء) بالحرف : إنّ موقف السيّدة زينب بعد المذبحة هو الذي جعل من كربلاء مأساة خالدة . وكتب أنطون بارا في كتابه (الحسين في الفكر المسيحي) بالحرف : لو لم تقم زينب بدورها الصعب الذي قامت به ، لما زادت الواقعة ونتائجها عن واقعة أيّة معركة تُدار فيها الأيدي والسيوف ، وتصهل فيها الخيل .
وزاد كاتب آخر ، وهو جمال المشاط في كتابه (دروس من نهضة الحسين) بالقول : ولا غلو في أنّ عطاء زينب المتمثّل بمواقفها الخطابية والإعلامية التي تنمّ عن عميق ما خبرت به من حنكة سياسية , =

الصفحة (76)

علماً بأنّ قيام الحسين (عليه السّلام) هذا ، وتحديداً للنظام القائم كان لا بد منه ، ولو لم يدعه أحد من العراق ، ولم تأته كتب أهل الكوفة ؛ لأنّ كلّ ما صنعته كتب ووفود الكوفة وسواها هو التعجيل في الخروج من مكة .

ولئن كانت تضحية الإمام علي (عليه السّلام) وجهاده في منع كارثة طوفان الجور والظلم من نزوها ، إلاّ أنّ ولده الإمام الحسين (عليه السّلام) قام من بعده بالرحيل إلى العراق ، وبتضحية حياته في هذا القطر ؛ وذلك ليمنع امتداد هذه الكارثة واستمرارها . فكأنّ دم الأب امتد هنا ليلتقي مع دم الابن ؛ ليكوّنا الشلال العرم ، والتيّار الجارف الذي ينير للناس ـ كلّ الناس ـ الدرب المفضي إلى الكرامة والحرية والمساواة .

وعن هذا الأمر يقول الشاعر المعروف أبو العلاء المعري :

وعلى الدهرِ من دماءِ الشهيدي       نِ  عـليٍّ ونـجلهِ  شـاهدانِ
فـهما  في أواخرِ الليلِ  فجرا        ن وفــي اُولـياتهِ  شـفقانِ

ولقد آثر الحسين (عليه السّلام) هنا وقبل أن ينطلق موكبه السامي إلى قطر العراق أن يسبقه إلى هناك رسول أو سفير واحد له أو أكثر ؛ وذلك ليشعروه عن حقيقة الوضع في الساحة العراقية ، وطبيعة الرسائل الواردة إليه ؛ وذلك لكي يكون سيره وحركته على أرض صلبه وثابتة ، وبعيداً عن العواطف والأهواء والرغبات غير المدروسة
ــــــــــــــ
= وضلاعة في شؤون الاجتماع والإعلام لا يمكن أن يُقارن بما عداه من عطاء اُنثوي في تاريخ هذه الدنيا ، فلا نفرتيتي ، ولا كاترين ، ولا الخنساء ، ولا جان دارك ، ولا شجرة الدر ، ولا كوربسكايا ... لا هذه ولا تلك بقادرة على أن تواكب مستوى العطاء في الفكر ، وفي براعة إنهاء المواقف ، والانتقال بتدوير الكلام من موقف الضعف والمغلوب إلى موقف المنتصر والغالب الذي جاءت به هذه العقيلة الهاشمية ، والتي سجّلت بها مجتمعة ملحمتها العظيمة الخالدة .

الصفحة (77)

بدقة وعناية ، ومخافة أن يلومه لائم فيما بعد على خطوته هذه بأنّه قد خطاها من دونما حذر أو تبصّر .

ولقد كان ابن عمّه مسلم بن عقيل ـ وكان عمره حينذاك (38) سنة ـ هو طليعه ، وأحد الرسل والسفراء الذين أرسلهم إلى الكوفة .

ولقد رحّب أهل الكوفة بمسلم رسول الحسين (عليه السّلام) خير ترحيب ، وفتحوا له قلوبهم قبل أيديهم ، وأظهروا له كلّ علائم الطاعة والإخلاص ، وقد تلا عليهم رسالة الحسين (عليه السّلام) الموجّهة إليهم فزادتهم هذه تصميماً على الفداء معه ، والتضامن من أجل الإطاحة بكلّ الطغاة والظالمين .

ولقد بايعه عند وصوله إلى الكوفة على الموت والشهادة ، والكفاح ضد النظام القائم ما يقرب من (18) ألف رجل إن لم يكن أكثر من ذلك .

وإثر هذه الوقائع والحوادث كتب مسلم إلى الحسين (عليه السّلام) رسالة ضمّنها تفصيلات الوضع العام في الكوفة ، وطالبه فيها التعجيل في المسير إليها ومن دون إبطاء ؛ حيث إنّ أهلها هم في انتظاره واستقباله على أحرّ من الجمر .

وهكذا قرّر الحسين (عليه السّلام) التوكّل على الله والاستعداد للحركة إلى العراق استجابة لنداءات وصيحات أهل الكوفة الملحّة والمتواصلة بالقدوم إليهم ، والكفاح تحت لوائه لتقويض أركان الظلم ، واستئصال شأفته من الجذور ، وإقامة حكم ودولة العدل والحرية .

وعلماً بأنّ الحسين (عليه السّلام) في رحيله التاريخي هذا إلى قطر العراق لم يقع ضحية خدعة لم يحسن تدبّرها ، أو ضحية أنصار لم يقف على حقيقة نيّاتهم ، أو مدى إخلاصهم وولائهم له


الصفحة (78)

بل إنّ الأمر كان على العكس تماماً ، حيث كان (عليه السّلام) لا يضع قدمه في كلّ خطوة كان يخطوها إلاّ على أرض ثابتة ومتماسكة ، وإنّ تصميمه وإرادته في الرحيل إلى العراق كان حكيماً وبليغاً ، وإنّه (عليه السّلام) « كان يهتدي إلى مسؤولياته بنور إيمانه ، وبصوت ضميره ، وليس بتحريض قوّة خارجية »(1) .

ولكن إذا ما كلّفته هذه الخطوة أن يقدّم حياته كثمن لها فليكن ذلك ، ولكن ليتمّ أمام واسع الجماهير ، وأمام أكثر من قطر وبلاد حتّى يمكن للشهادة من أن تؤتي ثمارها كاملة لكلّ الناس ، والفداء صداه لكلّ الأقطار ، والتضحية انعكاسها لجميع بلدان العالم ؛ ذلك لأنّه (عليه السّلام) من أهل بيت لم يخلقوا لأنفسهم ولا لبلدهم ولا لقطرهم ، بل صاغهم الله تعالى ليكونوا لكلّ الناس حيثما حلّوا ، ولكلّ الأقطار والبلدان على الأرض هداية ورحمة ، وبركة وسعادة وكرامة .

وهذا ولم تستطع (مكة) أن تحول دون خروج الحسين وأهله وأصحابه منها ؛ لأنّه (عليه السّلام) كان قد « وعد وعزم وقرّر ، فما تستطيع قوّة في الأرض أن تصدّه عن النضال في سبيل الحقّ ، وما يستطيع أيّ إنسان أن يغمه بإيثار السلامة والعافية »(2) .

ولقد كان الجميع في مكة المكرّمة واثقين من أنّ رحيل الحسين (عليه السّلام) إلى العراق ـ فيما لو حصل ـ فإنّما يكون هذا بالتأكيد بعد انتهاء فريضة الحجّ وعيد الأضحى المبارك لعام (60هـ) ، وليس قبل هذا الوقت مطلقاً .

إلاّ أنّه (عليه السّلام) كان قد فاجأ جماهير الناس يوم الثلاثاء (8 ذي الحجة) وهو يوم

ــــــــــــــ
(1) أبناء الرسول في كربلاء ـ خالد محمّد خالد .
(2) سكينة بنت الحسين ـ الدكتورة بنت الشاطئ .

الصفحة (79)

التروية(1) بذهابه إلى الحرم الشريف ، والطواف بالبيت المقدّس ، والسعي بين الصفا والمروة ، والتحلل من إحرامه وجعلها عمرة منفردة ، وترك التمتع بالحجّ ، ثمّ قام بتوديع أهالي مكة الذين كانوا في سبيل تركها إلى منى وعرفات لإتمام مراسيم الحجّ لذلك العام , الوداع الذي لا لقاء بعده .

لم يخرج الحسين (عليه السّلام) لوحده بل سار معه حشد كبير من أهل بيته ، وعلى رأسهم أخوه العبّاس (عليه السّلام) وإخوته الثلاثة , ومواليه وعدد كبير من أهالي الحجاز ، ونفر من أهل الكوفة والبصرة مَنْ قدموا إليه وهم يحملون رسائل الدعوة ومواثيق البيعة ، وليبلغوه أيضاً بدعوة أهالي الكوفة للإسراع في القدوم إلى العراق(2) .

هذا ولولا حبّ مَنْ خرج مع الحسين له ، وتعلّقهم به ما تركوا ديارهم الآمنة ليخرجوا معه وهم لا يدرون ما يخبِّئه لهم الغد من أحداث ، وما قد ينزل بهم من متاعب وأهوال .

وعند بدء رحيله (عليه السّلام) من مكة أمر بقرطاس وقلم ، وكتب لبني هاشم عليه ما يلي :

ـــــــــــــ
(1) سُمّي يوم التروية ؛ لأنهم (الحجيج) كانوا يرتون فيه من الماء من منى ويخرجون إلى عرفات . وعندما سُئل الحسين (عليه السّلام) عن أسباب خروجه يوم التروية , قال : (( لو لم أعجل لأخذت أخذاً )) .
(2) نشير هنا إلى وجود « هجرتان في الإسلام أخلدهما التاريخ إلى الأبد ، هجرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة أسست الإسلام ووطّدت دعائمه ، وهجرة الحسين من المدينة إلى الكوفة أعادت جدّة الإسلام ونشرت كلمته » ذكرى الحسين ـ محمّد علي آل ياسين .
ويذهب آخرون إلى أنّ « الهجرة الأولى كانت وغايتها البناء ، وأنّ الهجرة الثانية كانت وغايتها المحافظة على البناء » الإمام الحسين ـ عبد الله العلايلي .
فما « أقرب الشبه ، وأشدّ التطابق والتقارب بين الهجرتين في العوامل والثمرات ، بل وحتى في الحالات النفسية » مأساة الحسين ـ الشيخ عبد الوهاب الكاشي .

الصفحة (80)

(( بسم الله الرحمن الرحيم , من الحسين بن علي إلى بني هاشم . أمّا بعد ، فإنّه مَنْ لحق بي منكم فقد استشهد ، ومَنْ تخلّف لم يدرك الفتح ، والسّلام )) .

ولقد كان الحسين (عليه السّلام) يردّد عند الرحيل ، أو أنّها نظمت على لسان حاله :

سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى        إذا مـا نـوى حـقّـاً وجاهد مسلما
وواسـى الرجالَ الصالحينَ    بنفسه        وفـارقَ مـثبوراً وخالفَ   مـجرما
فـإن عشتُ لم أندم وإن متُّ لم   أُلم        كـفى بكَ ذُلاً أن تعيشَ    وتـرغما

وفي رحيل الحسين (عليه السّلام) إلى العراق نظم الشاعر يقول :

لمّا رأى الشرعَ الشريفَ  مضيّعاً        وحـبـالَ دينِ اللهِ عُدنَ  رثـاثا
وبـني أميّةَ في العبادِ  تـحكّموا        ويـزيد أفـسدَ في البلادِ   وعاثا
أمَّ   الـعراقَ على النجائبِ طالباً        حـقّـاً لـهُ من جدّهِ   مـيـراثا
عجباً بني الطلقاءِ أضحت تدّعي        سـلـطانَ   آلِ مـحـمدٍ ميراثا
وتُـساقُ آلُ مـحمدٍ ما   بـينهم        سـوقَ  الـسبايا لا يجدنَ  مغاثا

غادر الحسين (عليه السّلام) مكة المكرّمة باتّجاه الكوفة في قطر العراق بعد أن ودّع الكعبة بيت الله تعالى وهو يحمل روحها بين جنبيه ، وشعلتها بكلتا يديه ، تواكبه الملائكة وتباركه ، وتطيف به كأنّه حذرة عليه ؛ لأنّه البقية الباقية من إرث السماء المتواجدة على سطح الأرض .

هذا ، ولن نشير هنا إلى تفصيل ما حدث لرسول الحسين (عليه السّلام) في الكوفة وهو مسلم بن عقيل(1) حيث انفضّ عنه أهل الكوفة ، وأخذ لوحده في منازلة قوات وعساكر والي الكوفة بشجاعته المعهودة ، والتي وصفها أحدهم بقوله :

ـــــــــــــــــ
(1) لقد تمّ توضيح سيرة مسلم بن عقيل مفصّلة في كتابنا (مسلم بن عقيل ـ بريق النبوّة في ظلمات الكوفة) .

الصفحة (81)

إنّه كان يأخذ الرجل من يده ويرمي به فوق الدار , حتّى اُلقي القبض عليه ، وضُرب عنقه من أعلى قصر الإمارة(1) ، ورُمي بجسده الطاهر مع رأسه من هناك إلى الأرض .

فضلاً عن قتل هاني بن عروة رئيس قبيلة مذحج اليمانية , وبالطريقة نفسها التي قُتل بها مسلم من قبل ، والتي وصلت إليه (عليه السّلام) هذه الأخبار المفزعة وهو في نقطة (زرود) على طريق العراق .

كما ولن نشير إلى لقاء الحسين (عليه السّلام) في النقطة المذكورة (زرود) مع زهير بن القين البجلي ؛ ليصبح هذا العلم بعد أوّل لقاء له مع الحسين (عليه السّلام) من خيرة أنصاره وأعوانه , بل من قادة جيشه وأركان حربه ، والعمود الفقري فيه .

ولن نشير أيضاً إلى لقاء الحسين (عليه السّلام) مع الشاعر المعروف الفرزدق في نقطة (الصفاح) ، والذي قال للحسين (عليه السّلام) بعد أن استفسر منه عن طبيعة الموقف في العراق بالحرف :

ــــــــــــــــ
(1) قصر الإمارة شُيّد في الكوفة عند تمصيرها عام (17هـ) في عهد القائد سعد بن أبي وقاص ، وكان يُعرف بقصر سعد ، وبقصر الإمارة ، ثمّ أصبح داراً خاصّاً للعمّال والولاة ، وكان سوره يرتفع إلى (20م) ، وقد أحكم بناءه حتّى بات من المتعذر اقتحامه والسيطرة عليه بسهولة عند غلق أبوابه .
وعند دخول عبد الملك بن مروان إليه بعد انتصاره على جيش مصعب بن الزبير عام (71هـ) وضع رأس مصعب عند يديه ، وحينئذ تقدّم أحد الجالسين وهو (عبيد بن عمير) وقال لعبد الملك : أيّها الخليفة , كنت جالساً هنا ورأيت رأس الحسين بين يدي [ عبيد الله بن زياد ، ثم دخلت القصر فإذا رأس عبيد الله بين يدي المختار ، ثم دخلت القصر فإذا رأس المختار بين يدي ](*) مصعب بن الزبير ، وفي هذا اليوم أرى في نفس المكان رأس مصعب أمامك ، وأدعو الله أن لا يريني ذلك اليوم الذي أرى فيه رأسك بين يديّ شخص آخر .
فتشائم عبد الملك من هذا الكلام وقام من كرسيه غضباً ، وأصدر في الوقت أمراً بتهديم القصر وتسويته بالأرض .
(*) أضفنا هذه الفقرة من تاريخ الإسلام للذهبي 5 / 527 بتصرف ؛ وذلك لأن العبارة التي ذكرها المؤلِّف كانت هكذا ( كنتُ جالساً هنا ورأيت رأس الحسين بين يدي مصعب بن الزبير ) , وهي واضحة النقص والخطأ . (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)

الصفحة (82)

قلوب الناس معك ، وسيوفهم مع بني اُميّة ، والقضاء ينزل من السماء ، والله يفعل ما يشاء ، وربّنا كلّ يوم هو في شأن .

كما ولم نتطرّق إلى لقاء الحسين (عليه السّلام) مع الطرمّاح بن عدي بن حاتم الطائي في نقطة (العذيب) ، والذي أجاب الحسين حين استفسر منه عن الموقف في الكوفة ، أجاب بمثل جواب الفرزدق من قبل ، ولكن مع شيء من التغيير والإضافة وهو بالحرف : إنّ الأشراف قد استمالهم ابن زياد(1) بالأموال ، أمّا سائر الناس فهم معك ، وأمّا سيوفهم فهي مشهورة عليك .

وأخيراً ـ وليس آخراً ـ لن نتناول تفاصيل وقائع ملاقاة الحرّ بن يزيد الرياحي للحسين (عليه السّلام) في نقطة (ذو حسم) عند أبواب العراق ، والذي كان طليعة الجيش الذي حشّده والي الكوفة ابن زياد لمحاربة الحسين ، وإيقاف مسيرته التاريخية إلى العراق ، وما جرى خلال اللقاء بينه (عليه السّلام) وبين الحرّ من حديث وكلام أوشك أن يفجّر الموقف في ذلك المكان النائي من صحراء العراق الغريبة .

حيث قال الحسين (عليه السّلام) للحرّ في النهاية وبعد أن ضيّق الأخير عليه الخناق ، وطلب منه أن يصحبه إلى الوالي في الكوفة ، قال (عليه السّلام) له : (( إنّها الحرب إذن ثكلتك اُمّك ! )) .

ـــــــــــــــــ
(1) بالنظر والتكرار ورود اسم عبيد الله بن زياد بن أبيه ، وعمر بن سعد بن أبي وقاص في هذا البحث لكونهما يعدّان من قادتي البغي والعدوان في ملحمة كربلاء ؛ لذا فقد اكتفينا هنا بإيراد اسم (ابن زياد) للأوّل , و (ابن سعد) للآخر ، كما ويُطلق على الأوّل اسم (ابن مرجانة) ؛ لأنّ اُمّه تدعى مرجانة ، وهي جارية مجوسية تزوّجها والده فصار منها ، ويُطلق على زياد بن أبيه اسم (ابن سمية) ، وعلى أبي سفيان بـ (ابن حمامة) ، وعلى معاوية (ابن هند) ، وعلى يزيد (ابن ميسون) .

الصفحة (83)

فأجابه الحرّ جواباً مهذّباً وهو : أما والله لو غيرك من العرب يقولها لي ما تركت ذكر اُمّه بالثكل كائناً مَنْ كان ، ولكن والله ما لي إلى ذكر اُمّك من سبيل إلاّ بأحسن ما يقدر عليه .

وسكن غضب الإمام (عليه السّلام) لهذا الجواب .

نعم ، لن نشير إلى كلّ ذلك أو سواه هنا للاختصار الذي آثرناه في هذه الدراسة ، رغم أنّ كلّ ذلك هو مسجّل ومدوّن في الكتب والأبحاث التي تولّت كتابة تاريخ واقعة كربلاء ، ومنها كتابي السابق الذي يحمل عنوان هو (الحسين (عليه السّلام) ... ثورة دائمة) .

إلاّ أنّه إذا كان ولا بدّ من أن نشير إلى شيء هنا قبل الانتقال إلى الفصل التالي , فهو أنّ ركب الحسين (عليه السّلام) وأصحابه وأهل بيته ، بما فيهم النسوة والأطفال , قد سار قدماً إلى العراق لا يلوي على شيء ، وقد كلّف العبّاس (عليه السّلام) هنا بالمسؤولية الكاملة في خلال هذه الرحلة الصعبة بحماية ورعاية هؤلاء النسوة والأطفال طيلة الطريق ؛ من حيث تأمين سلامتهم وراحتهم ، واستقرارهم في المحافل ، وفي الختام وعند الدخول إليها والخروج منها .

وقد امتدت هذه المسؤولية أيضاً واستمرت حتّى في أرض الطفوف في كربلاء ، وظلّت قائمة وفعّالة لحين شهادته (عليه السّلام) ورحيله إلى جوار ربّه عند ضفاف العلقمي في العاشر من المحرّم الحرام .

ويظهر هنا أنّ الحسين (عليه السّلام) كان قد كلّف أخاه العبّاس بتحمّل هذه المسؤولية ؛ لعلمه بشجاعة هذا الفتى المغوار وعزيمته وإبائه ونخوته .

لذا فقد كان الاختيار مصيباً وفي مكانه ، ومن ثمّ فإنّ المكان بالمكين ـ كما يقول


الصفحة (84)

المثل العربي الشائع ـ ولأنّ العبّاس (عليه السّلام) ـ كما قلنا أكثر من مكان ـ هو رجل المهمات الصعبة في معسكر كانت كلّ مهمّاته وواجباته شاقّة وصعبة .

وهكذا فقد حلّ ركب الحسين (عليه السّلام) في كربلاء , ولا أحد في هذا الركب يعلم ما يخبّئه لهم المستقبل من اُمور ومفاجئات بعد أن أحاط به جيش العدوان من كلّ جانب إحاطة السوار بالمعصم ، ولم يدع له حرّية الحركة والانتقال .

إلاّ أنّه كان هناك شخص واحد في هذا الركب المقدّس كان يعرف كلّ شيء عمّا سيحلّ بركبه من مصائب ونوائب ، وهو قائد الركب والمسيرة الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ لأنّه كان قد استقى وتلقّى تفصيلات كلّ ذلك من أخيه وأبيه وجدّه عن الله تعالى .

إنّها كربلاء التي حلّ في أرضها الحسين (عليه السّلام) وركبه ، ولئن كانت هذه البقعة من أرض العراق قد خفيت على سواد الناس ، فإنّها كانت ملء كلّ أسماع وأذهان وأفكار سائر الأنبياء والمرسلين ، والصفوة من عباد الله المخلصين منذ أن خلق الله الأرض .

وعن النقطة الأخيرة نشير إلى أنّ الإمام علي (عليه السّلام) في مسيره إلى صفّين عام (37هـ) جعل طريقه إليها عبر أرض كربلاء ، وعند وصوله إليها صلّى فيها وأخذ تربة من أرضها فمشى ، ثمّ قال : (( واهاً لكِ من تربة ! ليُقتلنَّ بك قوم يدخلون الجنة بغير حساب ، ها هنا محطّ ركابهم ، وها هنا مهراق دمائهم )) .

وقبل الإمام علي (عليه السّلام) مرّ عيسى بن مريم (عليه السّلام) على أرض كربلاء ، وتوقّف فوق


الصفحة (85)

مطارح الطفّ ، ولعن قاتلي الحسين ومهدري دمه الطاهر فوق هذه الثرى(1) .

كما ويصف أحدهم هنا علاقة الحسين بأرض كربلاء بالحرف : كأنّما كانت أرضه تناديه فلبّى نداءها(2) . نعم ، هي كربلاء والتي نظم في حقّها أحد الشعراء ، وهو عبد الله العلايلي , قصيدة جاء في بعضها :

فـيا كربلا كهفُ الإباءِ   مـجسّماً        ويـا كربلا كهفُ البطولةِ    والعلا
ويـا كـربلا قد حزتِ نفساً   نبيلةً        وصُيّرتِ بعد اليومِ رمزاً إلى السما
ويا كربلا قد صرتِ قلبيَ كلّ   ذي        نـفسٍ تصاغر دون مبدئها    الدنا
ويـا كربلا قد حزتِ مجداً   مؤثّلاً        وحزتِ  فخاراً ينقضي دونهُ المدى

وقال شاعر ثانٍ عن كربلاء :

هي كربلاء فقف على عرصاتِها        ودع الجفونَ تجودُ في   عبراتِها
مـا بـالُها لم تروهم من   مائها        حـتّى  تـروّت من دمارِ قباتها
الله أكـبـر يا لها من    وقـعةٍ        ذابت لها الأحشاءُ في    حرقاتِها

كما ونظم شاعر ثالث حول الموضوع يقول :

سل كربلا كم حوت منهم بدورَ دجىً      كـأنـها فـلـكٌ لـلأنجم  الـزهرِ

ـــــــــــــــ
(1) الحسين في الفكر المسيحي ـ أنطون بارا .
(2) الإمام علي بن أبي طالب ـ عبد الفتاح عبد المقصود .

الصفحة (86)


الصفحة (87)


الصفحة (88)

عند أعتاب كربلاء

وصل ركب الحسين (عليه السّلام) إلى أرض كربلاء ، وحطّ رحاله على ثراها في يوم الخميس 2 محرّم من عام (61هـ) بعد أن استغرق سفره من مكة إليها عبر صحراء الحجاز ونجد (24) يوماً ، حيث بدأت بوصوله هذا الصفحة (المرحلة) الثالثة من معركة الكفاح والنضال ضدّ الضلال والطغيان والجور ، وبوصوله هذا أيضاً تبدأ الفصول الأشدّ حسماً وصعوبة في رحلة الخروج الدامية .

ولقد قام الحسين (عليه السّلام) ـ بعد يقينه بأنّ نهايته ستكون على هذه الأرض ـ قام بشراء الأرض التي تحيط بالمنطقة رغم أنّها أرض خالية ومهملة وجرداء ، وغير مزروعة ، وهي أيضاً من دون مالك حقيقي ، وهي بمساحة (4) أميال في (4) أميال ودفع ثمنها لمَنْ ادّعى ملكيتها نقداً .

وبلغ ما دفعه إليهم حوالي (60) ألف درهم ، وهو غالبية ما كان يحمل من نقود . ولقد تصدّق الحسين (عليه السّلام) بالأرض بجعلها صدقة جارية ، ومشيراً إلى أنّ هذه الأرض برمّتها أيضاً هي حلال ومباحة لولده وأنصاره وزوّاره ، وهي حرام في نفس الوقت على غيرهم .

ومؤكّداً على مَنْ يقطن في هذه المنطقة بأن يرشدوا الناس إلى مكان قبره المرتقب ، فضلاً عن أن يقوموا بضيافة زوّاره القادمين لمدّة (3) أيام متتالية .

وبعد ذلك وحين استقر بالحسين (عليه السّلام) المقام بهذه الأرض جمع (عليه السّلام) أقرباءه


الصفحة (89)

وأصحابه ، وخطب فيهم , حيث جاء في بعض ما قال لهم(1) : (( اللّهمّ إنّا عترة نبيّك محمّد (صلّى الله عليه وآله) , وقد أُخرجنا وطُردنا وأُزعجنا من حرم جدّنا ، وتعدّت بنو اُميّة علينا . اللّهمّ فخذ لنا بحقّنا ، وانصرنا على القوم الظالمين )) .

ثمّ التفت إلى أصحابه وقال : (( الناس عبيد الدنيا ، والدين لعق على ألسنتهم ، يحوطونه ما درّت معائشهم ، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون . ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به ، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه ؟ ليرغب المؤمن في لقاء الله ؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة , والحياة مع الظالمين إلاّ برماً )) .

ــــــــــــــــــ
(1) لقد أكّد الحسين (عليه السّلام) في كلّ خطبة ألقاها في عرصة كربلاء على مكانة الاُسرة النبويّة التي ينتسب إليها ، والتي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور ؛ علّ ذلك يؤثر على أهل الكوفة فينصرفوا عن قتاله . علماً بأنّ خير مَنْ وصف هذه الأسرة وتضحياتها هم كتّاب وأدباء كثيرون ، اخترنا منهم ثلاثة : لبناني ، وسوري ، ومصري .
فالكاتب اللبناني عمر أبو النصر يقول في كتابه (فاطمة بنت محمد) بالحرف : إنّ الاُسرة النبويّة قد كُتب أن تعيش في الدنيا عيش الأشجار العظيمة في الصحاري المحرقة ، تظلل الناس بوارف ظلّها وهي تصطلي حرّ الهاجرة وأوارها ، ولو أن القدر أنصفهم ووفّاهم أجورهم لما سعد أحد في الحياة سعادتهم ، ولا هني فيها هناءهم .
أمّا الكاتب الثاني السوري فهو علي الطنطاوي , حيث يقول في كتابه (قصص من التاريخ) بالحرف : من العجب أن يسع المسلمون بعدلهم الذمي والكافر ، ولكن عدلهم ضاق عن آل محمّد ! لقد قدّموا الحياة السعيدة للنصراني واليهودي ولكنّهم لم يجدوا لابن بنت النبي إلاّ الموت الأليم .
والثالث هو الكاتب المصري خالد محمّد خالد , حيث كتب في (أبناء الرسول في كربلاء) بالحرف : من العجب ـ كما يحدّثنا التاريخ ـ أنّهم خرجوا لجريمتهم بعد أن صلّى بهم قائدهم صلاة الصبح ! أصحيح أنّهم صلّوا وقرؤوا في آخر صلاتهم : اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد ؟! إذاً ما بالهم ينفلتون من صلاتهم ليحصدوا بسيوفهم آل محمّد ؟!

الصفحة (90)

ولقد علّق وعقّب بعض أصحابه على كلمته هذه بكلمات وعبارات ثورية ونارية ، تدلّ وتنمّ على مدى إخلاص هؤلاء الأصحاب وحبّهم وولائهم للحسين (عليه السّلام) ، والقضية التي جاء من أجلها .

فقد قام زهير بن القين ، وقال بصراحة : سمعنا يابن رسول الله مقالتك ، ولو كانت الدنيا لنا باقية ، وكنّا فيها مخلّدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها .

أمّا برير بن خضير الهمداني فقد صرّح بقوله : يابن رسول الله ، مَنّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك ، وتُقطع فيك أعضاؤنا ، ثم يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة .

وجاء دور نافع بن هلال البجلي ليقول بكلّ قوة : سر بنا معافىً ، شرقاً إن شئت أو مغرباً ، فوالله ما أشفقنا من قدر الله ، ولا كرهنا لقاء ربّنا ، وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا نوالي مَنْ والاك ونعادي مَنْ عاداك .

ولقد وصف أحد الشعراء ، وهو السيد رضا الهندي , هذه الحالة في هذه الأبيات :

وقـفوا يدرؤون سمرَ    العوالي        بـفـراقِ  الـنفوسِ   والأرواحِ
فـوقوه بـيض الظُّبا بالنحور ال      بـيض  والـنبلَ وقـفة  الأشباحِ
أدركـوا بالحسينِ أكبرَ    عـيدٍ        فغدوا في منى الطفوفِ  أضاحي

ولقد بعث الحرّ بن يزيد الرياحي من كربلاء مَنْ يخبر رئيسه ابن زياد بنزول الحسين في كربلاء ، فما كان من ابن زياد إلاّ أن يجيب على ذلك برسالة مستعجلة موجّهة إلى الحسين (عليه السّلام) نفسه ، والتي جاء في بعضها : يا حسين ، قد بلغني نزولك كربلاء ، وقد كتب إليّ يزيد أن أُذيقك المنون ، أو تنزل على حكمي وحكم يزيد .

ولمّا فرغ الحسين (عليه السّلام) من قراءة هذه الرسالة الخائبة رماها إلى الأرض وقال :


الصفحة (91)

(( لا أصلح الله قوماً اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق )) .

ووصل عمر بن سعد بن أبي وقاص(1) إلى مسرح العمليات الحربية في أرض كربلاء في يوم (3) محرّم الحرام ، ومعه (4) آلاف رجل مرسلاً من سيّده ابن زياد لتسلّم قيادة كلّ الوحدات ، والتشكيلات العامّة والمحتشّدة في الجبهة ، أو التي ستردّ تباعاً لغرض فرض شروط الذلّ والاستسلام عنوة على الحسين (عليه السّلام) ، وعسكر على أرض كربلاء على مقربة من معسكر الحسين (عليه السّلام) .

هذا وقد تردد ابن سعد كثيراً قبل قبوله لهذه المهمّة القذرة ، حيث تمارض وحاول أن يعتذر عن هذا التكليف ، ولكنّه خشي بطش ابن زياد والي الكوفة وجور سيّده التالي في الشام يزيد ، فضلاً عمّا كان يأمله من إسناد حكم ولاية الري إليه ، فقد مال لعابه لها فوافق على المهمّة صاغراً .

لقد كانت غالبية الناس تكره الخروج إلى حرب الحسين (عليه السّلام) ، حيث كان ابن زياد إذا وجّه الرجل إلى قتال الحسين (عليه السّلام) في الجمع الكثير فيصلون ولم يبقَ منهم إلاّ القليل .

ومردّ ذلك هو كراهتهم لقتال الحسين (عليه السّلام) ومنازلته ، والذي هو ابن بنت رسولهم ،

ـــــــــــــــــ
(1) كان ابن سعد قد عيّن حاكماً على الري ـ وهو إقليم يقع جنوب بحر قزوين ـ وكان يستعد لمغادرة الكوفة إلى مقرّ عمله الجديد لولا مجيء الحسين (عليه السّلام) إلى العراق وتكليفه بقيادة الجيش المرسل لمواجهته .
علماً بأنّه لو كان ابن سعد خليقاً بأبيه سعد بن أبي وقاص لطلب ثأر أبيه من يزيد ، لا أن يكون خادماً عنده ، ولكنّه انخلع وانصاع فكانت الدنيا منذ صغره ميلة وصبوة ، والثأر هذا يخصّ السمّ الذي سقى معاوية أباه سعد فقضى عليه .
وقد أصبح سقي السمّ من قبل معاوية لأعدائه شعار معاوية وأشياعه كما يقول عباس محمود العقاد في كتابه (أبو الشهداء) .

الصفحة (92)

ونجل خليفتهم ، حيث باتوا على يقين بضلال هذه الحرب ، وأنّهم بفعلهم هذا إنّما يحاربون الله ورسوله ، ويقاتلون مَنْ أمروا بمودّته وطاعته .

ومن أجل السيطرة على الموقف ، والاستعداد للمواجهة أصدر ابن زياد أوامره المشدّدة بالنفير العام ، والتجنيد الشامل ، والتعبئة العامّة ، كما واستعمل في تنفيذ هذا سياسة الترهيب والترغيب .

وبعدها أمر ابن زياد أن ينادي المنادي في أسواق الكوفة وسككها أنّه : قد برئت الذمّة ممّن لم يخرج لمقاتلة الحسين (عليه السّلام) . وبذلك فقد تمّ السيطرة على الموقف ، كما وأصبح سوق الحدادين في الكوفة في اليوم السادس من المحرّم أو قبله بمدّة قصيرة قائماً على قدم وساق ، فكلّ مَنْ تلقاه إمّا أن يشتري سيفاً , أو رمحاً ، أو سهماً , أو سناناً ، ويحدّها عند الحداد وينقعها بالسمّ ؛ تمهيداً للخروج إلى المعركة القادمة في أرض كربلاء .

وهكذا فقد أوعز ابن زياد إلى شمر بن ذي الجوشن المرادي بالخروج إلى كربلاء على رأس (4) آلاف مقاتل ، وإلى الحصين بن نمير التميمي في (4) آلاف اُخرى ، وإلى شبث بن ربعي التميمي في ألف فارس ... إلخ .

وبذلك فقد احتشد تحت لواء ابن سعد على صعيد كربلاء يوم (6) محرّم ما يقرب من (20) ألف مقاتل ، ثمّ تبع وأعقب هؤلاء سواهم من المقاتلين والفرسان والمرتزقة ليصبح المجموع قبل يوم عاشوراء بأكثر من (30) ألف مقاتل في أقل تقدير .

وهكذا فقد استطاع واحد من أحطّ خلق الله ، وهو عبيد الله بن زياد , أن يجمع لقتال الحسين (عليه السّلام) وهو سيد شباب أهل الجنة هذا العدد من الرجال ، وأن يعبّئ العالم


الصفحة (93)

الإسلامي كلّه ضدّ أهل البيت (عليهم السّلام) من غير رادع أو معترض .

وعن طبيعة هؤلاء المقاتلين وجنسياتهم فيقال عنهم بالحرف : إنّ أهم ما في حركة الحسين (عليه السّلام) ، إنّ كلّ مَنْ حاربه وتولّى قتله كان من أهل الكوفة ، ولم يحضره شامي واحد(1) ، أو حجازي ، أو بصري ، وهم ممّن شايعوه (الحسين) وطاوعوه وعاهدوه وبايعوه .

ولقد أشعر ابن زياد قائد جيشه في ميدان العمليات في كربلاء ، وفي رسالة لاحقة أشعره فيها بضرورة أن يشتدّ في قتال الحسين حتّى يضع يده في يد يزيد ، ويعلن مبايعته بالخلافة ، وأن يستعمل الماء كورقة ضغط بيده للتضييق على الحسين (عليه السّلام) لاستحصاله هذه المبايعة ؛ وفقاً لما جرى مع الخليفة عثمان بن عفان من قبل حين منع الماء عنه .

ولقد تناسى هذا الوغد ـ يكتب رسالته إلى ابن سعد ـ أنّ الحسين نفسه هو الذي حمل الماء إلى الخليفة عثمان في المدينة عند حصاره ، وعانى الأمرّين في سبيل ذلك ، ثمّ إذا ما كان الحسين (عليه السّلام) هو المقصود هنا في منع الماء عنه ، فما ذنب النسوة والمرضى والأطفال الذين هم في معيّته وضمن ركبه ؟!

وفي اليوم السابع من المحرّم اشتدّ الحصار والتضييق على الحسين (عليه السّلام) وعلى مَنْ معه ، وكلّ الأطراف والجهات ، كما واشتدّ لذلك العطش فيهم أيضاً بعد أن نفذ ما كان لديهم من الماء ، حيث كان الصيف شديد الحرارة في ذلك العام , وأنّ بينهم وبين شاطئ الفرات رماح مشرعة ، وسيوف مرهفة ، ولا يمكن الوصول إليه ونقل الماء إلاّ بإغماد هذه السيوف ، وإبعاد هذه الرماح .

ــــــــــــــ
(1) مروج الذهب ـ المسعودي .

الصفحة (94)

ويُقال هنا : إنّ الحسين (عليه السّلام) كان قد طلب من أخيه العبّاس أن يحفر له بئراً ، فحفر العبّاس في ثلاثة مواضع ـ وقيل أكثر ـ فلم يعثر على الماء ، وأشعر الحسين (عليه السّلام) بذلك .

علماً بأنّه قد حيل بين الحسين والماء لمدّة ثلاثة أيام ، وكان هذا الأمر هو أعظم ما عاناه الحسين (عليه السّلام) من المحن والخطوب في كربلاء ، حيث كان يسمع صراخ أطفاله وهم ينادون : العطش ، حيث ذاب قلب الإمام (عليه السّلام) حناناً ورحمة لذلك المشهد الرهيب ؛ فقد ذبلت شفاه أطفاله , وذوى عودهم ، وجفّ لبن المراضع ، ممّا اضطره للطلب من قادة جيش البغي والعدوان سقي الأطفال فقط بالماء ، فكان جواب أحدهم على نداء الحسين (عليه السّلام) هذا هو : يا حسين ، ألا ترى الماء يلوح كأنّه بطون الحيات ؟ والله لا تذوق منه جرعة حتّى تذوق الحميم من نار جهنم .

وقال ثانٍ : يا حسين ، ألا تنظر إلى الماء كأنّه كبد السماء ؟ والله لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشاً . فكان سماع هذا الكلام عند الحسين (عليه السّلام) أشدّ من منعهم إيّاه الماء(1) .

وعن هذه الحالة يقول الشاعر السيّد حيدر الحلّي :

مـا  خـلتُ أنّ الدهرَ من  عاداته        تروى الكلابُ بهِ ويُضمى الضيغمُ
ويـقدّمُ الاُمـوي وهـو  مـؤخّرٌ        ويـؤخّرُ الـعلوي وهـو  مـقدّمُ

وقبل أن يكلّف العبّاس بالذهاب إلى نهر الفرات لجب الماء سمع الحسين (عليه السّلام) وأصحابه صوتاً قبيحاً يقول : يا حسين ، يا عباس ، والله لن تذوقا من الماء قطرة
ـــــــــــــ
(1) تذكرة الخواصّ ـ سبط ابن الجوزي .

الصفحة (95)

واحدة حتّى تموتا عطشاً .

وأدرك الأخوان أنّ الرجل كان يسترق السمع ، وأنّه من أذناب الزنيم ابن سعد , فأجابه الحسين (عليه السّلام) : (( اللّهمّ اقتله عطشاً ، ولا تغفر له أبداً )) . وبالفعل فقد قُتل هذا الوغد في الكوفة فيما بعد عطشاً ، وفقاً لما قال الحسين (عليه السّلام) في كربلاء . وهنا طلب الحسين (عليه السّلام) من أخيه العبّاس (عليه السّلام) أن يتولّى عوضه مهمّة سقي الأطفال والنساء وأصحابه بالماء بعد كلّ الذي سمعه من أعداء الله ورسوله بصدد سقي الماء .

وجاء العبّاس (عليه السّلام) إلى نهر الفرات(1) وهو على رأس (20) راجلاً و (30) فارساً من أصحاب الحسين (عليه السّلام) ، وهما ثلثا جيشه تقريباً ، وهم يحملون معهم (20) قربة خاصة بالماء .

حيث مضى الجميع إلى ضفاف النهر غير مبالين بكثرة الأعداء ، حيث كانت مبادرتهم هذه هي مهمّة انتحارية ، ولكن الله سبحانه نصر رجاله ، وحقّق

ـــــــــــــــ
(1) إنّ نهر الفرات المقصود به هنا هو نهر العلقمي القديم ، المتفرّع من الفرات الذي يسقي كربلاء ومنه إلى الكوفة ، وأثره الآن ظاهر قرب مرقد العبّاس (عليه السّلام) .
والطفّ اسم عام لأراضي تنعسر عنها المياه ، وسمّيت حوالي نهر العلقمي البارزة من شواطئه طفّاً لذلك ، وسمّيت واقعة الحسين (عليه السّلام) فيه واقعة الطفّ .
وعن هذا النهر نظم الشاعر عبد الباقي العمري الفاروقي الموصلي يقول :

بُـعداً لـشطكَ يا فراتُ فمرّ  لا        تـحلو نماؤكَ لا هنيّ ولا  مري
أيسوغُ لي منكَ الورودُ وعنكَ قد        صُـدّ الإمامُ سليلُ ساقي  الكوثرِ

علماً بأنّ الشاعر المذكور قد توفّي عام (1278 هـ ـ 1862م) ، ودُفن في الروضة القادرية ، وقد أرّخ وفاته بنفسه ، فجاء مطابقاً , وهو : بلسان يوحد الله أرخ (ذاق كأس المنون عبد الباقي) .

الصفحة (96)

مرادهم وهدفهم .

وعند وصولهم إلى الشريعة التي يستقي منها الماء ، والتي كانت محروسة بجمع كثيف من الحراس يقدّر تعدادهم بـ (4) آلاف ذئب ، تحت إمرة الزنيم عمرو بن الحجّاج الزبيدي ، سألهم بعض هؤلاء الحراس عن غرض القدوم إلى النهر , فأجابوهم : لشرب الماء .

فقالوا : اشربوا هنيئاً ما شئتم ، ولكن لا تحملوا منه شيئاً .

وكان جواب كلّ واحد من أنصار الحسين (عليه السّلام) : لا والله ، لا نشرب منه قطرة واحدة والحسين ومَنْ معه عطاشى .

فقال عمرو بن الحجّاج : لا سبيل إلى سقي اُولئك ، وإنّما وضعنا في هذا المكان لنمنعهم من الماء .

ولله درّ مَنْ نظم هذا الشعر الشعبي على لسان العبّاس مجسّداً هذا الموقف :

شلون اشرب واخوي حسين عطشان        سـكنة والـحرم وأطـفال  رضعان
وأظـن  گلـب العليل التهب  نيران        يـا  ريـت الماي بعده لا حلة  ومر

أو ما قاله الشاعر الشعبي الآخر على لسان العبّاس ، أو السجّاد (عليهما السّلام) حول الموضوع :

شلون اشرب لذيذ الماي حاشه        وأهـلي  گضت كلهم  عطاشه

وحـسين الـرمل أمسه فراشه

أو ما قاله شاعر ثالث حول الحالة هذه :

بـذلتَ  أيـا عـباسُ نفساً  نفيسةً        لنصرِ حسينٍ عزّ بالنصرِ من  مثلِ
أبـيتَ  الـتذاذَ الـماءِ قبل التذاذه        فحسنُ فعالُ المرءِ فرعٌ من الأصلِ

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة