الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة (50)

ولمَنْ لا يعرف ذلك وسواهم نشير ونقول لهم : إنّ العبّاس بن علي (عليه السّلام) كان قد تزوّج من إحدى قريباته الهاشميات ، وتدعى هذه (لبابة بنت عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطلب) ، وقد رزقه الله تعالى منها عدّة أبناء ، وهم بالتسلسل :

1 ـ عبيد الله

وقد وضع له هذا الاسم تيمّناً باسم جدّه لأمّه ، وكان هذا يُعدّ من كبار العلماء ، وموصوفاً بالجمال والكمال والمروءة ، ولقد تزوّج من ثلاث زوجات ، وكانت له منزلة مشهودة ومميّزة عند الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السّلام) ؛ وذلك كرامة لموقف والده العبّاس من أبيه في ملحمة كربلاء ، وكان كلّما رأى عبيد الله رقّ واستعبر باكياً ، وحينما سُئل عن علّة ذلك أجاب : (( لأنّه يذكّرني بموقف أبيه يوم الطفِّ )) .

ولقد رحل إلى جوار ربّه عام (155هـ) .

2 ـ الفضل

ولقد كُنّي العبّاس (عليه السّلام) بهذا الولد وأصبح اسمه (أبو الفضل) رغم أنّه الثاني في التسلسل .

ولقد كان متكلّماً معظّماً ، حريصاً على الدين ، وذا شجاعة وبسالة كوالده العبّاس . وكان يُقال له ويلقّب بـ (ابن الهاشمية) ، وقد خلّف ثلاثة أولاد , هم : جعفر ، عباس الأكبر ، محمّد .

3 ـ الحسن : وهو من دون عقب .

4 ـ محمّد : وهو من دون عقب .

5 ـ القاسم : وهو من دون عقب .

6 ـ بنت واحدة .


الصفحة (51)

وفي أدناه شجرة مختصرة للعباس بن علي (عليه السّلام) منقولة من عدّة مصادر موثوقة ، ولا يصلها الشك أو الارتياب من قريب أو بعيد .


الصفحة (52)

هذا ولقد انتشر أبناء وأحفاد وذريّة عبيد الله في المدن المختلفة ، والمشرق والمغرب حتّى باتوا في عهد معين أعداداً ليست بقليلة وإن كانوا دون أعداد أبناء ذريّة الحسن والحسين ومحمد بن الحنفيّة (عليهم السّلام) .

ويؤيّد هذا القول : هو أنّه قد قيل مرّة للإمام السادس جعفر بن محمّد الصادق (عليه السّلام) عن الكيفية التي تمّت بموجبها قسمة أرض فدك بعد أن تمّ إعادتها من قبل الخليفة عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ) إلى أصحابها من أهل البيت (عليهم السّلام) , حيث أجاب بالقول : (( لقد اُعطي الربع منها إلى أولاد العبّاس ، والبقية لنا ... )) .

إنّ غالبية ذريّة العبّاس بن علي قد جاؤوا عبر نجله البكر عبيد الله ؛ حيث أعقب هذا ولداً باسم الحسن ، وهذا الأخير يُعدّ أكثر عقباً من أبناء عمّه الفضل ، وربّما كانت غالبية ذريّة العبّاس (عليه السّلام) ـ وقيل : كلّهم في رواية اُخرى ـ ترد عن طريقه .

ومن أعقاب الحسن هذا جاء بعض الأشراف الموجودين حالياً في العراق والشام ، ومصر واليمن ، وإيران وشبه القارة الهندية . ومن أعقاب الحسن هو عبيد الله الثاني ، ويُعرف بالأمير ؛ لتوليه إمارة الحرمين بمكة والمدينة عند بداية العصر العباسي ، فضلاً عن كونه قاضي للحرمين الشريفين .

ولعبيد الله الثاني (الأمير) ولد يُدعى حمزة ، وكان عالماً يُشار إليه بالبنان ، وقد عاصر هذا الخليفة العباسي المأمون (ت 218هـ) ، ولقد أضاف المأمون على عطائه المقرّر بمئة ألف درهم بسب نسبه وعلمه الغزير .

وللحمزة هذا ولد يُدعى (محمد) ، وكان مشهوداً ومشهوراً بالشجاعة والبطولة ،


الصفحة (53)

إلاّ أنّه قد استشهد غدراً في عهد القرامطة ، ولا يزال بعض أعقابه يقطنون الآن في الأردن وسورية ، ويعرفون هناك بأبناء الشهيد أو (بني الشهيد) .

وللحسن بن عبيد الله بن العبّاس عقب آخر هو (الحمزة) ، ويُكنى : أبا القاسم الأكبر ، وهو جدّ والد الحمزة الغربي صاحب المزار المشهور الواقع في قضاء المدحتية بمحافظة بابل ، ويُعرف بالحمزة الغربي و(أبو علي) .

حيث إنّ الحمزة هذا (صاحب المزار ، ويُلقّب أبا علي) هو ابن القاسم بن علي بن الحمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العبّاس بن علي ، والذي ورد على باب مزاره قول الشاعر :

لا تلمني على الوقوفِ ببابٍ        تـتمنّى الأمـلاكُ لثمَ  ثراها
هي بابٌ لحمزةَ الفضلِ  راخ       جـابرُ الـكسرِ بالخلودِ  بناها

علماً بأنّ غالبية ذريّة العبّاس , وربّما كلّهم , قد جاؤوا عن طريق ولده عبيد الله ، والقليل جدّاً عن طريق ولده الآخر الفضل ، أمّا بقيّة أبنائه (الحسن ، محمّد ، القاسم) فقد كانوا من دون عقب .

هذا ، رغم أنّ البعض يرى بأنّه ليس للعباس ذريّة على وجه الأرض بتاتاً(1) .

ــــــــــــــــ
(1) يذهب البعض إلى نفي وجود ذريّة وأحفاد للعباس (عليه السّلام) ، وأنّ أبناءه ـ إن وجدوا ـ قد رحلوا من دون عقب يذكر . أمّا نحن فنرى عكس ذلك تماماً ؛ حيث إنّ للعباس (عليه السّلام) أولاداً ، وإنّ ذرّيّته في غالبيتها من عبيد الله ، والقليل من الفضل ، والبقية , وهم : الحسن ومحمد والقاسم فلا عقب لهم .
(2) ويؤيد تواجد الذريّة هو أنّه لمّا سُئل الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) عن طريقة قسمة أرض فدك عند استردادها ، أجاب (عليه السّلام) : (( اُعطي الربع لأولاد العبّاس ، والبقية لنا )) .
كما أنّ الناعي حين عزّى اُمّ البنين في المدينة بمصرع العبّاس (عليه السّلام) أضطربت ، وسقط حفيدها الذي كانت تحمله ، كما وكانت تحمل هذا الحفيد (عبيد الله) إلى البقيع لرثاء أولادها الأربعة .

الصفحة (54)

وأخيراً ـ وليس آخراً ـ لقد بلغ العبّاس بن علي (عليه السّلام) عنفوان الشباب واستعد للدخول إلى التاريخ من أوسع أبوابه ؛ لِما اتّصف به من جمال وخلق وتقوى وشجاعة ، وكلّ هذه الخصال أهّلته بحقّ ليكون من أهل البيت , بل من قادة هذا البيت الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .

وفي هذا يقول الشاعر السيد نوري علي العامري :

لـكَ الفخرُ بالعليا لكَ السعد    راتبُ        لـكَ العزُّ والإقبالُ والنصرُ    غالبُ
لكَ المجدُ والإجلالُ والجودُ    والعطا        لكَ الفضلُ والنعما لكَ الشكرُ  واجبُ
سـموتَ على هامِ المجرّةِ    رفـعةً        ودارت عـلى قطبي عُلاكَ الكواكبُ

ولقد زاد البعض من الناس عند الإشارة بمنزلة العبّاس ومكانته في القول : إنّ هذه المنزلة والمكانة تؤهّله لأن يكون من المعصومين , بل وعدّه منهم فعلاً وإن لم يدخل رسمياً في سلسلة الأئمّة المعصومين الاثني عشر (عند الشيعة الإماميّة) .

ولقد نظم أحد الشعراء ، وهو محمّد علي الأوردبادي , قصيدة أشار إلى هذه النقطة حين قال :

أجـل عباسُ الكتابُ    والهدى        والعلمُ والدينُ وأصحابُ    العبا
عـن أن يطيشَ سهمهُ   فينثني        والإثـمُ قـد أثـقلَ منهُ   منكبا
لم نشترط في ابن النبي عصمةً        ولا نـقـولُ إنّه قد    أذنـبـا
ولا   أقـولُ غـيـرَ ما قال بهِ        (لهُ الإمامُ) في الرجالِ    النجبا
فـالـفعلُ  مـنـهُ حجّةٌ كقوله        في  الكلِّ يروي عن ذويهِ النقبا

كما ويستأنس من العبّاس (عليه السّلام) العصمة ما جاء على لسان الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السّلام) (ت 95هـ) في رثائه ومدحه لعمّه العبّاس حين قال : (( وإنّ لعمّي العبّاس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة )) .

الصفحة (55)

حيث إذا لم يكن معصوماً حقيقة فكيف يغبطه المعصوم على ما أُعطي من درجة ومكانة عالية ورفعة ؛ لأنّ المعصوم لا يغبط غيره أو مَنْ كان دونه على وجه الخصوص ، وإلاّ لمارس وزاول ما قام به المغبوط من أعمال وأفعال .

وكذلك ما جاء على لسان الإمام الصادق (عليه السّلام) (ت 148هـ) في زيارته للعباس (عليه السّلام) : (( لعن الله أمّة استحلّت منك المحارم ، وانتهكت في قتلك حرمة الإسلام )) ؛ حيث إنّ حرمة الإسلام لا تُنتهك بقتل أيّ مسلم مهما كان عظيماً ، ومهما كان أثره في الإسلام مميّزاً ومشكوراً إلاّ أن يكون هو الإمام المعصوم .

فلا بدّ إذاً أن تكون للعباس هنا مرتبة من العصمة ، ومنزلة سامية أُعدّت لجميع الشهداء من غير الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) ، وهذا مقام فوق العصمة المرجوّة له .

إنّ هذه المكانة السامية للعباس (عليه السّلام) ودرجته العالية دعت بعض العارفين من العلماء والأعلام لأن يقدّم زيارة العبّاس على زيارة أخيه الحسين (عليه السّلام) ؛ لأنّه بابه في الحوائج ، أي إنّ هؤلاء يبدؤون بزيارة العبّاس أوّلاً ، ثمّ يتوجّهون بعد ذلك مباشرة إلى زيارة الحسين (عليه السّلام) .

وفي هذا المعنى نظم الشاعر السيد مهدي الأعرجي يقول :

قـصدتكُ  قـبلَ ابن النبي  محمّدٍ        وأدمـعُ عيني كالحيا في  انسكابِها
لأنّـكَ فـي كـلِّ الـحوائجِ  بابُه        وهل يقصدونَ الدارَ من غير بابِها

وهذا تشريف آخر ، ووسام ثمين يُضاف إلى الأوسمة العديدة التي تطرّز صدر العبّاس (عليه السّلام) ، والتي نالها باستحقاق وجدارة منذ نعومة أظفاره وإلى وقت استشهاده في طفّ كربلاء بل وإلى ما وراء هذا الوقت .

الصفحة (56)

إخوة العبّاس (عليه السّلام) وأخواته

لقد قلنا في فصل سابق أنّ فاطمة الزهراء (عليها السّلام) بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كانت أوّل زوجة تُزفّ إلى الإمام علي (عليه السّلام) ويقترن بها ، ثمّ أعقبها بعد رحيلها إلى جوار ربّها زوجات عديدة ، ربّما جاءت البعض منهنّ بعد رحيل مَنْ سبقتها أو بدون ذلك ؛ حيث أحلّ الله تعالى للرجال جمع عدّة زوجات إلى بعض في عصمته وبوقت واحد ، ولكن بشرط عدم تجاوز الأربع ، وإقامة العدل والمساواة فيما بينهنّ .

علماً بأنّ العهد والوقت الذي عاش فيه الإمام علي (عليه السّلام) كانت عادة (التعددية الزوجية) هي السائدة والسارية بين الناس ، حتّى جاء الإسلام ووضع الشروط القاسية لتداولها التي أدّت بمرور الوقت إلى زوالها أو التقليل من غلوائها ، إلاّ عند الضرورة والحاجة ، وكلّ واحدة من هذه تقدّر بقدرها .

لقد كانت زوجات الإمام علي (عليه السّلام) عديدة ، ولكلّ واحدة منهنّ حديث خاص ومستقل بها أدّى إلى التحاقها بركب الإمام ، وإنّنا في هذا الموجز لم نشر إلى أيّ حديث أو تفصيل عن أيّ منهنّ ، إلاّ ذاك الذي يخصّ (اُمّ البنين فاطمة بنت حزام) ؛ لأنّ هذا البحث قد أُعدّ لاستكشاف كُنهها ، فضلاً عن ابنها العبّاس (عليه السّلام) ، وربّما كان لزوجات الإمام الاُخرى في المستقبل ، وخصوصاً عن فاطمة الزهراء (عليها السّلام) بحث مستقل آخر فيه شيء من التفصيل والإيضاح .

إنّ زوجات الإمام علي (عليه السّلام) في غضون عمره المديد هي (10) زوجات كما تشير إلى ذلك وثائق التاريخ المعبرة وإن ذهب البعض إلى أنّها (9) فقط . ومن


الصفحة (57)

هذه الزوجات الكريمات العفيفات أنجب الإمام (عليه السّلام) العديد من الأولاد والبنات ؛ لأنّه كان وافر الحظّ من الذريّة»(1) ، وأنّه قد «سمّى أبناءه بأسماء الأنبياء والخلفاء ، ومنهم محمّد بن الحنفيّة ، وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان(2) .

وقد ملأت هذه الذريّة آفاق الأرض بما ليس لها نظير ، وباسم السادة والأشراف والهاشميِّين في البلاد العربية ، والسيد وشاه في كثير من الأقطار غير العربية .

أمّا عن أسماء إخوة العبّاس وأخواته الذين أنجبهم الإمام (عليه السّلام) من زوجاته كافة ، فهي :

الإخوة والأخوات

1 ـ الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، وزينب الكبرى ، وزينب الصغرى (اُمّ كلثوم) ، واُمّهم فاطمة الزهراء (عليها السّلام) .

2 ـ محمّد الأوسط ، واُمّه أُمامة بنت أبي العاص ، واُمّها زينب بنت الرسول (صلّى الله عليه وآله) .

3 ـ محمّد الأكبر (ابن الحنفيّة) ، واُمّه خولة بنت جعفر الحنفيّة .

4 ـ العبّاس ، عثمان ، جعفر ، عبد الله ، واُمّهم فاطمة (اُمّ البنين) .

5 ـ عبد الله ، أبو بكر ، محمّد الأصغر ، واُمّهم ليلى بنت مسعود الدارمية .

6 ـ محمّد الأصغر ، واُمّه أمّ ولد .

7 ـ يحيى ، عون ، واُمّهم أسماء بنت عميس الخثعمية .

8 ـ عمر الأكبر ، رقية ، واُمّهم الصهباء بنت ربيعة التغلبية .

9 ـ أمّ الحسن ، رملة الكبرى ، واُمّهما أمّ مسعود بنت عروة بن مسعود الثقفي .

10 ـ أمّ هاني ، ميمونة ، زينب الصغرى , أُمامة ، رملة الصغرى ، اُمّ كلثوم الصغرى ،

ــــــــــــــ
(1) عبقرية الإمام ـ عباس محمود العقاد .
(2) عظمة الإمام علي (عليه السّلام) ـ عرفات العصيبي السعيد .

الصفحة (58)

فاطمة ، خديجة ، اُمّ الكرام ، اُمّ سلمة ، اُمّ جعفر ، جُمانة ، نفيسة ، ابنة لم تسمَ ، واُمّهم محياة بنت امرئ القيس .

لذا فمجموع أولاد الإمام علي (عليه السّلام) من صلبه هو (33) فرداً ؛ منهم (14) ولداً , و (19) بنتاً وفقاً لما جاء في طبقات ابن سعد(1) .

ـــــــــــــــ
(1) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ـ محمّد رضا ، تذكرة الخواصّ ـ سبط ابن الجوزي .

الصفحة (59)

العبّاس (عليه السّلام) في رفقة والده

نشير إلى أنّ نسبة كبيرة من الناس في العالم تعرّف عن العبّاس بن علي من خلال دوره المميّز والبارز في ملحمة كربلاء التي جرت هناك في محرّم من عام (61هـ) ، والتي اشتهر بها وأصبح دوره فيها يضاهي دور أخيه الحسين (عليه السّلام) فيها .

ولكنّهم ـ للأسف ـ لا يعرفون عن مواقفه الشجاعة الخالدة ، وتضحياته العظام الاُخرى في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى ، ونشر دينه ومعالمه في الأرض قبل ذلك التاريخ ، وفي أرض الحجاز ، أو الشام ، أو العراق .

إنّ العبّاس (عليه السّلام) كما قلنا من قبل قد كان منذ شبابه باسلاً وشجاعاً ومقداماً ، تهابه الناس وتحترمه ، وقد أبلى بلاءً حسناً في محاربة الكفر والكفار هنا وهناك . فبعد أن بايع المسلمون أباه للخلافة في المدينة عام (35هـ) ، ومن ثمّ انتقال الوالد من المدينة [إلى] الكوفة ؛ ليكون قريباً من المناطق المضطربة ، والقوات والتحركات المعادية ، كان للعباس كالحسن والحسين ومحمد بن الحنفيّة رفقته في الحضر ، ورفقته في الحرب كما كانوا معه أيام السلم .

حيث اشترك هؤلاء الأبناء النجباء جميعاً مع والدهم في كلّ المعارك والمنازلات التي قامت بينه وبين خصومه من الناكثين والقاسطين والمارقين ، حيث كان هؤلاء الإخوة ذراع الأب اليمنى , بل عينيه اللتين يبصر بهما ؛ وذلك لأنّه ليس من اللائق أن يبعد ويجنّب الإمام (عليه السّلام) أولاده عن ميادين وساحات الحرب ويدع سواد الناس لخوضها والاكتواء بنيرانها ولهيبها ؛


الصفحة (60)

لذا كان (عليه السّلام) يتقدّم هو وأبناؤه في اقتحام صفوف الأعداء , [إلاّ أنّ الناس] من فرط حبّهم وتعلّقهم بالإمام وأبنائه (عليهم السّلام) كانوا لا يسمحون لهم باقتحام صفوف الأعداء ومنازلة خصومهم ، حيث كانوا يؤثرون أن يكونوا هم من الأوائل الذين يندفعون في الحرب ، ويتقدّمون في المنازلة دونهم ؛ حفاظاً عليهم من أن يمسّهم أحد بسوء أو مكروه وهم أحياء ينظرون إليهم عن كثب .

لقد اشترك العبّاس قمر بني هاشم وفخر عدنان مع أبيه عليٍّ (عليه السّلام) في جميع حروبه ومعاركه ، وكان يحارب فيها شجعان العرب ويجندلهم على الأرض كالأسد الضاري .

وهكذا فكما كان علي (عليه السّلام) معجزة الرسول (صلّى الله عليه وآله) فقد كان العبّاس (عليه السّلام) معجزة علي ، وكما تكرّر النبي (صلّى الله عليه وآله) في علي وفي سبطيه فقد تكرّر علي في العبّاس .

هذا وفي كلّ معركة لم يكن الإمام ليأذن لولده العبّاس بالنزال ، إمّا حبّاً له لصغر سنه بالنسبة إلى أعمار سواد الجيش ، أو صوناً من أن تصيبه عيون الأعداء ، رغم أنّه كان يلحّ في طلب النزال ، وينتهز الفرص المواتية لمقابلة الأعداء وحربهم عند تطلب الحال ، وربّما مقنّعاً من دون إجازة .

كما وكان الإمام علي (عليه السّلام) أيضاً لا يكلّف ولديه الحسن والحسين (عليهما السّلام) منازلةَ الأعداء كثيراً ، وإنّما كان يكلّف ولده الآخر محمّد بن الحنفيّة بأكثر منهما ومن سواهما , وعندما سُئل ابن الحنفيّة مرّة عن علّة ذلك أجاب : إنّ الحسن والحسين هما عينا والدي , وأنا ذراعه ، وإنّ الذراع هي التي تحمي العينين .

كما وقال الإمام علي (عليه السّلام) عن هذه الحالة بأحرف :


الصفحة (61)

(( أخشى أن يصيب الحسنين مكروه فتذهب ذرّيّة رسول الله )) .

وعن شجاعة العبّاس في معركة صفّين ، والتي جرت عام (37هـ) ، يروى أنّه خرج من بين صفوف جيش الإمام علي في صفّين شاب مقنّع في خطوات ثابتة نحو أفراد جيش معاوية ، وارتقى مرتفعاً من الأرض في وسط سهل صفّين ، وصاح بأعلى صوته [ يتحدّى ] فيه نزال أشجع شجعان جيش معاوية .

فتقاعس أهل الشام من منازلته ؛ ظناً منهم أنّه الإمام علي (عليه السّلام) ، أو أحد قادته البارزين , وجلسوا ينظرون إليه حيث لفّهم الخوف والخشية ، ولم يبرز أحد منهم لمنازلته . وهنا نادى معاوية رجلاً من أصحابه (كان محسوباً من شجعانهم) ، وكان يُعدّ بألف فارس , ويدعى (أبو الشعشاع) , فقال له : إنّك أبرع فارس في الشام , فتقدّم واقتل هذا الرجل ليكون في قتله عبرة للآخرين .

فأجابه أبو الشعشاع : كلاّ ، إنّ أهل الشام يعدّوني بألف فارس ، وهو لا يستحق أن اُنازله ، وسأبعث إليه أحد أولادي ليقتله .

فنادى أبو الشعشاع أحد أولاده , وكان رجلاً قوياً ، فتبارز مع الشاب المُقنّع فقُتل ، ثمّ بعث إليه آخر فقتله الشاب أيضاً ، حتّى بعث إليه سائر أولاده ـ ويُقال : إنّ عددهم كان سبعة ـ فقتلهم الشاب جميعاً ، وألحق آخرهم بأوّلهم .

وإثر ذلك برز أبو الشعشاع بنفسه لمواجهة هذا الشاب المقنّع ، وسار نحوه وهو يخاطبه : لقد قتلت أيّها الشاب كافة أولادي ، والله لأقتلنّك الآن شرّ قتلة ، وأثكل بك أباك واُمّك .


الصفحة (62)

وهنا استل أبو الشعشاع سيفه واندفع بقوّة نحو الشاب ، حيث جرت بينهما معركة عنيفة تمكّن الشاب من ضرب خصمه ضربة قاضية قضت عليه ، وألحقته بأولاده غير مأسوف عليه وعليهم .

ثمّ تقدّم الشاب أمام صفوف جيش العدوان وهو يصيح بهم : هل من مبارز ؟ فلم يجبه أحد ، أو يخرج إليه مَنْ ينازله من بين صفوف الخصم . وعاد الشاب المقنّع إلى صفوف جيش الإمام (عليه السّلام) , حيث تعجّب أفراده من بسالة هذا الشاب النادرة ، والذي صرع أشجع شجعان الشام ، والتي لم يعرف العرب لها مثيلاً إلاّ في بطولة الإمام علي (عليه السّلام) ، أو الحمزة بن عبد المطلب ، أو جعفر الطيار .

وهنا دعاه الإمام علي (عليه السّلام) وأزال اللثام (القناع) عن وجهه , فإذا هو ابنه العبّاس قمر بني هاشم ، فقبّل الإمام ما بين عينيه ، وباركه على شجاعته وبسالته التي أبداها في منازلة الأعداء(1) .

وهكذا نرى أنّ الشجاعة والباسلة ليست غريبة على أبناء أهل البيت ابتداءً من الإمام علي وجعفر الطيار ، ومروراً على الحسن والحسين والعباس ومحمد بن الحنفيّة والقاسم ومسلم وزيد بن علي ويحيى بن زيد ... إلخ ومن دون انتهاء .

حيث إنّ كلّ واحد من هؤلاء الفرسان قد حارب بعنف وشدّة ، وفي هذه الموقعة أو تلك ، وقتل فيها الكثير من الخصوم ، وأوردهم صرعى على أرض صفّين ، أو كربلاء ، أو الكوفة ، أو فخ ، أو باخمري ، أو الجوزجان ... إلخ , حتى يروى عن

ـــــــــــــــ
(1) العبّاس بن علي ـ محمّد كامل حسن , نقلاً عن كتاب مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ للخوارزمي ، العبّاس بطولة الروح وشجاعة السيف ـ محمّد هادي .

الصفحة (63)

الرسول (صلّى الله عليه وآله) في هذا الشأن قوله : (( لو ولد أبو طالب الناس كلّهم لكانوا شجعاناً )) .

هذا وبعد رحيل الإمام علي (عليه السّلام) إلى الرفيق الأعلى في عام (40هـ) ظلّ العبّاس ، وكان عمره حينذاك (14) سنة ، ظلّ موالياً لإخوته , ومؤيّداً ومناصراً لكلّ حقوقهم ودعواتهم باليد واللسان والقلب .

وحين وفاة أخيه الحسن المجتبى الزكي عم (50هـ) رأى العبّاس بأمّ عينيه جنازة أخيه الحسن (عليه السّلام) وهي تُرمى في الطريق بالسهام ، فهاله الأمر ، وعظم عليه الحال ، ولم يطق عليه صبراً ، حيث اشتعلت في أحشائه الحمية والنخوة والشجاعة الهاشمية والكلابيّة , فما دعاه لأن يجرّد سيفه وأن يفتك ويبطش بمروان بن الحكم ومَنْ يقف خلفه من أزلام بني اُميّة ، لولا أنّ أخاه الحسين (عليه السّلام) كان قد نهاه ، ومنعه من إمضاء إرادته هذه بقوله له : (( ليس يومك هذا يا أخي )) ؛ وذلك تبعاً لوصية الإمام الحسن (عليه السّلام) نفسه ، والمتضمّنة عدم دفنه عند جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله) إذا ما أدّى هذا الدفن إلى الاقتتال والفتنة ، والتي هي بالحرف : (( لا تهرق من أمري ملء محجمة من دم )) .

وإثر ذلك جيء بالجثمان الطاهر إلى البقيع ليوارى الثرى قرب مرقد أمّه الزهراء (عليها السّلام) ، ولولا هذا النهي من أخيه لما أبقى العبّاس من أعدائه باقية ، ولوضع سيفه في رقابهم ، كما وضع أبوه علي (عليه السّلام) ـ من قبل ـ سيفه في رقاب آبائهم في يوم صفّين وبدر وغيرها .

حيث صبر العبّاس على الأمر على أحر من جمر الغضا ، ينتظر الفرصة المناسبة لردّ هذا التعدّي والتحدّي بكيل الصاع صاعين ، والضربة بضربتين .


الصفحة (64)

ولقد كان المكان المناسب والملائم ، والفرصة المواتية التي كان يرجوها قد أطلّت بعد عقد كامل من هذا التعدّي ، وليست في طرق وشوارع المدينة ، وإنّما على مسافة بعيدة من هذا المكان يزيد على الألف كيلومتر ، وفي أرض كربلاء بقطر العراق على وجه التحديد ، وفي المحرّم من عام (61هـ) .

وبالفعل حلّ هذا الموعد ، ووصل إلى المكان المحدّد ، حيث كال العبّاس (عليه السّلام) هناك لأعدائه من أزلام النظام الضربات الموجعة والمؤلمة ، حتّى قيل إنّ كلّ بيت من بيوت هؤلاء الأزلام والمرتزقة في الكوفة أو أطرافها قد ضمّ ناعية ، أو ناعي على قتلاهم في كربلاء بسيف العبّاس أو الحسين ، أو سواهما من فرسان بني هاشم أو الأصحاب الميامين .


الصفحة (65)

المدينة بعد هلاك معاوية

عندما هلك معاوية بن أبي سفيان في دمشق بتاريخ 15 رجب من عام (60هـ) قام بالأمر من بعده ولده يزيد ، وكان معاوية ـ والذي كان ينظر إلى الدولة الإسلاميّة كأنّها ملك خاصّ له ولأولاده من بعده ـ كان قد قرّر من قبل بتدبير منه ، أو بإيحاء من بعض مستشاريه أو بها معاً(1) أن لا يخرج السلطان والحكم من بيته بنصب نجله يزيد ولياً للعهد .

وهو ـ معاوية ـ وإنّ كان يعرف مباذل ابنه يزيد إلاّ أنّه كان يتغافل عنها حيث كان يردّد دوماً : لولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي .

وبنصب معاوية لابنه يزيد ولياً للعهد يكون بذلك قد تجاهل الكثير من الصحابة(2) والتابعين(3) المنتشرين في الأقطار الإسلاميّة ، والذين كانوا أهلاً لتسلّم المنصب الذي آثر أن يشغله يزيد بعد هلاكه وغيابه عن الحياة الدنيا .

وكانت عملية نصب يزيد ولياً للعهد عام (56هـ) هي من محدثات عهد معاوية

ــــــــــــــــ
(1) ينقل هنا عن الحسن البصري (ت110) قوله : أفسد أمر هذه الأمّة اثنان ؛ عمر بن العاص في التحكيم ، والمغيرة بن شعبة في البيعة ليزيد . نهضة الحسين ـ هبة الدين الشهرستاني .
(2) الصحابة : هم الذين صاحبوا الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأسلموا على يده ، وأخذوا عنه العلم ، وتعلّموا منه ، ونقلوا حديثه ، وأطاعوه وعملوا في خدمة العقيدة الإسلاميّة ونشرها .
(3) التابعون : هم مَنْ لقى الصحابة وإن لم يصحبوهم . وأضاف البعض : أنّه لا بدّ من أن يكونوا قد صحبوهم ، ويلقوا منهم شيئاً ، وإنّ آخر عصر التابعين هو في حدود عام (150هـ) .

الصفحة (66)

وبدعها ، وقد أحدثها معاوية في أسوء وأفضع مهزلة ومسرحية عرفها التاريخ في اختيار أولياء العهد .

وقد تمّ ذلك عن طريق شراء الذمم بالمال والمناصب ، والإغراءات الاُخرى ، ثمّ اختتم الحفل البائس ـ الخاص بالاختيار ـ عندما صعد أحد أزلام معاوية المنبر في المسجد الجامع في دمشق ليقول للناس ، ويهدّدهم برفيع صوته : أمير المؤمنين هذا ـ وأشار إلى معاوية ـ وإذا مات فهذا ـ وأشار إلى ولده يزيد ـ ومن أبى (عارض) فهذا ـ وأشار إلى السيف أو السيّاف الذي كان يقف بين يديّ معاوية وبيده سيف طويل بطول الطغيان الاُموي(1) .

وبذلك فقد انتقلت الخلافة الراشدة من إسلاميّة ثورية إلى ملك عضوض ، وملكية وراثية ، ومزرعة اُمويّة ، وغدت كسروية وهرقلية كلّما هلك كسرى وهرقل قام كسرى وهرقل مكانه .

لقد كان معاوية ـ ولا سيما بعد رحيل الإمام الحسن (عليه السّلام) ـ متساهلاً ومتسامحاً مع الحسين (عليه السّلام) , ولم يمسّه بسوء أو ضرر ؛ وذلك مغبّة الفتنة ، واضطراب الأمن ، وتمرّد الأقاليم والجماعات الإسلاميّة عليه ، لما يعرف عن الحسين من إباء وعزّة ، وأنّ شيعته وأنصاره حينذاك هم غيرهم الذين كانوا في عهد أخيه الحسن (عليه السّلام) عدداً وعدّة وموقفاً .

ــــــــــــــــ
(1) كان معاوية مع عمر بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، وزياد بن أبيه يعدّون من دهاة العرب ، ولمعاوية في دهائه مقولة مشهورة هي : ما وضعت سوطي إذا أمكن وضع لساني ، وما وضعت سيفي إذا أمكن وضع سوطي ، وأنا بيني وبين الناس حبل (خيط) لا ينقطع ؛ إذا أرخوه شددته ، وإذا شدّوه أرخيته ...
ويظهر أنّ معاوية كان من الدهاء والحلم على طرفي نقيض في أمور كثيرة ؛ منها نصبه لولي عهده يزيد ، وقتله لحجر بن عدي الطائي صبراً في عذراء بالشام ، وسبّه للإمام علي (عليه السّلام) على المنابر ... إلخ .

الصفحة (67)

وكان معاوية قد طلب البيعة في حينه من الحسين (عليه السّلام) , إلاّ أنّ الحسن كان قد اعترض على ذلك بعد صلحه المعروف معه(1) ، وقال له بالحرف : (( لا تكرهه ؛ فإنّه لا يبايع أبداً أو يُقتل ، ولن يُقتل حتّى يُقتل معه أهل بيته )) . فتركه معاوية ولم يتعرّض له أبداً من قريبٍ أو بعيد طيلة مدّة حياته .

كما ونصح معاوية ابنه يزيد عندما فرضه على رقاب المسلمين نصحه بعدم مسّ الحسين (عليه السّلام) من بعده بسوء ، أو التعرّض له من قريب أو بعيد ، وأن يصفح عنه عند المقدرة ؛ وذلك لقرابته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وموقعه المميز والخاص في قلوب المسلمين ، وفي هذا القطر أو ذاك .

إلاّ أنّ يزيد بن معاوية حين تربّع على عرش السلطة ، واستوى على كرسي النظام ، والذي كانت تنقصه كلّ مقوّمات الرجل المناسب في المكان المناسب ، تجاهل كلّ نصائح والده إليه إزاء الحسين (عليه السّلام) بل سحق هذه النصائح بأقدامه ، حيث

ـــــــــــــــــ
(1) إنّ من شروط الصلح بين الحسن بن علي (عليه السّلام) وبين معاوية هي :
1 ـ أن يعمل معاوية بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء الصالحين ، وأن ترجع الخلافة من بعده إلى المسلمين حيث يختارون بإرادتهم الحرّة مَنْ يرونه أصلح لها .
2 ـ أن لا يؤاخذ الذين ناصروا أباه علي (عليه السّلام) بما صنعوا ضد معاوية ، وأن لا يحرم أحداً من حقّه .
3 ـ الكف وإيقاف حملات السبّ والشتم واللعنة ضدّ الإمام علي (عليه السّلام) ، وعدم تشجيعها ، وأن لا يذكر الإمام إلاّ بخير .
4 ـ الاستمرار في دفع العطاء المقرّر له ولأخيه الحسين (عليهما السّلام) , علماً بأنّ معاوية لم يفِ للحسن أو يعرها أيّ اهتمام أو اعتبار ولو بشرط واحد فقط ؛ ذلك لأنّ معاوية كان قد [تعهّد] للحسن (عليه السّلام) في الصلح على إمضاء وتنفيذ هذه الشروط ، ثمّ أعلن أنّه قد وضعها تحت قدميه .

الصفحة (68)

أوعز إلى واليه (عامله) في المدينة وابن عمّه ـ الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ـ بأخذ البيعة له من الحسين (عليه السّلام) ، وسواه من أبناء الصحابة بالشدّة والعنف ، وطلب منه ضرب عنق كلّ مَنْ يتخلّف من هؤلاء عن أداء البيعة هذه فوراً ، وإرسال رؤوسهم إليه .

وهكذا غدت الخلافة ؛ إمّا بالبيعة لمَنْ يتربّع على عرشها من دون نقاش ، أو كلام أو استفتاء ، وإمّا التهيؤ لقطع الرؤوس وإرسالها إلى العاصمة عند الرفض والاعتراض عليها .

وقام الوالي (العامل) في المدينة بدوره بتنفيذ أوامر يزيد المشدّدة ، حيث كلّف حرسه الخاصّ بالتوجّه إلى الحسين (عليه السّلام) وأخيه العبّاس وابن الحنفيّة وابن الزبير وابن عمر ... إلخ ، واستدعائهم جميعاً للمثول أمامه في هذه اللحظة , ومن دون تأخير ، وأكّد عليه في أوامر مشدّدة بأنّه يهمّه في الدرجة الأولى حضور الحسين وأخيه العبّاس (عليهما السّلام) قبل الآخرين .

ولمّا أشعر رسول الوالي الحسين (عليه السّلام) برغبة الوالي في مقابلته في هذه الساعة ، أجابه الحسين (عليه السّلام) بالعودة إلى الوالي وإشعاره بأنّه في الطريق إليه بعد قليل .

وقال الحسين (عليه السّلام) لمَنْ معه من الناس بصدد الموضوع : (( بأنّ أغلب الظنّ أنّ طاغيتهم في الشام معاوية قد هلك ، وأنّ الوليد يريدنا في هذا الوقت لمبايعة يزيد ، وهو أمر لن يحدث أبداً )) .

وطلب الحسين (عليه السّلام) من أخيه العبّاس استدعاء وتهيئة (30) شخصاً من رفاقه ومعارفه لمرافقتهم له إلى دار الوالي ، وعند الباب قال الحسين (عليه السّلام) لهؤلاء : إنّه إذا علا صوته فعليهم المسارعة في اقتحام دار الوليد ليخرجوه منها عنوة .


الصفحة (69)

ودخل الحسين (عليه السّلام) دار الوالي , واستقبله الوليد بحفاوة وتكريم ، وبعد أن استقر المجلس بالحسين (عليه السّلام) نعى الوليد إليه هلاك معاوية ، ثمّ صارحه بضرورة البيعة ليزيد , فأجابه الحسين (عليه السّلام) بالقول : (( إنّ مثلي لا يبايع يزيد سرّاً ، فإذا دعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم فكان أمراً واحداً )) .

فردّ عليه الوالي : حسناً لك ما تريد .

ونهض الحسين (عليه السّلام) من مكانه ، وهمّ بمغادرة الدار إلاّ أنّ مروان بن الحكم قال للوليد : احبس هذا الرجل حتّى يبايع ، أو اضرب عنقه وأرسل رأسه إلى الخليفة كما أمرك ؛ لأنّه إن فارقك الآن ولم يبايع لا تقدر عليه بعد .

وهنا اشتدّ غضب الحسين (عليه السّلام) على مروان ، وصاح في وجهه : (( يابن الزرقاء ، أنت تقتلني أم الوليد ؟! كذبت والله وأثمت )) .

وحدثت مشادّة ما بين الطرفين ارتفع خلالها صوت الحسين (عليه السّلام) وهو يردّ بعنف على مروان ، وهنا سمع العبّاس صوت أخيه الحسين قد علا فشهر سيفه وصاح في رجاله : هلمّ بنا . واقتحم العبّاس مع رجاله دار الوليد حيث لم يجرأ أحد من حرس الوليد عند الباب على اعتراضه أو منعه من الدخول ؛ لما يعرفون عن شجاعة العبّاس وجرأته الكبيرة ، وعنفه بما ليس له نظير . فأخرج العبّاس ورجاله الحسين (عليه السّلام) قهراً من دار الوليد قبل حدوث ما لا يُحمد عقباه بين الطرفين .

ولقد استغل الحسين (عليه السّلام) الفترة القصيرة التي سبقت موعد انعقاد البيعة للطاغية الجديد في جمع أهله وأقربائه ، وتهيئة متاعهم وأثاثهم تمهيداً للخروج بهم من المدينة ؛ للابتعاد عن مراسيم ومقدّمات حفلة البيعة المتوقّعة للحاكم المتربّع على


الصفحة (70)

عرش الشام ، وعن فصول المسرحية الجديدة الخاصة بقطع الرؤوس وإرسالها إلى العاصمة لمَنْ تحفّظ ، أو امتنع عن إظهار التأييد والموافقة لهذه البيعة المشؤومة .

وقال الحسين (عليه السّلام) لأخيه محمّد بن الحنفيّة بعد أن طلب منه البقاء في المدينة ؛ لموافاته بأحوال البلدة وشؤون أهلها أوّلاً بأوّل , قال له بالحرف : (( والله يا أخي ، لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد ، ومثلي لا يبايع مثله )) .

وبالعبارة الأخيرة فقد ختم الحسين (عليه السّلام) صيحة تحديد للطاغية يزيد ، وبدأ بالخطوة الأولى في رحلة الألف ميل نحو مصارع شهادته .

وهو بهذا قد وضع وصية أبيه علي (عليه السّلام) على فراش الموت إليه وإلى أخيه الحسن (عليه السّلام) نصب عينيه ، والتي تقول بالحرف : (( أوصيكما وجميع ولدي ، ومَنْ بلغه كتابي هذا بتقوى الله ، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما . قولا بالحقّ واعملا للآخرة ، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً ... )) . وهكذا ترك الحسين (عليه السّلام) وأخوه العبّاس وبقية أهل بيته المدينة المنوّرة باتّجاه مكة المكرمة ؛ لعلّ الله تعالى أن يجعل لهم من أمرهم رشداً .

وقبل الرحيل أقبل الحسين (عليه السّلام) إلى قبر جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فودّعه وهو يبكي ، ثمّ توجّه إلى قبر أمّه الزهراء (عليها السّلام) فودّعها أيضاً ، ثمّ مضى إلى قبر أخيه الحسن (عليه السّلام) ففعل مثل ذلك ورجع إلى منزله عند الصبح .

نعم ، قبل الحركة وانطلاق مسيرة التحدي لم تبقَ جارية ولا مولى ولا فتى ولا فتاة إلاّ وتعلّق بالحسين (عليه السّلام) وبنسائه وأولاده ، ومنهم اُمّ البنين , سيفارقها أبناؤها الأربعة


الصفحة (71)

ولا تملك سواهم ، وكلّ واحد منهم كالقمر في ليلة تمامه وكماله .

وقام الحسين (عليه السّلام) بدوره بتقديم شكره وثناءه لهم على شعورهم الفيّاض هذا ، وطلب منهم التزام جانب الصبر والهدوء ، كما وأخبر بأنّ كلّ شيء لا يحدث على وجه الأرض إلاّ بعلم الله تعالى وإرادته ، وأنّه لا راد لهذا الحكم والإرادة .

فتركوهم ودموعهم تسيل على وجناتهم حزناً لفراق آل رسول الله عنهم ، حيث ما هان عليهم أن يحرموا من طلعة الحسين (عليه السّلام) وفيها نور النبوّة ، ولا هان عليهم أن يمسّوا ويغدوا وقد ارتحل عنهم خير بيت ، وأعزّ رهط ، وأشرف قوم .

وعن هذه الحالة نظم الشاعر دعبل الخزاعي يقول :

لا أضحكَ اللهُ سنَّ الدهرِ إن ضحكت        وآلَ  أحـمد مـظلومون قـد  قُهروا
مـشرّدونَ  نُـفوا عـن عُقرِ دارهمُ        كـأنّهم قـد جـنوا مـا ليس  يُغتفرُ


الصفحة (72)

المسيرة الطويلة

كان خروج الحسين (عليه السّلام) مع أخيه العبّاس (عليه السّلام) ، وبقية إخوته وأبنائه (بما فيهم إخوة العبّاس الثلاثة) وأهل بيته ، وبعض خاصّة أصحابه من المدينة في يوم (28) رجب من عام (60هـ) ، وكان (عليه السّلام) يردّد عند خروجه من مدينة جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) قوله تعالى : (( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَبُ قَالَ رَبّ نَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ ))(1) .

وفي هذا المعنى نظم الشاعر السيد حيدر الحلّي يقول :

خرجَ الحسينُ من المدينةِ خائفاً        كـخروجِ مـوسى خائفاً  يتكتمُ
وقد  انجلى عن مكّةَ وهو ابنها        وبـهِ  تشرّفتِ الحطيمُ  وزمزمُ

خرج الحسين (عليه السّلام) والعباس من المدينة في جوف الليل لا يلويان على شيء ، وهما لا يطلبان بخروجهما الكرسي والسلطان ، بل فراراً من الظلم والطغيان بعد أن آن أوان المحنة ، وبدت علائم الامتحان والابتلاء .

لقد سار موكب الحسين والعباس في طريقهم إلى مكة على الطريق العام (الأعظم) الذي يسير عليه عادة كلّ رائح وغاد ، فقيل للحسين : لو تنكّبت الطريق الأعظم إلى إحدى الطرق الفرعية التي توصل إلى مكة المكرّمة حتّى لا يدركك الطلب ؛ اُسوة بما فعل عبد الله بن الزبير قبل ليلة حين فرّ من المدينة إلى مكة ، ولم يدركه رسل الوليد في الطريق .

فأجاب الحسين (عليه السّلام) بقوّة وعزم : (( لا والله , لا اُفارقه أو أنظر إلى أبيات مكة ، [أو] يقضي الله ما هو قاضٍ )) .

ـــــــــــــــــــ
(1) سورة القصص / 21 .

الصفحة (73)

والظاهر هنا : إنّ وجود العبّاس في الموكب الحسيني وبقيّة شباب أهل البيت الشجعان حال دون تعرّض رسل الوالي له بسوء أو مكروه عند الخروج أو في الطريق .

نعم ، سار الحسين (عليه السّلام) على الطريق الأعظم مع كلّ صحبه من أهل بيته بكلّ إباء وشمم حتّى وصل إلى مكة المكرّمة بسلام وأمان ، واستقبل استقبالاً حافلاً من قبل المكيين ، ثمّ حطّ رحله في دار العبّاس بن عبد المطلب .

ولقد كان حال أهل البيت ومشاعرهم وهم سائرون من المدينة إلى مكة في الموكب الحسيني الجليل هو وفق ما جاء على لسان سكينة بنت الحسين (عليه السّلام) ، والتي قالت : لم يكن في شرق الأرض وغربها أهل بيت أشدّ خوفاً وهمّاً وغمّاً منّا آل رسول الله .

لقد وصل الحسين وإخوته وأهل بيته (عليهم السّلام) إلى مكة في يوم (3) شعبان , أي بعد مضي خمسة أيام من مغادرتهم المدينة , وكان (عليه السّلام) يردّد عند دخوله البلد الأمين قوله تعالى : (( وَلَمّا تَوَجّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى‏ رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السّبِيلِ ))(1) .

وبوصوله (عليه السّلام) إلى مكة المكرّمة بدأت الصفحة (المرحلة) الثانية من مسلسل الكفاح والنضال ضدّ الظلم والجور ، بعد أن كانت مغادرته للمدينة وابتعاده عن مسرحية البيعة لطاغية الشام هي الصفحة (المرحلة) الأولى في هذا النضال والكفاح .

ولقد ظل الحسين (عليه السّلام) مقيماً في مكة عدّة شهور ، وكان الناس خلالها يختلفون إليه

ـــــــــــ
(1) سورة القصص / 22 .

الصفحة (74)

بكرة وعشية ، ويجلسون حواليه وهم يسألوه عن أحكام دينهم وأحاديث نبيهم ، وكانوا أيضاً يستمعون كلامه وينتفعون بما يسمع منه ، ويضبطون ما يروون عنه من دون خوف من أزلام وعيون النظام القائم .

كما وقد أطلّت عليه ووافته خلال هذه المدّة كتب أهل العراق ، ولاسيما أهل الكوفة والبصرة ، وهم يدعونه ويلحّون عليه فيها بالقدوم إليهم ، والقيام معه بالأمر والتضحية دونه ، لاسيما بعد أن تسنّم يزيد زمام السلطة والحكم ، وأنّه قد اخضرّ الجناب ، وأينعت الثمار ، وأنّه لا إمام لهم سواه ، وأنّهم ـ كما أضافوا ـ لم يحضروا الصلاة مع الولاة ، وأنّهم أيضاً في مئة ألف ، وأنّهم عند عدم الاستجابة لهذا النداء والدعوة سيحاجّونه عند الله تعالى في يوم الحشر والحساب .

وكان مجموع ما بلغ من رسائل أهل الكوفة زهاء (12) ألف رسالة ، وكلّ رسالة موقّعة من قبل رجلين أو ثلاثة أو أربعة ، وصادف أن تسلّم الحسين (عليه السّلام) منهم في يوم واحد فقط ما يقرب من (600) رسالة كما تشير إليه إحدى الروايات .

وعن هذه الرسائل قال الحسين (عليه السّلام) لعبد الله بن العبّاس لمّا ألحّ عليه ترك المسيرة إلى العراق ، وتغييرها إلى اليمن إن كان ولا بد منها ، قال له : (( يابن عمّ ، لقد كثرت عليّ كتبهم ، وتواترت عليّ رسلهم ، ووجبت عليّ إجابتهم )) .

كما ونصحه البعض بعدم استصحاب النساء والأطفال معه ؛ وذلك خشية أن يصيبه مكروه وهم بجواره ، كما جرى للخليفة عثمان في المدينة من قتل ونساؤه وولده ينظرون إليه ، إلاّ أنّه (عليه السّلام) أجابهم بما يقنعهم(1) .

ــــــــــــ
(1) نشير إلى أنّه ليس من عادة العرب أو غيرهم ـ في الغالب ـ استصحاب النساء والأطفال إلى =
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة