الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة (30)

4 ـ اُمّ البنين : العابدة بنت محمّد بن عبد الله ، وكانت هذه تعدّ في وقتها من الزاهدات والعابدات .

5 ـ اُمّ البنين المروانيّة : وهي زوجة الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك ، ويذكر عن سيرتها أنّها كانت تمتاز بفضائل وخصائص محمودة ، ومنها إسهامها في مشاريع خيرية مختلفة فضلاً عن شهرتها في الجود والكرم والسخاء .

6 ـ اُمّ البنين : الخنساء ، وهي الشاعرة العربية المشهورة ، تماضر بنت عمرو بن الشريد السلمية ، وتعدّ هذه من خيرة وطليعة شاعرات العرب في عصرها ، ولم تبلغ منزلتها شاعرة اُخرى ، ولقد توفاها الله سبحانه عام (46هـ) .

ومن بديع شعرها المعروف ، ولا نزال نحفظه منذ دراستنا الابتدائية والمتوسطة ، والذي نظمته في رثاء أخيها صخر هو :

يذكرُ لي طلوعُ الشمسِ صخراً        وأذكـرهُ لكلِّ غروبِ    شمسِ
ألا يـا صخرُ لا أنساكَ   حتّى        أُفارقُ مهجتي ويُشقُّ    رمسي
ولـولا كـثرةُ الباكين   حولي        عـلى إخوانهم لقتلتُ    نفسي

ومن شعرها المشهور أيضاً القصيدة ، والتي منها هذه الأبيات :

وإنّ صـخراً لتأتمُّ الهداةُ  بهِ       كـأنّهُ  عـلمٌ في رأسهِ  نارُ
حـمّالُ ألـويةٍ شـهّادُ  أنديةٍ       خوّاضُ أوديةٍ للجيشِ جرارُ

7 ـ اُمّ البنين : وهي والدة الإمام الثامن (عند الشيعة الإماميّة) علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) (ت 203هـ) , وقد كان لهذه السيدة الجليلة منزلة مرموقة ، وفضائل محمودة يحسدها عليها كثير من النساء ، حتّى إنّه قد نُظم في شأنها قصيدة ، ومنها هذه الأبيات :

ألا إنّ خيرَ الناسِ نفساً ووالداً       ورهطاً وأجداداً عليُّ  المُعظّمُ
أتـتنا بـهِ للعلمِ والحلمِ  ثامناً       إمـاماً  يؤدّي حجّةَ اللهِ  تكتمُ


الصفحة (31)

أمّا عن الحالة الاجتماعية والفكرية لاُمّ البنين (والدة العباس) فقد كانت هذه من النساء الفاضلات في سموّ آدابها ، وحسن سمعتها وسماتها ، فضلاً عن كونها من المقرّات بحقّ أهل البيت (عليهم السّلام) في الولاية والإدارة والإمامة ، ومخلصة في هذا الولاء والمودّة ، وأنّها ـ من ثمّ ـ كانت ذات عقل راجح ، وإيمان عميق ، وأدب جم يحسدها على ذلك الكثيرون .

فليس من العجيب هنا أن يقع الاختيار عليها ؛ لتكون زوجة بارة ، ومخلصة للإمام علي (عليه السّلام) حيث عُدّ زواجها هذا كسباً وشرفاً لعشيرتها وقبيلتها ؛ لمصاهرتها أعزّ عشيرة ، وأقدس قبيلة في العرب .

كما وعُدّ أيضاً ربحاً لأهل البيت حيث انضمت إلى صفوفهم امرأة عفيفة ونجيبة باءت عبر أصلاب الشجعان والفرسان ، فضلاً عمّا كانت تحمله وتتلى به عن ولاء مطلق ، وودّ عارم ، وانحياز كامل لهذا البيت الكريم .

وقد تجلّى بعض ذلك ساطعاً وظاهراً في التربية والرعاية التي مارستها إزاء أبنائها الأربعة ، والتي حيّرتهم ليكونوا قنابل موقوته ، وألغام متفجّرة ، وسيوفاً مشرعة بوجه كلّ أعداء أهل البيت ومناوئيهم ، وحيثما وجدوا وحلّوا ، وفي هذا المكان أو ذاك .

وإزاء ولائها المطلق هذا لأهل البيت (عليهم السّلام) كان أبناء هذا البيت الكريم بدورهم يثمّنون موقفها هذا ، ويُكنّون لها الحبّ العارم ، والودّ والعطف الكبيرين ، وقد أحلّوها بينهم في المنزلة والمكانة التي تستحقها معزّزة ومبجلة ؛ لأنّها وبزواجها من علي (عليه السّلام) باتت من ضمن نساء أهل البيت (عليهم السّلام) مع مكانة مميّزة ، ودرجة خاصة بما ليس لها نظير .

أمّا بقية سيرتها ، فقد توزّع على بعض الفصول القادمة من هذا الكتاب .


الصفحة (32)

اُمّ البنين تُزفّ إلى عليٍّ (عليه السّلام)

عند رحيل فاطمة الزهراء (عليها السّلام) [ إلى ] جوار ربّها بعد عدّة أشهر من رحيل والدها الرسول (صلّى الله عليه وآله) , كانت قد أوصت زوجها الإمام علي (عليه السّلام) قبل الرحيل ، وعند اقتراب أجلها فيما أوصت به قولها : (( جزاك الله تعالى عنّي خير الجزاء . يابن عمّ ، اُوصيك أوّلاً أن تتزوّج بعدي بابنة اُختي اُمامة ؛ فإنّها تكون لولدي (الحسن والحسين) مثلي ، فإنّ الرجال لا بدّ لهم من النساء ، واجعل لها يوماً وليلة ، وللحسنين يوماً وليلة )) .

لذا فقد اضطر الإمام (عليه السّلام) بعد وفاة الزهراء (عليها السّلام) أن يبادر إلى اختيار امرأة تتولّى شؤون أولاده ، وتعاملهم معاملة الاُمّ لأبنائها ، فضلاً عن رعايته وخدمته خصوصاً فيما يتعلّق بالأولاد ، وأنّهم لازالوا براعم صغار ولم تُفتح بعد ، وأنّ أكبرهم وهو الإمام الحسن (عليه السّلام) كان عمره حينذاك في حدود (7) سنوات وعدّة شهور ، وقد ترك فقد الزهراء (عليها السّلام) اللوعة والألم في نفوسهم .

وتنفيذاً لوصية الزهراء (عليها السّلام) الحرفية فقد تزوّج الإمام (عليه السّلام) من اُمامة بنت أبي العاص ، واُمّها هي زينب بنت الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، ومن بعد ذلك تزوّج الإمام (عليه السّلام) من اُمّ البنين .

وقبل الخطبة والزواج من اُمّ البنين فاطمة أقبلت هذه المرأة على اُمّها ثمامة الكلابيّة لتقصّ عليها حلماً كانت قد شاهدته لتوّه في المنام ، وخلاصته هو : إنّها رأت كأنّ قمراً وثلاثة كواكب في السماء نزلوا وصاروا في حجرها ، فضمتهم إلى صدرها وهي فرحة ومسرورة بذلك ، ولكن عندما انتبهت من نومها لم تجد شيئاً ،


الصفحة (33)

فحزنت وتألّمت على فقد هؤلاء .

وأخذتها اُمّها ثمامة إلى مَنْ يفسّر لها هذه الرؤيا ، فكان التعبير لهذه الرؤيا هو أنّ هذه الفتاة ستتزوج من رجل عظيم ينجب له منها أربعة بنين ، يكون بينهم وبين عشيرته واحد منهم هو كالقمر في ليلة تمامه وكماله بين الكواكب والنجوم . وما هي إلاّ فترة قصيرة حتّى يطرق بابها رسول الإمام علي (عليه السّلام) الذي جاء ليخطبها إلى الإمام (عليه السّلام) من أهلها (ولي أمرها) , كزوجة للإمام مكرّمة ومبرورة ، فأسرع الأخير فرحاً إليها , فاستجابت باعتزاز وفخر .

وهنا استذكرت اُمّ البنين الرؤيا ، والذي جاء في تعبيرها بأنّ رجلاً مهمّاً وعظيماً سيطلب يدها ، ولم يكن في ذلك الوقت مَنْ هو أعظم من الإمام علي (عليه السّلام) مكانة ودرجة ، وعلماً وأدباً ، وخلقاً وبلاغة ، وفي طول العالم الإسلامي وعرضه .

أمّا الشطر الثاني من الرؤيا فظلّت اُمّ البنين تكنزه في فكرها في انتظار تحقيقه في يوم لاحق من الأيام .

إنّ زواج الإمام (عليه السّلام) من اُمّ البنين لم يطلب من ورائه هنا امرأة ذات حسن وجمال ، ولا امرأة تكتمل فيها صفات الاُنوثة ، وإنّما كان يطلب امرأة ولدتها الفحولة من العرب ، وكان يريد نقاء الأصل ونقاء الروح ، وهذه الصفات هي التي جاءت بالعباس وإخوته إلى الحياة الدنيا .

هذا ولا نعلم على وجه الدقّة والتحديد موعد هذا الزواج الميمون حيث لم تُشر كتب التاريخ إلى وقته ، ولكن إذا ما علمنا بأنّ تاريخ مولد الابن البكر ، وهو العبّاس (عليه السّلام) كان في عام (26هـ) ؛


الصفحة (34)

لذا فيمكن أن نستنتج بأنّ تاريخ زواجها من الإمام علي (عليه السّلام) كان ـ طبعاً ـ قبل هذا التاريخ بمدّة قد تكون في حدود سنة واحدة أو أكثر بمدّة قليلة .

ولقد رأى الإمام (عليه السّلام) فيها العقل الراجح ، والإيمان الوثيق ، وسموّ الآداب ، ومحاسن الصفات ، فأعزّها وأخلص لها كأعظم ما يكون الإخلاص .

وحينما زفّت اُمّ البنين إلى بيت الإمام علي (عليه السّلام) كان الحسن والحسين (عليهما السّلام) مريضين ، فانقطعت من أوّل يوم في خدمتهما ورعايتهما ، رغم أنّ الجميع كانوا في أعمار متقاربة , وقالت : إنّي لن أشعر بفرحة الزواج إلاّ بعد شفاء ابنيّ الحسن والحسين .

وقيل : إنّها قالت لهم عند الدخول : أنا هنا خادمة عندكم ، جئت لخدمتكم ، فهل تقبلون بهذا الشرط ، وإلاّ فإنّي راجعة إلى داري . فرحّب بها الحسن والحسين وزينب (عليهم السّلام) وقالوا لها : أنت عزيزة كريمة ، وهذا بيتك .

ولقد أحبّها الحسن والحسين (عليهما السّلام) بدورهما حبّاً جمّاً ، واعتبراها ـ كما اعتبرت هي نفسها ـ أمّاً رحيمة وعطوفة عليهما ، وبالمقابل فقد أحبّتهما اُمّ البنين بدورها ، كما وكانت تحنو عليهما وتلاطفهما بحنانها ، وهو ـ ما لا تكنّه لأولادها ـ ممّا عوّضهما عن الخسارة الكبيرة التي أصابتهما بفقد ورحيل أمّهما فاطمة الزهراء (عليها السّلام) .

وعن هذه الحالة يقول الأديب الشاعر علي محمّد الحائري :

أفـاطـمُ بعدكِ اُمُّ    الـبنين        ستقبس من جمرةِ  المصطلينا
هي الكفءُ تعقبُ خيرَ النساء        أربـت عـلى شيمِ الحازمينا
سـلـيلُ الأكرمِ من  قـومها        وبـنتُ البهاليلِ إذ    ينسبونا


الصفحة (35)

علماً بأنّ العثور على امرأة تحمل مثل هذا السلوك المحمود ، والمواصفات الحسنة إزاء أبناء زوجها ـ من زوجة اُخرى ـ أمر نادر في عالم اليوم والأمس .

حيث نرى أنّ غالبية النساء في المجتمع تغلب على طبيعتهم الغيرة والأثرة ، وطالما تسبّبت زوجة الأب في بعث مآسي ، وكوارث فظيعة في العائلة ، وذلك حين ينام ضميرها ، وتبتعد عن إنسانيتها حيث تتولّى الإساءة إلى أبناء زوجها الصغار ـ من زوجة اُخرى ـ ، وتحاول الوقيعة بينهم وبين أبيهم ؛ لتستأثر هي ـ وخصوصاً إن كانت تحمل شيئاً من الجمال والحسن ـ بكلّ قلبه وعاطفته ، وبالتالي بثروته وملكيته إن وجدت دون هؤلاء المساكين .

وقد تزداد هذه الحالة والنزوة شدّة وقسوة إزاء أبناء زوجها فيما إذا رُزقت هي بأطفال من زوجها ، حيث تحاول هنا أن تدع كلّ أفكار وعواطف واهتمام زوجها منصباً على أولادها من دون أولاده الآخرين ، وكأنّ هؤلاء ليسوا بأولاده ، ولم ينزلوا من صلبه عبر زوجته الأولى .

ولقد زادت اُمّ البنين في النبل والسلوك الحسن ، وتألّقت مكانتها وعظمتها حين رزقها الله تعالى بأربعة أشبال ، حيث قامت بإشعار وتنبيه أبناءها وأبناء فاطمة الزهراء (عليها السّلام) بأنّهم جميعاً إخوة وأشقاء ، حيث غرست في قلوبهم جميعاً الحبّ المتبادل ، والإخلاص والوفاء ، والإخاء والتعاون المشترك حتّى بات الواحد منهم يفدي أخاه بكلّ ما يملك ، وبأغلى ما لديه .

وعن طبيعة هذه الحالة نظم الأديب الشاعر السيد سلمان هادي آل طعمة يقول :

اُمُّ أبي الفضلِ خيرُ    معتمدِ        واُمُّ عـثمان بيضةِ   الـبلدِ
ثـالثُهم جعفرُ الأبيُّ    ومَنْ        مـا لانَ في شدّةٍ ولم    يجدِ
واُمُّ عبد الله الذي   اجتمعت        فيهِ خصالٌ تهدي إلى الرشدِ


الصفحة (36)

ونظم الشاعر الشيخ هادي كاشف الغطاء حول الموضوع يقول :

اُمُّ الـبـنين طابتِ   الأبـناءُ        مـنكِ كما قد طـابتِ   الآباءُ
اُمُّ الاُسودِ من بني عمرو العُلا        اُمّ الـحُـماةِ والأُباةِ    الـنُّبلا
اُمُّ أبـي الفضلِ واُمُّ   جـعفرِ        واُمُّ  عـبـد اللهِ شـبلُ حيدرِ
واُمُّ عـثـمان الذي    سـمّاهُ        باسمِ  ابنِ مظعون الأبُ الأوّاهُ
الأنـجبينَ الـطاهرينَ   أنفسا        الأكـرمينَ الـطيبينَ   مغرسا
آجـركِ اللهُ وإيّـانا    فـمـا        أمـلكُ لو رمتُ أعزيكِ    فما

كما ونظم شاعر ثالث ، هو الأديب علي محمّد الحائري يقول :

ويـا اُمّ مَنْ نصروا في الطفوف       حسيناً ولم يرتضوا العيشَ هونا
هـززتِ  بـهم راسياتِ  الجبال       بـما نـلتِ مـن ذكرهِ  ثائرينا

أمّا عن هؤلاء الأشبال الأربعة الذين رُزقت بهم اُمّ البنين ، والذين كانوا في العدد والصورة وفقاً للشطر الثاني من الرؤيا التي شاهدتها قبل خطبتها من الإمام (عليه السّلام) , فهم باختصار كما يلي :

1 ـ العبّاس : وهو الوليد الأوّل , حيث ولد في يوم الجمعة (4) شعبان من عام (26هـ) ، علماً بأنّ أخاه الحسين (عليه السّلام) كان قد ولد في شهر شعبان أيضاً وفي الثالث منه من عام (3هـ) .

ولقد كان العبّاس وسيماً وجميلاً ، وفقاً لما سنشير إليه في الفصل القادم ، ولقد كان عمره في يوم عاشوراء ، وهو يوم شهادته مع بقية إخوته , (34) سنة .

وقد سمّاه الإمام علي (عليه السّلام) في اليوم السابع من ولادته بالعباس ؛ لعلمه بشجاعته وسطوته ، وصولته وعبوسه عند قتال الأعداء ، ومنازلة الظالمين في كلّ أدوار حياته ؛ حيث جاء في الصحاح أنّ عباس هو كشدّاد ، وهو الأسد الضاري ، ولقد عقّ (فدى)


الصفحة (37)

له والده كبشاً كما فعل مع الحسن والحسين (عليهما السّلام) من قبل ، وأمر اُمّه أن تحلق رأسه وتتصدّق بوزن شعره فضّة أو ذهباً على المساكين ، والأذان في الأُذن اليمنى ، والإقامة في اليسرى عند ولادته .

2 ـ عبد الله : وهو الوليد الثاني لاُمّ البنين ، وكان عمره يوم الطفّ وشهادته (25) سنة .

3 ـ عثمان : وهو الوليد الثالث لاُمّ البنين ، وكان عمره يوم استشهاده في كربلاء (23) سنة .

4 ـ جعفر : وهو الوليد الرابع والأخير لاُمّ البنين ، وكان عمره يوم استشهاده (21) سنة(1) .

وهكذا عاش الأشبال الأربعة لاُمّ البنين مع بقية إخوتهم من أبناء فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، أو سواهم من الإخوة عاش الجميع في اُخوّة ومحبّة كاملة في المدينة المنورة ، أو في الكوفة من دون أن يعكّر صفو هذا الحبّ والودّ المتبادل أيّ شيء , إلى حين انتقال والدهم العظيم علي (عليه السّلام) إلى جوار ربّه عام (40هـ) مستشهداً في الكوفة بسيف الشقي ابن ملجم المرادي ؛ حيث عاد الجميع إلى المدينة منذ ذلك الوقت ليعيشوا في ظلّ عهد جديد هو عهد الدولة الاُمويّة التي سامت جماهير المسلمين في هذا القطر ، أو ذاك الخسف والجور ، والذي امتد هذا إلى وقت سقوطها وانهيارها في عام (132هـ) .

ولقد عاشت اُمّ البنين في المدينة ولم تتزوّج بعد رحيل زوجها (عليه السّلام) ، وكانت

ـــــــــــــــــ
(1) تشير كثير من المصادر إلى أنّ عمر جعفر عند استشهاده كان (19) سنة ، وهذا غير صحيح , حيث إنّ والده الإمام علي (عليه السّلام) كان قد استشهد قبل أكثر من (20) سنة من وقت مصرعه .

الصفحة (38)

هي في نفس هذه البلدة يوم خروج الحسين (عليه السّلام) منها إلى مكة المكرّمة ، ثمّ إلى كربلاء برفقة أبنائها الأربعة ، وكذلك بقيت مقيمة في المدينة حين وصلها نعي الحسين (عليه السّلام) وأولادها الأربعة جميعاً ، وظلّت حيّة تُرزق في المدينة إلى يوم رحيلها إلى دار الآخرة ، وهو يوم الجمعة (13) جمادي الثانية من عام (64هـ) ، وقد دُفنت في البقيع بالقرب من مرقد فاطمة الزهراء (عليها السّلام) .

ولقد بقي اسمها وذكرها خالداً ومتألّقاً في سجل الخالدات والعظيمات ، والذي لا يجود الزمن بمثلهنّ إلاّ نادراً ، كما وبرزت لها بعد رحيلها إلى جوار ربّها كرامات من الله تعالى غنية عن التعريف ، ومثل الكرامات التي برزت لولدها الأول العبّاس ، والتي سنشير إليها موجزاً في فصل مستقل قادم .

لذا نرى كثيراً من أبناء بلدنا وقطرنا يتوجّهون إلى الله تعالى عبرها ـ على بعد المزار ـ في تحقيق مطالب معينة ، أو حلّ مشاكل مستعصية ، أو محن وكوارث عظيمة ، أو طلباً للشفاء من أمراض مزمنة ومستعصية ، أو سوى ذلك ؛ حيث يجدون الاستجابة الكاملة والتامة والسريعة لكثير منها ، والفرج لغالبيتها بإذن الله تعالى .


الصفحة (39)

ولمّا بلغ أشده واستوى

ولد العبّاس بن علي (عليه السّلام) في (4) شعبان من عام (26هـ) وفي خلافة عثمان بن عفان في المدينة المنورة ، ويُقال هنا : إنّ الإمام علي (عليه السّلام) كان قد دمعت عيناه حينما رأى ابنه الوليد هذا لأوّل مرّة ، حيث قام الإمام (عليه السّلام) بضمّه إليه ، وأخذ يتحسّس يده اليمنى واليسرى , ويهزّ رأسه من أسى ، ثمّ يقبّل رأسه ، ثمّ يمرّ براحته على صدره الغض ؛ لأنّه يعلم وفقاً لفراسته ، ولما أخبره به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن الله تعالى عمّا سيجري على ولده الحسين (عليه السّلام) وإخوته من المآسي ونكبات في أرض كربلاء بقطر العراق , في عهد الدولة الاُمويّة , وفي خلافة يزيد بن معاوية على وجه التحديد .

وإنّه (عليه السّلام) من ثمّ ما تزوّج من اُمّ البنين إلاّ ليأخذ أبناؤها أدوارهم كاملة في ملحمة الطفّ بكربلاء في نصرة أخيهم الحسين (عليه السّلام) وبقية أهل بيته , نصرة غير محدودة .

وحين استفسرت اُمّ البنين من الإمام علي (عليه السّلام) عن علّة بكائه عند مشاهدته للوليد ، وسبب حركة يده على أعضاء جسمه ورأسه بصورة خاصة ... إلخ .

إلاّ أنّه من جوابه لها لم يخبرها عمّا يعلمه هو عن مستقبل هذا الطفل ، وما سيجري عليه في يوم عاشوراء مع أخيه الحسين (عليه السّلام) من مصائب وكوارث حتّى لا يعكّر الأمر صفو حياتها ومعيشتها , وإنّما اكتفى الإمام علي (عليه السّلام) بأن قال لها : بأنّ مكانة هذا الطفل ستكون عظيمة وسامية عند الله تعالى في يوم القيامة ، وأنّه سبحانه وتعالى سيمنحه جناحين يطير بهما في الجنة كالملائكة على النحو الذي أعطى أخاه جعفر بن أبي طالب


الصفحة (40)

(ت 8هـ) مثل هذين الجناحين(1) .

ففرحت الزوجة لهذا التعليل المفرح والمسر الذي جاء على لسان زوجها إزاء ما قام به برأس وأعضاء وجسم الطفل ، وأيقنت بصحة ذلك ؛ لما تعهده في زوجها من بصيرة نافذة ، وفراسة صادقة , ونظرة بعيدة .

قد كان العبّاس (عليه السّلام) منذ ولادته وسيماً جميل الصورة والشكل والمنظر ، وشديد البياض بصورة غير اعتيادية ، ويقال عنه هنا : إنّه كان أجمل طفل على الإطلاق , بل آية من آيات الجمال .

وزاد البعض بالقول : بأنّ تقاطيع وجهه كانت تبرق كالبدر المنير في ليلة تمامه وكماله ، فكان لا يحتاج في الليلة الظلماء إلى ضياء ، فضلاً عمّا كان يتّصف به من ثغر باسم ووجه طلق ؛ ولذلك فقد أطلق عليه اسم (قمر بني هاشم) , حيث إنّ العرب كانت تصف الرجل الوسيم الطاهر الأخلاق بالقمر .

هذا وليس العبّاس وحده هو الذي سمّي بالقمر بل سبقه آخرون من أجداده في هذا الوصف لحسن وجمال صورهم ، فقد كان (عبد مناف) والد هاشم يسمى (قمر البطحاء) , وكان (عبد الله) والد الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) يسمى (قمر الحرم) .

وبمرور الزمان برزت بقيّة خصال وشمائل العبّاس (عليه السّلام) ، حيث تجلّت شجاعته

ـــــــــــــ
(1) يرى البعض أنّ الإمام (عليه السّلام) كان قد أشعر اُمّ البنين هنا بتفاصيل مأساة ولدها العبّاس في كربلاء ، ونرى أنّ الإمام قد احتفظ بقلبه بكلّ تلك التفاصيل ـ والتي وردته عن النبي (صلّى الله عليه وآله) عن الله تعالى ـ ولم يشعر بها إلاّ الخواصّ ، أو مَنْ تطلب الحال إشعاره ؛ وذلك حتّى لا تؤثر هذه على حياة واستقرار وهدوء العائلة والأولاد .

الصفحة (41)

في المنازلات وفي ميادين القتال ؛ لكونه طويل الساق , حيث كان يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطّان في الأرض(1) ؛ لأنّه (عليه السّلام) كان قد ورث شجاعتين : إحداهما هاشمية ، وهي الأربى والأرقى ، وقد جاءته هذه عن طريق والده الإمام علي (عليه السّلام) , والاُخرى قد ورثها عن طريق اُمّه فاطمة اُمّ البنين عبر آبائها من فرسان العرب وشجعان القوم .

وعن هذه الشجاعة يقول السيد جعفر الحلّي :

بـطلٌ تورّثَ من أبيهِ  شجاعةً       فيها اُنوفُ بني الضلالةِ تُرغمُ

كما وظهرت عليه أيضاً صفات حميدة اُخرى ؛ كالإباء والنجدة ، والسؤدد والكرم ، ودماثة الخلق والعطف على الفقراء والضعفاء ، فضلاً عن أنّه كان من علماء الزهّاد ومن زهّاد العلماء ، وهذه واحدة اُخرى من فضائله .

وعن هذه نظم أحد الشعراء يقول :

وفي العباسِ من كرمِ السجايا        كثيرٌ ليس يحصرُ في   مقالِ
وفـاءٌ نـجدةٌ زهدٌ   وعـلمٌ        وإيـثـارٌ وصدقٌ في المقالِ
عـفافٌ ظـاهرٌ حلمٌ   وجودٌ        وبـأسٌ صادقٌ عند   النزالِ

كما وقال شاعر آخر حول الموضوع :
ـــــــــــــــ
(1) كانت اُمّ البنين تخشى على العبّاس إزاء جماله وخصاله الاُخرى من أعين الحسّاد من أن يصيبه أذى أو مكروه ، وكانت تردّد أمامه وخلفه هذه الأبيات :

اُعـيذهُ  بـالواحدِ        من عينِ كلِّ حاسدِ
قـائمهم    والقاعدِ        مسلمهم    والجاحدِ
صادرهم   والواردِ        مـولودهم  والوالدِ


الصفحة (42)

لـقد جـمعَ العباسُ كلَّ فضيلة       تزانُ  بها عربُ المقاولِ  والعجمُ
لهُ الجودُ والإقدامُ والحلمُ والتقى       وقد  زانهُ الإيمانُ والحكمُ  والعلمُ

هذا ، ولم يشتهر العبّاس (عليه السّلام) بلقب (قمر بني هاشم) فقط , بل اُطلق عليه عبر الأيام عدّة ألقاب حميدة ومجيدة اُخرى وإن ظلّ الوصف الأوّل هو المشهور والغالب .

ومن هذه الألقاب والأوصاف التي قُرنت بالعباس وغدت علماً عليه ، هي :

1 ـ أبو الفضل

وسُمّي بذلك لأنّه رُزق بولد وقد وضع له اسماً وهو (الفضل) ، فضلاً عن كونه صاحب فضل ومروءة وشهامة بحقّ وحقيقة .

وفي هذا يقول الشاعر السيد راضي السيد صالح القزويني :

أبا الفضلِ يا مَنْ أسسَ الفضلَ والإبا      أبـى الـفضلُ إلاّ أن تـكونَ لهُ  أبا

كما ويقول شاعر ثانٍ هو الشيخ محسن أبو الحبّ الكبير في هذا المعنى :

أبو الفضلِ لا تُحصى مواقفُ  فضلِهِ       فـمَنْ  ذا يُـحاربهُ ومَنْ ذا  يُقاربُهْ
وحازَ عُلاً لو حازتِ الشمسُ بعضَهُ       لـما  حـجبتها يـومَ دجنٍ  سحائبُهْ

ويقول شاعر ثالث أيضاً حول الموضوع :

بـذلتَ  أبـا الأفضالِ نفساً   نفيسةً        لنصرِ   حسينٍ عزّ بالنصرِ من مثلِ
أبـيتَ  الـتذاذَ الماءِ قبلَ  الـتذاذهُ        فحسنُ فعالِ المرءِ فرعٌ من  الأصلِ
فأنتَ  أخو السبطينِ في يومِ   مفخرٍ        وفي يومِ بذلِ الماءِ أنتَ أبو الفضلِ

2 ـ العبد الصالح

وسُمّي العبّاس بهذا اللقب والصفة ، وهي نفس الصفة التي أطلقها وأضافها الله


الصفحة (43)

تعالى إلى أنبيائه ، وناشري شريعته واُمنائه على وحيه ؛ لأنّه كان من الصالحين الأبرار ؛ علماً بأنّ أوّل مَنْ منح هذه الصفة للعباس هو الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) (ت 148هـ) ، وذلك في الزيارة المخصوصة التي خاطب بها عمّه العبّاس حين ابتدأها بهذه العبارة : (( السلام عليك أيّها العبد الصالح )) .

3 ـ الشهيد

وسُمّي بهذا اللقب ؛ لأنّه سقط مضرّجاً بدمه على أرض كربلاء في يوم عاشوراء ، حيث قدّم حياته رخيصة على طريق الحرية والعزّة والكرامة ، حيث إنّ الجود بالنفس أقصى غاية الجود كما جاء في المثل المشهور .

4 ـ ساقي عطاشى كربلاء , (السقّاء) , وبطل العلقمي(1)

ولقد أُطلق عليه هذا اللقب ؛ لأنّه غامر بحياته ، واقتحم جموع الأعداء بآلافهم

ـــــــــــــــ
(1) نشير إلى أنّ العرب في الجاهليّة والإسلام كانت تفتخر بالسقاية ، حيث جاء في الحديث النبوي الشريف : (( أفضل الأعمال عند الله إبراد الكبد الحرّى من بهيمة وغيرها )) .
ويُنقل عن الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) حول الموضوع قوله : (( مَنْ سقى الماء في موضع يوجد فيه الماء كان كمَنْ أعتق رقبة ، ومَنْ سقى الماء في موضع لا يوجد فيه الماء كان كمَنْ أحيا نفساً ، ومَنْ أحياها فكأنّما أحيا الناس أجمعين )) .
وكان عبد المطلب يتولّى سقاية الحجيج ، وكان يفتخر بهذه المهمّة ، كما أنّ أبا طالب بعده قام هو الآخر بسقي الحاج في مكّة المكرّمة ، وأنّ عيسى بن زيد بن علي كان طيلة فترة تستّره في الكوفة يسقي الماء على جمل ، وأنّ القاسم بن موسى الكاظم (عليه السّلام) قد تولّى هذه المهمّة عند تستّره في العراق .
والسقاية هي من الاُمور السبعة التي تمنّى أمين الوحي جبرائيل ممارستها فيما لو طلب الله تعالى منه الإقامة في الأرض . أمّا البقية فهي : عيادة المرضى ، السير خلف الجنائز ، أداء صلاة الجماعة ، إصلاح ذات البين ... إلخ .

الصفحة (44)

المؤلّفة في أرض كربلاء للوصول إلى نهر العلقمي ، وكان ذلك في الأيام الأخيرة للعشرة الأولى من المحرّم , ولعدّة مرات ، وفي المرّة الأخيرة استشهد على ضفاف هذا النهر , ولُقّب بـ (بطل العلقمي) .

أمّا عن علّة ذهابه إلى النهر فهو لجلب الماء ليروي عطش أخيه الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته وأصحابه بعد أن منع جنود العدو الماء عنهم ؛ لغرض إرغامهم على الاستسلام من دون قيد أو شرط .

علماً بأنّه لم يشرب من الماء شيئاً عندما كان على ضفاف النهر رغم عطشه الشديد ، والذي لا يقلّ عن عطش الآخرين ؛ لأنّه آثر أن يشرب أخوه الحسين وأهل بيته وأصحابه (عليهم السّلام) أوّلاً ، ثم هو يشرب من بعدهم .

وفي هذا المعنى نظم الشاعر هذا الشعر الشعبي على لسان العبّاس نفسه ، وهو :

شلون اشرب واخوي حسين عطشان       وسـكنه والـحرم وأطـفال  رضعان
وأظـن گلـب الـعليل التهب  نيران       يـا  ريـت الماي بعده لا حله  ومر

كما ويقول شاعر آخر حول هذا المعنى :

أأبـردُ قـلـبـي بالزلالِ وبرده        ويـحرقُ  من آلِ الرسولِ   قلوبُ
فـيـا نفسُ موتي بالظما وتقطّعي        وإن كـان ماءُ الشط منك   قريبُ
فـواللهِ لا ذقتُ من الماءِ   قـطرةً        إلى حيث سهمِ المنونِ  يصيبُ(1)

ونظم شاعر شعبي ثانٍ هذا الشعر الشعبي ، وأراده أن يكون على لسان السجّاد (عليه السّلام) أو العبّاس :

شلون أشرب لذيذ الماي حاشه       وأهـلي گضت كلّهم  عطاشه

وحـسين  الرمل أمسه فراشه

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا يخفى ما في البيت من خلل عروضي واضح . (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)

الصفحة (45)

5 ـ صاحب أو أبو القربة

لقد أُطلق على العبّاس (عليه السّلام) هذا الوصف ؛ لأنّه استشهد على أرض كربلاء في العاشر من المحرّم وهو يحمل قربة مملوءة بالماء الذي جلبه من نهر العلقمي ؛ لغرض إيصالها إلى مخيّم الحسين (عليه السّلام) لسقي مَنْ فيه من أهل البيت والأصحاب ، إلاّ أنّه قد تعذّر عليه إيصال الماء بعد أن قُطعت ذراعاه في الطريق ، وخلال الالتحام بالأعداء ، فضلاً عن تسديد أحد شياطين الكوفة لسهم حاد إلى هذه القربة أدّى إلى إسالة مائها على الأرض .

6 ـ حامل الراية(1)

وهو من أشرف الألقاب التي نسبت إلى العبّاس (عليه السّلام) ؛ لكونه قد حمل راية الحسين (عليه السّلام) دون أيّ شخص آخر من أصحابه أو أهل بيته في ملحمة كربلاء ، حيث قبضها بيد من حديد ولم تسقط من يده إلاّ حين قُطعت يداه ، وهوى إثرها صريعاً عند ضفاف نهر العلقمي حيث مرقده الحالي .

7 ـ حامي الظعينة

وأُطلق عليه هذا الوصف ؛ وذلك لقيامه بحماية وحراسة وخدمة نساء أهل البيت (عليهم السّلام) طيلة مدّة انتقالهنّ من المدينة إلى كربلاء عن طريق مكة المكرّمة ، حيث كان هو الذي يتولّى إنزالهنّ وترحيلهنّ من وإلى المحامل ، فضلاً عن مسؤوليته الكاملة في حماية مخيّمات هؤلاء النساء في كربلاء من أن يصيبها أيّ سوء أو مكروه .

وفي هذا يقول الشاعر السيد جعفر الحلّي :

حامي الظعينةِ أين منهُ ربيعةٌ       أم  أيـن مـن عليا أبيهِ مكدّمُ

ــــــــــــــ
(1) يدعى هذا الوصف في إيران وأفغانستان وباكستان والهند وبنغلادش باسم (علمدار) .

الصفحة (46)

كما ونظم الخطيب الشيخ محمّد علي اليعقوبي حول هذا المعنى يقول :

حميتَ الظعينةَ من يثربِ       وأنزلتها الجانبَ  الأمنعا

8 ـ باب الحوائج

ولقد اشتهر العبّاس بن علي (عليه السّلام) فيما بعد بين عامّة المسلمين بهذا اللّقب ؛ وذلك لكثرت ما بدرت منه من كرامات وقضاء الحاجات السائلين ، حيث ما قصده ذو حاجة بنيّة خالصة إلاّ قضى الله تعالى حاجته ، ولا سأله بحرمته سائل إلاّ وتيسّر عليه مطلوبة ، ذلك لأنّ من سنن الله تعالى الجارية في أوليائه وأحبائه إكرامهم بإظهار ما لهم من الكرامات .

إضافة لما ادّخره سبحانه لهم من الدرجات الرفيعة والعالية في الحياة الآخرة ؛ تقديراً لنضالهم وسعيهم في الحياة الدنيا بالطاعة له ، والذود عن الحقّ ونصرة المظلومين والمستضعفين ... إلخ .

وعن هذه الكرامات نظم أحد الشعراء يقول :

فـكم  لأبـي الفضل الأبي كراماتٌ       لـها  تُـليت عـندَ الـبريةِ  آيـاتٌ
وشاراته كالشمسِ في الاُفقِ شوهدتْ       لـها  من بناتِ المجدِ أومت  إشاراتٌ

كما ونظم الشيخ كاظم الأزري حول الموضوع يقول :

بابُ الحوائجِ ما دعتهُ مروعةٌ       في حاجةٍ إلاّ ويقضي  حاجها

علماً بأنّ الإمام السابع (عند الشيعة الإماميّة) موسى بن جعفر الكاظم (ت 182هـ) يوصف هو الآخر بأنّه أيضاً (باب الحوائج) ؛ لذا يرتاد الكثير من ذوي الحاجات مرقده الشريف في مدينة الكاظمية للدعاء والاستجارة بالله تعالى في حلّ مشاكلهم ، وقضاء حاجاتهم ، وتيسير اُمورهم ومعضلاتهم التي تلفّهم وتحيط بهم ، حيث يجدون من الله سبحانه ببركة الإمام (عليه السّلام) الاستجابة السريعة لكلّ

الصفحة (47)

هذه المطاليب والمشاكل والمعضلات .

وعن هذه الحالة نظم أحد الشعراء يقول :

لِذ إن دهتكَ الرزايا       والدهرُ عيشكَ نكّدْ
بكاظمِ الغيظِ موسى       وبـالجوادِ   محمّدْ

9 ـ كبش الكتيبة

ولقد أطلق الحسين (عليه السّلام) هذا اللقب على العبّاس حين طلب الأخير منه الإذن باقتحام ميدان المعركة ، والهجوم على جيش ابن سعد بعد أن نفذ صبره ، حيث لم يعطه الحسين (عليه السّلام) الإذن ، وقال له : (( أنت كبش كتيبتي )) . وانشد (عليه السّلام) :

عـباسُ كـبشُ كتيبتي  وكنانتي       وسريّ قومي بل أعزّ  حصوني
لمَنْ اللوا اُعطي ومَنْ هو جامعٌ       شملي  وفي ضنكِ الزحامِ  يقيني

10 ـ أسد آل محمّد

ولقد نال العبّاس (عليه السّلام) هذا اللقب لشجاعته وشدّة بأسه ، وصلب عزيمته وقوّة إيمانه ، كما وهناك ألقاب اُخرى للعباس منه قمر العشيرة ، وأخو زينب ، والضيغم ، والغضنفر ، والعميد ، والطيار ، والغر المحجّل ، وأبو الشارة ... إلخ .

هذا وكان العبّاس (عليه السّلام) إضافة لما اشتهر به من ألقاب وصفات عبر الزمن كان ومنذ نعومة أظفاره ذكيّاً فطناً ، فضلاً عن إيمانه العميق بالله تعالى والانقياد التامّ لكلّ أوامره ونواهيه .

وينقل عن ذكائه وإيمانه هذا هو أنّه عندما كان في الخامسة من عمره ، أي في سنة (31هـ) ، دعاه مرّة أبوه (عليه السّلام) وأجلسه في حجره ، وأخذ يداعبه مداعبة الآباء لأطفالهم ,


الصفحة (48)

وقال له : (( قل : واحد )) .

فقال العبّاس : الله واحد .

فقال الإمام (عليه السّلام) : (( قل : اثنين )) .

فامتنع العبّاس أن يقول اثنين ، وقال لوالده : إنّي استحي أن أقول اثنين بلسان قلت به للتو واحد .

إنّه لأمر غريب وعجيب حقّاً أن يصدر مثل هذا القول من طفل معصوم يافع لم يتجاوز الخامسة من عمره ، وهو يشهد فيه بالوحدانية لله تعالى ، والإيمان العميق والراسخ به .

ولقد كانت العقيلة زينب ، وبطلة كربلاء ـ وهي لا زالت صغيرة ـ إلى جوارهما وهي تسمع ما يقول أخوها العبّاس لوالدها حول توحيد الله ، فقالت لأبيها : أتحبّنا ؟

فقال الإمام : (( نعم )) .

فقالت : يا أبي , لا يجتمع حبّان في قلب مؤمن ؛ حبّ الله وحبّ أولاده ، وإن كان ولا بدّ فالحبّ هو لله تعالى ، والشفقة للأولاد .

فأُعجب الإمام من كلامها الذي يحدّد علاقة القلب وارتباطه بالله تعالى ، كما وأُعجب أيضاً قبل دقائق من جواب ولده العبّاس ـ على صغر سنِّ الاثنين ـ بذلك كثيراً ، وضمّ الاثنين إلى حجره ، وتضاعف حبّه وهيامه بهما ، كما ودعا لهما بالتوفيق والخير والعافية(1) .

علماً بأنّ هذا القول ليس بمستبعد على هذا الفتى رغم ما قاله والده (عليه السّلام) في حقّه :

ـــــــــــــــــــــ
(1) يبدو أنّ المولِّف (حفظه الله) اختلطت عليه بعض الأوراق حينما نقل هذه الرواية ؛ حيث لم تكن زينب (عليها السّلام) صغيرة في ذلك الحين , بل كان عمرها الشريف في سنة (31) للهجرة ـ كما أشار المؤلِّف في صدر الرواية ـ ما يقرب من السادسة والعشرين سنة , بل كانت متزوّجة من ابن عمّها عبد الله بن جعفر آنذاك , اللهمَّ إلاّ أن يقال بصدور هذا الكلام منها في صباها ـ كما هو المشهور عند المؤرّخين ـ فاختلطت على الراوي أو المولِّف الحادثتان واعتبرهما ضمن حادثة واحدة رغم الفاصل الزمني الكبير ما بين العقيلة زينب وأخيها العبّاس (عليهما السّلام) . (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)

الصفحة (49)

(( إنّ العبّاس زُقّ العلم زقّاً )) . ولا مستبعداً أيضاً على تلك الفتاة بسبب أنّهما يعيشان في أحضان اُمّهما (اُمّ البنين) ، والتي كانت لا تفتأ تلقّنهما وتربّيهما وبقية أبنائها في البيت كلّ مبادئ التوحيد وأحكام الإسلام ، وسبل العبادة والتقوى ، فضلاً عن غرس وبث روح الشجاعة والفداء والإقدام في نفوسهم للدفاع عن كلّ هذه المفاهيم والأفكار .

ناهيك عن متابعة الإمام علي (عليه السّلام) لهم باستمرار ، والذي ليس هو أباً ومربياً ومرشداً فقط لكلّ هؤلاء الأبناء والبنات في البيت ؛ يعلّمهم ويرشدهم إلى كلّ معالم الخير ومبادئ الصلاح ، بل هو في الحقيقة أب واقعي للأمّة [جمعاء] ؛ وفقاً لما قال له الرسول (صلّى الله عليه وآله) مرّة : (( يا علي ، أنا وأنت أبوا هذه الأمّة )) . وقوله (صلّى الله عليه وآله) أيضاً : (( كلّكم راع ، وكلّكم مسؤول عن رعيته )) .

ولكن للأسف هنالك في هذه الأمّة مَنْ لا يتقبّل هذه المعالم والمبادئ ، بل يسعى ويجهد لهدمها وقبرها ، وهي التي أدّت بالمسلمين للسير إلى الوراء والامتثال فيما بينهم ، وما أدّى إليه هذا الأمر من تعثّر نشر رسالة الإسلام في بقاع الأرض كافة في وقت كان الطريق ممهّداً ومفتوحاً أمام هذه الرسالة لتسود وتعمّ كلَّ بقعة في العالم ، ويستظلّ بفيئها كلّ إنسان في العالم أيضاً .

هذا ونشير إلى أنّه لا يعرف إلاّ القليل من الناس عن شؤون العبّاس (عليه السّلام) الشخصية ، لا سيما وأنّه استشهد ولم يتجاوز ذريّة(1) . وهل كان لهؤلاء الذريّة أحفاد ملأت سطح الأرض كما ملأت ذرّية وأبناء أخويه الحسن والحسين (عليهما السّلام) أرجاء العالم بما ليس له نظير ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هكذا وردت العبارة في الأصل , ولا معنى لها إلاّ مع ما يُكملها من الكلام الذي يبدو أنه سقط سهواً كما هو واضح . (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة