الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

مراجعة وضبط النص موقع معهد الإمامين الحسنين (عليهما السلام)

لإعداد الخطباء والمبلّغين

 

حيث أخذ الموقع على عاتقه مراجعة النصوص والروايات الواردة في الكتب الحسينيّة وضبطها  قدر الإمكان، من قبل كادر متخصص بالتحقيق والتقويم والتدقيق

  تنويه :

*

 اللون الأسود يشير إلى المتن .

*

 اللون القهوائي يشير إلى العناوين والأبواب والفصول .

*

 اللون الأحمر يشير إلى الآيات القرآنية .

*

 اللون الوردي يشير إلى الحديث القدسي .

*

 اللون الأزرق يشير إلى كلام المعصوم (عليه السلام).

*

 اللون الأخضر يشير إلى الشعر.

*

 اللون البرتقالي يشير إلى الهامش ورقمه في المتن .

*

 كلمة (موقع معهد الإمامين الحسنين) فيها إشارة إلى رأينا وتحقيقنا

 


 

الصفحة (1)

 

العبّاس (عليه السلام)

رجل العقيدة والجهاد

 

تأليف :

السيد محمّد علي يوسف الاُشيقر

 


الصفحة (2)

العبّاس رجل العقيدة والجهاد

تأليف : السيد محمّد علي يوسف الأشيقر

الناشر : مؤسسة محبّين للطباعة والنشر

ليتوغراف : مدين

المطبعة : مهر

الطبعة : الأولى / 1422 هـ . ق

القطع : وزيري

العدد : 1200

عدد صفحات : 216

ISBN ; 964 - 7103 - 04 - 2


الصفحة (3)

 

العبّاس (عليه السلام)

رجل العقيدة والجهاد

 

تصحيح وتنقيح :

الشيخ محمّد صادق تاج

 


الصفحة (4)

 

( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )

                                                                  سورة النمل / 30

 


الصفحة (5)

الإهداء

إلى :

حامل راية الحسين (عليه السّلام) في ملحمة عاشوراء ..

بطل العلقمي ، وساقي عطاشى كربلاء ..

ذراع الحسين اليمنى ، والذّاب عن حماه ..

سيف الله الصارم ، وقمر بني هاشم ..

الشهيد وابن الشهيد وأخي الشهيد .. العبّاس بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) .

اُقدّم هذه الدراسة الموجزة راجياً التفضّل بالقبول والرضا .

كربلاء المقدسة

محمد علي يوسف الاُشيقر


الصفحة (6)

حكمة الكتاب

إنّي رأيت أنّه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلاّ قال في غده : لو غيّر هذا لكان أحسن ، ولو زيد كذا لكان يستحسن ، ولو قدّم هذا لكان أفضل ، ولو ترك ذاك لكان أجمل ...

وهذا من أعظم العبر ، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر ...

 

العماد الأصفهاني


الصفحة (7)

تقريض للعلاّمة البحّاثة الشيخ باقر شريف القرشي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا تصفحنا في تاريخ الأمم والشعوب ، وأمعنّا في سجلاّت العظماء والمصلحين فلن نجد مَنْ يضارع بطل الإسلام أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) في صفاته ونزعاته التي منها التفاني في الحقّ ، ونكران الذّات ، والتضحية في سبيل الله .

لقد وهب هذا العملاق العظيم حياته لله ، وهام في طلب مرضاته ، فكان الإيمان بالله تعالى من أهم عناصره ومقوّماته ، وقد أعلن ذلك حينما قطع البغاة يمينه في صعيد كربلاء ، وقال في رجزه :

واللهِ إن قـطعتمُ  يميني       إنّي اُحامي أبداً عن ديني

وعن  إمامٍ صادقٌ  يقيني

أرأيتم أنّ اندفاعه في نصرة أخيه لم يكن بأيّ دافع مادي يؤول أمره إلى التراب ، وإنّما كان دفاعاً عن أخيه إمام المسلمين .

لقد وقف أبو الفضل مع أخيه أبي الأحرار (عليه السّلام) في خندق واحد ، رافعين كلمة الله تعالى التي تهوي الإنسان إلى قرار سحيق من مآتم هذه الحياة . فما أعظم عائدة أبي الفضل وأخيه أبي الأحرار (عليهما السّلام) على الإسلام والمسلمين !


الصفحة (8)

وإنّ من الواجب على ذوي المواهب الإشادة ببطل كربلاء ، وإبراز قيمه الأصيلة ومثله العليا إلى المجتمع ؛ لتتنوّر بصورة مستوفية وشاملة ، وإنّا بدورنا نحيّيه وندعو له ، ونكبر دراسته لأبي الفضل , سائلين المولى له التوفيق والسداد إنّه تعالى ولي ذلك والقادر عليه .

النجف الأشرف

20 / شعبان / 1418 هـ

باقر شريف القرشي


الصفحة (9)

كلمة حول الكتاب

للاُستاذ المحامي الأخ الحاج محمّد علي النصراوي

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين ، والحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين .

وبعد ، فقد كان ولا يزال وسيبقى الكتاب خير جليس لطالب المعرفة ؛ حيث سيظل الرافد الرئيس للكلمة الهادفة والمعلومة المبتغاة , لن تستطيع مزاحمته فضلاً عن الاستغناء عنه بقيةُ مصادر الثقافة الاُخرى ؛ السمعية منها والبصرية ، رغم تطوّرها الهائل وانتشارها السريع ، سيما إذا كان ذلك الكتاب كالكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ ، والذي تضمّن ترجمة لحياة بطل من أعظم أبطال التضحية والفداء في الإسلام , في ثاني معركة حاسمه بعد معركة بدر الكبرى , ألا وهي معركة الطفّ الخالدة التي استطاع فيها شهداؤها وعلى رأسهم سيّدهم وإمامهم سيّد الشهداء (عليه السّلام) أن يضعوا فيها حدّاً فاصلاً بين العقيدة والمنافع الذّاتية ، وبين المبادئ الرساليّة والمصالح المادية .

وبتعبير آخر : بين الدين والدنيا كما تشير إلى ذلك بعض خطب الإمام الحسين (عليه السّلام) خلال مسيرته الاستشهادية الفريدة : (( الناس عبيد الدنيا ، والدين لعق على ألسنتهم ، يحوطونه ما درّت معايشهم ، فإذا محصّوا بالبلاء قلّ الديّانون )) .

لقد كان أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) أحد الديّانين الذين احتفظوا بدور مميّز في تلك


الصفحة (10)

الملحمة ؛ حيث كان رجل العقيدة والجهاد فيها ، كما نقرأ ذلك في عنوان الكتاب الذي نتناوله في هذا العرض الموجز ، وقف مدافعاً عن دينه مضحياً في سبيل الله بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى نال الدرجة التي يغبطه عليها جميع الشهداء والصديقين .

إنّني لست هنا بصدد التعريف بالكتاب أو المؤلِّف ، فالكتاب واضح لك من عنوانه ، والعباس بن علي (عليه السّلام) أعرف من [أن] يُعرّف ، فهو كتاب قائم بذاته ، ورحم الله أبا الطيب المتنبي إذ يقول :

وإذا اسـتطالَ الـشيءُ قـامَ  بنفسه       وصفاتُ ضوءِ الشمسِ تذهبُ باطلا

أمّا بالنسبة لمؤلِّف الكتاب الاُستاذ الحاج محمّد علي يوسف الاُشيقر فغني عن التعريف كذلك ، خاصّة لدى أوساط المثقفين الكربلائيِّين ، فهو موسوعة ثقافية متجوّلة ، يحتفظ بخلفية ثقافية دينية رصينة تؤهّله لإخراج مثل هذه الدراسات القيمة ، وهو كربلائي صميم من أسرة علوية كريمة ، يعمل جملة من أفرادها ضمن خدمة الروضتين الشريفتين ، يجمع بين الثقافتين الدينية والعصرية ، يقضي معظم أوقات فراغه ـ إن صح هذا التعبير ـ إمّا قارئاً لكتاب , أو مستمعاً لمجلس وعظ وإرشاد . [كان] أحد روّاد المجالس الحسينيّة الذين يرتادونها بصورة مستمرة ودون انقطاع ، [وقد] زامل الكثير من قرّائها , وتعرّف على العديد من جهابذة خطبائها .

أضف إلى ذلك أنّه يمتلك مكتبة خاصّة تزخر باُمّهات الكتب التاريخية والتراثية ، كلّ هذه العوامل والمؤهّلات مجتمعة هيّأت له إمكانية التحليق في هذا المجال الواسع والأفق الرحيب ، ممّا ساعد على إخراج هذا الكتاب القيّم بهذا الاُسلوب الشيّق والمستوى الرفيع .

وإنّنا لنطمع بل نطمع إلى المزيد من النتاج الأدبي والعلمي في هذا المجال ،


الصفحة (11)

سيما إنّ هنالك شخصيات إسلاميّة عديدة ممّن صمدت في وجه الظلم والطغيان ، وضحّت في سبيل العقيدة والإيمان بأعزّ ما تملك ؛ لتسجيل موقفاً مشرفاً في إعلاء كلمة الحقّ ، من أمثال : حجر بن عدي الكندي ، واُويس القرني ، ورشيد الهجري ، وعبد الله بن عفيف الأزدي ، وسليمان بن صرد الخزاعي ، وإبراهيم بن مالك الأشتر النخعي , وغيرهم كثير ممّن لم تتناوله أيدي البحث والتنقيب والدراسة والتأليف , مع أنّهم جديرون بتسليط الضوء على مواقفهم وتعريف القرّاء بتراجمهم .

آملين أن يفاجئنا المؤلِّف في أحد مؤلّفاته القادمة بدراسة قيّمة لأحد هذه الشخصيات ، أو غيرها ممّن يختاره لنا الاُستاذ أبو يوسف (حفظه الله وأبقاه) .

سائلاً العلي القدير أن يمدّه بالعون والتأييد ، والنشاط والتسديد , إنّه على كلّ شيء قدير ، وهو نعم المولى ونعم النصير .

كربلاء

محمد علي مجيد النصراوي


الصفحة (12)

مقدّمة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الدين محمّد (صلّى الله عليه وآله) وعلى آله الطيبين ، وأصحابه المنتجبين ، والتابعين لهم بإحسان ، وسلم تسليماً كثيراً .

وبعد ، فقد سبق أن نوّهت في خاتمة بعض كتبي السابقة ، وأظن أنّ منها : (الحسين ... ثورة دائمة) و (الإمام علي... من الكعبة إلى الغري) إلى أنّي سوف لن أتناول أو أكتب أي بحث أو موضوع في المستقبل سبق لأقلام الكتّاب والمؤلِّفين أن طرقوه بإسهاب ، وأشبعوه ـ من ثمّ ـ شرحاً وتحليلاً ، ولم يدعو زيادة لمستزيد .

ولقد كان مرادي من درج هذه الملاحظة هو الحرص على تلافي تكرار كتابة المواضيع والأبحاث المتداولة ، وغير البعيدة عن الأضواء وعن أذهان الناس ، وتدرك الغالبية ـ ولو إجمالاً ـ أنّها تنام معهم وتستيقظ ، واستبدال الحال بنشر وتعميم المواضيع والأبحاث التي لم يتطرّق إليها الكتّاب والباحثون سيكون لها مردود كبير ، ومنفعة كثيرة للقرّاء والكتّاب على حدٍّ سواء ؛ بوقوفهم واطّلاعهم على ما خضّ عليها من أبحاث ومواضيع ، وربّما كان هؤلاء على وعي وعلم بها ، إلاّ أنّ تعاقب الأيام ، وامتداد الأعمار قد أنستهم شيئاً ـ قلّ أو كثر ـ ممّا كانوا يحفظونه أو يتذكّرونه عنها .

وعليه , فإنّ كلّ ما قمت بكتابته من مواضيع وأبحاث بعد درج هذه الملاحظة


الصفحة (13)

الهامة كانت كلّها تدور في هذا الفلك والسياق ، ومن المواضيع والأبحاث تلك الكتب التي تحمل أسماء (تاريخ المساجد في الإسلام) و (مختصر تاريخ التصوّف في الإسلام) و (عمّار بن ياسر ـ الصوت الذي لم يخمد ، والسيف الذي لم يغمد) و (زيد والزيدية) ... إلخ .

فرغم أهمية بعض مواضيع هذه الكتب ، إلاّ أنّها ـ للأسف ـ لم تنل من أقلام الكتّاب ما فيه الكفاية ، ولم تحظَ باهتمامهم كثيراً .

ومن هذا المنطلق كان موضوع هذه الدراسة ، وكان البحث الذي نقدّمه الآن ، ولقد كانت نقطة الصفر في ذلك حين طلب منّي أحد الأصدقاء ، وهو الأخ طه الربيعي صاحب مكتبة الحكمة في كربلاء , إعداد دراسة موجزة عن سيرة حياة الشهيد العبّاس بن علي (عليه السّلام) ، ودوره وجهاده في سبيل نصرة أخيه الحسين (عليه السّلام) في ملحمة كربلاء الخالدة ؛ لقلّة ما كُتب عنه .

ولقد سارعت في البحث عن المصادر والمراجع التي تتناول حقيقة وواقع سيرة هذا البطل ، وجهاده في سبيل إعلاء كلمة الله ، وسنّة رسوله (صلّى الله عليه وآله) ، وهداية أهل البيت (عليهم السّلام) ، والتي كنت أظن سلفاً أنّها ـ المصادر ـ هي من الكثرة ما يسهل لنا إعداد هذا البحث , ومن دون عناء أو جهد يذكر .

إلاّ أنّي أدركت بعد ذلك أنّ نصيب هذا البطل المغوار والرمز من الكتابة والبيان كان يسيراً وقليلاً , بل وأقلّ من القليل ، رغم مكانته المميّزة والخاصة بين المجاهدين ، وكونه يأتي في الأهمية بعد أخيه الحسين (عليه السّلام) في ملحمة الطفّ بكربلاء ، ومتقدّماً على جميع أصحاب الحسين وأهل بيته المكرمين على مسرح عمليات يوم عاشوراء والمنازلة الكبرى فيها ؛ ممّا دعا الحسين (عليه السّلام) لتأخير السماح له باقتحام المعركة ومنازلة الأعداء إلاّ بعد أن سقط جميع أصحابه وسائر أقربائه


الصفحة (14)

مضرّجين بدمائهم على أرض المعركة ؛ لأنّ وجوده حالياً إلى جواره كان يشعره بالقوّة والمنعة ، ويدع عمليات الحرب رغم المنازلة حيّة ومستمرة .

نعم ، لم أجد من الكتّاب القدامى أو المعاصرين مَنْ أفرده بالدراسة الشاملة القائمة على التمحيص والتحليل العلمي ، كما ولم أجد كتباً مستقلة تضمّ بين طياتها مسيرة هذا المناضل الباسل إلاّ القليل ، وقد أعدّت هذه قبل عدّة عقود ، في حين كان الأجدر أن تؤلّف عن حياته كتب كثيرة ودراسات عديدة ؛ لِما كان يختصّ به (عليه السّلام) من شجاعة فائقة ، وعلم غزير ، وعبادة عميقة ، ومنزلة خاصّة عند والده الإمام علي وأخويه الحسن والحسين (عليهم السّلام)(1) .

لذا فقد قمت ببذل المجهود والعناء من أجل طرق هذا الباب ، والكتابة عن هذا العلم الكبير رغم قلّة ما وجدته من مصادر في هذا السبيل . وأظنّ أنّ كلّ ما أمكن درجة في هذه الدراسة قد جاء ناقصاً وغير متكامل ولا تام ، رغم حرصي الكامل على أن لا أكون قد جافيت الواقع ، أو ابتعدت عن الحقيقة في كلّ ما دوّنته ؛ وذلك لتشعّب الموضوع وقلّة مصادره ، إلاّ أنّ شفيعي في كلّ ذلك كان المثل الصيني الشائع الذي يقول : (أفضل ألف مرّة أن تضيء شمعة بدل أن تقضي وقتك في لعن الظلام) .

مع أملي الكبير ، ورجائي المتواصل من كلّ هؤلاء أن يشعروني عن كلّ سهو وقصور أو خطأ قد وقعت فيه ، والذي هو في الحقيقة والحقّ قد جاء من دون قصد

ـــــــــــــ
(1) عند صدور الطبعة الاُولى للكتاب اُتيحت لي الفرصة لزيارة بلاد الشام العزيزة ، حيث وجدت أمامي وفي مكتباتها العامرة بعض الكتب الحديثة ـ والمطبوعة في لبنان ـ التي أُلّفت عن العبّاس (عليه السّلام) , حيث استعنت بها عند إعادة طبع هذا الكتاب في طبعته الثانية هذه .

الصفحة (15)

أو تعمّد ؛ وذلك ليتسنّى تلافيه وتحاشيه في الطبعات اللاحقة لهذه الدراسة فيما لو قدّر لها أن ترى النور لمرة ثانية .

علماً بأنّي عند إعدادي لهذه الدراسة أو سواها من الكتب التسعة السابقة كنت أضع أمامي وعلى الدوام مقولة أحد الحكماء الراحلين التي تفيد : الذي يكتب يجب أن يتوخّى الحقيقة كما حدثت , لا كما يريدها هو , أو كما يريدها الآخرون ؛ لأنّ الحقيقة تظهر في المستقبل ، وتجلب اللوم على مَنْ أخفاها وغيّرها .

وختاماً سنمضي إلى الله تعالى بالعباس نقدّمه بين يديّ مسيرتنا المقدّسة ، ومردّدين ما نظمه الخطيب الراحل الشيخ محمّد علي اليعقوبي وهو :

أبا الفضل ما لي مغيثٌ سواكْ       إذا الـدهرُ في صرفهِ  جعجا
وكـيف يـردّ دعـائي  الإلهْ       وقـد  جـئتُ فيكَ  مستشفعا

لأنّ مَنْ تقدّم إلى الله تعالى بهذا الشهيد فلن يخيب له ظنّ في يوم ما أكثر ما يخيب فيه الخائبون ... والحمد لله ربّ العالمين حمداً لا يزال يبدأ , وبدء لا ينتهي .

كربلاء المقدسة

1999م ـ 1420 هـ

محمد علي يوسف الاُشيقر


الصفحة (16)

من مكّة إلى دار الهجرة

عندما هاجر الرسول (صلّى الله عليه وآله) من مكة المكرّمة إلى المدينة المنوّرة عام (13) من البعثة النبويّة الشريفة ، ترك الإمام علي (عليه السّلام) في فراشه ؛ للتمويه على المحاولة الآثمة التي حاكها القرشيون في الظلمات لاغتياله ، والإجهاز عليه في عقر داره(1) ، فضلاً عن تكليفه لعلي (عليه السّلام) لردّ ما تجمّع عند الرسول (صلّى الله عليه وآله) من ودائع وأمانات تخص أفراد الناس من قريش وسواها .

حيث أعادها الإمام علي (عليه السّلام) كاملة إلى أهلها , ولحق رفقه كلّ مَنْ تبقى من أهل البيت (عليهم السّلام) بما فيهم الفواطم في مكة بالنبي (صلّى الله عليه وآله) في المدينة ، ولم يتعرّض أحد للإمام بسوء ؛ سواء في مكة أو في الطريق إلى المدينة ؛ لأنّه كان محسوباً من الشجعان ، وكان الناس عادة ـ ولا زالوا ـ تبتعد وتتحاشى التحرّش أو الاصطدام مع مثل هؤلاء .

وهكذا فقد حفظ الله تعالى محمّداً (صلّى الله عليه وآله) بعلي (عليه السّلام) ، وحفظ علياً (عليه السّلام) لمحمد (صلّى الله عليه وآله) ؛ ينصره ويؤيّده ويذود عنه في الشدّة والرخاء .

وفي المدينة المنوّرة عاش الإمام علي (عليه السّلام) مع أخيه وابن عمّه الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) حياة كفاح ونضال ؛ من أجل نشر أفكار ومبادئ الدين الجديد ، وصدّ كلّ

ـــــــــــــــ
(1) إذا كان الإمام علي (عليه السّلام) قد انتدب لينام في فراش الرسول (صلّى الله عليه وآله) ليلة الهجرة فقبل ذلك بصدر رحب مع احتمال أن يُقتل أو لا يُقتل دون الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، فالعباس (عليه السّلام) قد قدّر له أن يذود عن حياض ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في يوم عاشوراء مع يقينه بأنّه سيُقتل دون الحسين (عليه السّلام) ، وهكذا الابن هو على سرّ أبيه .

الصفحة (17)

عدوان أو اعتداء موجّه ضدّ المسلمين للنيل منهم , أو القضاء على دينهم وعقيدتهم ، وبالتالي إيقاف مسيرتهما العظيمة في الأرض ؛ من أجل إنقاذ الناس من حياة الذلّ والعبودية ، وبعث الحياة السعيدة والكريمة لهم .

لقد خاض الرسول (صلّى الله عليه وآله) منذ وصوله إلى المدينة وحتى رحيله إلى جوار ربّه (21) غزوة وواقعة , وقيل أكثر من ذلك . وكان موقع الإمام (عليه السّلام) في كلّ هذه الغزوات والسرايا عند رأس النفيضة ، وملازماً للنبي (صلّى الله عليه وآله) كظله , أو مرافقه الخاص وحاميه الأوّل ، إلاّ في غزوة واحدة ، وواحدة فقط وهي واقعة تبوك التي جرت عام (9هـ) ؛ حيث آثر الرسول (صلّى الله عليه وآله) هنا أن يدع أخاه وابن عمّه كممثّل عنه ، ونائب خاصّ له في المدينة ؛ لغرض تمشية شؤونها واُمورها ، ومن دون أن يصحبه معه إلى هذه الواقعة .

حيث قال (صلّى الله عليه وآله) له عندما ودّعه على أبواب المدينة , وهو على رأس جيش المسلمين المتّجه إلى الجبهة , قال له بالحرف : (( يا علي ، أما ترضى بأنّك وزيري ووصيِّي ، وخليفتي وقاضي ديني ، ومنجز وعدي ، لحمك لحمي ، ودمك دمي ، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي )) .

فقال علي (عليه السّلام) : (( رضيت )) .

وهكذا ظل الإمام علي (عليه السّلام) مع النبي (صلّى الله عليه وآله) يدافع عن الإسلام ، ويذود عن حياضه ، وينشر معالمه بالغالي والنفيس ، وفي كلّ وقت وحتى النهاية .

وهذه الحالة تؤكّد العبارة ن أو الجملة المتألّقة والمشهورة عبر التاريخ ، ويحفظها الكبير والصغير والتي تفيد بالحرف : إنّ الإسلام لم يقم أو يستقم إلاّ بجهاد النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وأموال خديجة (عليها السّلام) ، وسيف علي (عليه السّلام) .


الصفحة (18)

كما وأشار إليها عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي حين نظم :

ولـولا أبـو طـالب  وابنُهُ       لما مثل الدين شخصاً  فقاما
فـذاك بـمكّة آوى  وحامى       وهذا بيثرب خاضَ الحماما

هذا وبعد أن استتب حال المسلمين في المدينة وانتظم شملهم ، فكّر الإمام علي (عليه السّلام) في أن تكون له عائلة يركن إليها ، وأن ينجب منها الأبناء والذرّية أسوة بكلّ أبناء البشر ، ويليهم هؤلاء الأبناء في بناء ودعم الدولة الفتية التي أقامها الرسول (صلّى الله عليه وآله) في المدينة ، والذود عن حماها ودفعها إلى الإمام ، خصوصاً وإنّه (عليه السّلام) كان بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) أوّل مَنْ وضع اللبنة الأولى في كيانها ، والمحرّك الأوّل لماكنتها ، والحارس الأمين لحماها .

كانت السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هي أوّل امرأة تُزف إلى الإمام ويقترن بها ؛ ولفضل هذه المرأة الطاهرة ، ومكانتها المميّزة عند الرسول (صلّى الله عليه وآله) وفي عالم الإسلام أيضاً ، فقد خطبها حشد كبير من كبار الصحابة ، وطلب يدها من والدها (صلّى الله عليه وآله) أيضاً الكثير من أبناء الصحابة ؛ لِما في مصاهرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) من مكرمة لا تضاهيها أية مكرمة ؛ لأنّ الله سبحانه كان قد رفع وأعلى شأنها ، وأعزّها فجعلها في مقام مريم بنت عمران واُمّ موسى (عليها السّلام) ، واعتبرها خيرة وسيدة نساء العالمين .

وعن هذه المكانة والمنزلة الخاصّة بالزهراء (عليها السّلام) نظم شاعر باكستان محمّد إقبال(1) يقول :

هي بنتُ مَنْ هي زوج مَنْ هي اُمّ مَنْ       مَـنْ ذا يُـداني فـي الـفخارِ  أباها
هي  ومضةٌ من نورِ عينِ  المصطفى       هـادي الـشعوب إذا تـرومُ  هُداها

ـــــــــــــ
(1) لقد تمّت الإشارة إلى سيرة الشاعر ، فضلاً عن أعلام الهند وباكستان الآخرين , في كتابنا (أضواء على شبه القارة الهنديّة) .

الصفحة (19)

هـي رحمةٌ للعالمينَ وكعبةُ    ال       آمـالِ فـي الدنيا    وأخـراها
ولزوجِ فاطمةٍ بسورةِ هل    أتى        تاجٌ يفوقُ الشمسَ عند   ضحاها
في روضِ فاطمةٍ نما غصنانِ لم        يـنجبهما فـي النيّراتِ   سواها

ولقد آثر الله تعالى أن تكون هذه المرأة العفيفة من نصيب الإمام علي (عليه السّلام) ؛ لأنّه سبحانه وتعالى كان قد أعدّها إعداداً تامّاً وكاملاً لتكون قرينةً وزوجةً لأوّل إنسان ولد في الكعبة المشرّفة ، ولأوّل مَنْ صلّى مع رسوله الكريم في دنيا الإسلام ، ولأوّل مَنْ آزر النبي (صلّى الله عليه وآله) ودعمه ، ولأوّل مَنْ جمع القلم إلى السيف ، والبلاغة إلى الرمح ، وللأوّل في العلوم والشجاعة والسخاء ، وللأوّل في الحلم والصفح والفصاحة ، وللأوّل في الزهد والتقشّف ، وللأوّل في الطاعة والعبادة ، وللأوّل في التدبّر والسياسة ... وباختصار للأوّل في كلّ فضيلة ومكرمة ومأثرة .

نعم ، آثرها الله تعالى لتكون حليلة للأوّل في كلّ ما تقدّم بيانه ، وللأوّل أيضاً في كلّ الأعمال المحمودة والفعال الحسنة الاُخرى ؛ فكان كما أراد الله سبحانه ، وكما أحبّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) . ولقد تمّت هذه الإرادة ، وتحقّقت هذه المحبّة في عام (2هـ) ؛ حيث زُفّت الزهراء (عليها السّلام) في المدينة إلى علي (عليه السّلام) ، وعاد علي إلى الزهراء (عليهما السّلام) .

ولقد كانت للزهراء (عليها السّلام) منزلة خاصّة في قلب الرسول (صلّى الله عليه وآله) , حيث أعزّها وأكرمها بشكل ليس له نظير ، كما أنّ إجلال الإمام علي (عليه السّلام) وإكرامه للزهراء (عليها السّلام) لم يكن أبداً بأقلّ ممّا كان عليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) .

لذا نرى أنّ الإمام علي (عليه السّلام) لم يتزوّج على الزهراء (عليها السّلام) أيّة امرأة اُخرى طيلة مدّة حياتها ؛ كرامة لها . وهي نفس الحالة التي كان قد مارسها الرسول (صلّى الله عليه وآله) من قبل إزاء اُمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد (عليها السّلام) (ت عام 9 بعد البعثة) , حيث لم يتزوّج عليها أيّة


الصفحة (20)

امرأة حين كانت على قيد الحياة ـ حيّة ترزق ـ رغم أنّ التعدّدية كانت سائدة ومتعارفة حينذاك .

ولقد نظم أحد الشعراء في الإشادة ، وفي مدح صهر النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول :

أخـوهُ  إذا عُـدّ الفخارُ  وصهرُهُ       فـلا  مـثلهُ أخٌ ولا مـثلهُ  صهرُ
وشُـدَّ  بـهِ أزرَ الـنبي  مـحمدٍ       كما شُدَّ من موسى بهارونهِ الأزرُ

كما ونظم الشاعر عبد الباقي العمري الفاروقي في هذا المعنى يقول :

يـا أبا الأوصياءِ أنتَ   لطه        صـهرُهُ وابنُ عمّهِ    وأخوهُ
إنّ لـلـه فـي معاليكَ سرّاً        أكـثرُ الـعالمينَ ما   علموهُ
أنتَ ثاني الآباءِ في منتهى ال       دورِ وآبـاؤهُ تُـعدّ    بـنوهُ
خـلقَ   اللهُ آدمـاً من ترابٍ        فـهو ابنٌ لهُ وأنتَ    أبـوهُ

هذا ، ومن صلب علي وفاطمة ، ومن بقية زوجاته الطاهرات الاُخرى جاء النسب العلوي والذريّة الهاشميّة الطيّبة التي ملأت أطراف الأرض ، والذي قال (صلّى الله عليه وآله) عن ذلك : (( إنّ كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي )) .

وقال (صلّى الله عليه وآله) كذلك : (( ولولا علي ما كانت لي ذريّة )) .

كما ودعا الرسول (صلّى الله عليه وآله) لذريّة علي وفاطمة (عليهما السّلام) بقوله : (( اللّهمّ اخرج منهما الكثير الطيّب ))(1) .

فكان كما قال الرسول (صلّى الله عليه وآله) , وكان كما دعا .

ــــــــــــــ
(1) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ـ توفيق أبو علم ، أهل البيت ـ توفيق أبو علم .

الصفحة (21)

وبعد رحيل الزهراء (عليها السّلام) إلى جوار ربّها (ت 11هـ)(1) ، والذي تمّ هذا بعد فترة قصيرة من رحيل والدها (صلّى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى والتي هي (72) يوماً أو أكثر ، طلب الإمام علي (عليه السّلام) من أخيه عقيل بن أبي طالب (ت 60هـ) ، والذي كان مختصّاً بعلم أنساب العرب وأحسابها , بل كان حجّة كبيرة في ذلك ، وكان أيضاً أحد الذين يتحاكم إليهم الناس في علم الأنساب(2) ، طلب منه أن يختار له امرأة , حيث خاطبه بالحرف : (( انظر لي امرأة قد ولدتها الفحول من بني العرب ؛ لأتزوّجها فتلد لي غلاماً فارساً )) .

وإنّما طلب الإمام (عليه السّلام) من أخيه هذا الأمر ؛ وذلك لأنّ العرب في الجاهليّة والإسلام كانت تولي مسألة الأحساب والأنساب مكانة خاصّة ، وأهمية عظمى ؛ حيث كانوا ولا زالوا على مدار التاريخ يحتفظون بأنساب قبائلهم وأفخاذهم وبطونهم بصورة جيدة وكاملة ، وهو الذي ندعوه الآن بعصبة الدم , وسواء كان هؤلاء العرب من قبائل العدنانيّة التي تقطن في الشمال عند مكة وأطرافها ، أو من القبائل القحطانيّة من عرب الجنوب الذين يقيمون في اليمن وحواليه(3) .

ــــــــــــــــ
(1) إنّ حرف (ت) الذي يرد في هذا الكتاب يشير إلى تاريخ الوفاة .
(2) لقد كان في قريش أربعة أشخاص يتحاكم إليهم في علم النسب وأيام قريش ، ويُرجع إلى قولهم ، وهم : عقيل بن أبي طالب ، مخرمة بن نوفل الزهري ، أبو الجهم بن حذيفة العدوي ، حويطب بن عبد العزى العامري ، وكان عقيل أسرعهم جواباً ، وأبلغهم وأقدمهم .
(3) لا زال أبناء اليمن إلى الآن ـ كبقية العرب ـ يعتزّون بأنسابهم وأحسابهم ، ولقد صادف في سفرتي الأخيرة إلى اليمن السعيدة (1997) أن سألت أحد الأشخاص (ممّن تعرفت عليه هناك) عن نسبه ، فما كان منه إلاّ أن أخرج فوراً من جيبه شجرة نسبه التي توصله أباً عن جدٍّ إلى آدم أبي البشر (عليه السّلام) .

الصفحة (22)

حيث حرص كلّ هؤلاء العرب واهتمّ بالنسب هذا اهتماماً بالغاً ، وكان هؤلاء يطلقون على الرجل الذي لا يعرف نسبه اسم (الخليع) ، أي المخلوع عن أيّة شجرة نسب يمكنه أن ينتسب إليها ؛ لذا فقد قالت العرب هنا : مَنْ لم يعرف نسبه لم يعرف الناس ، ومَنْ لم يعرف الناس لم يُعدّ من الناس ؛ لهذا نرى اعتزاز أبناء العروبة ـ على مرّ الزمن ـ بعشائرهم وأحسابهم ، وباتوا يضحّون بأنفسهم وأرواحهم رخيصة دفاعاً عنها .

وقد تجلّى ذلك عبر الكلمات ، والقصائد الشعرية الحماسية ، والمعلّقات التي تمجّد هذه القبائل دفاعاً عنها ، وتشيد بهذه العشائر وترفعها إلى القمّة حقّاً أو من دون استحقاق .

وإنّ الإمام علي (عليه السّلام) لم يغفل هذه الناحية حيث قال لابنه الحسن (عليه السّلام) في وصيته له : (( أكرم عشيرتك ؛ فإنّهم جناحك الذي بهم تطير ، وأصلك الذي إليه تصير ، ويدك التي بها تصول )) .

والعجيب هنا أنّ العرب لم تعتز بأنسابها وأحسابها البشرية فقط , بل قد تجاوزوا في ذلك إلى أنساب خيولهم واُصولها ؛ حيث نرى هؤلاء يحتفظون بأنساب الخيول الأصيلة والتي قُسّمت لديهم إلى عدّة سلالات ، وباتوا يحرصون على عدم تزاوج أي فرس من سلالة معينة باُخرى من سلالة تقع دونها ؛ وذلك حرصاً على الاحتفاظ بالنسب خالصاً من الاختلاط


الصفحة (23)

بسواه من السلالات المتدنية(1) .

وللفرس الأصيلة ـ قديماً وحديثاً ـ ثمن باهظ قد يعادل أو يزيد على أثمان عشرة خيول من سلالات متدنية وواطئة .

هذا وقد أجاب عقيل على طلب أخيه بالبحث له عن امرأة ، أجاب بعد تفكير واستعراض لأنساب العرب وأحسابها بالقول : تزوّج اُمّ البنين الكلابيّة ؛ فإنّه ليس في العرب على وجه الإطلاق أشجع من آبائها ولا أفرس .

ثمّ أخذ عقيل يذكر لأخيه علي (عليه السّلام) نسب اُمّ البنين كاملاً من جهة آبائها حيث قال له : هي فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن .

كما وذكر لأخيه نسبها من جهة الاُمّ بقوله : واُمّها هي ثمامة بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب .

ثمّ قام عقيل يعدّد لأخيه أمجاد ومكارم أجداد اُمّ البنين ، وإخوة الأجداد وأعمامها وأخوالها ، حتّى حصل عند الإمام اليقين التامّ عنها ، فطلب (عليه السّلام) من أخيه عقيل التوجّه إلى أهلها وأن يخطبها له من دون تأخير .

وطبيعي إنّ طلب الإمام علي (عليه السّلام) من أخيه عقيل أن يخطب له امرأة ما كان

ــــــــــــــــ
(1) يعتبر سكّان الجزيرة أنّ أصول الخيل ـ أرساؤها أو عوائلها ـ سبعة , هي : صقلاوي جدران ، حمداني السمري ، معنق حدرج ، كحيلة العجوز ، شويمة بسياح ، عبية الشراك ، هدية نزحي .
هذا وبزيادة النسل وانتشاره لدى مالكين جدد غير الأصليِّين صارت لهذه الأصول فروع كثيرة بات تعدادها متعذّراً .

الصفحة (24)

ليكون إلاّ لمعرفة الإمام بأنساب العرب وقبائلها ، وما تمتاز به بعض هذه القبائل من مكارم وفضائل (وهو ما ندعوه بالأصل والفصل) ، وما يلوك سواها من سيئات وسمعه بذيئة لغرض تجنّب المصاهرة مع الأخيرة ؛ وذلك وفقاً لما ينقل عن الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) في هذا الصدد بقوله : (( اختاروا لنطفكم ؛ فإنّ العرق دسّاس )) .

وقوله (عليه السّلام) أيضاً : (( اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم )) .

وقوله : (( إنّ الخال أحد الضجيعين )) .

وقوله (صلّى الله عليه وآله) : (( إيّاكم وخضراء الدمن )) ، وحين سُئل : ما خضراء الدمن ؟ قال : (( المرأة الحسناء في منبت السوء )) .

ومن هذا جاء المثل العربي الشائع وهو : الولد لخاله(1) .

وهكذا كانت أفخاذ وبطون عامر وكعب وكلاب ـ وهي التي وقع الاختيار عليها من قبل عقيل ؛ لغرض مصاهرة أخيه منها ـ هي قمّة الأفخاذ والبطون العربية شرفاً وعزّة ، وشجاعة ومروءة في عهدي الجاهليّة والإسلام .

ولقد أشار إلى هذه الحقيقة أحد الشعراء حين نظم في ذمّ فخذ نمير فقال :

فغضَّ الطرفَ إنّكَ من نميرٍ       فـلا  كعباً بلغتَ ولا  كلابا

كما وأشار شاعر عربي ثانٍ ، وهو أوس بن حجر , إلى ذلك , حيث نظم في
ـــــــــــــــ
(1) يشير العلم الحديث إلى أنّ المرء يرث صفاته المعنوية والجسدية عن أعمامه وأخواله , بل وعن جدوده ؛ سواء لأبيه ، أم لاُمّه ؛ لذا اهتم العرب بالنسب اهتماماً كبيراً ، واعتبروه سبباً في التعارف ، وسلّماً للتواصل فيما بينهم .

الصفحفة (25)

وصف شجاعة أحد أفخاذ اُمّ البنين يقول :

يلاعبُ أطرافَ الأسنةِ عامرُ       فراحَ لهُ حظُّ الكتائبِ  أجمعُ

ونظم شاعر ثالث ، وهو لبيد , يخاطب النعمان بن المنذر ملك الحيرة حول هذا المعنى :

يا واهبَ الخيرَ الجزيلَ من سعهْ       نـحنُ  بـنو اُمّ الـبنين  الأربعهْ
ونـحنُ خيرُ عامرِ بن  صعصعهْ       الضاربونَ الهامَ وسطَ  الخيضعهْ


الصفحة (26)

في رحاب اُمّ البنين

لقد أشرنا في الفصل السابق إلى الأفخاذ والبطون التي تنتسب إليها اُمّ البنين ، وكونها أفخاذ وبطون تبعث على المفاخرة والعزّة عند مصاهرتها .

أمّا في هذا الفصل فنشير إلى سيرة هذه المرأة الصالحة النقية ، وسلوكها وطبيعة خُلقها ؛ لنرى مدى تطابق وانعكاس مفاخر آبائها وأمّهاتها ، ومآثرهم على طبيعة سلكوها وسيرتها ، بدءاً من ولادتها ومروراً بإنجابها للشهداء الكرام الأربعة ، والذي كان العبّاس (عليه السّلام) في طليعتهم ومقدّمتهم ، واختتاماً غير موقفها المشرف حين سمعت بمصير أبنائها مع سيّدهم الحسين (عليه السّلام) في طفّ كربلاء ، ومن ثمّ رحيلها إلى جوار ربّها آمنة مطمئنة لتُدفن في مقبرة البقيع بالقرب من قبر سميّتها فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، ومشيّعة إلى مثواها الأخير هذا من قبل كلّ مَنْ بقى موجوداً من آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، ومن كلّ الطيبين والأخيار في المدينة المنوّرة .

لقد ولدت فاطمة (اُمّ البنين) الكلابيّة في حدود عام (5هـ) في أصح الأقوال ، أي إنّها تصغر بسنة واحدة عن عمر الحسين (عليه السّلام) .

ولقد وضع لها اسم فاطمة ؛ وذلك لأنّه كانت هناك أسماء جميلة ولطيفة تميل إليها العرب وتختارها لتسمية بناتها حين ولادتهنّ ، وإنّ اسم (فاطمة) يقع في قمّة هذه الأسماء الجميلة وأفضلها .

ومن هذا المنطلق يُنقل عن الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) في مقولته هذه هي :(1)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هكذا وردت العبارة في الأصل من غير أن تُذكر مقولة الرسول (صلّى الله عليه وآله) , ويبدو أن هناك سقطاً وقع أثناء الطباعة والنسخ دون أن يلتفت إليه المولِّف أو المصحّح , علماً أن لهذا السقط ارتباطاً بالصفحة التي تليها . (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)

الصفحة (27)

1 ـ فاطمة بنت أسد(1) : وهي اُمّ الإمام علي (عليه السّلام) ، والذي ترعرع الرسول (صلّى الله عليه وآله) من أحضانها عند رحيل والدته آمنة بنت وهب ، وكان يدعوها بالاُمّ .

2 ـ فاطمة بنت حمزة أو ربيعة .

3 ـ فاطمة الزهراء (عليها السّلام) : وهي ابنة الرسول (صلّى الله عليه وآله) نفسه ، وزوجة الإمام علي (عليه السّلام) ، واُمّ الحسن والحسين (عليهما السّلام) . ولقد اُطلق عليها اسم (أمّ أبيها) وفقاً لمقولة الرسول (صلّى الله عليه وآله) الآنفة .

وهناك ما يقرب من (20) صحابية تحمل اسم (فاطمة) وفقاً لما أشار إليه الفيروز آبادي في قاموسه , وإنّ أغلبهنّ أو كلّهنّ قد أدركن وواكبن عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله) في أوقات مختلفة ، والذي منهنّ فاطمة اُمّ البنين ؛ لكونها صحابية جليلة محترمة ؛ لأنّ الصحابي هو مَنْ أدرك عصر الرسول وأسلم على يده ، وأخذ عنه العلم ، ونقل حديثه من الرجال والنساء ... إلخ ، كما سنشير إليه في فصل لاحق .

أمّا عن علّة تسميتها هنا باُمّ البنين ، فنشير إلى أنّ العرب في الجاهليّة والإسلام كانت تضع هذا الاسم ، وتُكنى به المرأة التي تلد ثلاثة أبناء فما فوق .

والمفروض هنا هو أنّ هؤلاء الأبناء لا يأتون إلى الحياة الدنيا إلاّ بعد زواج المرأة وولادتها العدد المذكور من الأبناء ، وهذا الأمر يتطلّب تأخير وضع الاسم ـ اُمّ البنين ـ إلى ما بعد هذه الولادة ، والإنجاب بهذا العدد من الذكور .

ـــــــــــــــ
(1) كانت فاطمة بنت أسد ذات رأي أصيل ، وقد سارت سيرة خديجة الكبرى في الدفاع عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومؤازرته وإعلاء كلمته ، وكثيراً ما وقفت بوجه المشركين وردّت عداوتهم ، وهاجرت إلى المدينة .
ولمّا توفيت عام (4هـ) كفّنها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قميصه ، ودخل قبرها ، وقال : (( اللّهمّ اغفر لاُمّي فاطمة بنت أسد ، ولقّنها حجّتها ، ووسّع عليها مدخلها )) . وقيل للرسول (صلّى الله عليه وآله) عن علّة ذلك ، فقال : (( إنّه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرّ بي منها ؛ كانت تجيع صبيانها وتشبعني ، وتشعثهم وتدهنني ، وكانت اُمّي )) .

الصفحة (28)

إلاّ أنّ الحقيقة والواقع هنا هو أنّ البعض من العرب ـ وخلافاً لهذا الفرض ـ كان يُكني ابنته عند الولادة وفي عهد الطفولة بهذه الكنية (اُمّ البنين) ؛ وذلك على سبيل الأمل والتفاؤل في أن تتزوّج ابنته هذه فيما بعد وترزق بعدد وفير من الأطفال الذكور .

والذي ندعوه الآن بـ (استباق الحوادث) ، وعلى النحو والكيفية التي كانوا يدعون ويسمّون بناتهم بأسماء تبعث على الأمل والرجاء , مثل أمّ أيمن ، وأمّ الخير ، وأمّ المكارم ، وأمّ البركة .

ويظهر لنا هنا أنّ اسم اُمّ البنين كانت قد كُنّيت بـ (فاطمة) منذ نعومة أظفارها ، وقبل زواجها من الإمام علي (عليه السّلام) وإنجابها لأربعة أولاد منه(1) ، بسبب أنّ عقيل كان قد أشار إلى هذه الكُنية عندما طلب منه الإمام (عليه السّلام) أن يبحث له في قبائل العرب عن زوجة بمواصفات معينة وخاصة .

ولقد غلبت هذه الكُنية على اسمها الحقيقي (فاطمة) حتّى غدت علماً ، وباتت

ــــــــــــــ
(1) يذهب البعض إلى أنّ سبب تسمية فاطمة الكلابيّة باُمّ البنين قد تمّ مؤخراً وبعد زواجها بالإمام علي (عليه السّلام) ؛ وذلك عندما طلبت هي من الإمام (عليه السّلام) أن يستبدل ويغيّر اسمها ، وحينها استفسر الإمام منها عن علّة ذلك , قالت : بأنّه عند مناداتها باسم فاطمة ترى في وجوه الحسن والحسين وزينب (عليهم السلام) علائم الحزن والألم ؛ لأنّ هذا الاسم يذكّرهم بأمّهم فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، فما كان من الإمام ـ وفقاً لهذه الرواية ـ إلاّ أن يغيّر اسمها إلى اُمّ البنين .
ونرى هنا أنّ اسم اُمّ البنين كان قديماً وقبل زواجها ولقائها بالإمام (عليه السّلام) إلاّ أنّها ربّما طلبت من الإمام (عليه السّلام) والذي كان يناديها في الغالب باسم فاطمة ـ ليستذكر ذكرى زوجته وحبيبته الزهراء (عليها السّلام) ـ بأن يناديها باسمها الآخر وهو اُمّ البنين ؛ تجنّباً من سماع أبناء فاطمة الزهراء (عليها السّلام) لاسم أمّهم الراحلة ، رغم أنّ سماع اسم الأمّ الراحلة ـ كما هو متعارف الآن ـ قد يبعث الفخر والفرحة والاستذكار عند الأبناء لا الحزن .
ويؤيد هذا المنحى ما قاله عقيل لأخيه علي (عليه السّلام) إزاء الزواج بالحرف : تزوّج اُمّ البنين الكلابيّة . ولو لم يكن اسمها اُمّ البنين لقال له : تزوّج فاطمة ... إلخ .

الصفحة (29)

لا تعرف ولا تذكر إلاّ بها ، وحتى نسي الكثيرون اسمها الأوّل .

وطبيعي إنّ الله سبحانه قد حقّق الأمل والرجاء الذي من أجله قد كُنّيت (فاطمة) العامرية الكلابيّة به , وهو (اُمّ البنين) في السنوات التالية ؛ حيث إنّها وبعد زواجها من الإمام علي (عليه السّلام) قد رزقها الله تعالى بأكثر من ثلاثة أولاد ، هم أربعة على وجه التحديد ، وقد كان كلّ واحد منهم ولا سيما أوّلهم وهو العبّاس فارساً وشجاعاً وباسلاً يشار إليه بالبنان . وأمّا أسماؤهم فهي كما يلي :

1 ـ العباس

2 ـ عبد الله

3 ـ عثمان

4 ـ جعفر

هذا ونشير إلى أنّ اُمّ البنين العامرية الكلابيّة لم تكن هي الفتاة الوحيدة في الإسلام التي كُنّيت بهذا الاسم (اُمّ البنين) ، بل نجد هناك قبلها أو بعدها مَنْ كنّى بناته بهذا الاسم .

ولقد برزت مكانة بعضهن أو اختفت تبعاً لمواقفهنّ وأدوارهنّ السياسية والدينية والاجتماعية والأدبية عبر التاريخ . ومن النساء اللاتي كُنّيت باسم (اُمّ البنين) وأمكن إحصائها هي كما يلي :

1 ـ اُمّ البنين : وهي فاطمة بنت حزام الكلابيّة ، وهي موضوع هذا الفصل .

2 ـ اُمّ البنين : المعروفة بالخصومة الكلابيّة ، وتدعى هذه أيضاً باسم فاطمة ، وهي زوجة عقيل بن أبي طالب ، وتشابه اُمّ البنين الاُخرى (اُمّ العباس) في الاسم والكُنية ، وفي العشيرة والقبيلة , وهي كلاب .

والعجيب هنا هو أنّها أنجبت لعقيل أربعة أولاد على النحو الذي أنجبت الاُخرى أربعة أولاد أيضاً .

3 ـ اُمّ البنين : ليلى الكلابيّة ، وهي بنت عمر بن عامر بن فارس .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة