الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


العباس بن علي

رائد الكرامة والفداء في الإسلام

 

باقر شريف القرشي


الصفحة 7
الصفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
وَلاَ تَحْسَبنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِن خَلْفِهِمْ ألا خَوْفُ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
سورة آل عمران : 169 ـ 171

الصفحة 9

 

الإهداء


إلى ... الفاتح العظيم الذي احتلّ قلوب الناس وعواطفهم.
إلى ... أنشودة الأحرار في كل زمان ومكان.
إلى ... أبيّ الضيم ، وسيّد الشهداء الاإمام الحسين 7.
أرفع ـ بتواضع ـ هـذه الدراسة عن حياة أبي الفضل العبّاس 7. الذي جسّد في سلوكه مع أخيه الحسين 7 حقيقة الأخوة الصادقة ، ففداه بنفسه ، ووقاه بمهجته ، راجياً التفضّل عليَّ بالقبول.


الصفحة 10
الصفحة 11
الصفحة 12

بين يديك
يا قمر بني هاشم وفخر عدنان
أنت ـ يا قدوة الثوار والأحرار ـ قد تألقت في سماء هذا الشرف ، رمزاً للبطولات ، وعنواناً للتضحية والفداء ، فقد رأيت الحكم الأموي السحيق يسوس المجتمع نحو الدمار الشامل ، يسحق الكرامات ، ويقضي على الحريات ، ويمتصّ الأقوات ويقود المجتمع إلى حياة بائسة لا ظلّ فيها للعدل الاجتماعي والعدل السياسي ، فرفعت راية التحرير مع أخيك أبي الأحرار وسيّد الشهداء 7 الذي جسّد آمال الشعوب وطموحاتها ، وسعى لتحرير إرادتها ، وإعادة كرامتها.
لقد وقفت مع أخيك في خندق واحد فرفعتما كلمة الله الهادفة إلى كرامة الإنسان ، وبناء حياة آمنة مستقرّة لا ظلّ فيها للظلم والطغيان.
أمّا أنت ـ يا أبا الفضل ـ فكنت هبة من الله لهذه الأمّة ، فقد فتحت لها آفاقاً مشرقة من الحرية والكرامة ، وعلّمتها أنّ التضحية يجب أن تكون خالصة لله ، وبعيدة كلّ البعد عن الرغبات والعواطف وسائر الميول التي مآلها إلى التراب ، وبهذه الروح الإسلامية الأصيلة كانت تضحيتك ـ يا أبا


الصفحة 13

الفضل ـ فقد اتّسمت بالدفاع عن الحق ، والذبّ عن القيم والمبادئ وهذا هو السرّ في خلود تضحيتك ، وتفاعلها مع عواطف الناس على امتداد التاريخ.
أمّا أنت ـ يا قمر بني هاشم ـ فقد أقمت صروح الحق في دنيا العرب والإسلام وشيّدت للمسلمين مجداً شامخاً بنصرتك لأخيك سيّد الشهداء ، الذي نافح من أجل أن تسود العدالة الاجتماعية في الأرض وتوزع خيرات الله على المضطهدين والمحرومين ، وتحمّلت معه أعباء هذه الرسالة ، وبهذا كنت مع أخيك ، وسائر الشهداء الممجدين من أهل البيت وأنصارهم الطلائع المقدّسة لشهداء الحق في جميع أنحاء الأرض.


الصفحة 14

الصفحة 15

 

تقديم


وبرز أبو الفضل العباس 7 على مسرح التاريخ الإسلامي كأعظم قائد فذّ لم تعرف له الإنسانية نظيراً في بطولاته النادرة بل ولا في سائر مُثله الأخرى التي استوعبت ـ بفخر ـ جميع لغات الأرض.
لقد أبدى أبو الفضل يوم الطف من الصمود الهائل ، والارادة الصلبة ما يفوق الوصف ، فكان برباطة جأشه ، وقوّة عزيمته جيشاً لا يقهر فقد أرعب عسكر ابن زياد ، وهزمهم نفسيّاً ، كما هزمهم في ميادين الحرب.
ان بطولات أبي الفضل كانت ولا تزال حديث الناس في مختلف العصور ، فلم يشاهدوا رجلاً واحداً مثقلاً بالهموم والنكبات يحمل على جيش مكثّف مدعّم بجميع آلات الحرب قد ضمّ عشرات الآلاف من المشاة وغيرهم فيلحق بهم أفدح الخسائر من معداتهم وجنودهم ، ويقول المؤرخون عن بسالته ـ يوم الطف ـ إنه كلما حمل على كتيبة تفرّ منهزمة من بين يديه يسحق بعضها بعضاً قد خيّم عليها الموت ، واستولى عليها الفزع والذعر قد خلعت منها الأفئدة والقلوب ، ولم تغن عنها كثرتها شيئاً.
انّ شجاعة أبي الفضل وسائر مواهبه ومزاياه مما تدعو إلى الاعتزاز


الصفحة 16

والفخر ليس له وللمسلمين فحسب ، وإنما لكل إنسان يدين لإنسانيته ، ويخضع لقيمها الكريمة.
وبالإضافة إلى ما يتمتّع به أبو الفضل العباس 7 من البطولات الرائعة فانّه كان مثالاً للصفات الشريفة ، والنزعات العظيمة ، فقد تجسّدت فيه الشهامة والنبل والوفاء والمواساة ، فقد واسى أخاه أبا الأحرار الإمام الحسين 7 في أيام محنته الكبرى ، ففداه بنفسه ووقاه بمهجته ، ومن المقطوع به أن تلك المواساة لا يقدر عليها إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان ، وزاده هدى.
ومثَّل أبو الفضل العباس 7 في سلوكه مع أخيه الإمام الحسين 7 حقيقة الأخوّة الإسلامية الصادقة ، وأبرز جميع قيمها ومثلها ، فلم يبق لون من ألوان الأدب ، والبرّ والإحسان إلاّ قدّمه له ، وكان من أروع ما قام به في ميادين المواساة له ، انه حينما استولى على الماء يوم الطفّ تناول منه غرفة ليشرب ، وكان قلبه الزاكي كصالية الغضا من شدّة الظمأ ، فتذكّر في تلك اللحظات الرهيبة عطش أخيه الإمام الحسين وعطش الصبية من أهل البيت : ، فدفعه شرف النفس ، وسموّ الذات إلى رمي الماء من يده ، ومواساتهم في هذه المحنة الحازبة ، تصفّحوا في تاريخ الأمم والشعوب فهل تجدون مثل هذه الأخوّة الصادقة ؟!! انظروا في سجلاّت نبلاء الدنيا فهل ترون مثل هذا النبل ، ومثل هذا الإيثار ؟!


الصفحة 17

الله أكبر أي رحمة مثل هذه الرحمة ، وأيّة مودّة مثل هذه المودّة !!
إن الإنسانية بجميع قيمها ومثلها لتنحني إجلالاً وخضوعاً أمام أبي الفضل على ما أبداه من عظيم النبل لأخيه الإمام الحسين أبي الأحرار وسيّد الشهداء 7.
والشيء الذي يدعو إلى الاعتزاز بتضحية أبي الفضل ونصرته لأخيه الإمام الحسين ، أنّها لم تكن بدافع الأخوة والرحم الماسة وغير ذلك من الاعتبارت السائدة بين الناس ، وانّما كانت بدافع الإيمان الخالص لله ، ذلك الإيمان الذي تفاعل مع عواطف أبي الفضل ، وصار عنصراً من عناصره ، ومقوّماً من مقوّماته ، وقد أدلى بذلك في رجزه حينما قطعت يمينه التي كانت تفيض برّاً وعطاءً للناس ، قائلاً :
والله إن قطعتم يميني
إنّي أحامي أبداً عن ديني


الصفحة 18

وعن إمام صادق اليقين
ان الرجز في تلك العصور كان يمثّل الأهداف والمبادئ والقيم التي من أجلها يقاتل الشخص ، ويستشهد في سبيلها ، ورجز سيّدنا العباس 7 صريح واضح في أنّه انّما يقاتل دفاعاً عن الدين ، ودفاعاً عن المبادئ الإسلامية الأصيلة التي تعرضت إلى الخطر أيام الحكم الأموي الأسود ، كما أنّه انّما يقاتل دفاعاً عن إمام المسلمين سبط رسول الله وريحانته الإمام الحسين المدافع الأوّل عن كرامة الإسلام ، فهذه هي العوامل التي دفعته إلى التضحية ، وليس هناك أي دافع آخر وهذا هو السرّ في جلال تضحيته ،


الصفحة 19

وخلودها عبر القرون والأجيال.
لقد استشهد أبو الفضل العباس من أجل المبادئ العليا التي رفع شعارها أبو الأحرار أخوه الإمام الحسين 7 ، والتي كان من أهمّها أن يقيم في هذا الشرق حكم القرآن ، وينشر العدل بين الناس ويوزّع عليهم خيرات الأرض ، فليست هي لقوم دون آخرين.
لقد استشهد أبو الفضل من أجل أن يعيد للإنسان المسلم حرّيته وكرامته ، وينشر بين الناس رحمة الإسلام ، ونعمته الكبرى الهادفة لاستئصال الظلم والجور ، وبناء مجتمع لا ظلّ فيه لأي لون من ألوان الفزع ، والخوف.
لقد حمل أبو الفضل مشعل الحرية والكرامة ، وقاد قوافل الشهداء إلى ساحات الشرف ، وميادين العزّة ، والنصر للشعوب الإسلامية التي كانت ترزح تحت وطأة الظلم والجور.
لقد انطلق أبو الفضل إلى ميادين الجهاد من أجل أن ترتفع كلمة الله تعالى عالية في الأرض ، تلك الكلمة التي هي منهج كامل للحياة الكريمة بين الناس.
وفجّر الإمام أبو الأحرار ثورته الكبرى التي أوضح الله بها الكتاب وجعلها عبرة لأولي الألباب ، فدكّ بها حصون الظلم ، وقلاع الجور.
ولم يفجّر الإمام الحسين 7 ثورته الرائدة العملاقة أشراً ولا بطراً ،


الصفحة 20

ولا ظالماً ، ولا مفسداً ـ حسب ما يقول ـ وإنّما أراد تغيير الواقع المرير الذي تعيشه الأمة من جرّاء الحكم الأموي المنحرف عن جميع الأعراف والقوانين ، ذلك النظام الذي أحال حياة الناس إلى جحيم لا يطاق ، فقد عجّت البلاد الإسلامية بجميع صنوف الجور والإرهاب ، وكان من أعظمها محنة وأشدّها بلاءً البلاد الخاضعة لحكم زياد بن أبيه ، والي معاوية على العراق ، وأخيه اللاشرعي ، الذي أجّج نار الفتنة ، وحكم بين الناس بغير ما أنزل الله ، فأخذ البريء بالسقيم ، والمقبل بالمدبر ، وقتل على الظنّة والتهمة ، كما أعلن ذلك ، وطبّقه بالفعل على الحياة العامة بين الناس.
وأن سبط الرسول 9 ، وأمل الإسلام ، والمسؤول الأوّل عن رعاية المسلمين ، وصيانة حياتهم والواقع الاجتماعي الذي تعيشه الأمة ، والذي ينذر بخطر عظيم على حياتها العقائدية ، والفكرية والاجتماعية ، فقد تحكّم في مصيرها جبابرة الأمويين ، وطغاة الرأسمالية القرشية ، التي حملت معول الهدم على جميع ما أسّسه الإسلام من مجد أصيل وخلق رفيع للأمة ، بالإضافة إلى أنّها أخذت تستنزف الموارد الاقتصادية في العالم الإسلامي ، وتنفقها على شهواتها ، ورغباتها الخاصة ، فهبّ أبو الأحرار لإنقاذ المسلمين ، وإعادة الحياة الكريمة لهم ، فما أعظم عائدته على الإسلام ، وما أكثر ألطافه وأياديه على المسلمين.
ان ملحمة كربلاء من أهم الأحداث العالمية ، بل ومن أهمّ ما حققته


الصفحة 21

البشرية من إنجازات رائعة في ميادين الكفاح المسلّح ضدّ الظلم والطغيان ، فقد غيّرت مجرى تاريخ الشعوب الإسلامية ، وفتحت لها آفاقاً مشرقة للتمرّد على الظلم والطغيان.
لقد ألهبت هذه الملحمة الخالدة عواطف الأحرار ، ودفعتهم إلى النضال المسلّح في سبيل تحرير المجتمع من نير العبودية والذلّ ، وإنقاذه من الحكم اللاشرعي.
لقد انتصر سيّد الشهداء في ثورته الخالدة ، وانتصرت أهدافه ومبادئه العظيمة ، وظلّ مثلاً خالداً للكفاح المقدّس يطارد الظالمين والطغاة في كل عصر وزمان ، ويمدّ الثوّار بروح التضحية والفداء.
ان من الانتصارات الرائعة التي حقّقها أبي الضيم في ثورته أنه جرّد الحكم الأموي من الشرعية ، وأنّه لا يمثّل الإسلام ، ولا المسلمين بأي حال من الأحوال ، وإنّما هو حكم ديكتاتوري قائم على النطع والسيف لا على رضى الأمة واختيارها.
لقد وضع أبو الأحرار العبوات الناسفة في أروقة الحكم الأموي ففجّرتها ، ونسفت معالم زهوهم وفجورهم وطغيانهم ، وظلّوا مثلاً أسوداً لكل حكم منحرف عن سنن الحق والعدل.
لقد أيقظت ثورة أبي الأحرار الشعوب الإسلامية من تخديرها وسباتها ، فانطلقت كالمارد الجبّار في ثورات متلاحقة ، وهي ترفع شعار التحرير ، وشعار الاستقلال ، وشعار الكرامة من أجل التخلّص من ذلك


الصفحة 22

الحكم الأسود.
لقد قامت الشعوب الإسلامية في ثورات متلاحقة كانت امتداداً لثورة الحسين 7 ، حتى أطاحت بالحكم الأموي ، وأزالته من دنيا الوجود.
ومن الجدير بالذكر أن كارثة كربلاء ، وما لحق بالإمام الحسين 7 من التنكيل ، والاعتداء الصارخ ، لم يأتِ ذلك عفواً ، وإنّما كان من النتائج المباشرة للانحرافات ، والسلوك في المنعطفات السياسية من جانب الحكام والمسؤولين الذين كانوا ينظرون إلى السلطة بأنّها مغنم ، ووسيلة للظفر بالثراء العريض ، ولم يعوا أن الإسلام اعتبر السلطة أداة لخدمة المجتمع ، وتطوير حياته الفكرية والاقتصادية ، وانّها مسؤولة أمام الله عن اقتصاد الأمة فيجب عليها الاحتياط فيه كأشدّ ما يكون الاحتياط فليس لرئيس الدولة ، ولا لغيره من أجهزة الحكم أن يصطفوا لأنفسهم وذويهم أي شيء من أموال الدولة.
وكان على رأس الحكّام المنحرفين ملوك بني أمية الذين اتخذوا مال الله دولاً وعباد الله خولاً ، وبالإضافة إلى ما اقترفوه من ظلم الأمة والاعتداء على كرامتها ، فانّهم عمدوا إلى ظلم العلويين ، والإجهاز على شيعتهم ، وقد شاهد أبو الفضل 7 المحن الشاقة والعسيرة التي حلّت بأهل بيته ومحبّيهم ، ومما لا ريب فيه انّها تركت في أعماق نفسه أقسى ألوان المحن ، والآلام.
أمّا دور سيّدنا العباس 7 في ملحمة كربلاء فانّه يأتي في الأهمية بعد أخيه أبي الأحرار الإمام الحسين 7 صانع هذه الملحمة الخالدة في


الصفحة 23

دنيا الحقّ والعدل ، وقد فاق جميع أصحاب الإمام الحسين 7 ، وأهل بيته المكرمين ، وذلك بما قدّمه من عظيم الخدمات لأخيه ، بالإضافة إلى مواقفه البطولية الرائعة ، وصموده الهائل أمام معسكر ابن زياد ، وقد أبدى من البسالة ما يذهل الأفكار ويحيّر الألباب ، وكان يشيع في نفوس أصحاب أخيه وأهل بيته العزم والتصميم على التضحية والجهاد بين يديه ، فقد استهان بالموت وسخر من الحياة ، وقد انطبعت هذه الظاهرة في نفوسهم فاعتنقوا الشهادة ، وانطلقوا إلى ميادين الجهاد ليرفعوا كلمة الله في الأرض.
وكان العبّاس 7 أيّام المحنة الكبرى التي حلّت بأخيه ملازماً له لم يفارقه ، وقدّم له جميع ألوان البرّ والإحسان ، فكان يقيه بنفسه ويفيديه بمهجته ، فهو صاحب لوائه ، ومدير شؤونه ، والمتصدّي لخدماته ، ويقول الرواة : انّه قد استوعب حبّه والإخلاص له قلب أخيه الإمام الحسين 7 حتى فداه بنفسه ، وكان عليه ضيفاً ، فلم يسمح له بالحرب حتى بعد مقتل أصحابه وأهل بيته ، لأنّه كان يشعر بالقوة والمنعة ، ما دام حيّاً إلى جانبه ، ولما استشهد العباس شعر الإمام الحسين بالوحدة والغربة والضياع بعده وفقد كلّ أمل له في الحياة ، وراح يبكي عليه أمرّ البكاء ، ويندبه بذوب روحه ، وسارع إلى ساحة الحرب ليلتقي به في جنان الخلد.
سلام الله عليك يا أبا الفضل ففي حياتك وشهادتك ملتقى أمين لجميع القيم الإنسانية ، وحسبك أنّك وحدك كنت انموذجاً رائعاً لشهداء الطفّ الذين احتلّوا قمّة الشرف والمجد في دنيا العرب والإسلام.


الصفحة 24

كان بودّي قبل حفنة من السنين أن أتشرّف بالبحث عن سيرة أبي الفضل العبّاس 7 رائد الشرف والكرامة لهذه الأمّة ، وقد دعاني إلى ذلك ـ بإصرار ـ بعض السادة من فضلاء الحوزة العلمية في النجف الأشرف ، إلاّ أنّ انشغالي بتأليف موسوعة عن أئمّة أهل البيت : قد شغلني عن ذلك ، وقد ألمّت كارثة من كوارث الزمن ببعض ولدي فتوسّلت ، وتوسل ضارعاً إلى الله تعالى أن يكشف عنه ما هو فيه ، وينقذه وينجّيه فاستجاب الله دعائي ودعاءه فأنجاه مما هو فيه والحمد لله ، وقد طلب منّي أن أكتب رسالة عن حياة أبي الفضل وسيرته وشهادته ، فاستجبت له ، وجمّدت الموضوع الذي بيدي ، واتجهت صوب أبي الفضل آملاً من الله تعالى أن أُوفَّق إلى إعطاء صورة متميّزة وكاملة عن حياته ، وأن لا أكون قد جافيت الواقع أو ابتعدت عن القصد فيما كتبته عنه انّه تعالى وليّ القصد والتوفيق.
النجف الأشرف
باقر شريف القرشي
1412 ه‍ ـ 1992 م


الصفحة 25

الصفحة 26

 

ولادته ونشأتهُ


وقبل أن أتحدّث عن ولادة أبي الفضل العباس 7 ونشأته أعرض ـ بإيجاز ـ إلى نسبه الوضّاح ، ذلك النسب الكريم الذي كان له الأثر التام في بناء شخصيته العظيمة ، وتكوين سلوكه المشرّف القائم على الشرف والفضيلة وفيما يلي ذلك :
نسبه الوضّاح
ليس في دنيا الأنساب نسبٌ أسمى ، ولا أرفع من نسب أبي الفضل فهو من صميم الأسرة العلوية ، التي هي من أجلّ وأشرف الأسر التي عرفتها الإنسانية في جميع أدوارها ، تلك الأسرة العريقة في الشرف والمجد ، التي أمدّت العالم العربي والإسلامي بعناصر الفضيلة ، والتضحية في سبيل الخير ، وما ينفع الناس ، وأضاءت الحياة العامة بروح التقوى ، والإيمان ، وهذا عرض موجز للاَصول الكريمة التي تفرّع قمر بني هاشم ، وفخر عدنان منها.
الأب :
أمّا الأب الكريم لسيّدنا العباس 7 فهو الإمام أمير المؤمنين 7 ،


الصفحة 27

وصيّ رسول الله 9 ، وباب مدينة علمه ، وختنهُ على حبيبته ، وهو أول من آمن بالله ، وصدّق رسوله وكان منه بمنزلة هارون من موسى ، وهو بطل الإسلام ، والمنافح الأول عن كلمة التوحيد ، وقد قاتل الأقربين والأبعدين من أجل نشر رسالة الإسلام وإشاعة أهدافه العظيمة بين الناس ، وقد تمثلت بهذا الإمام العظيم جميع فضائل الدنيا ، فلا يدانيه أحد في فضله وعلمه ، وهو ـ بإجماع المسلمين ـ أثرى شخصية علمية في مواهبه وعبقرياته بعد الرسول محمد 9 ، وهو غنّي عن البيان والتعريف ، فقد استوعبت فضائله ومناقبه جميع لغات الأرض ... ويكفي العباس شرفاً وفخراً أنّه فرع من دوحة الإمامة ، وأخ لسبطي رسول الله 9.
الاُم :
أمّا الأم الجليلة المكرّمة لأبي الفضل العباس 7 فهي السيدة الزكية فاطمة بنت حزام بن خالد .. ، وأبوها حزام من أعمدة الشرف في العرب ، ومن الشخصيات النابهة في السخاء والشجاعة وقرى الأضياف ، وأما أسرتها فهي من أجلّ الأسر العربية ، وقد عُرفت بالنجدة والشهامة ، وقد أشتهر جماعة بالنبل والبسالة منهم :
1 ـ عامر بن الطفيل :
وهو أخو عمرة الجدة الاولى لأم البنين ، وكان من ألمع فرسان العرب في شدّة بأسه ، وقد ذاع اسمه في الأوساط العربية وغيرها ، وبلغ من عظيم شهرته ان قيصر إذا قدم عليه وافد من العرب فان كان بينه وبين عامر


الصفحة 28

نسب عظم عنده ، وبجّله وأكرمه ، وإلاّ أعرض عنه.
2 ـ عامر بن مالك :
وهو الجدّ الثاني للسيّدة أمّ البنين ، وكان من فرسان العرب وشجعانهم ولُقّب بملاعب الأسنّة لشجاعته الفائقة ، وفيه يقول الشاعر :
يلاعب أطراف الأسنة عامر
فراح له حظّ الكتائب أجمع

وبالإضافة إلى شجاعته فقد كان من أُباة الضيم ، وحفظة الذمار ومراعاة العهد ، ونقل المؤرّخون عنه بوادر كثيرة تدلّل على ذلك.
3 ـ الطفيل :
وهو والد عمرة الجدّة الأولى لأمّ البنين كان من أشهر شجعان العرب ، وله أشقّاء من خيرة فرسان العرب ، منهم ربيعة ، وعبيدة ، ومعاوية ، ويقال لأمّهم ( أمّ البنين ) وقد وفدوا على النعمان بن المنذر فرأوا عنده الربيع بن زياد العبسي ، وكان عدوّاً وخصماً لهم ، فاندفع لبيد وقد تميّز من الغيظ فخاطب النعمان :
يا واهب الخير الجزيل من سعة
حن بنو أمّ البنيـن الأربعة

ونحن خير عامر بن صعصعة
المطعمون الجفنـة المدعدعة

الضاربون الهام وسط الحيصعة
إليك جاوزنا بـلاداً مسبعـة

تخبر عن هـذا خبيراً فاسمعه
مهلاً أبيت اللعن لا تأكل معه

فتأثّر النعمان للربيع ، وأقصاه عن مسامرته ، وقال له :
شرّد برحلك عنّي حيث شئت ولا
كثر عليَّ ودع عنك الأباطيلا


الصفحة 29

قد قيل ذلك إن حقاً وان كذبا
فما اعتذارك في شيء إذا قيلا

ودلّ ذلك على عظيم مكانتهم ، وسموّ منزلتهم الاجتماعية عند النعمان فقد بادر إلى اقصاء سميره الربيع عن مسامرته.
4 ـ عروة بن عتبة :
وهو والد كبشة الجدّة الثانية لأم البنين ، وكان من الشخصيات البارزة في العالم العربي ، وكان يفد على ملوك عصره ، فيكرّمونه ، ويجزلون له العطاء ، ويحسنون له الوفادة (1).
هؤلاء بعض الأعلام من أجداد السيّدة الكريمة أمّ البنين ، وقد عرفوا بالنزعات الكريمة ، والصفات الرفيعة ، وبحكم قانون الوراثة فقد انتقلت صفاتهم الشريفة إلى السيّدة أمّ البنين ثم منها إلى أبنائها الممجدين.
قِران الإمام بأمّ البنين :
ولما ثكل الإمام أمير المؤمنين 7 بوفاة بضعة الرسول 9 وريحانته سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء 3 ندب أخاه عقيلاً ، وكان عالماً بأنساب العرب أن يخطب له امرأة قد ولدتها الفحول ليتزوّجها لتلد غلاماً زكياً شجاعاً لينصر ولده أبا الشهداء في ميدان كربلاء (2) فأشار عليه عقيل بالسيّدة أمّ البنين الكلابية فانّه ليس في العرب من هو أشجع من أهلها ، ولا أفرس ، وكان لبيد الشاعر يقول فيهم : « نحن خير عامر بن
__________________
(1) قمر بني هاشم 1 : 11 ـ 13 ذكر المحقق الشيخ عبد الواحد المظفر في كتابه بطل العلقمي عرضاً مفصّلاً لمآثر هذه الأسرة الكريمة.
(2) تنقيح المقال 2 / 128.


الصفحة 30

صعصعة » فلا ينكر عليه أحد من العرب ، ومن قومها ملاعب الأسنّة أبو براء الذي لم يعرف العرب مثله في الشجاعة (1) ، فندبه الإمام إلى خطبتها ، وانبرى عقيل إلى أبيها فعرض عليه الأمر فأسرع فرحاً إليها فاستجابت باعتزاز وفخر ، وزفّت إلى الإمام أمير المؤمنين 7 ، وقد رأى فيها العقل الراجح ، والإيمان الوثيق وسموّ الآداب ، ومحاسن الصفات ، فأعزّها ، وأخلص لها كأعظم ما يكون الإخلاص.
رعايتها لسبطيّ النبيّ 9 :
وقامت السيّدة أمّ البنين برعاية سبطي رسول الله 9 وريحانتيه وسيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين 8 ، وقد وجدا عندها من العطف والحنان ما عوّضهما من الخسارة الأليمة التي مُنيا بها بفقد أمّهما سيّدة نساء العالمين فقد توفّيت ، وعمرها كعمر الزهور فقد ترك فقدها اللوعة والحزن في نفسيهما.
لقد كانت السيدة أم البنين تكنّ في نفسها من المودّة والحبّ للحسن والحسين 8 ما لا تكّنه لأولادها اللذين كانوا ملء العين في كمالهم وآدابهم.
لقد قدّمت أم البنين أبناء رسول الله 9 ، على أبنائها في الخدمة والرعاية ، ولم يعرف التاريخ أن ضرّة تخلص لأبناء ضرّتها وتقدّمهم على أبنائها سوى هذه السيّدة الزكيّة ، فقد كانت ترى ذلك واجباً دينياً لأن الله أمر بمودّتهما في كتابه الكريم ، وهما وديعة رسول الله 9 ، وريحانتاه ، وقد
__________________
(1) تنقيح المقال 2 / 128.


الصفحة 31

عرفت أمّ البنين ذلك فوفت بحقّهما وقامت بخدمتهما خير قيام.
مكانتها عند أهل البيت
ولهذه السيّدة الزكية مكانة متميّزة عند أهل البيت : ، فقد أكبروا إخلاصها وولاءها للإمام الحسين 7 ، وأكبروا تضحيات أبنائها المكرمين في سبيل سيّد الشهداء 7 ، يقول الشهيد الأول وهو من كبار فقهاء الإمامية :
كانت أمّ البنين من النساء الفاضلات ، العارفات بحقّ أهل البيت : ، مخلصة في ولائهم ، ممحضة في مودّتهم ، ولها عندهم الجاه الوجيه ، والمحلّ الرفيع ، وقد زارتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة تعزّيها بأولادها الأربعة ، كما كانت تعزّيها أيام العيد .. » (1).
أنّ زيارة حفيدة الرسول 9 وشريكة الإمام الحسين 7 في نهضته زينب الكبرى 3 لأم البنين ، ومواساتها لها بمصابها الأليم بفقد السادة الطيبين من أبنائها ، مما يدلّ على أهميّة أمّ البنين وسموّ مكانتها عند أهل البيت :.
مكانتها عند المسلمين :
وتحتلّ هذه السيّدة الجليلة مكانة مرموقة في نفوس المسلمين ، ويعتقد الكثيرون إلى أنّ لها منزلة عظيمة عند الله ، وانّه ما التجأ إليها مكروب ، وجعلها واسطة إلى الله تعالى إلاّ كشف عنه ما ألمّ به من المحن والخطوب ، وهم يفزعون إليها إن ألمّت بهم كارثة من كوارث الزمن أو
__________________
(1) العباس للمقرّم : 72 ـ 73 نقلاً عن مجموعة الشهيد الأول.


الصفحة 32

محنة من محن الأيّام ، ومن الطبيعي أن تكون لها هذه المنزلة الكريمة عند الله ، فقد قدّمت في سبيله أفلاذ أكبادها ، وجعلتهم قرابين لدينه.
الوليد العظيم :
وكان أوّل مولود زكيّ للسيّدة أمّ البنين هو سيّدنا المعظّم أبو الفضل العباس 7 ، وقد ازدهرت يثرب ، وأشرقت الدنيا بولادته وسرت موجات من الفرح والسرور بين أفراد الأسرة العلوية ، فقد ولد قمرهم المشرق الذي أضاء سماء الدنيا بفضائله ومآثره ، وأضاف إلى الهاشميين مجداً خالداً وذكراً نديّاً عاطراً.
وحينما بُشِّر الإمام أمير المؤمنين 7 بهذا المولود المبارك سارع إلى الدار فتناوله ، وأوسعه تقبيلاً ، وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية فأذّن في أُذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى ، لقد كان أوّل صوت قد اخترق سمعه صوت أبيه رائد الإيمان والتقوى في الأرض ، وأنشودة ذلك الصوت.
« الله أكبر ... ».
« لا إله إلاّ الله ».
وارتسمت هذه الكلمات العظيمة التي هي رسالة الأنبياء ، وأنشودة المتّقين في أعماق أبي الفضل ، وانطبعت في دخائل ذاته ، حتى صارت من أبرز عناصره ، فتبنى الدعوة إليها في مستقبل حياته ، وتقطّعت أوصاله في سبيلها.
وفي اليوم السابع من ولادة أبي الفضل 7 ، قام الإمام أمير المؤمنين 7 بحلق شعره ، والتصدّق بزنته ذهباً أو فضّة على المساكين وعقّ عنه بكبش ، كما فعل ذلك مع الحسن والحسين 8 عملاً بالسنّة


الصفحة 33

الإسلامية.
سنة ولادته :
أفاد بعض المحقّقين أن أبا الفضل العباس 7 وُلد سنة ( 26 ه‍ ) في اليوم الرابع من شهر شعبان (1).
تسميته :
سمّى الإمام أمير المؤمنين 7 وليده المبارك ( بالعباس ) وقد استشفّ من وراء الغيب انه سيكون بطلاً من أبطال الإسلام ، وسيكون عبوساً في وجه المنكر والباطل ، ومنطلق البسمات في وجه الخير ، وكان كما تنبّأ فقد كان عبوساً في ميادين الحروب التي أثارتها القوى المعادية لأهل البيت : ، فقد دمّر كتائبها وجندل أبطالها ، وخيّم الموت على جميع قطعات الجيش في يوم كربلاء ، ويقول الشاعر فيه :
عبست وجوه القوم خوف الموت
والعبّاس فيهـم ضاحـك متبسّم


كنيته :


وكُنِّي سيّدنا العبّاس 7 بما يلي :
1 ـ أبو الفضل :
كُنّي بذلك لأن له ولداً اسمه الفضل ، ويقول في ذلك بعض من رثاه :
__________________
(1) قمر بني هاشم 2 : 5.


الصفحة 34

أبا الفضل يا من أسّس الفضل والإبا
أبى الفضل إلاّ أن تكون له أبا

وطابقت هذه الكنية حقيقة ذاته العظيمة فلو لم يكن له ولد يُسمّى بهذا الإسم ، فهو ـ حقّاً ـ أبو الفضل ، ومصدره الفياض فقد أفاض في حياته ببرّه وعطائه على القاصدين لنبله وجوده ، وبعد شهادته كان موئلاً وملجأً لكل ملهوف ، فما استجار به أحد بنيّة صادقة إلاّ كشف الله ما ألمّ به من المحن والبلوى.
2 ـ أبو القاسم :
كُنّي بذلك لأن له ولداً اسمه ( القاسم ) وذكر بعض المؤرّخين أنّه استشهد معه يوم الطفّ ، وقدّمه قرباناً لدين الله ، وفداءً لريحانة رسول الله 9.


ألقابه :


أمّا الألقاب التي تُضفى على الشخص فهي تحكي صفاته النفسية حسنة كانت أو سيّئة ، وقد أضيفت على أبي الفضل 7 عدّة ألقاب رفيعة تنمّ عن نزعاته النفسية الطيبة ، وما اتصف به من مكارم الأخلاق وهي :
1 ـ قمر بني هاشم :
كان العبّاس 7 في روعة بهائه ، وجميل صورته آية من آيات الجمال ، ولذلك لقّب بقمر بني هاشم ، وكما كان قمراً لأسرته العلوية الكريمة ، فقد كان قمراً في دنيا الإسلام ، فقد أضاء طريق الشهادة ، وأنار مقاصدها لجميع المسلمين.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة