الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
( 45 )

وأمثالهم. واسترسل في خصائصه التي توجب له أسمى منازل المقربين؛ فانتهت الخصومة بينهما ببخوع مروان لمنزلة أبي هريرة في الإسلام، ومكانته في العالم بالسنن، برأئى الناس ببخوعه لفضل أبي هريرة ترويجاً لسلعته التي كان مروان ومعاوية وبنوهما يحاربون بها الحسن والحسين وأباهما وبنيهما. وكانت من أنجع الدعايات في تلك السياسات: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) .
 
ـ 10 ـ
كمية حديثه
     أجمع أهل الحديث ـ كما في ترجمتة من (الإصابة) (1) وغيرها ـ علىانه اكثر الصحابة حديثاً، وقد ضبط الجهابذة من الحفظة الاثبات حديثه؛ فكان خمسة آلاف وثلاثمائة وسبعين مسنداً. وله في البخاري فقط اربعمائة وستة واربعين حديثاً (2).
     وقد نظرنا في مجموع ما روى من الحديث عن الخلفاء الأربعة فوجدناه
____________
    
     (1) راجع السطر الأخير: 4/240 من الاصابة المطبوع في هامشها كتاب الاستعياب.
     (2) راجع من إرشاد الساري شرح أول حديث لأبي هريرة أخرجه البخاري في صحيحه وهو باب امور الايمان من كتاب الايمان: 1/212 من الأشاد للشارح القسطلاني تجد النص ثمة على أن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه واله: 5374 حديثاً وان له في صحيح البخاري فقط اربعمائة وستة واربعين حديثاً وضبظ ابن حزم ايضا مجموع ما حدث به أبو هريرة فكان كما سمعت: 5374 مسنداً فراجع: 4/138 من فصل ابن حزم أثناء كلامه في وجوه المفاضلة.


 

( 46 )

بالنسبة إلى حديث أبي هريرة وحده أقل من السبعة والعشرين في المائة؛ لأن جميع ما روى عن أبي بكر انما هو مائة واثنان واربعون حديثاً (1) وكل ما اسند الى عمر انما هو خمسائة وسبعة وثلاثين حديثاً (2) وكل ما لعثمان مائة وستة واربعين حديثاً (3) وكلما رووه عن على خمسمائة وستة وثمانين مسنداً (4) فهذه الف واربعمائة واحد عشر حديثاً، فاذا نسبتها إلى الحديث أبي هريرة وحده ـ وقد عرفت انه: 5374 ـ تجد الأمر كما قلناه.
     فلينظر ناظر بعقله في ابي هريرة، وتأخره في اسلامه، وخموله في حسبه وأميته، وما إلى ذلك مما يوجب اقلاله. ثم لينظر إلى الخلفاء الأربعة وسبقهم واختصاصهم، وحضورهم تشريع الاحكام، وحسن بلائهم في اثنتين وخمسين سنة، ثلاث وعشرين كانت بخدمة رسول الله صلى الله عليه واله وتسعة وعشرين من بعده ساسوا فيها الأمة وسادوا الامم، وفتح الله لهم ملك كسرى وقيصر؛ فمدنوا المدن؛ ومصروا الأمصار، ونشروا دعوة الإسلام وصدعوا بأحكامه،
____________
    
     (1) ضبطها الجهابذة، فكانت بهذا العدد، وممن صرح بعدتها جلال الدين السيوطي في أحوال أبي بكر من كتابه(تاريخ الخلفاء) وقد أوردها ثمة باجمعها في فصل افرده لها. وصبطها أيضاً العلامة النووي في التهذيب وابن حرم الظاهري في: 4/137 من الفصل في الملل والنحل فنص على انها بهذا العدد، والذهبي صرح (في ترجمة ابراهيم بن سعيد الجوهري من ميزان الاعتدال): بانه لايصح لأبي بكر عشرون حديثاً.
     (2) قال السيوطي في أوائل ترجمة عمر من تاريخ الخلفاء: وروى له عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسمائة حديث وتسعة وثلاثين حديثا، وضبطها ابن حزم بهذا العدد في: 4/138 من فصله وقال: إنما يصح منها نحو خمسين.
     (3) نص على ذلك جلال الدين السيوطي في أوائل أحوال عثمان من تاريخ الخلفاء.
     (4) كما نص عليه السيوطي في أوائل ترجمة على من تاريخ الخلفاء وصرح به ابن حزم في: 4/137 من فصله.


 

( 47 )

وأذاعوا السنن، ينحدر عنهم السيل، ولا يرقى اليهم الطير؛ فكيف يمكن والحال هذه أن يكون المأثور عن أبي هريرة وحده أضعاف المأثور عنهم جميعاً افتونا يا اولي الالباب؟!.
     وليس ابو هريرة كعائشة وان اكثرت أيضاً؛ فقد تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل إسلام أبي هريرة بعشر سنين (1) فكانت في مهبط الوحي والتنزيل ومختلف جبرائيل وميكائيل أربعة عشر عاماً، وماتت قبل موت أبي هريرة بيسير (2).
     وشتان بين الصحبتين ويبن الفطنتين، اما امر الصحبتين فمعلوم، واما الفطنتان فقد كان فهم عائشة يبارى سمعها. وقلبها يسبق اذنها؛ فلا أرشح منها فؤاداً، ولا أسرع تناولا، ما نزل بها شئ إلا انشدت فيه شعراً، وعن عروة ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة. وعن مسروق رأيت مشيخة من أكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض.
     على انها اضطرب إلى نشر حديثها إذ بثت دعاتها في الأمصار، وقادت إلى البصرة ذلك العسكر الجرار. ومع هذا فان جميع ما روى عنها انما هو عشرة
____________
    
     (1) اخرج ابن البر في احوال عائشة من الاستيعاب عن ابن شهاب ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج عائشة في شوال سنة عشر من النبوة قبل الهجرة بثلاث سنين وعرس بها في المدينة في شوال على رأس ثمانية عشر شهراً من مهاجرته إلى المدينة أهـ فيكون زواجها قبل أسلام أبي هريرة بعشر سنين، إذ لاريب في ان اسلامه انما كان سنة سبع.
     (2) توقيت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة سبع وخمسين أو ثمان وخمسين قبيل وفاة أبي هريرة بيسير، وهو الذي صلى عليها بامر الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان والياً على المدينة من قبل عمه معاوية اراد كرام أبي هريرة فامره بالصلاة عليها ودفنت بالبقيع.


 

( 48 )
مسانيد ومائتا مسند والفا مسند (1) فحديثها أقل من نصف حديث أبي هريرة.
     ولو ضمت حديثها وحديث أم سلمة مع بقائها الى ما بعد وقعة الطف، وجمعت ذلك كله إلى حديث البقية من أمهات المؤمنين؛ وحديث سيدى شباب أهل الجنة وسيدة نساء العالمين وحديث الأربعة من خلفاء المسلمين ما كان كله إلا دون حديث أبي هريرة وحده! وهذا أمر مهول الفت اليه ارباب العقول.
 
* * *
     على انه كان مع ذلك يزعم ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضى اليه بأحاديث لن يميط حجابها لأحد ولا ينالها منه متسقط (2) فهي دخلة ضميره ودفينة صدره وابو هريرة حصين الصدر: بعيد غور الضمير! كما تعلمون: ولذا قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته، واما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم (3).
     وقال: لو أنباتكم بكل ما أعلم الرماني الناس بالخزف، وقالوا: أبو هريرة مجنون.
     وقال: لو حدثتكم بكل مافي جوفي لرميتوني بالبعر.
     وقال: يقولون اكثرت يا أبا هريرة والذي نفسي بيده لوحدثتكم بكل
____________
    
     (1) فيما ضبطه ابن حزم الظاهري في: 4/138 من فصله وغير واحد من الحفظة وأهل الضبط، واما قول القائل:
 
حفظت اربعين الف حديث * ومن الذكر آية تنساها
فليس على حقيقيه وإنما هو كناية عن كثرة حفظها.
     (2) يقال: تسقطه عن سره، أي احتال له اباح به.
     (3) أخرجه البخاري في باب حفظ العلم من كتاب العلم: 1/24 من صحيحه.


 

( 49 )
شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرميتموني بالقشع ـ يعني المزابل ـ ثم ما ناظرتموني (1).
     وقال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث ما حدثتكم بها ولو حدثتكم بحديث منها لرجمتموني بالأحجار (2).
     قال: حفظت من رسول الله خمسة جرب فأخرجت منها جرابين ولو أخرجت الثالث لرجمتموني بالحجارة (3).
     قلت: إن أبا هريرة لم يكن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولي عهده، ولاخليفته من بعده، ليؤثره باسراره، ويفضي اليه من العلوم مالم يفض بها إلى أحد من خاصته.
     وما الفائدة بافضاء تلك الأسرار اليه؟! وهو رجل ضعيف ذو مهانة تمنعه عن أن ينبس في شئ منها ببنت شفة. فاذا نبس رجم بالحجارة ورمى بالبعر وبالمزابل. واذا حدث بشئ من تلك العلوم قطعوا منه البلعوم.
     وهلا أفضى بها إلى الخلفاء من بعده؛ الغزاة الفاتحين الذين عنت لهم وجوه الأمم، وخضعت لأقوالهم رقاب العرب والعجم، وساقوا الناس الى ما أرادوا بعضاً واحدة، فانهم أولى بما يدعيه أبو هريرة إذ لو كانت عندهم تلك الاسرار لانتشرت انتشار الشمس في الاقطار، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل عبثاً
____________
    
     (1) هذه الاحاديث الثلاثة ذوات الخزف والبعر والقشع أخرجها بالاسناد اليه ابن سعد في ترجمته: 57 من القسم الثاني من الجزء الرابع من الطبقات.
     (2) أخرجه الحاكم في ترجمة أبي هريرة من المستدرك، فراجع: 509 من جزئه الثالث وقد صححه، وكذلك فعل الذهبي في تلخيصه وما أعز نفس أبي هريرة عليه إذ يقول: لرجمتموني بالأحجار بالخزف بالبعر بالمزابل. وكذلك حين يحدث عن نفسه فيقول: يجيء الجائي فيضع رجله على عنقي. وحين يحدث عن بطنه وقمله وسائر شؤونه.
     (3) أخرجه أبو نعيم في أحوال أبي هريرة: 381 من حليته.


 

( 50 )

فيودعها حيث تضيع سدى لاينتفع بها أحد أبداً، ومن هو أبو هريرة؟!.. ليختص بهذه الحبوة دون السابقين الأولين (والسابقون السابقون أولئك المقربون).
     على أن أبا هريرة كان كثيراً مايقول: إن ابا هريرة لايكتم ولايكتب (1) فكيف يجتمع هذا القول منه مع قوله: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاءين: فاما أحدهما فبثثته، وأما الآخر قطع هذا البلعوم. إلى آخر أقواله في هذا المعنى الصريحة بأنه كان يكتم!؟.
     ولنسأل أولى البحث عن الاسرار الالهية التي أفضاها صلى الله عليه وآله وسلم الى أبي هريرة فكان يكتمها خوفاً على حياته، أو اشفاقاً على كرامته، فهل كانت من سنخ الأسرار التي عهد بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى وليه ووصيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أموراً تتعلق بالخلافة وتختص بالخلفاء من بعده؟! أم كانت من سنخ آخر؟. فان كانت من السنخ الأول فلماذا كان منصرفاً عنها كل الانصراف مخالفاً لمقتضياتها كل الخلاف؟؟ وكان رأيه فيما هنالك رأى الجمهور، مسترسلاً معهم في كل الأمور، وإن كانت النسخ الثاني فلا خوف عليه وان حدث بالطامات أو جاء بالمخزيات!.
     ألم يحدث بنوم النبي عن صلاة الصبح؟ وعروض الشيطان له صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الصلاة ليقطعها عليه؟!.
     ألم يروانه سهى فصلى الرباعية ثنائية! فقيل له: انسيت أم قصرت الصلاة فقال: لم أنس ولم نقصر؟.
     ألم يخبر أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يؤدي ويسب ويلعن ويجلد على الغضب من لا يستحق ذلك؟.
____________
    
     (1) اخرجه ابن سعد: 119 من القسم الثاني من الجزء الثاني من طبقاته عند ذكر أبي هريرة في باب أهل العلم والفتوى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.


 

( 51 )

     ألم يصم الأنبياء بما لا يجوّزه عليهم شرع ولا عقل؟ حتى روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: نحن احق بالشك من ابراهيم، وروى عن لوط ما يستلزم ضعف ثقته بالله تعالى.
     ألم يتسور على آدم؛ ونوح؛ وابراهيم؛وموسى؛ وعيسى بما يجب تنزيههم عنه؟.
     ألم ينسب الى كليم الله ونجيه موسى عليه السلام: انه لطم ملك الموت ففقأ عينه وانه اشتد يركض مرة وهو عريان فمر على بني اسرائيل فنظروا إلى سواته؟
     ألم يحدث عن سليمان بن داود انه نقض حكم أبيه؟ وانه أبى أن يعلق امره على مشيئة الله تعالى ففشل في أمره.
     ألم يحدث عن الله عز وجل بما لايجوز عليه شرعاً ولاعقلا؟ كقوله؟ لا تمتلئ جهنم حتى يضع الله رجله فيها؟ وكقوله في حديث أهل المحشر: فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعود بالله منك ثم يأتيهم في الصورة التي يعرفون: فيقولون: أنت ربنا؟ وكقوله: خلق آدم على صورة الرحمن! وقوله: خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً في سبعة اذرع عرضاَ؟
     الى كثير مما ستسمعه في الفصل الآتي من هذه الفظائع التي تقطع البلعوم فما باله يحدث بها مطمئناً كل الاطمئنان؟. بل ممتناً بها على الأمة كل الامتنان وقد حدث بالخرافات، فلم يرجم بحجر، ولم يرم بقشع ولا بعر كما يعلمه من ألمّ بأحواله، ولكن منينا بقوم لا ينصفون، فانا لله وانا اليه راجعون.
 
* * *
     ومما نلفت اليه أولى النظر من كل بحاثة: ان أبا هريرة كان يقول (1):
____________
    
     (1) فيما حدث به وهب بن منبه عن اخيه همام عن ابي هريرة، واخرجه البخاري في باب كتابه العلم من كتاب العلم: 1/22 من صحيحه.


 

( 52 )
ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم احد اكثر حديثاً عنه مني الا ما كان من عبد الله بن عمرو (بن العاص) فانه كان يكتب ولا اكتب أهـ.
     يعترف ان عبد الله هذا كان اكثر منه حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ترى؛ وقد بحثنا عن حديث عبد الله بن عمرو فوجدناه سبعمائة مسند لايزيد على هذا العدد شيئاً (1).
     فهو دون السبع من حديث أبي هريرة كما لايخفى.
     وقد أرتج على العلماء الاعلام باب الاعتذار عن أبي هريرة في هذا التهافت، لكن ابن حجر القسطلاني والشيخ زكريا الانصاري قد اعتذرا عند انتهائهما الى هذا الحديث في شرحيهما (2) بأن عبد الله بن عمرو بن العاص سكن مصر؛ وكان الواردون اليها قليلا فقلت روايته، بخلاف أبي هريرة، فانه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة؛ فكثرت روايته.
     وأنت تعلم ان كلام أبي هريرة بظاهره، بل بصريحه يحبط هذا الاعتذار الاتراه يقول: ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثاً عنه مني الا ما كان من عبد الله بن عمرو، فان معناه ـ كما في ارشاد الساري وفي تحفة الباري كليهما ـ ما أحد من أصحاب النبي حديثه أكثر من حديثي الا أحاديث حصلت من عبد الله فانها اكثر من حديثي. واذا كان رجل يعترف بأن الاحاديث التي حصلت من عبد الله اكثر من حديثه فأي وجه لما اعتذر به الشارحان؟.
     على أن مقام عبد الله في مصر كان ادعى لكثرة روايته اذ كان له ثمة
____________
    
     (1) وقد ضبطه القسطلاني في شرح هذا الحديث من كتابه ـ ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري:373 من جزئه الاول ـ فكان بهذا العدد.
     وهما ارشاد الساري للقسطلاني وتحفة الباري لزكريا الانصاري وقد طبعا معا في اثنى عشر جزءاً. ووضع بالهامش متن صحيح مسلم وشرحه للنووي. والعذر المذكور تجده في: 373 من الجزء الأول.


 

( 53 )

المكانة العالمية السامية. حيث لم يكن هناك سواه ممن تعرفهم الناس من الصحابة إلانزر يسير؛ أو عابر سبيل لذلك تبوأ مقام المرجع الوحيد في شرائع الإسلام وعلوم الكتاب والسنة، وشتان بين مقامه في مصر، ومقام أبي هريرة في المدينة، اذ كان لعبد الله في نفوس أهل مصر منزلة العالم المرشد الصدوق وعز ابن الحاكم الفاتح عنوة، أما أبو هريرة في المدينة، فقد كان كواحد من الوف الصحابة الذين كانوا على عهده، وكانت وفود المدينة انما تأتي مشاهير الصحابة وأبو هريرة لم يكن منهم، على انه كان متهما عندهم وكثيراً ماكانوا ينقمون عليه اكثاره على رسول الله صلى الله عليه وآله فيقولون: ان أبا هريرة يكثر الحديث، ويقولون: ما للمهاجرين والانصار لايحدثون مثل أحاديثه (1) فمقامه في المدينة والحال هذه كان أدعي لقلة روايته، فمن الغريب أن يكون حديثه اكثر من حديث عبد الله، وخصوصاً بعد اعترافه له. وبعد العلم بأن عبد الله عمّر بعد أبي هريرة زمناً ليس بالقصير (2).
     والحق ان أبا هريرة إنما اعترف لعبد الله في اوائل امره بعد رسول الله صلى الله عليه وآله حين لم يكن مفرطاً هذا الافراط الفاحش؛ فانه انما تفاقم افراطه، وطغى فيه على عهد معاوية، حيث لا أبو بكر ولا عمر ولا علي ولا غيرهم من شيوخ الصحابة الذين كان يخشاهم أبو هريرة كما اشرنا اليه وسنوضحه في محله من هذا الاملاء ان شاء الله تعالى.
____________
    
     (1) كان ابو هريرة يتذمر منهم ويشكوهم الى الله فيما اخرجه البخاري عنه في آخر المزارعة من الجزء الثاني من صحيحه.
     (2) لأن أبا هريرة توفي ـ كما في آخر ترجمة من الاصابة ـ سنة سبع وخمسين وقيل سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة تسع وخمسين أما عبد الله بن عمرو بن العاص فقد مات ـ كما في ترجمة من الاصابة ـ سنة خمس وستين، وقيل سنة ثمان وستين وقيل سنة تسع وستين، وقيل ـ كما في ترجمة من كتاب القيسراني في رجال الصحيحين ـ مات سنة اثنين وتسعين، والله تعالى أعلم.


 

( 54 )
كيفية حديثه
     الأذواق الفنية لا تسيغ كثيراً من أساليب أبي هريرة في حديثه والمقاييس العلمية عقلية لاتقرها. وحسبك عنواناً لهذه الحقيقة اربعون حديثاً صحت عنه، اتلوها الآن عليك لتمعن فيها وفيما علقناه عليها متحرراً متجرداً ولك بعد ذلك رأيك:ـ
 
1ـ خلق الله آدم على صورته
     أخرج الشيخان البخاري ومسلم (1) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً. وزاد أحمد (2) من طريق سعد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً: في سبعة أذرع عرضاً، قال: فلما خلقه قال: اذهب فسلم على اولئك النفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فانها تحيتك وتحية ذريتك. قال: فذهب فقال: السلام عليكم. فقالوا السلام عليك ورحمة الله، قال: فزادوه ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن أهـ.
____________
    
     (1) راجع من البخاري الحديث الأول من كتاب الاستئذان في ص57 من جزئه الرابع. ومن صحيح مسلم باب يدخل الجنة اقوام افئدتهم مثل افئدة الطير من كتاب الجنة وصفة نعيمها: 481 من جزئه الثاني. واخرجه الامام احمد من حديث أبي هريرة في 2/315 من مسنده من حديث طويل يشتمل على امور كثيرة.
     (2) كما آخر: 7/90 من ارشاد الساري في باب خلق آدم وذريته من كتاب بدء الخلق.


 

( 55 )
     وهذا مما لا يجوز على رسول الله صلى الله عليه وآله ولا على غيره من الأنبياء ولا على أوصيائهم عليهم السلام. ولعل أبا هريرة أنما أخذه عن اليهود (1) بواسطة صديقه كعب الأحبار أو غيره، فان مضمون هذا الحديث إنما هو عين الفقرة السابعة والعشرين من الاصحاح الأول من أصحاحات التكوين من كتاب اليهود ـ العهد القديم ـ واليك نصها بعين لفظه قال: فخلق الله الانسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكراً وانثى خلقهم أ هـ.
     تقدس الله عن الصورة والكيفية والشبيه. وتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وربما تاولوا الحديث فارجعوا ضمير صورته إلى آدم نفسه لا إلى الله تبارك وتعالى فيكون المعنى ان الله عز وجل وعلا خلقه في الجنة على صورته التي كان عليها بعد هبوطه منها إذ نشأه تامأ مستوياً طوله ستون ذراعاً وعرضه سبعه اذرع لم يتغير من حال الى حال. ولم يتطور أطواراً مختلفه كذريته فلم يكن نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً كسيت لحماً ثم جنيناً ثم رضيعاً ثم فطيما ثم مراهقاً ثم رجلاً حتى تم طوله وعرضه. بل خلقه دفعة واحدة على صورته التي رآه عليها بنوه في الأرض.
     هذا غاية ما يمكن أن يقوله أهل التنزيه في تأويل هذا الحديث لولا وروده عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: خلق آدم صورة الرحمن (2) ومجيؤه من
____________
    
     (1) وكان في كثير من حديثه عيالا على اليهود، الا تراه يرسل قوله: ان سيحان وجيحان والفرات ونيل مصر كلها من الجنة، أخرج هذا عنه الخطيب في ترجمة محمد بن الحسين المطبخي في ص235 من المجلد الثاني من تاريخ بغداد وهذا مأخوذ عن العهد القديم.
     (2) هذا الحديث بهذا اللفظ مستفيض عن أبي هريرة وقد جعله القسطلاني قرينة على ان الهاء من (صورته) في قول ابي هريرة: خلق الله آدم على صورته انما هي لله تعالى لا لآدم فراجع: 10/491 من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري.


 

( 56 )
طريق الجمهور بسند آخر مرفوعاً أيضاً بلفظ: ان موسى عليه السلام ضرب الحجر لبني اسرائيل فتفجر وقال: اشربوا يا حمير فاوحى الله تعالى اليه عمدت الى خلق خلقتهم على صورتي فشبهتهم بالحمير الحديث. (1).
     وهذا ما اخرج الجمهور ولم يبق لمدافعتهم عن أبي هريرة بالتأويل الذي قلناه محلا، ولذا أسلموا باعادة الضمير في صورته الى الله تعالى متأولين تاولا آخر.
     وحاصله ان المراد من قوله: خلق الله آدم على صورته؛ وقوله؛ خلق آدم على صورة الرحمن، وقوله في الحديث الأخير: خلقتهم على صورتي: أنه تعالى خلق آدم وبنيه على صفة الله. فان الله عز وجل حيٌّ سميع بصير متكلم عالم مريد كاره وكذلك آدم وبنوه.
     وأنت تعلم انهم وقعوا فيما فروا منه لأن صفة الله عز وجل تنزهت عن التشبيه باجماع أهل التنزيه. ولا سيما على قولنا بأن صفاته عين ذاته، وهو الحق بحكم العقل والنقل كما هو مقرر في محله من اصولنا.
     على أن أبا هريرة قد تطور في هذا الحديث كما هي عادته فتارة رواه كما سمعت، وتارة رواه بلفظ: إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فان الله خلق آدم على صورته (2)، ومرة رواه بلفظ: إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ولا يقل: قبح الله وجهك ووجه من اشبه وجهك فان الله خلق أدم على صورته أ هـ (3).
____________
    
     (1) اورده ابن قتيبة في ص280 من كتابه تأويل مختلف الحديث وجعله دليلا على ان صمير صورته في قوله: خلق الله آدم على صورته راجع الى الله لا إلى آدم.
     (2) اخرجه بهذه الالفاظ عن ابي هريرة بطرق اليه كثيرة غير واحد من حفظة الآثار، فراجع: 2/397 من صحيح مسلم في باب النهي عن ضرب الوجه تجده بعين لفظه.
     (3) اخرجه البخاري في الأدب المفرد ورواه احمد بالطرق الصحيحة عن ابي هريرة: 2/434 من مسنده.


 

( 57 )
     ولا يخفي انه قطع بهذا على اوليائه خط الرجعة الى كل من التأويل فانك تعلم انه لايصح ارجاع الضمير في صورته الى آدم في كل من الروايتين بل لابد من ارجاعه الى الله عز وجل ليستقيم الكلام، ويصح تعليل النهي عن ضرب الوجه وتقبيحه (1) وتعلم ايضاً ان خلق آدم حياً سميعاً بصيراً متكلما عالماً مريداً كارها لا يوجب اختصاص الوجه بالصون دون باقي الجوارح، فحمل تينك الروايتين على واحد من ذينك التأويلين مما لا وجه له بل لا يكون للروايتين معنى إلا اذا اريد بهما صون وجه الانسان، لكونه يشبه وجه الله. تعالى الله وتقدست ذاته وصفاته وأسماؤه.
     ولذلك تحير المحققون من أهل التنزيه من الجمهور، وتوقفوا في معاني هذه الأحاديث كلها، واحالوا العلم بالمراد منها الى الله تعالى الذي أحاط بكل شئ علما، كما صرح به شارحوا الصحيحين عند انتهائهم الى هذا الحديث من شروحهم فراجع (2).
 
تنبيهان
     (أحدهما): انه إذا كان طول أدم ستين ذراعاً يجب مع تناسب اعضائه
____________
    
     (1) ليت ابا هريرة علل النهي عن ضرب الوجه بلطفه وجماله وجمعه للاعضاء النفيسة من السمع والبصر والأنف والفم والشفتين والأسنان والحاجبين والجبهة وغيرها فان اكثر الادراك انما يكون بها فقد يعطلها الضرب أو ينقصها وقد يشوه الوجه وتشويه الوجه لكونه بارزاً لا يمكن ستره لكن ابا هريرة انما يؤثر التحريف من حيث يدري اولياؤه أو لا يدرون فانا لله وانا اليه راجعون.
     (2) قال الامام النووي: وان من العلماء من يمسك عن تأويل هذه الأحاديث كلها ويقول: نؤمن بانها حق وان ظاهرها غير مراد ولها معان تليق بها قال: وهذا مذهب جمهور السلف وهو احوط وأسلم الى آخر كلامه. فراجعه في شرح صحيح مسلم وهو مطبوع في هامش شرحي البخاري وما نقلناه عنه هنا موجود في ص18 من الجزء 12 من الشرح في باب النهي عن ضرب الوجه، ونقل القسطلاني نحوه في: 10/491 من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري. ثم قال: وهذا اسلم قلت: هذا بناء منهم على صحة هذه الاحاديث وهيهات ذلك ـ وان اوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ـ.


 

( 58 )

أن يكون عرضه سبعة عشر ذراعاً وسبع الذراع، واذا كان عرضه سبعة اذرع يجب ان يكون طوله اربعة وعشرين ذراعا ونصف الذراع لأن عرض الانسان مع استواء خلقه بقدر سبعي طوله فما بال أبي هريرة يقول طوله ستون ذراعاً في سبعة اذرع عرضا؟ فهل كان آدم غير متناسب في خلقته مشوهاً في تركيبه؟ كلا! بل قال الله تعالى وهو اصدق القائلين (لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم).
     (ثانيهما): ان تحية السلام انما شرعت في دين الاسلام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله (1) ما حسدكم اليهود على شئ كما حسدوكم على السلام، فلولا اختصاصه بهذه الأمة ما اختصوهم بالحسد عليه فما بال أبي هريرة يقول في هذا الحديث: فلما خلق الله آدم قال اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة فاستمع ما يحيونك فانها تحيتك وتحية ذريتك؟ وما رأى أولى النظر في هذا الخبر!؟ وماذا يقولون في قول أبي هريرة: فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن؟!.
 
2ـ رؤية الله يوم القيامة بالعين الباصرة في صور مختلفة

     أخرج الشيخان (2) بالاسناد الى أبي هريرة قال: قال أناس: يارسول الله
____________
    
     (1) فيما أخرجه ابن ماجة في صحيحه وصحيحه ابن خزيمة بالاسناد إلى عائشة مرفوعاً ونقله القسطلاني في: 10/492 من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري أثناء شرح حديث أبي هريرة هذا.
     (2) أما البخاري فأخرجه في آخر: 4/92 من صحيحه في باب الصراط جسر جهنم من كتاب الرقاق، واخرجه أيضاَ في: 1/100 من صحيحه في باب فضل السجود من كتاب الاذان ـ وأما مسلم فأخرجه ـ في ص86 من الجزء الاول من صحيحه في باب اثبات رؤية المؤمنين ربهم الآخرة وأخرجه أحمد في ص275 من الجزء الثاني من مسنده.


 

( 59 )

هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا: لا يا رسول الله؛ قال، فانكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه؛ فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت. وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون! فيقول انا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك! هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فاذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون!! فيقول أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا فيتبعونه! ويضرب جسر جهنم (قال): قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فأكون أول من يجيز (1) ودعاء الرسل يومئذ: أللهم سلم سلم؛ وبه كلا ليب مثل شوك السعدان أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنها لا يعلم قدر عظمتها إلا الله فتخطف الناس باعمالهم منهم الموبق بعمله؛ ومنهم المخردل ثم ينجو حتى اذا فرغ الله من الفضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله الا الله أمر الملائكة أن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود فيخرجونهم قد امتحشوا فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة في حميل السيل؛ ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، فيقول: يا ربي قشبني ويحها وأحرقني ذكاؤها فاصرف وجهي عن النار فلا يزال يدعو الله، فيقول: لعلك إن اعطيتك أن تسألني غيره فيقول: لا وعزتك لا اسألك غيره، فيصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: ياربي قربني الجنة، فيقول: أليس قد زعمت ان لا تسألني غيره؟ ويلك يابن آدم ما أغدرك، فلا
____________
    
     (1) يجيز لغة في يجوز يقال: جاز وأجاز بمعنى واحد، كذا قال في النهاية الاثيرية.
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة