الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
( 210 )
ـ 18 ـ
وفاته وعقبه
     كانت وفاته في قصره بالعقيق (1) فحمل الى المدينة فكان ولد عثمان بن عفان يحملون سريره حتى بلغوا به البقيع حفظاً بما كان من رأيه في ابيهم (2) وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان يومئذ أميراًعلى المدينة وكان مروان معزولاً (3) وانما صلى عليه الوليد تكريماً له تقدم للصلاة عليه بعد ان صلى بالناس فريضة العصر وفي القوم ابن عمر وابو سعيد الخدري واضرابهما (4).
     وكتب الوليد إلى عمه معاوية ينعى اليه أبا هريرة فكتب اليه معاوية (5) انظر من ترك وادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم واحسن جوارهم وافعل اليهم معروفاً فانه ممن نصر عثمان وكان معه في الدار.
____________
    
     (1) نص على ذلك ابن حجر في ترجمة ابي هريرة من الاصابة ونقل موته بالعقيق ابن عبدالبر اذ ترجمه في الاستيعاب، واخرجه الحاكم في ترجمته من المستدرك وأرسله أهل الاخبار.
     (2) اخرج ذلك ابن سعد في ص63 من القسم الثاني من الجزء الرابع من الطبقات في ترجمة أبي هريرة ورواه أهل الأخبار.
     (3) نص على ذلك اصحاب الاستيعاب والاصابة والطبقات والمستدرك في ترجمة ابي هريرة.
     (4) نص على ذلك كل من ذكرناهم ممن ترجموا ابا هريرة.
     (5) كما في ترجمة أبي هريرة من مستدرك الحاكم وطبقات ابن سعد واصابة ابن حجر وغيرها من كتب الاخبار.


 

( 211 )

     وكانت وفاته سنة سبع وخمسين، وقيل سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة.
     أما عقبة فانما نعرف منه ولده المحرر ابن ابي هريرة وبنته التي كان يقول لها: قولي أبى أبى أن يحليني الذهب يخشى على حر اللهب، ونعرف لمحرر ولداً اسمه نعيم وهو الذي روى عن جده أبي هريرة انه كان له خيط فيه الفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به (1).
     وروى عنه ايضاً: ان رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما تأمروني ان اتجر قال صلى الله عليه وآله وسلم: عليك بالبز فان صاحب البز يعجبه ان يكون الناس بخير وفي جدة.
     اما المحرر فقد ترجمه ابن سعد في طبقاته (2) وذكر سلسلة نسبه المتصلة بدوس، وانه توفى في خلافة عمر بن عبدالعزيز، وأنه كان قليل الرواية (3).
____________
    
     (1) وقد جاء في ص380 من الجزء الأول من حلية الأولياء ذكر بنت أبي هريرة التي كان لا يلبسها الذهب وفي ص383 ذكر نعيم بن المحرر بن أبي هريرة الذي روى عن جده التسبيح بالخيط.
     (2) ص 188 من جزئها الخامس.
     (3) ان لأبي هريرة في إمارة الحج سنة تسع للهجرة حديثين متناقضين يروي عن أحدهما ولده المحرر والثاني يرويه حميد والحديثان في الصحاح وقد اوردناهما فيما سبق من الأصل وبسطنا القول فيهما فراجع الحديث 18 من الفصل 11.


 

( 212 )
خاتمة الكتاب
     ولنختم إملاءنا هذا بكلمتين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تتعلقان بابي هريرة ضربهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم على غرار فذ من أغرته الحكيمة في التدليل على زيغ الزائغين والتحذير منهم.
     الكلمة الأولى يشترك فيها أبو هريرة والرحال بن عنفوه والفرات ابن حبان؛ وذلك أنهم خرجوا ذات يوم من مجلسه الشريف، فقال صلى الله عليه وآله وسلم مشيراً اليهم (1): لضرس احدكم في النار أعظم من أحد، وان معه لقفا غادر أهـ.
     فكان ابو هريرة والفرات يقولان بعدها (2) فما أمنا بعد هذا حتى ارتد الرحال وقتل مع مسيلمة الكذاب.
     (قلت): كأنهما كانا يحاولان تأويل الحديث فيجعلان المراد منه واحداً منهم بعينه وهو الرحال بقرينة التحاقه بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمسيلمة وقتله مرتداً.
     وهذا تضليل عن الحقيقة المتبادرة من الحديث عند اطلاقه، فانه على حد قوله تعالى: «يود احدكم ان تكون له جنة» «يود أحدهم لو يعمر الف سنة» «وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا» «واذا بشر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم» الى كثير من امثال ذلك في الكتاب والسنة، وكلام
____________
    
     (1) فيما أخرجه سيف بن عمر في الفتوح من طريق احمد بن فرات بن حيان ونقله في ترجمة فرات صاحبا الاستيعاب والاصابة وغير واحد.
     (2) فيما نقله عنهما صاحبا الاستيعاب والاصابة في ترجمة الفرات ورواه غير واحد من حفظة الآثار.


 

( 213 )

العرب تقول في المدح: كف احدهم تمطر ذهباً؛ وقلب احدهم يفيض حناناً، وفي الذم: وجه أحدهم عنوان الوقاحة؛ وقلب أحدهم أقسى من الصلد، فلا ترتد واحداً منهم بعينه وانما تريد الجميع؛ وهذا هو المراد من الحديث وهو المتبادر منه إلى الأذهان.
     ولو أراد صلى الله عليه وآله وسلم واحداً منهم بعينه لأبانه بقرينة تعينه. فان تأخير البيان في مثل هذا المقام مما لا يجوز على الأنبياء لقبحه عقلاٍ بسبب استلزامه ظلم البريئين منهم، لأنه متى علم ان أحدهم من أهل النار وانه غدار؛ ولم يعرف بعينه تفصيلاً سقط الثلاثة عن درجة الاعتبار، إذ لا يركن بعدها اليهم، ولا يعتمد عليهم، ولا يؤبه بما يقولون في اصول أو فروع ولا يحتج بحديثهم، ولا تقبل لهم شهادة في مرافعة او غيرها، ولا يولون امراً من أمور المسلمين، ولا يوكل اليهم شأن تشترط الوثاقة فيمن يوكل اليه؛ فيحرمون بأجمعهم من الحقوق المدنية في الاسلام، ويجب علىالامة اجتنابهم في كل شيء تشترط فيه العدالة نزولاً على حكم القاعدة العقلية في الشبهة المحصورة مع العلم الاجمالي كما هو مقرر في محله من الأصول.
     وحسبك بهذا سقوطاً لكل من الثلاثة على السواء.
     وإذا كان احدهم بعينه هو الجهنمي الغادر المستوجب للحرمان فما ذنب الآخرين؟ أيجوز على سيد الحكماء، وخاتم الأنبياء أن يسقط بريئين فيجعلهما طيلةحياتهما بحكم الغدار من أهل النار؟ ثم يلقى الله تعالى عن غير بيان حاشا لله وما الذي منعه ان يقول مشيراً اليه نفسه؛ لضرس هذا في النار أعظم من احد لو لم يكونوا جميعاً في الأمر على السواء.
     (فان قلت). لعله صلى الله عليه وآله وسلم عين الرحال حينئذ بقرينة لفظية أو حالية كالايماء اليه بالخصوص مثلا ثم خفيت علينا.
     (قلنا): لو كان ثمة قرينة ما خفيت على أبي هريرة وفرات، وقد

 

( 214 )
استفرغا الوسع فلم يتشبثا بشيء سوى ردّة الرحال وحينئذٍ سجدا لله شكرا وكانا بعد ذلك يقولان: فما أمنا بعد قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما قال حتى صنع الرحال ما صنع (1).
     على انه لا فرق في هذه المشكلة بين عدم البيان وخفائه بعد صدوره لاتحاد النتيجة فيهما، إذ لا مندوحة لنا ـ على كلا الفرضين ـ عن العمل بما يقتضيه العلم الاجمالي في الشبهة المحصورة كما لا يخفى.
     (فان قلت): إنما كان المنصوص عليه بهذا الذم مجملا قبل التحاق الرحال بمسيلمة وموته مرتداً وبمجرد صنعه ما صنع تعينأنه هو للراد دون صاحبيه، وحينئذٍ لا اجمال ولا اشكال.
     (قلنا): أولا ان المتبادر من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لضرس احدكم في النار انما هو الجميع على حد المتبادر من قوله تعالى «واذا بشر احدهم بالانثى» واذن فلا اجمالا في المنصوص عليه بالذم هنا ولا أثر لردة الرحال للعلم بسوءحاله وحال صاحبيه منذ باؤوا بالضرس والقفا.
     (وثانياً): الأنبياء عليهم السلام كما يمتنع عليهم ترك البيان مع الحاجة اليه يستحيل عليهم تأخيره عن وقت الحاجة، ولعلك تعلم أن وقت الحاجة هنا متصل بصدور هذه الكلمة في حقهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لو كان لأحدهم شيء من الاعتبار) لأنهم منذ اسلموا كانوا محل الابتلاء في حديثهم وشهاداتهم والائتمام بهم، والوصاية اليهم، والتولية لهم؛ وما الى ذلك من حقوق المدنية (في الدين) فلو لا وجوب اقصائهم عنها لما ترك صلى الله عليه وآله وسلم البيان حتى لحق بالرفيق الأعلى، وما كان ليتكل في ذلك على ما صنع الرحال من الردة بعد وفاته.
     (وثالثاً): ان الفرات بن حيان كان جاسوساً للمشركين، وعيناً لأبي
____________
    
     (1) سجودهما حينئذ لله شكراً وقولهما فما أمنا ثابتان عنهما ومذكوران في ترجمة فرات من الاستيعاب والاصابة وغيرهما.


 

( 215 )

سفيان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، فلما أرادوا قتله بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في ترجمته من الاستيعاب والاصابة وغيرهما اسلم حقناً لدمه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1): ان منكم من اتألفه على الاسلام منهم الفرات بن حيان، فالرجل في سوء الحال معطوف على الرحال، فكيف مع ذلك يكون صنع الرحال قرينة على تخصيصه بالجرح والقدح دون الفرات الذي ما اسلم الا حقناً لدمه؟ ودون أبي هريرة الذي تبوأ مقعده.
     (الكلمة الثانية): يشترك فيها ابو هريرة وسمرة بن جندب الفزاري وابو محذورة الجمحي إذ أنذرهم صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهم ذات يوم (2) آخركم موتاً في النار.
     وهذا أسلوب حكيم من أساليبه في اقصاء المنافقين عن التصرف في شؤون الاسلام والمسلمين، فانه صلى الله عليه وآله وسلم لما كان عالماً بسوء بواطن هؤلاء الثلاثة اراد ان يشرب في قلوب أمته الريب فيهم والنفرة منهم اشفاقاً عليها ان تركن الى واحد منهم في شيء مما يناط بعدول المؤمنين وثقاتهم، فنص بالنار على واحد منهم وهو آخرهم موتاً، لكنه اجمل القول فيه على وجه جعله دائراً بين الثلاثة على السواء ثم لم يتبع هذا الاجمال بشيء من البيان وتمضي الايام والليالي على ذلك ويلحق صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى ولا بيان، فيضطر أولى الألباب من أمته الى اقصائهم جميعاً عن كل امر يناط بالعدول والثقات من الحقوق المدينة
____________
    
     (1) كما في ترجمة فرات من الاستيعاب والاصابة وغيرهما وأخرج الحاكم في كتابه الحدود ص366 من الجزء4 من المستدرك حديثاً ذكر فيه الفرات بن حيان وانه كان عيناً لأبي سفيان وحليفا له وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر بقتله فمر على حلقة من الأنصار فقال: أنى مسلم، فقال بعضهم: يا رسول الله إنه يقول: انى مسلم، فقال رسول الله إن منكم رجالا نكلهم الى ايمانهم منهم الفرات بن حيان، وهذاالحديث صححه الحاكم في المستدرك والذهبي في تلخيصه.
     (2) كما في ترجمة سمرة من الاستيعاب والاصابة وغيرهما.


 

( 216 )

في دين الاسلام لاقتضاء العلم الاجمالي ذلك بحكم القاعدة العقلية في الشبهات المحصورة، فلولا انهم في وجوب الاقصاء على السواء لاستحال عليه ـ وهو سيد الحكماء ـ عدم البيان في مثل هذا المقام.
     فان قلت: لعله بين هذا الاجمال بقرينة خفيت علينا بتطاول المدة.
     (قلنا): لو كان ثمة قرينة ما كان كل من هؤلاء في الوجل من هذا الانذار على السواء (1).
     على انك قد عرفت مما سبق انه لا فرق في هذه المشكلة بين عدم البيان واختفائه بعد صدوره لاتحاد النتيجة فيهما بالنسبة الينا اذا لا مندوحة لنا عن العمل بما يقتضيه العلم الاجمالي من تنجيز التكليف في الشبهة المحصورة على كلا الفرضين كما بيناه آنفاً.
     (فان قلت): انما كان المنصوص عليه بالنار مجملا قبل موت الاول والثاني منهم وبسبقهما الى الموت تبين وتعين انه انما هو الباقي بعدهما بعينه دون سابقيه، وحينئذ لا اجمال ولا اشكال.
     (قلنا) اولاً علمت مما ذكرناه آنفاً ان الأنبياء عليهم السلام كما يمتنع عليهم ترك البيان مع الحاجة اليه يستحيل عليهم تأخيره عن وقت الحاجة، وعلمت أيضاً أن وقت الحاجة هنا متصل بصدور هذا الانذار لو كان لأحد الثلاثة شيء من الاعتبار، لانهم منذ اسلموا كانوا محل ابتلاء المسلمين في الحقوق المدنية الدينية كما بيناه آنفاً فلولا وجوب اقصائهم عنها لما أخر البيان اتكالا على صروف الزمان، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقصى أحداً عن حقه طرفة عين، ومعاذ الله ان يخزي من لا يستحق الخزي ثم يبقيه على خزيه حتى يموت مخزياً إذ لا تعرف براءته ـ بناء على هذا الفرض الفاسد ـ إلا بموته.
____________
    
     (1) كما يعلمه متتبعوا شونهم حول هذا الوعيد.


 

( 217 )
     (وثانياً):إنا ـ شهد الله ـ بذلنا الطاقة بحثاً وتنقيباً، فلم يكن في الوسع أن نعلم ايهم المتأخر موتاً لأن الأقوال في تاريخ وفياتهم بين متناقض متساقط (1) وبين مجمل متشابه لا يركن اليها كما يعلمه متتبعوها.
     (وثالثاً): لم يكن من خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو «العزيز عليه عنت المؤمين الحريص عليهم الرؤوف بهم الرحيم لهم» أن يجابه بهذا القول ـ آخركم موتاً من النار ـ من يحترمه وما كان «وانه لعلى خُلق عظيم» ليفاجئ به (أو بقوله: لضرس احدكم في النار) غير مستحقيه، ولو أن في واحد من هؤلاء الثلاثة (أو من أولئك) خيراً ما أشركه في هذه المفاجأة القاسية والمجابهة الغليظة، لكن اضطره الوحي الى ذلك نصحاً لله تعالى وللأمة (وما ينطق عن الهوى).
     على أن أحوال هؤلاء الثلاثة كلها قرائن قطعية على ما قلناه حول انذارهم هذا كما ان احوال اولئك أدلة ما قلناه فيهم.
     وحسبك من أبي هريرة ما تبوأه من مقعده، ويكفيك من سمرة اسرافه الفظيع في دماء المسلمين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة (2) وبيعه الخمر
____________
    
     (1) أما تناقضها فلأن بعضها نص بموت سمرة سنة ثمان وخمسين وموت أبي هريرة سنة تسع وخمسين وهذامنقوض بالقول بأن موت أبي هريرة كان سنة سبع وخمسين، وهكذا بقية الاقوال في موت الثلاثة وأما المجمل المتشابه منها فكالقول بموت الثلاثة كلهم في سنة تسع وخمسين من غير بيان اليوم والشهر الذي وقع فيه الموت.
     (2) نحيلك في تفصيل ذلك على ص363 من المجلد الاول من شرح النهج الحميدي وما أخرجه الطبري منها في احداث سنة خمسين من تأريخه الشهير وما ذكرناه نحن منها في الفصل 8 من فصولنا المهمة.


 

( 218 )
علانية (1) ومضارته للأنصاري؛ وتمرده على ما دعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ اليه من الصلح وزهده في الجنة على وجه يستفاد منه عدم ايمانه (2) وشجه راس ناقة النبي (3) استخفافاً وامتهاناً إلى غير ذلك من بوائقه.
     وناهيك من ابي محذورة أنه من الطلقاء وللمؤلفة قلوبهم، دخل في الاسلام بعد فتح مكة، وبعد ان قفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حنين منتصراً على هوازن، ولم يكن شيء اكره إلى أبي محذورة يومئذ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا مما يأمره به، وكان يسخر بمؤذَّن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيحكيه رافعاً صوته استهزاء لكن صرة الفضة التي اختصه بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغنائم حنين التي اسبغها على الطلقاء من اعدائه ومحاربيه واخلاقه العظيمة التي وسعت كل من اعتصم باول لشهادتين من اولئك المنافقين مع شدة وطأته على من لم يعتصم بها ودخل العرب في دين الله أفواجاً، كل ذلك ألجأ أبا محذورة وأمثاله الى الدخول فيما دخل فيه الناس ولم يهاجر حتى مات في مكة (4) والله يعلم بواطنه.
____________
    
     (1) فيما اخرجه الامام أحمد من حديث عمر بن الخطاب في ص25 من الجزء الاول من مسنده.
     (2) كما في كتاب التجارة من الكافي في باب الضرار وفي الفقيه انه خالف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرض بنخلة في الجنة في قضية اوردها ابن ابي الحديد في ص363 من المجلدالاول من شرح النهج حيث ذكر سمرة وفظائعه.
     (3) كما في روضة الكافي.
     (4) كلما نقلناه هنا عن ابي محذورة موجود في ترجمته من الاصابة وهو مما لا خلاف فيه.
     تمت التعليقة بتمام الاصل بقلم مؤلفهما الاقل عبدالحسين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً.


 

( 219 )
     بقيت كلمة لابن عبد البر حول هذا الانذار إذ قال في ترجمة سمرة من الاستيعاب: وكانت وفاته بالبصرة في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين سقط في قدر مملوءة ماء حاراً كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز شديد اصابه فسقط في القدر الحارة فمات «قال»: كان ذلك تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له ولأبي هريرة ولثالث معهما: آخركم موتاً في النار اهـ.
     (قلت): هذا تأويل غريب لا يدل على اللفظ ولا يفهمه منه احد والثلاثة المخاطبون به لم يرتابوا في مفاده المتبادر منه، ولذا كان كل منهم يتمنى سبق صاحبيه الى الموت كما هو ثابت عنهم، على ان تأخر سمرة في الموت عن صاحبيه كليهما غير معلوم، ولا سيما على ما جزم به ابن عبدالبر من موته سنة ثمان وخمسين، لأن أبا هريرة قد مات في قول الواقدي وابن نمير وابن عبيد وابن الأثير وابن جرير وغيرهم سنة تسع وخمسين وفيها مات ابو محذورة، وقيل: بل مات أبو محذورة سنة تسع وسبعين، ونص ابن الكلبي على ان أبا محذورة مات بعد موت سمرة، فتأويل ابن عبدالبر لهذه الكلمة ـ آخركم موتاً في النار ـ مما لا يصغى اليه.
     وهذا آخر ما اردناه من تمحيص السنة المقدسة وتنزيهها عن الدخل الشائن لجوهر الاسلام وروحه الرفيعة؛ والحمد لله على التوفيق لذلك واليه نبتهل في أن ينفع به المؤمنين، ويجعله ذخيرة ليوم الدين، وصلى الله على سيد النبيين وخاتم المرسلين؛ وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه الهداة الميامين.
     وكان الفراغ منه في مدينة صور يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة 1362 هـ الموافق 23 أيلول سنة 1943 م بقلم مؤلفه اضعف المؤمنين عملا واقواهم بعفو الله أملا عبدالحسين بن الشريف يوسف ابن الشريف جواد بن الشريف إسماعيل بن محمد بن محمد بن شرف الدين واسمه إبراهيم بن زين العابدين بن علي نور الدين بن نور الدين علي بن عز الدين
 

( 220 )

الحسين بن محمد بن الحسين بن علي بن محمد بن تاج الدين المعروف بأبي الحسن ابن محمد ولقبه شمس الدين بن عبدالله ولقبه جلال الدين بن احمد بن حمزة بن سعد الله بن حمزة بن أبي السعادات محمد بن أبي محمد عبدالله نقيب النقباء الطالبيين في بغداد ابن أبي الحرث محمد بن أبي الحسن على المعروف بابن الديلمية ابن أبي طاهر عبدالله بن أبي الحسن محمد المحدث بن أبي الطيب طاهر بن الحسين القطعي بن موسى أبي سبحة بن ابراهيم المرتضى بن الامام الكاظم بن الإمام الصادق بن الامام الباقر بن الامام زين العابدين بن الامام ابي عبدالله الحسين سيد الشهداء، وخامس أصحاب الكساء، وسبط خاتم النبيين والمرسلين، وابن أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، علي بن أبي طالب، صلى الله على رسوله وعليهم أجمعين...
 
«تم طبع الكتاب في يوم 2 / 4 / 1965 م»
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة