الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
( 195 )
الناس موضع علي من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالقرابة والمنزلة الخصيصة وضعه في حجره وهو ولد يضمه الى صدره ويكنفه إلى فراشه ويمسه جسده ويشمه عرفه وكان يمضغ الشئ ثم يلقمه إياه وما وجد له كذبة في قول ولا خطلة في عمل ولقد قرن الله به صلى الله عليه واله وسلم من لدن ان كان فطيما اعظم ملك من ملائكته يسلك به طرق المكارم ومحاسن أخلاق العالم فكان علي يتبع رسول الله اتباع الفصيل أثر أمه يرفع له في كل يوم من اخلاقه علما ويأمره بالاقتداء به ولقد كان معه (هو والصديقة الكبرى خديجة أم المؤمنين) بحراء فيرى نور الوحي والرسالة ويشم ريح النبوة وكان بعد ذلك باب مدينته وأقضى أمته، وعيبة سره وولي أمره، ووارث حكمه؛ وفارج همه، وصاحب الأذن الواعية ـ ومن عنده علم الكتاب ـ فهل يمكن ان ينسى من سننه ما حفظه أبو هريرة أو يكتم منها ما بينه أبو هريرة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
     على انه لم يكن من المهاجرين من يصفق في الأسواق إلا القليل؛ وحسبك أبو ذر والمقداد وعمار ورفقاء أبي هريرة في الصفة وهم سبعون كانوا كما وصفهم أبو هريرة مامنهم رجل عليه رداء وإنما عليه إما ازار وإما كساء قد ربطوه في أعناقهم إلى آخر كلامه في وصفهم (1) فما بالهم لم يحدثوا بمثل احاديثه؛ ولم يكثروا كما أكثر بل لم يكن المجموع منحديثهم كافة إلاّ دون حديثه خاصة.
     وكذا الأنصار لم يكونوا باجمعهم من أهل الأموال والأشغال كما زعم وحسبك (ممن لا مال له منهم) سلمان الفارسي الذي قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيه: سلمان منا أهل البيت، وقال: ـ كما في ترجمة سلمان من الاستيعاب ـ لو كان الدين عند الثريا لناله سلمان؛ وقالت عائشة ـ كما في ترجمته من الاستيعاب ايضا ـ كان لسلمان مجلس من رسول الله ينفرد به في الليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وفي الاستيعاب ايضاً قال علي: ان سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم علم
____________
    
     (1) فراجعه في احواله على عهد النبي صلى الله عليه واله وسلم من هذا الاملاء.


 

( 196 )
علم الاؤل والآخر بحر علم لا ينزف، وقال كعب الاحبار ـ كما في الاستيعاب وغيره ـ: سلمان حشي علماً وحكمة إلى آخر ما هو مأثور عنه من امثال هذه الخصائص، وقد علم الناس ان أبا أيوب الأنصاري لم يكن له من العيش إلا بلغه لا تشغله عن علم ولا عن عمل، وكذلك ابو سعيد الخدري وأبو فضالة الأنصاري وغيرهم من نظرائهم من علماء الأنصار وعظمائهم رضي الله تعالى عنهم.
     على ان سيد الحكماء وخاتم الأنبياء صلى الله عليه واله وسلم لم تكن اوقاته فوضى وإنما كانت في الليل والنهار مرتبة للمهمات على ما تقتضيه الحكمة في تلك الأوقات، وقد خصص منها لا لقاء العلم وقتاً لا يعارض اوقات الصفق في الأسواق ولا اوقات العمل في الأموال، وكان المهاجرون والانصار لايغيبون في ذلك الوقت ابداً وهم احرص على العلم مما يخرفه المخرفون.
     (الثاني): لو صح ما زعمه ابو هريرة (من قول النبي صلى الله عليه واله وسلم لأصحابه: لن يبسط أحد منكم ثوبه أقضي مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئاً أبداً) لتسابقوا اليه، واجتمعوا بقضهم وقضيضهم عليه، فانه الفضل لا يبلغه الطالب بشد الرجال، والعلم لا يناله ببذل الاموال، وما الذي ثبطهم عن نيله؟ ومنعهم عن بسط اثوابهم في سبيله؟ وكيف زهدوا في هذه الغنيمة وضيعوا على انفسهم تلك الفوائد العظيمة؟ أترى انهم كانوا بهذه المثابة من الزهد في العلم والرغبة عما يدعوهم الرسول اليه؟ كلا! ما هكذا الظن بهم ولا هذا بمشبه لما كانوا عليه من التعبد بأوامره؛ والمبادرة الى ما يدعوهم اليه.
     (الثالث): لو صح ما زعمه أبو هريرة لعظم ندم الصحابة، واسفهم على ما ضيعوه من ذلك الفضل الكبير، والعلم الغزير، ولتواتر لهفهم على ما اهملوه من بسط اثوابهم لرسول الله حين انه لا كلفة فيه ولامشقة عليهم، ولندّد بعضهم ببعض، وتلاوموا على تركهم ذلك بسوء اختيارهم ولتواترت منهم

 

( 197 )
الغبطة لأبي هريرة بالفوز به دونهم على حين انه لم يكن إلا ثوب واحد وما منهم من احد إلا وعليه ثوبان او اكثر فلما لم يكن شئ من ذلك علمنا ان هذا من كيس أبي هريرة.
     (الرابع): لو كان الأمر كما قصه أبو هريرة لحدث به غيره ممن دعاهم النبي صلى الله عليه واله وسلم يومئذ الى بسط اثوابهم، بل لو كان لعده الصحابة والتابعون من اعلام النبوة، وآيات الاسلام وادلة الدين؛ ولتواترت به الأخبار، واشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار، فلما لم نجده إلا في حديث أبي هريرة عطفناه على واهياته.
     (الخامس): انه قد تناقض كلام أبي هريرة في هذه القصة، فتارة حدث بها كما سمعت إذ قال ـ فيما رواه الاعرج عنه ـ (1): أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال يوماً لأصحابه لن يبسط احد منكم ثوبه حتى اقضي مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئاً ابداً (قال): فبسطت نمرة ليس على ثوب غيرها حتى قضى النبي صلى الله عليه واله وسلم مقالته ثم جمعتها إلى صدري فو الذي بعثه بالحق مانسيت من مقالته تلك شيئاً الى يومي هذا أ هـ بلفظه.
     وتارة حدث بها فقال ـ فيما رواه عنه المقبري ـ (2): قلت يا رسول الله
____________
    
     (1) الأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز وحديثه هذا عن أبي هريرة موجود في آخر المزارعة: 2/34 من صحيح البخاري، وموجود في فضائل أبي هريرة: 2/357 من صحيح مسلم واخرج البخاري نحوه في اول البيوع في: 2/1 من صحيحه بالاسناد إلى سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ولفظه: ان رسول الله قال في حديث حدثه انه: لن يبسط احد ثوبه حتى اقضي مقالتي هذه ثم يجمع اليه ثوبه الا وعى ما اقول فبسطت نمرة علي حتى قضى مقالته جمعتها الى صدري فما نسيت من مقالته تلك من شئ.
     (2) هو سعيد بن ابي سعيد وحديثه هذا عن ابي هريرة موجود في: 1/24 من صحيح البخاري في باب: حفظ العلم من كتاب العلم.


 

( 198 )
اني اسمع منك حديثاً انساه قال صلى الله عليه واله وسلم: ابسط رداءك فغرف بيديه (1) ثم قال ضمه!! فضممته فما نسيت شيئاً بعده أ هـ بنصه.
     وانت ترى أن القصة على مقتضى الحديث الاول ـ حديث الاعرج ـ انها كانت بين رسول الله صلى الله عليه واله وسلم واصحابه والمبتدئ فيها إنما كان رسول الله إذ دعاهم إلى بسط اثوابهم اشفاقاً عليهم من النسيان وانها على مقتضى الحديث الثاني ـ حديث المقبري ـ انما كانت بين أبي هريرة خاصة ورسول الله والمبتدئ فيها إنما هو أبو هريرة حيث شكا نسيانه إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم.
     وأيضاً فان الحديث الاول ـ حديث الاعرج ـ يقتضي تخصيص عدم النسيان بتلك المقالة فقط (2) لقوله فيه: مانسيت من مقالته تلك شيئاً والحديث الثاني ـ حديث المقبري ـ يقتضي العموم في عدم النسيان لكل شئ من الاشياء حديثاً كان ام غير مطلقاً لقوله فيه مانسيت شيئاً بعده ، فان النكرة في سياق النفي حقيقة في العموم، وقد ارتبك هنا شارحوا البخاري وارتجت عليهم أبواب الاعتذار عنه حتى قرر ابن حجر في فتح الباري وقوع هذه القضية مرتين (3)
____________
    
     (1) قال القسطلاني في شرح هذه الكلمة: فغرف بيديه من فيض فضل الله فجعل الحفظ كالشئ الذي يغرف منه ورمي به في ردائه إلى آخر كلامه فراجعه في: 1/379 من ارشاد الساري في شرح هذا الحديث من صحيح البخاري.
     (2) وقع في جامع الترمذي وحلية أبي نعيم التصريح بهذه المقالة وانها كانت ما هذا لفظه: ما من رجل يسمع كلمة او كلمتين مما فرض الله تعالى عليه فيتعلمهن او يعلمهن الا دخل الجنة. ‌
     (3) قال القسطلاني في شرح هذه الاحاديث في باب حفظ العلم من كتاب العلم: 1/380 من ارشاد الساري ما هذا لفظه: ويحتمل أن يكون وقعت له ـ أي لأبي هريرة مع النبي ـ قضيتان فالتي رواها الزهري عن الاعرج مختصة بتلك المقالة، والتي رواها المقبري عامة قال: هكذا قرره في فتح الباري، قال: وهذا من المعجزات الظاهرات حيث رفع صلى الله عليه واله وسلم عن أبي هريرة النسيان الذي هو من لوازم الانسان حتى قيل أنه مشتق منه، وحصول هذا في بسط الرداء الذي ليس للعقل فيه مجال.


 

( 199 )
مرة كان عدم النسيان فيها مختصاً بتلك المقالة، وأخرى كان عدم النسيان فيها عاماً لكل شئ من الأشياء سواءأ كان حديثاً أم كان غيره مطلقاً وهذا كما ترى (1)..
     على ان مسلماً اخرجه (2) من طريق يونس عن ابن المسيب على وجه ثالث إذ قال فيه أبو هريرة: فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئاً حدثني به صلى الله عليه واله وسلم وهذا يقتضي كون عدم النسيان اعم مما اقتضاه حديث الاعرج وأخص مما اقتضاه حديث المقبري (3).
     ونحوه حديث ابن سعد (4) بسنده الى عمرو بن مرداس بن عبد الرحمن الجندي عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ابسط ثوبك فبسطته فحدثني النهار ثم ضممت ثوبي إلى بطني فما نسيت شيئاً مما حدثني أهـ لكن قوله فيه: فحدّثني النهار، لا يوجد في هذا الحديث إلا من هذا الطريق طريق الجندي
____________
    
     (1) فان مثل هذا لو صدر مرة واحدة فضلا عن مرتين او أكثر لتواتر الخبر به فاستطار استطارة البرق فما بال الصحابة اغفلوه فلم يروه منهم احد غير ابي هريرة؟
     (2) في: 2/358 من صحيحه في فضائل ابي هريرة.
     (3) اما كونه أعم من حديث الاعرج فواضح لاختصاص عدم النسيان في حديث الاعرج بتلك المقالة فقط، اما كونه اخص مما اقتضاه حديث المقبري فلأن حديث المقبري يقتضي تعميم عدم النسيان لكل شئ من حديث وغيره، وهذا الحديث ـ اعني حديث يونس عن الزهري عند مسلم ـ يقتصي تخصيص عدم النسيان يجميع الاحاديث التي سمعها من النبي دون غيرها من سائر الاشياء، وقد نص القسطلاني في: 1/380 من ارشاد الساري على أنّ مسلماً رواه على وجه ثالث فراجع.
     (4) في: ص56 من القسم الثاني من الجزء الرابع من طبقاته ترجم ابا هريرة.


 

( 200 )
فقط وبه كان مخالفاً لكل ما جاء في هذا الموضوع من سائر الطرق إلى أبي هريرة.
     وقد أخرجه أبو يعلى من طريق أبي سلمة على وجه يخالف سائر الوجوه في سائر الطرق، إذ روى ان أبا هريرة جاء يعود النبي في شكواه فسلم عليه وهو قائم والنبي صلى الله عليه واله وسلم متساند الى صدر علي ويد علي على صدر النبي يضمه اليه والنبي باسط رجليه فقال صلى الله عليه واله وسلم: أدن يا ابا هريرة فدنا، ثم قال: أدن يا أبا هريرة فدنا، ثم قال أدن يا أبا هريرة فدنا حتى مست اصابع أبي هريرة اصابع النبي صلى الله عليه واله وسلم ثم قال له اجلس فجلس فقال له: ادن مني طرف ثوبك فمد أبو هريرة ثوبه ففتحه وادماه من النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال له النبي اُوصيك يا ابا هريرة بخصال لا تدعهن ما بقيت، قال أوصني ما شئت فقال له: عليك بالغسل يوم الجمعة والبكور اليها ولا تلغ ولا تله وأوصيك بصيام ثلاثة ايام من كل شهر فانه صوم الدهر واوصيك بركعتي الفجر لا تدعهما وان صليت الليل كله فان فيهما الرغائب قالها ثلاثاً ثم ضم اليك ثوبك فضم ثوبه الى صدره الحديث (1)...
     وأخرج أبو يعلي ـ كما في ترجمة أبي هريرة من الاصابة ـ من طريق الوليد ابن جميع عن أبي هريرة قال: شكوت الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم سوء الحفظ فقال: افتح كساءك ففتحه ثم قال: ضمه الى صدرك فضممته فما نسيت حديثاً بعد.
     أخرج أبو يعلي ـ كما في الاصابة ايضاً ـ من طريق يونس بن عبيد عن الحسن البصري عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: من يأخذ مني كلمة أو كلمتين أو ثلاثاً فيصرّهنّ في ثوبه فيتعلمنّ ويعلمهن فيتعلمهن قال: فنشرت ثوبي بين يديه وهو يحدث ثم ضممته فأرجو ان لا أكون نسيت حديثاً مما قاله أ هـ.
     (قلت): وأخرج أحمد ـ كما في الاصابة ايضا ـ من طريق المبارك بن
____________
    
     (1) هذا الحديث وسائر الاحاديث التي بعده موجودة بأسرها في ترجمة ابي هريرة من الاصابة فراجع.


 

( 201 )
فضالة عن الحسن نحوه.
     وأخرج أبو نعيم (1) من طريق عبدالله بن أبي يحيى عن سعيد بن أبي هند عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يا ابا هريرة: ألا تسألني عن هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟ فقلت أسألك أن تعلمني مما علمك الله، قال: فنزعت نمرة على ظهري فبسطتها بيني وبينه حتى كأني انظر الى القمل يدب عليها فحدثني حتى استوعبت حديثه قال: اجمعها فصرها اليك فاصبحت لا اسقط حرفا مما حدثني اهـ.
     ومن ألم بهذا الحديث مع جميع الطرق وجده مختلف الالفاظ والمعاني باختلاف طرقه لا تتجارى معانيه ولا ألفاظه إلى غاية، ولا تتساير في حلبة يصدم كل منها الآخر فاذا هو زاهق والحمد لله رب العالمين.
     «السادس»: انه قال: فبسطت نمرة ليس عليّ ثوب غيرها، فيقتضي على الظاهر ان تبدوا سوأته، لكن القسطلاني وزكريا الانصاري تأولا كلامه إذ بلغا اليه في آخر المزارعة من شرحيهما فجعلاه على أنه بسط بعض النمرة لئلا تنكشف عورته.
     (السابع): ان هذه الحكاية في ذاتها تشبه قصص المخرفين، ولا تكاد تمتاز عن خلط الدجالين، وحاشا لله ان تمتزج بمعجزات الرسول أو يصدق بنسبتها اليه أصحاب العقول فان معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم بهرت الى النهى بانوار حقيقتها وقهرت جبابرة الارض بحسن اسلوبها واعتدال طريقتها فظلت اعناقهم لها خاضعين.
     ضرب بيده صلى الله عليه وآله وسلم على صدر علي لما بعثه قاضياً الى اليمن فقال (2) أللهم
____________
    
     (1) في ص281 في ترجمة ابي هريرة من حلية الاولياء فراجع.
     (2) كما في ترجمة علي من الاستيعاب وغيره، وأخرجه أصحاب المسانيد بطرقهم وأسانيدهم.


 

( 202 )
اهد قلبه وسدد لسانه قال علي عليه السلام: فوالله، ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين.
     ولما أنزل الله عز سلطانه «وتعيها اذن واعية» قال صلى الله عليه وآله وسلم (1) مخاطباً لعلي: سألت الله ان يجعلها اذنك، قال علي: فما نسيت شيئاً بعدها وما كان لي أن أنسى.
     وقال صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر حين اخذ الراية علي عليه السلام: أللهم اكفه الحر والبرد قال علي (2) فما آذاني بعدها حر ولا برد، وكان بعد ذلك يخرج في الشتاء في ازار ورداء وثوبين خفيفين، وفي الصيف يخرج في القباء المحشو والثوب الثقيل اظهاراً لمعجزة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والفاتا اليها على الدوام.
     ولما شكا جابراليه صلى الله عليه وآله وسلم ديناً كان على أبيه انطلق معه الى بيدر تمره فمشى حوله ودعا بالبركة فيه ثم جلس عليه وحضر الغرماء فأوفاهم الذي لهم وبقى لجابر وذويه مثل ما كانوا يستغلون، وهكذا كان صلى الله عليه وآله وسلم اذا اراد بأحد خيراً دعا له، وإذا أراد به غير ذلك دعا عليه كما فعل بمعاوية إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا اشبع الله له بطناً، وكما فعل مع الحكم بن أبي العاص وما عهدناه صلى الله عليه وآله وسلم يفعل شيئاً يشبه الذي حكاه أبو هريرة حاشا حكمته التي تستصبح بها البصائر الضالة، وتنكشف بها معالم الهدى، فتحل عقد الاشكال وتمزق ظلمات الغي والضلال.
____________
    
     (1) هذا مذكور في كشاف الزمخشري، وفي تفسير الثعلبي، والرازي وغيرهما فراجع.
     (2) اخرجه احمد بن حنبل في مسنده، وابن ابي شيبة البزار وابن جرير، وصححه كما في صفحة 44 من الجزء الخامس من منتخب كنز العمال المطبوع في هامش مسند أحمد.


 

( 203 )
ـ 16 ـ
نظرة في فضائله
     تتبعنا الأسانيد فيما يرسله الناس في فضائل أبي هريرة، فلم نجد لها مصدراً في الأغلب سواه، واليك مثلا يلمسك هذه الحقيقة:
     قال صاحب الاستيعاب في أحواله: أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم لزمه وواظب عليه رغبة في العلم، راضياً بشبع بطنه، فكانت يده في يد رسول الله، وكان يدور معه حيث دار، وكان من أحفظ أصحاب رسول الله، كان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار لاشتغال المهاجرين بالتجارة، والأنصار بحوائطهم، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه حريص على العلم والحديث، وقال له يا رسول الله أنى سمعت منك حديثاً كثيراً وأنا أخشى ان أنسى؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم ابسط رداءك؛ قال: فبسطته فغرف فيه! ثم قال: ضمه فضممته فما نسيت شيئاً بعد! اهـ.
     (قلت): هذه الفضائل ونحوها ليست إلا مضامين أحاديث كان أبو هريرة يحدث بها عن نفسه، ولم نجد لها مستنداً سواه، وهكذا سائر خصائصه انما أخذت عنه كما يعلمه المتتبعون.
     ولنوضح هذه الجملة فنقول: أما اسلامه عام خيبر فمسلم، لثبوته من حديث غيره.
     وأما كونه شهدها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يرو إلا عنه، وأهل العلم يتأولون دعواه الحضور كما أوضحناه سابقاً. وأما لزومه لرسول الله ومواظبته عليه، رغبة في العلم؛ ورضا بشبع بطنه وان يده كانت في يده يدور معه حيث دار، فأمور كان أبو هريرة يدعيها،

 

( 204 )

فالعهدة فيها عليه،إذ قال (1): قدمت المدينة ورسول الله بخيبر وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين، فأقمت معه حتى مات، وأدور معه في بيوت نسائه! (2) وأخدمه وأغزو معه واحج؟؟ (3) وكنت أعلم الناس بحديثه؟؟ وقدوا لله سبقني قوم بصحبته فكانوا يعرفون لزومي له فيسألونني عن حديثه: منهم عمر؛ وعثمان؛ وعلي؛ وطلحة؛ والزبير؛ الى آخر كلامه؛ (قلت): لعل أولى الالباب يعجبون من جرأة أبي هريرة على التحديث بمثل هذا، لمخالفته الواقع، وبعده عن الصدق، لكن من عرف الحقيقة علم انه ما كان ليحدث به على عهد الشيوخ والعلماء والعظماء منهم، وانما اجترأ على التحديث به وبأمثاله بعد موت اكثر الصحابة وفتح الشام والعراق ومصر وافريقيا وفارس وغيرها من الأمصار، حيث قلت الصحابة وكثر مسلموا الفتوحات الذين لا إلمام لهم بشيء مما كان على عهد النبوة فكأنه حينئذ وسائر الكذابة وجدوا انفسهم في عالم آخر لا يعرف شيئاً مما كان في الصدر الأول، ورأوا عالمهم الجديد يصدقهم ويتعبد بما سمعه منهم لكونهم في نظره من البقية الباقية من اصحاب رسول الله الأمناء على سننه والموكول اليهم تبليغها، وكانت السلطة الاموية بذلت في تأييدهم جهدها فتسنى لهم بهذه الاسباب كلها ان يحدثوا بما حدثوا به من الواهيات والمنكرات، وبما لا يجوز شرعا، وبما لا يمكن عقلا، وبكل سخافة وبكل باطل حسبما اقتضته اغراضهم أو أوجبته دعاية الظالمين الذين اتخذوا دين الله
____________
    
     (1) فما اخرجه ابن سعد بالاسناد الى ابي هريرة كما في ترجمته من الاصابة.
     (2) ان من عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانفته من دخول الرجال على نسائه لا يمكن ان يصدق بها ابداً.
     (3) قوله: واحج، ظاهر في استمراره على الحج معه صلى الله عليه وآله وسلم مرة بعد أخرى وهذا عار عن الحقيقة فان رسول الله ما حج بعد الهجرة سوى حجة الوداع ولو قال وحججت معه لكان يمكن الوقوع.


 

( 205 )

دغلاح وعباد الله خولا، وما الله دولا؛ وكانت هذه الكذابة قد اتصلت بأسباب أولئك الغاشمين فتوسلت اليهم بالطامات فأرضعوها اخلاف برهم، واولوها فوق ذلك انهم انفقوا في تأييدها قواهم الجبارة إذ كانت (ولا سيما على عهد معاوية) اداة من ادواتهم بل كانت لسان دعايتهم، وعين تجسسهم (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله).
     وأني وايم الله لا ينقضي عجبي من البخاري ومسلم وأحمد وأمثالهم ممن يرجعون الى عقل اصيل ورأى جميع ثم ينقادون انقياد الاكمه الابله الى ما يشاء أبو هريرة وأمثاله؛ فهل في امكانهم ان يعلموا متى سأله علي وعمر وعثمان وطلحة والزبير وغيرهم من أهل السوابق؛ وهل كان سؤالهم إياه في اليقظة أو في النوم أو في عالم الخيال؟ وأي حديث سألوه عنه؟ ومن روى هذا عنهم غير أبي هريرة؟ وأي رجل من أهل المعاجم والتراجم أو من غيرهم عد واحداً من هؤلاء في زمرة من روى عن أبي هريرة؟ ولو حديثاً واحداً (1) ومتى كان هؤلاء يأبهون بحديثه؟ فانا ما عهدناه يحدث في مجالسهم وما كان ليجرأ على الحديث بحضورهم؛ وكانوا يرذلونه ويكذبونه كما سمعته مفصلا. ولنرجع الآن الى ما ذكره ابن عبدالبر في ترجمة أبي هريرة فيقول:
     وأما قوله: وكان من احفظ اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانه مأخوذ من قول أبي هريرة في الحديث السابق وكنت اعلم الناس بحديثه.
     وأما قوله: كان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار، فانه مأخوذ من حديثه الذي ذكره فيه بسط النمرة، وقد بيناه سابقاص وعلقنا عليه ما نفلت كل بحاثة اليه.
____________
    
     (1) قد احصى الحاكم في ترجمة أبي هريرة من روى عن من الصحابة فكانوا ثمانية وعشرين رجلاً ليس فيهم علي ولا عمر ولا عثمان ولا طلحة ولا الزبير أما غيرهم من الصحابة فانما رووا عنه أموراً تتعلق بالجنة والنار او بالاخلاق والحض على العلم دون للأحكام التكليفية.


 

( 206 )


     وأما قوله: بأنه قد شهد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه حريص على العلم والحديث فانما هو مأخوذ من قول أبي هريرة: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: لقد ظننت ان لا يسألني عن هذا الحديث احد اولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث (1).
     ومن خصائصه التي تداولتها اقلام مترجميه المزود الذي اكل منه اكثر من مائتي وسق تمراً! وغلامه الآبق الذي اعتقه لوجه الله! وحفظه وعاءين من العلم بث احدهما وكتم الآخر؟ ودعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له ولأمه! ومشيه على وجه الماء حتى عبر خليجاً من البحر فما ابتل!! له قدم الى غير ذلك من المضحكات المبكيات في آن واحد فانا لله وإنا اليه راجعون.
ـ 17 ـ
نوادره
     أخرج الامام أحمد بن حديث أبي هريرة (2) عن محمد بن زياد قال: كان مروان ـ أيام ولايته على المدينة في خلافة معاوية ـ يستخلف أبا هريرة على المدينة فيضرب برجليه فيقول: خلوا الطريق خلوا الطريق قد جاء الأمير قد جاء الامير ـ يعني نفسه.
     وأخرج ابن قتيبة الدينوري في ترجمة أبي هريرة من معارفه (3) عن
____________
    
     (1) أخرجه البخاري في الصحيح من طريق سعيد المقبري عن ابي هريرة ونقله ابن حجر في ترجمة ابي هريرة من الاصابة وكان ابو هريرة يقول (كما في ترجمته من الاصابة) صحبت رسول الله ثلاث سنين لم يكن احد احرص على ان يعي الحديث عنه مني.
     (2) ص43 من الجزء الثاني من مسنده.
     (3) في ص94 منها.


 

( 207 )

أبي رافع قال: كان مروان يستحلف أبا هريرة على المدينة فيركب حماراً قد شدّ عليه برذعة وفي رأسه خلبة من ليف فيسير فيلقى الرجال فيقول: الطريق! قد جاء الأمير! (قال): وربما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الغراب فلا يشعرون بشيء حتى يلقى نفسه بينهم، ويضرب برجليه الحديث (1).
     واخرج ابو نعيم (2) بسنده الى ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: اقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان فقال: اوسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك؛ فقلت له: يكفي هذا. فقال: اوسع الطريق للأمير والحزمة عليه؟ اهـ.
     وأخرج ابو نعيم ايضاً (3) من طريق احمد بن حنبل عن عثمان الشحام عن فرقد السبخي، قال: كان أبو هريرة يطوف بالبيت (اعزه الله تعالى) وهو يقول: ويل لي بطني إذا اشبعته كظني، وان أجعته سبني.
     وعن ربيع الأبرار للزمخشري قال: كان ابو هريرة يقول: اللهم ارزقني ضرساً طحوناً ومعدة هضوماً (4) ودبراً نثوراً.
     وعن ربيع الابرار أيضاً (5) قال: وكان يعجبه ـ يعني أبا هريرة ـ المضيرة جداً فيأكلها مع معاوية وإذا حضرت الصلاة صلى خلف علي فاذا قيل له قال: مضيرة معاية ادسم والصلاة خلف علي افضل، فكان يقال له شيخ
____________
    
     (1) واخرجه ايضاً ابن سعد باسانيد متعددة في ترجمة أبي هريرة آخر ص60 من القسم الثاني من الجزء الرابع من الطبقات.
     (2) في أحوال ابي هريرة صفحة 382 من الجزء الاول من حلية الأولياء.
     (3) في احوال أبي هريرة من كتابه حلية الأولياء ص382 من جزئه الأول.
     (4) بزنة فعول، يستوى فيها المؤنث والمذكر كرغوث، نقله عن ربيع الابرار جماعة من الاثبات كالشيخ القمي في أحوال ابي هريرة من كتاب الكنى والألقاب.
     (5) كما في احوال أبي هريرة من الكنى والالقاب للمعاصر القمي.


 

( 208 )
     وعن أبي عثمان النهدي ان ابا هريرة كان في سفر فلما نزلوا وضعوا السفرة وبعثوا اليه وهو يصلي، فقال: اني صائم فلما كادوا يفرغون جاء فجعل يأكل الطعام فنظر القوم الى رسولهم فقال: ما تنظرون؟ قد والله أخبرني أنه صائم: فقال ابو هريرة صدق اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: صوم رمضان وصوم ثلاثة ايام من كل شهر صوم الدهر وقد صمت ثلاثة أيام من أول الشهر فانا مفطر في تخفيف الله صائم في تضعيف الله، اخرجه ابو نعيم (2).
     واخرج البخاري (3) عن محمد بن سيرين قال: كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان فتمخط بهما فقال: بخ بخ أبو هريرة يتمخط في الكتان لقد رأيتني وأنى لأخر فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حجرة عائشة مغشياً علي فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي من جنون ما بي الا الجوع.
     ومن نوادره انه كان يلعب السدر قال ابن الأثير في مادة السدر من نهايته
____________
    
     (1) المضيرة هي مريقة تطبخ باللبن المضير أي الحامض، ويظهر من هذه الحاكية وغيرها انه كان ممن حضر وقعة صفين، وانه كان يصانع الفئتين شأن المتلون ذي الوجهين واللسانين يريد بهذا ان لا يقطع على نفسه خط الرجعة الى الفئة المنتصرة وقد رأينا بين سوريا والعراق على مقربة من صفين مقاما مشاداً يدعى مقام ابي هريرة وحدثني غير واحد ان ابا هريرة كان في بعض ايام صفين يصلي في جماعة علي ويأكل في جماعة معاوية فاذا حمى الوطيس لحق الجبل فاذا سئل قال: علي اعلم ومعاوية ادسم والجبل اسلم.
     (2) في اواخر ترجمة أبي هريرة ص385 من الجزء الاول من الحلية.
     (3) ص157 من الجزء الرابع من صحيحه في اواخر كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، واخرجه ابو نعيم في ص379 من الجزء الاول من حليته.


 

( 209 )

ما هذا لفظه: وفي حديث بعضهم قال: رأيت أبا هريرة يلعب السدر، ثم قال: السدر لعبة يقامر بها ـ وتكسر سينها وتضم وهي فارسية معربة عن ثلاثة أبواب (1) أهـ.
     وفي هذه المادة من لسان العرب عين ما في النهاية وزاد عليه فقال ومنه حديث يحيى بن أبي كثير: السدر هي الشيطانة الصغرى (قال) يعني انها من أمر الشيطان انتهى بلفظه (2).
     وذكر الدميري في مادة عقرب من حياة الحيوان لعب الشطرنج فقال: وروى الصعلوكي تجويزه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأبي البسر وأبي هريرة ثم قال: والمروي عن أبي هريرة من اللعب به مشهور في كتب الفقه، قال: وروى الآجري عن أبي هريرة انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بالازلام الشطرنج والنرد فلا تسلموا عليهم (3).
____________
    
     (1) قوله: معربة عن ثلاثة ابواب، أي ان اصلها في لغة الفرس «سه در» ومعناه عندهم ثلاثة أبواب، فاستعملها العرب وتصرفوا فيها فقالوا: سدرة.
     (2) فراجعه في ص30 ج6 مادة س در.
     (3) لكن الدميري ضعف اسناد هذا الحديث وكذب الصولي فيما نقله عن الامام زين العابدين من القول باباحة الشطرنج فان ائمة اهل البيت كافة يحرمونه وكذلك مالك واحمد وابو حنيفة.
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة