الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
( 165 )
فأتى الأبرص فقال: أي شئ أحب اليك؟ قال: لون حسن وجلد قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه فاعطى لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال: أي المال احب اليك؟ قال: الابل، فاعطى ناقة عشراء فقال: يبارك لك فيها.
     وأتى الأفرع فقال: أي شئ احب اليك؟ قال: شعر حسن وقد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب واعطى شعراً حسناً، قال: فأي المال احب اليك؟ قال: البقر فاعطاه بقرة حاملا وقال يبارك لك فيها.
     وأتى الأعمى فقال: أي شئ احب اليك؟ قال: يرد الله إلي بصري قال: فمسحه فرد الله اليه بصره، قال: فاي المال احب اليك؟ قال الغنم، فاعطاه الله شاة والداً فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من ابل ولهذا واد من بقر ولهذا واد من الغنم.
     ثم انه أتى الأبرص في صورته وهيئته ـ التي كان الابرص أولا عليها ـ فقال له: رجل مسكين تقطعت بي الجبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، اسألك بالذي اعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً اتبلغ عليه في سفري، فقال له: ان الحقوق كثيرة؛ فقال له: كأني اعرفك الم تكن ابرص يقذرك الناس فقيراً؟ فاعطاك الله. فقال: ورثت كابراً عن كابر، فقال: ان كنت كاذباً فصيرك الله الى ما كنت.
     واتى الاقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا؛ فرد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: ان كنت كاذباً فصيرك الله الى ما كنت.
     واتى الاعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل تقطعت بي الجبال في سفري، فلا بلاغ اليوم الا بالله ثم بك، اسألك بالذي ردّ عليك بصرك شاة اتبلغ بها في سفري؛ فقال: كنت اعمى فرد الله بصري وفقيراً فاغناني فخذ ما شئت فو الله لا اجهدك اليوم بشئ اخذته لله فقال أمسك مالك فانما ابتليتهم فيد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك.

 

( 166 )

     (قلت): هذا الحديث من منسوجات أبي هريرة وقد رقشه ووشاه فكان كأحدث رواية خيالية يمثلها المزخرفون على مسارحهم في عصرنا الحاضر يرمي بها الى عاقبتي شكر النعمة والكفر بها.
 
36 ـ خيالية رابعة ترمي الى سوء عاقبة الظلم
     أخرج الشيخان بسندهما إلى أبي هريرة (1) مرفوعاً قال: دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الارض أ هـ.
     وهذا الحديث مما انكرته عائشة على أبي هريرة فكان مما قالت له إذ بلغها: إن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة فاذا حدثت عن رسول الله فانظر كيف تحدث (2).
     (قلت): وهذا من رواياته الخيالية يرمي فيه الى سوء عواقب الظلم والعدوان.
 
37 ـ خيالية خامسة ترمي الى حسن عواقب الرحمة
     أخرج البخاري عن أبي هريرة (3) يرفعه قال: غفر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي يلهث (قال) وكاد يقتله العطش فنزعت خفها واوثقته بخمارها فنزعت له من الماء فشرب ففغر لها بذلك.
____________
    
     (1) راجع: 2/149 من صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق وأول: 2/445 من صحيح مسلم في باب سعة رحمة الله من كتاب التوبة تجد الحديث.
     (2) هذا الرد مشهور عن عائشة وقد رواه عنها شارحو صحيح البخاري ومسلم عند انتهائهم إلى هذا الحديث في شروحهم فراجع: 84 من المجلد السابع من ارشاد الساري.
     (3) في: 2/150 من صحيحه وأخرجه ايضا في مواضع اخر.


 

( 167 )
38 ـ رواية خيالية هدفها هدف سابقتها
     وأخرج البخاري عن أبي هريرة يرفعه قال: بينما رجل يمشي في طريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فاذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش! قال فنزل الرجل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب فشكر الله له وغفر له بذلك ـ الحديث (1) ـ.
     وقد تعلم أن هذا الحديث والذي قبله إنما هما من مخيلة أبي هريرة يمثل بهما حسن عواقب العطف والحنان ويحض بهما على البر والاحسان.
 
39 ـ مسرف كافر غفر له
     أخرج مسلم عن معمر قال: قال لي الزهري: ألا أحدثك بحديثين عجيبين (2)؟! اخبرني حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي قال: أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت اوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر فو الله لئن قدر عليّ ربي (3) ليعذبني عذابا ما عذب به أحداً ففعلوا ذلك به فقال الله للارض أدي ما اخذت فاذا هو قائم فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: مخافتك يارب ففغر له بذلك، قال الزهري: وحدثني حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي اطعمتها
____________
    
     (1) تجده في باب رحمة الناس بالبهائم: 4/36 من كتاب الادب وفي باب فضل سقي الماء: 2/35 من صحيحه في كتاب المساقاة فراجع.
     (2) يحق للزهري أن يعجب من هذين الحديثين واولو الألباب كلهم يعجبون منهما.
     (3) تأمل كلمته هذه تجدها صريحة بأنه كان لا يؤمن بان ربه قادر على بعثه بعد انجاز وصيته فهو كافر بذلك.


 

( 168)

ولا هي ارسلتها تأكل من خشاش الأرض ـ الحديث ـ (1).
     (قلت): أما المرأة ذات الهرة فان كانت مؤمنة كانت ـ كما قالت عائشة. اكرم على الله من يعذبها في النار بهرة، وان كانت كافرة فانما تعذب بكفرها.
     وأما ذلك المسرف فانه ـ على ما يقتضيه الحديث ـ لم يكن أهلا للمغفرة إذ لم يكتف بتمرده على الله تعالى طيلة حياته وتجاوزه الحد في موبقاته حتى مات مصراً على تمرده يائساً من روح الله فاراً من سلطانه الى حيث لا تناله ـ على زعمه ـ قدرة الله عز سلطانه التي احاطت بكل شئ ولذلك اوصى تلك الوصية البربرية فهو كافر بيأسه من رحمة الله وانكاره لقدرة الله عز وجل والكافر لا يستحق المغفرة، ولا هو لها اجماعا وقولا واحداً.
     على أن اسلوب هذا الحديث انما هو اسلوب حكاية خيالية ترمي إلى عدم اليأس من رحمة الله ولو مع الاسراف وإلى عدم الأمن من عذاب الله ولو مع الايمان، وهاتان الحقيقتان في غنى عن روايات أبي هريرة وخيالاته لثبوتهما بنص الذكر الحكيم والفرقان العظيم: (ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون* أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) فالسنن المقدسة تبرأ أنوار اساليبها من هذا الحديث واسلوبه كما لا يخفى.
     وايضاً لو فرض وقوع تلك الوصية من ذلك المسرف وفرض انها بمجردها كانت سبباً لمغفرة ذنوبه فرسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا يمكن أن يحدث بها حتى يعلق عليها كلمة تحضرها إذ لو حدث بها من غير تعليق ـ كما نقله أبو هريرة ـ لأغرى بها المسرفين من امته وهذا محال كما لا يخفى.
____________
    
     (1) تجده في: 2/444 من صحيح مسلم في باب سعة رحمة الله وانها سبقت غضبه من كتاب التوبة.


 

( 169 )
40 ـ مذنب يتوب إلى الله ثم يؤوب الى ذنوبه يكرر ذلك فيقول الله له: إعمل ماشئت فقد غفرت لك
     قال أبو هريرة: أذنب عبد ذنباً، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي فقال الله تبارك وتعالى: اذنب عبدي ذنباً فعلم ان له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قال: ثم عاد فأذنب؛ فقال: أي رب غفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي اذنب ذنباً فعلم ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فاذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: اذنب عبدي ذنباً فعلم ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك! الحديث (1).
     (قلت): وهذا كسابقه معناً ومرمىً واسلوباً نسجته يدا أبي هريرة من غزل مخيلته كحكاية العجائز والقصاصين يرمي به الى سعة مغفرة الله عز وجل وسعة مغفرة الله ورحمته في غنى عن الروايات الخيالية لثبوتها يحكم العقل والنقل كتابا وسنة ولاجماع الأمة عليها بل اجماع أهل الاديان كافة بل هي من ضروريات الاسلام وغيره من سائر الاديان.
     وأنت تعلم ان ليس بين الله عز وجل وبين احد من خلقه هوادة في حمى حرّمه على العالمين، ألا تراه كيف يقول عز من قائل: (لو تقول علينا بعض الأقاويل لاخذنا منه بالميين ثم لقطعناه منه الوتين وما منكم من أحدعنه حاجزين) فكيف يمكن بعدها ان يحابي هذا المذنب الراجع عن توبته مراراً فيقول له: اعمل ما شئت فقد غفرت لك، وبأي شئ استحق هذا الضعيف في ذات الله ان ينال هذه الهوادة التي ما نالها الصديقون والأنبياء والمرسلون.
____________
    
     (1) أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً في باب قبول التوبة من الذنب وان تكررت الذنوب والتوبة: 2/445 من صحيحه في كتاب التوبة.


 

( 170 )

     وكم لأبي هريرة من هذه القصص الخيالية يحدث بها الطغاة يهويناً لجرائمهم وتعزية لهم عن موبقاتهم كقوله سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: حضر ملك الموت رجلا يموت فلم يجد فيه خيراً وشق عن قلبه فلم يجد فيه شيئاً ثم فك عن لحييه فوجد طرف لسانه لاصقاً بفكه بقول لا إله إلا الله فغفر الله له ـ الحديث (1).
     ومن سخافات هذا الرجل قوله: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف فلما قام رسول الله صلى عليه واله وسلم في مصلاه ذكر انه جنب الحديث (2).
     نبرأ الى الله منه وممن يجيزه على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الذي كان في جميع اوقاته على طهور وكان الوضوء على الوضوء عنده نوراً على نور وانبياء الله كافة منزهون عن مضمونه معصومون عما هو دونه مما لا يليق بالصديقين وصالحي المؤمنين.
     ومنها: حديثه (3) في النهي عن تفضيل النبي على موسى وحديثه (4) في أن من قال ان رسول الله خير من يونس بن متى فقد كذب.
     وقد اجمعت الامة على تفضيله، وثبت ذلك بالنصوص الصريحة الصحيحة وقامت عليه الضرورة من دين الاسلام.
____________
    
     (1) أخرجه الخطيب في ترجمة سعد بن عبد الحميد: 125 من المجلد: 9 من تاريخ بغداد.
     (2) أخرجه البخاري في باب إذا ذكر في المسجد انه جنب يخرج ولا يتيمم: 1/41 من صحيحه.
     (3) الذي أخرجه البخاري في الخصومات: 2/40 من صحيحه.
     (4) الذي أخرجه البخاري في باب قوله تعالى: (انا اوحينا اليك كما أوحينا إلى نوح) إلى قوله تعالى: (ويونس وهارون وسليمان في: 2/82 من صحيحه في كتاب تفسير القرآن.


 

( 171 )

     وحديثه (1) بأنه لن يدخل احداً عمله الجنة «قال» قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا؟.
     يضرب بهذا الحديث عرض الحائط لمخالفته كتاب الله عز وجل في كثير من آياته، وحسبك منها: (ان هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا) .
     وحديثه (2) في أنه ما بعث نبي الا ورعى الغنم وهذا في البعد الى حد السقوط.
     ومثله حديثه (3) في ان براهيم عليه السلام قد اختتن بالقدوم (4) بعد ثمانين سنة من عمره.
     وحديثه (5) في ان عيسى بن مريم عليهما السلام رأى رجلا يسرق فقال له: أسرقت؟ فقال: كلا؟ والذي لا آله الا هو، فصدقه وكذب عينيه.
     وحديثه: اذ خلق الله آدم فمسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها الى يوم القيامة امثال الذر ثم جعل بين عيني كلّ انسان منهم وبيعاً «أي بريقاً» من نور ثم عرضهم على آدم فقال آدم من هؤلاء يارب؟ قال: ذريتك فرأى آدم رجلا منهم أعجبه وبيص ما بين عينيه فقال يا رب من هذا؟ قال هذا ابنك داود، قال آدم: كم جعلت له من العمر؟ قال ستين سنة، قال: يارب
____________
    
     (1) الذي اخرجه البخاري في باب تمني المريض الموت من آخر كتاب المرضى: 4/6 من صحيحه.
     (2) الذي اخرجه البخاري في كتاب الاجارة: 2/22 من صحيحه.
     (3) الذي اخرجه البخاري في باب الختان: 4/65 من صحيحه في اواخر كتاب الاستئذان.
     (4) ولعل هذا القدوم كان على رأي أبي هريرة مما ورثه ابراهيم عن نوح وانه مما استعمله في صنع فلكه.
     (5) الذي أخرجه البخاري في باب: واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت: 2/168 من صحيحه.


 

( 172 )

زده من عمري اربعين سنة حتى يكون عمره مائة سنة، فقال الله عز وجل اذن يكتب ويختم فلا يبدل فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت لقبض روحه قال آدم: أو لم يبق من عمري أربعون سنة قال له ملك الموت أو لم تجعلها لابنك داود؟ قال: فجحد فجحدت ذريته! ـ الحديث ـ (1).
     ومثله حديثه (2) عن آدم وموسى حيث مثلهما يتحاجان على كيفية تدل على انهما كانا من القدرية الجبرية، وقد ظهر فيها آدم على موسى فحجه الى كثير مما لايليق بالأنبياء، ويجب تنزيههم عنه.
     وما اكثر حديثه في خوارق النواميس الطبيعية، وحسبك منها (مضافا الى ما سمعته آنفاً) حدثيان نجعلهما خاتمة هذا الفصل.
     (أحدهما): حديثه اذ كان ـ فيما زعم ـ مع العلاء بن الحضرمي لما بعث في اربعة آلاف الى البحرين فانطلقوا حتى اتوا على خليج من البحر ما خاضه قبلهم أحد ولا يخوضه بعدهم احد!.
     (قال أبو هريرة): أخذ العلاء بعنان فرسه فسار على وجه الماء وسار الجيش وراءه قال: فو الله ما ابتل لنا قدم ولاخف ولا حافر؟؟ الحديث (3).
____________
    
     (1) أخرجه الحاكم وصحصه في: 2/325 من المستدرك في كتاب التفسير في شرح: وإذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وأورده الذهبي وصححه في تلخيص المستدرك.
     (2) الذي أخرجه البخاري في باب وفاة موسى: 2/163 من صحيحه في كتاب بدء الخلق.
     (3) رواءه الشيخ الامام العلامة ابو بكر بن محمد الوليد الفهري الطرطوشي المعروف بابن ابي رندة المتوفى سنة اثنتين وخمسمائة في الاسكندرية في كتابه الذي افرده للدعاء ونقله عنه الشيخ كمال الدين الدميري في مادة البعوض من كتابه حياة الحيوان واشار الى هذه القصة صاحبا الاستعياب والاصابة في ترجمة العلاء وقالا انها مشهورة.


 

( 173 )

     وهذا لو كان حقاً لرواه كل واحد من ذلك الجيش المؤلف من أربعة آلاف صحابي فكان في طليعة الأحاديث المتواترة فما باله لايسند إلا الى أبي هريرة يا أولي الألباب؟؟.
     (ثانيهما): حديث المزود إذ قال: اصبت بثلاث مصيبات في الاسلام لم أصب بمثلهن: موت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وكنت صويحبه، وقتل عثمان، والمزود قالوا: وما المزود يا أبا هريرة؟ قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في سفر فقال: يا أبا هريرة أمعك شئ؟ قال قلت تمر في مزود، قال جئ به، فاخرجت تمراً فأتيته به، قال: فمسه ودعا فيه ثم قال: ادع عشرة، فدعوت عشرة فأكلوا حتى شبعوا ثم كذلك حتى اكل الجيش كله وبقي من تمر معي في المزود فقال: يا ابا هريرة إذا اردت ان تأخذ منه شيئاً فادخل يدك فيه ولا تكفه قال: فأكلت منه حياة النبي واكلت منه حياة أبي بكر كلّها وأكلت من حياة عمر كلها وأكلت من حياة عثمان كلها؟؟ فلما قتل عثمان انتهب ما في يدي وانتهب المزود، ألا أخبركم كم أكلت منه؟ أكلت منه اكثر من مائتي وسق!!!.
     (قلت): لا ريب في ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان يطعم الجم الغفير من الزاد اليسير في كثير من ايامه المباركة، وذلك من اعلام نبوته وآيات رسالته، لكن هذا الحديث بالخصوص مما صنعته يدا أبي هريرة مدلا على السواد من احزاب بني امية والغوغاء من اشياعهم العاكفين على قميص عثمان واصابع زوجته بالبكاء والعويل ليستنهض معروفهم ويجتدي برهم، وهذا من اساليبه المدهشة في تزلفه الى بني امية وامتياح فضلهم.
     و مما يدلك على وضعه ان أبا هريرة كان يتلون فيه تلون الحرباء ويتطور في نقله على انحاء كما يعلمه متتبعوا طرق المزود في مسانيد السنة وكتبها (1).
____________
    
     (1) حديث المزود اخرجه الامام احمد بن حنبل من طريقينن، وابو بكر البيهقي من طريقيين آخرين، واخرجه غيرهما من طرق اخر فليراجعها من اراد الوقوف على ما فيها من التهافت والتناقض الحاكمين بسقوطها، وقد اورد ابن كثير جملة منها في: 6/116 من البداية والنهاية.


 

( 174 )

     ولأبي هريرة كيس وسع هذا المزود وغيره كان عيبة علمه يتناول منه ما يشاء متى شاء وكيف شاء وربما سئل عما يحدث فيقال له ابا هريرة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيقول: لا هذا من كيس أبي هريرة (1).
     وعجائب أبي هريرة يضيق عنها املاؤنا هذا وحسبنا منها ما اوردناه حجة على ما اردناه والحمد لله.
 
ـ 12 ـ
مسنده في حكم المرسل
     كان من دأب أبي هريرة في حديثه عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن يسند اليه ما بلغه عنه بالواسطة لا يقيم عليها قرينة كما يسند اليه ما سمعه منه مشافهة لا يفرق بين هذا وذاك في شئ ما، وهذا ما جعل حديثه كله في حكم المرسل لايصلح حجة ولايقوم دليلا.
     وإن كنت في ريب مما قلناه في دأبه فاني احيلك على قوله: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعمه ابي طالب: قال لا إله إلاّ الله أشهد لك بها يوم القيامة قال : لولا أن تعيرني قريش الحديث (2).
     وقد علم الناس أن أبا طالب عليه السلام إنما توفي قبل قدوم أبي هريرة الى الحجاز
____________
    
     (1) هذا نصه من حديث اخرجه عنه البخاري في اول كتاب النفقات: 3/189 من صحيحه.
     (2) اخرجه مسلم في كتاب الايمان: 1/31 من صحيحه، وقد اوردناه وعلقنا عليه في الفصل السابق من هذا الاملاء.


 

( 175 )

بعشر سنين في أقل الروايات، فاين كان عن النبي وعمه عليهما السلام وهما يتبادلان الكلام الذي اسنده اليهما كأنه رآهما بعينيه وسمعهما بأذنيه؟!.
     وقال: قام رسول الله حين انزل الله عليه: (وانذر عشيرتك الأقربين) فقال يا معشر قريش لا اغني عنكم من الله شيئاً الحديث (1).
     واولو العلم باسرهم مجمعون على ان هذه الآية انما نزلت في مبدأ الدعوة الاسلامية قبل ظهورها في مكة، وأبو هريرة اذ ذاك في اليمن جاهلياً وانما اني الحجاز بعد نزول هذه الآية بنحو عشرين سنة، فاين كان عند نزولها ليقول: قام رسول الله حين نزول فقال: يا معشر قريش الى آخر حديثه الذي اسنده الى النبي، كأنه رآه قائماً بعينيه، وسمعه يبنذر عشيرته بأذنيه؟!.
     وقال: كان النبي يدعو في القنوت فيقول: أللهم انج سلمة بن هشام، أللهم انج الوليد بن الوليد، أللهم انج عياش بن أبي ربيعة، أللهم انج المستضعفين من المؤمنين (الذين حبسهم المشركون عن الهجرة في حديث صحيح (2)).
     ومن المعلوم بحكم الضرورة من اخبار السلف انه انما حبس هؤلاء عن الهجرة فقنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالدعاء لهم قبل اسلام أبي هريرة بنحو سبع سنين، فاين كان عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ليسند هذا الحديث كأنه بعينيه قانتاً وسمعه بأذنيه داعياً؟!.
     قال: وقال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين اظهركم؟ فقيل: نعم، الحديث (3).
____________
    
     (1) اخرجه البخاري في: 2/86 من صحيحه ومسلم واحمد، وقد اوردناه وعلقنا عليه في الفصل السابق من الاصل.
     (2) اخرجه البخاري في باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة: 2/105 من صحيحه.
     (3) أخرجه مسلم في باب قوله تعالى: ان الانسان ليطغى: 2/467 من صحيحه.


 

( 176 )
     فان كان هذا القول واقعاً من أبي جهل فانه انما يكون قبل اسلام أبي هريرة وقبل قدومه من اليمن بنحو عشرين سنة فأين كان عن أبي جهل ليسنده اليه كأنه سمعه بأذنيه؟!.
     واين كان عن وقعة الرجيع وعن أميرها عاصم بن ثابت الأنصاري المستشهد فيها ليحدث عنها وعنه حديث المشاهد لهما ؟؟ (1) وقد كانت تلك الوقعة في صفر سنة اربع للهجرة قبل اسلامه بثلاث سنين تقريباً.
     ومن وقف علىسيرة أبي هريرة المستمرة في حديثه علم ان دأبه ما قلناه وحسبك هذا القدر دليلا على ما ادعيناه.
     وقد انتبه اليه أحمد أمين المصري البحاثة المعاصر اذ قال في كلام له (2) حول أبي هريرة: ويظهر انه لم يكن يقتصر على ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله بل يحدث عن رسول الله بما أخبره به غيره .
     (قلت): واعترف بهذا أبو هريرة نفسه إذ حدث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله بأن من أدركه الفجر جنباً فلا يصم، فلما انكرت عائشة وأم سلمة عليه ذلك جعل الجناح فيه على الفضل بن العباس (وكان الفضل يومئذ ميتاً (3) فقال
____________
    
     (1) حديثه عنهما ثابت في الصحاح فراجعه في كتاب الجهاد والسير: 2/117 من صحيح البخاري.
     (2) تجده في: ص262 والتي بعدها من كتاب ( فجر الاسلام) في الفصل الثاني من الباب السادس.
     (3) فان هذه القضية كانت ومروان بن الحكم أمير على المدينة في عهد معاوية ـ كما جاء في حديث البخاري عنها في باب الصائم يصبح جنبا: 1/225 من صحيحه وبه صرح شارحو الصحيح كالقسطلاني وغيره ـ وقد استشهد الفضل يوم اجنادين في خلافة أبي بكر وقيل بل يوم مرج الصفر سنة 13، وقيل يوم اليرموك سنة 15 في خلافة عمر. وقيل مات في طاعون عمواس بالشام سنة ثمان عشرة ولم يبق حياً الى سنة العشرين اجماعا وقولا واحداً.


 

( 177 )
سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي وهذا (سواء كان حقاً أم باطلا) اعتراف منعه صريح بانه كان يسند الى النبي صلى الله عليه واله وسلم ما لا يسمعه منه كما ترى.
     (فان قلت): أي مانع للعدل ان يسند الى النبي الحديث يسمعه من غيره مرفوعاً اليه صلى الله عليه واله وسلم.
     (قلنا): لا مانع من ذلك غير ان الحديث في هذا الفرض لا يكون حجة ولا يوصف بالصحة (وان رواه العدل) وانما يكون مرسلا حتى تعزف الواسطة وتحرز عدالتها.
     وبعبارة أخرى عدالة الراوي شرط في صحة حديثه، فلا بد من احرازها ولايمكن ذلك في الواسطة المجهولة.
     ومجمل القول في هذا الفصل أن في حديث أبي هريرة مراسيل كثيرة لا يمكن الاحتجاج بها، وقد اشتبهت بمسانيده، اذ لم يفرق بينهما في شئ وهذا ما أوجب سقوط الجميع عملا بالقاعدة المقررة في الشبهات المحصورة.
 
ـ 13 ـ
دعواه الحضور في وقائع لم يحضرها
     وقد اضطرنا هذا الرجل الى الريب فيه بدعواه الحضور في وقائع لم يحضرها قطعاً.
     وحسبك منها قوله: دخلت على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم امرأة عثمان وبيدها مشط، فقالت: خرج رسول الله من عندي آنفارٌ جلت شعره فقال لي: كيف تجدين أبا عبدالله؟ ـ يعني عثمان ـ قلت بخير قال: اكرميه فانه من اشبه أصحابي بي خلقاً، أخرجه الحاكم (1) ثم قال: حديث صحيح
____________
    
     (1) في احوال رقية: 4/48 من المستدرك.


 

( 178 )

     الاسناد واهي المتن فان رقية ماتت سنة ثلاث من الهجرة عند فتح بدر وأبو هريرة انما اسلم بعد فتح خيبر.
     (قلت): واورده الذهبي في تلخيص المستدرك ثم قال: صحيح منكر المتن فان رقية ماتت وقت بدر وأبو هريرة اسلم وقت خيبر.
     وقال في سهو النبي: صلى بنا النبي صلى الله عليه واله وسلم الظهر أو العصر فسلم في ركعتين فقال له ذو اليدين: انقصت الصلاة أم نسيت؟ الحديث.
     وذو اليدين هذا استشهد ببدر قبل ان يسلم أبو هريرة بزمان كما بينا في الفصل: 11 من هذا الاملاء (1).
     وكم كان يتبجح فيقول: افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهباً ولا فضة انما غنمنا البقر والابل والمتاع والحوائط الحديث (2).
     مع أنه لم يحضر الفتح إجماعاً وقولا واحداً، وإنما جاء بعد الفتح ولذا ارتبك شارحوا الصحيحين عند انتهائهم الى قوله: افتتحنا خيبر، فحملوا كلمته هذه على التجوز وان المراد جنسه من المسلمين (3).
     وكم كان يحدث فيقول: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خيبر فقال لرجل معه ممن يدعي الاسلام: هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل اشد القتال حتى كثرت به الجراحة، فكاد بعض الناس ان يرتاب فوجد الرجل ألم
____________
    
     (1) فراجع منه الحديث 13.
     (2) أخرجه البخاري في باب غزوة خيبر: 3/37 من صحيحه.
     (3) راجع: ص145 من المجلد الثامن من شرحي البخاري المطبوعين معافي اثنى عشر مجلداً وهما ارشاد الساري للقسطلاني وتحفة الباري للانصارى تجد التأويل المذكور مع التصريح بأن أبا هريرة لم يحضر فتح خيبر، وكذلك فعل السندي فيما علقه على هذا الحديث من تعليقته المطبوعة في هامش الصحيح.


 

( 179 )
الجراحة فأهوى بيده الى كنانته فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه الحديث (1).
     (قلت): هذا محل النظر من وجهين: احدهما دعواه انه شهد الوقعة مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقد عرفت انه لم يشهدها، ولذلك ارتبك شارحوا هذا الحديث فقالوا: اما قول أبي هريرة شهدنا مع رسول الله خيبر فمحمول على المجاز والمراد جنسه من المسلمين لأن الثابت انه جاء بعد أن فتحت خيبر انتهى بلفظ الشارح القسطلاني (2).
     ثانيهما: ان الرجل الذي قتل نفسه انما هو قزمان بن الحرث حليف ظفر المنافق. كان يقاتل على الاحساب؛ وقضيته التي ذكرها أبو هريرة في حديثه هذا معروفة (3) وقد قتل بأحد قبل اسلام أبي هريرة بدهر لكن أبا هريرة قد راب في أمره فخلط الحابل بالنابل.
____________
    
     (1) اخرجه البخاري في باب غزوة خيبر: 3/34 من صحيحه وفي باب ان الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر من كتاب الجهاد والسير: 2/120 من الصحيح.
     (2) في باب ان الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر: 6/322 من ارشاد الساري.
     (3) وقد ذكرها الواقدي وابن اسحاق وغيرهما وترجمة ابن حجر في الاصابة وكثير من أصحاب المعاجم والتراجم، وقزمان هذا هو الذي كان في احد لا يدع للمشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه حتى قيل لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم يومئذ ما أجزأ عنا أحدكما أجزأ فلان، فقال النبي: اما انه من أهل النار، فجرح جرحا شديداً فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الارض وذبا به بين ثديه ثم نحامل عليه فقتل نفسه الحديث، أخرجه البخاري بالاسناد الى سهل بن سعد في باب: لا يقول فلان شهيد، من كتاب الجهاد والسير: 2/101 من صحيحه.
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة