الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
( 135 )
ذات السلاسل في بعث عمرو بن العاص بالاتفاق، ولهما قضية في تلك الغزوة مع أميرها ابن العاص (1).
     اما علي فلم يكن طيلة حياة النبي تابعاً لغيره صلى الله عليه وآله وسلم الا ترى أنه لم يرسله في جيش اُسامة ولا في جيش ابن العاص، ولا في جيش أبى بكر وعمر حين بعثهما الى خيبر فلما رجعا وبعث علياً كانا كلاهما تحت لوائه حتى فتح الله عليه، ولما بعث خالد بن الوليد الى اليمن بجيش وبعث علياً اليها بجيش آخر عهد اليهما بأنه اذا التقيتما فعلي على الجيشين وان افترقتما فكل منكما على جيشه الحديث (2).
     وقد قال ابن عباس : ان لعلي اربعة خصال ليست لاحد.
     هو اول عربي وعجمي صلى لله تعالى مع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف الحديث (3).
     وقد مر عليك آنفاً قول الحسن البصري ما أقول فيمن خمع الخصال الاربع ائمتانه على ببراءة وما قال له رسول الله في غزوة تبوك الى ان قال وانه لم يؤمر عليه أمير قط وقد أمرت الاُمراء على غيره، وهذا القدرلا كاف لما اردناه في هذه العجالة، والحمد لله على الهداية والتوفيق.
 
19 ـ الملائكة تكلم عمر
     أخرج البخاري (4) عن ابى هريرة مرفوعاً لقد كان فيمن كان قبلكم من بني اسرائيل رجال يكلمون من غير ان يكونوا أنبياء فان يكن من أمتي منهم
____________
    
     (1) اخرجها الحاكم وصححها في: 3/43 من المستدرك واورده الذهبي فصححها ايضاً في تلخيصه.
     (2) أخرجه الامام احمد في: 5/356 من مسنده.
     (3) أخرجه الحاكم في: 3/111 من مستدركه.
     (4) في باب (مناقب عمر) في: 2/194 من صحيحه.


 

( 136 )
أحمد فعمر أ هـ (1).
     وأخرج البخاري (2) عن أبى هريرة مرفوعاً أيضاً قال: انه كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون وانه كان في أمتي هذه منهم فانه عمر بن الخطاب أ هـ.
     حديث مفترى صاغه أبو هريرة من زخرف القول ـ بعد وفاة عمر بأعوام ـ فجاء مزوقاً منمقاً على ما تقتضيه سياسة الخاصة يومئذ مما تصفق له العامة طربا، فقد كان للخاصة من ساسة البغي الأموي مآرب ضد الوصي وآل النبي لا تتم على زعمهم إلا برفع أبى بكر وعمر إلى مستوى الأنبياء والمعصومين وكان غوغاء الأمة وسوادها مندفعين إلى ذلك كل الاندفاع بما فتح الله على المسلمين في أيام الخليفتين، فكان أبو هريرة يتزلف بهذا الحديث وأمثاله إلى كل من سائس الأمة ومسوسها، وبهذا نال الحظوة من الخاصة والمنزلة في نفوس العامة. ولو حدث بهذه الاحاديث على عهد عمر لأخذت درة الخليفة من ظهره مأخذها. لكن خلاله الجو على عهد معاوية فجاء بمرمات الاخبار.
     وقد علم اولو الألباب أن من كان من الأمم الماضية مكلما أو محدثاً على سبيل الحقيقة او على سبيل المجاز فإنما هم المعصومون كانوا جميعاً بين نبي ووصي
____________
    
     (1) قال السقطلاني في تفسير هذا الحديث من كتابه ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 7/349 ما هذا لفظه: يكلمون بفتح اللام المشددة تكلمهم الملائكة (قال): وليس قوله: فان يكن للترديد بل للتأكيد كقولك: إن يكن لي صديق ففلان، اذ المراد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الاصدقاء (قال) واذا ثبت ان هذا وجد في غير هذه الأمة المفضولة فوجوده في هذه الأمة الفاضلة احرى أ هـ.
     (2) في: 2/171 من صحيحه بعد حديث أقرع وابرص واعمى بمقدار صفحة من كتاب بدء الخلق وهو موجود في باب مناقب عمر من البخاري أيضاً، واخرجه النسائي في المناقب.


 

( 137 )

نبي فا لنبي تحدثه الملائكة وتكلمه على سبيل الحقيقة. والوصي يلهمه الله الحق فيتجلى له كفلق الصبح لا يختلج فيه ريب حتى كأن ملكاً حدثه به عن الله عز وجل ولا محدث ولا مكلم في الحقيقة وإنما هو ما يلقيه الله تعالى في روعه من الصواب.
     ولا كلام في أن عمر قد توغل الدرجات الرفيعة في الإسلام. وبلغ الأقدار الخطيرة في هذه الامة، لكنه لم يكن بنبي ولا بوصي ولا بمعصوم اجماعاً وقولا واحداً؛ فلا تكلمه الملائكة على سبيل الحقيقة، ولا تحدثه على سبيل المجاز، وإنما تحدث من كان في هذه الأمة بمنزلة هارون أو كان في أقل المراتب كيوشع أو شمعون.
     على ان بوادر عمر ـ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعده ـ لا تجتمع مع كونه محدثاً مطلقاً.
 
20 ـ تركة النبي صدقة
     أخرج الشيخان (1) با لاسناد الى أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يقتسم ورثني ديناراً ما تركت بعد نفقة نسائي؛ ومؤنة عاملي؛ فهو صدقة!.
     هذا مضمون الحديث الذي انفرد ابو بكر بروايته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محتجاً به على عدم توريت الزهراء، أخرجه الشيخان وغيرهما بالاسناد الى عائشة اذ قالت (2) ان فاطمة بنت النبي ارسلت الى أبى بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبو بكر: ان رسول الله قال: لا نورث ما تركنا
____________
    
     (1) راجع من صحيح البخاري:2/125 في باب نفقة نساء النبي بعد وفاته من كتاب الجهاد، وراجع من صحيح مسلم: 2/74 في آخر باب قول النبي: لا نورث ما تر كناه فهو صدقة.
     (2) كما في: 3/37 من صحيح البخاري اثناء غزوة خيبر: 2/72 من صحيح مسلم في باب قول النبي لا نورث ما تركناه فهو صدقة من كتاب الجهاد والسير: 1/6 من مسند أحمد.


 

( 138 )

صدقة (1) قالت عائشة: فأبى أبو بكر أن يدفع منه شيئاً فوجدت فاطمة على أبى بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستة اشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا (بوصية منها) (2) ولم يؤذن بها أبا بكر الحديث وتراه صريحاً بوجدها وغضبها وهجرها حتى توفيت عليها السلام.
     نعم غضبت على أثاره (3) واستقلت غضباً (4) فلاثت خمارها واشتملت بجلبابها وأقبلت في لمة في حفدتها ونساء قومها؛ تطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والانصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة (5) ثم أنت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء وارتج المجلس فأمهلتهم حتى سكن نشيجهم وهدأت فررتهم افتتحت الكلام بحمد الله عز وجل ثم انحدرت في خطبتها:
____________
    
     (1) هذا الحديث ردته الزهراء والأئمة من بنيها وهو مع ذلك لا يصلح لأن يكون حجة عليها، إلا ان يكون لفظ صدقة مرفوعا على الاخبار به عن ما الموصولة في قوله: ما تركناه، ولا سبيل الى اثبات مجيئه مرفوعا. ولعل ما الموصولة في محل نصب على المفعولية بتركنا وصدقة حال من، ما فان الأموال التي تركها كان منها ما هو ملكه ومنها ما هو صدقة يضعها في مواضعها فلعله خشى صلى الله عليه وآله وسلم ان يتوهم متوهم بأن الأنبياء يورثون كل ما كان في قبضتهم سواء أكان ملكهم ام كان صدقة فقال: نحن لا نورث ما تركناه صدقة، ليعلم ان حالهم في هذه المسألة حال الناس.
     (2) كما اعترف به شارحوا البخاري فراجع: ص157 من المجلد الثامن من كل من ارشاد الساري وتحفة الباري اذ ينتهيان فيهما الىهذا الحديث.
     (3) انما يقولون: غضب فلان على أثارة ـ بالفتح ـ إذا كان غضبه مسبوقاً بغضب كغضب الزهراء لارثها مسبوقاً بغضبها لكشف بيتها.
     (4) انما يقولون: استقل غضباً، اذا اشخصه فرط الغضب كما اشخص الزهراء من بيتها حتى دخلت على الخليفة محتجة.
     (5) الملاءة: الازار والريطة ذات لفقين.


 

( 139 )
 
تعظ القوم في أتم خطاب * حكت المصطفى به وحكاها
     فخشعت الأبصار، وبخعت النفوس، ولولا السياسة ضاربة يومئذ بحرانها لردت شوارد الأهواء، وقادت حرون الشهوات، لكنها السياسة توغل في غاياتها لا تلوى على شئ.
     ومن وقف على خطبتها في ذلك اليوم(1) عرف ما كان بينها وبين القوم (2) حيث أقامت على ارثها آيات محكمات هن (من) ام الكتاب حججاً
____________
    
     (1) السلف من بني علي وفاطمة يروي خطبتها في ذلك اليوم لمن بعده ومن بعده رواها لمن بعده، حتى انتهت الينا يداً عن يد، فنحن الفاطميين نرويها عن آبائنا وآباؤنا يروونها عن آبائهم، وهكذا كانت الحال في جميع الأجيال إلى زمن الأئمة من ابناء علي وفاطمة ودونكموها في كتاب احتجاج الطبرسي وفي بحار الأنوار وقد أخرجها من اثبات الجمهور واعلامهم ابو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة وفدك بطرق وأسانيد ينتهي بعضها إلى السيدة زينب بنت علي وفاطمة وبعضها إلى الامام أبي جعفر محمد الباقر، وبعضها إلى عبد الله بن الحسن بن الحسن يرفعونها جميعاً إلى الزهراء كما في: ص87 من المجلد الرابع من شرح النهج الحميدي، وأخرجها ايضاً أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني بالاسناد إلى عروة بن الزبير عن عائشة ترفعها الى الزهراء كما في: ص93 من المجلد الرابع من شرح النهج واخرجها المرزباني أيضاً كما في: ص94 من المجلد المذكور بالاسناد الى أبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده يبلغ بها فاطمة عليها السلام، ونقل ثمة عن زيد انه قال رأيت مشائخ آل أبي طالب يرونها عن آبائهم ويعلمونها أولادهم.
     (2) ومما كان بينها وبينهم ان قالت لأبي بكر حين منعها ارثها: لئن مت اليوم يا ابا بكر من يرثك؟ قال ولدي واهلي، قالت: ورئت انت رسول الله دون ولده واهله؟ قال: ما فعلت يا بنت رسول الله، قالت: بلى عمدت الى فدك وكانت صافية لرسول الله فأخذتها منها وعمدت الى ما انزل الله من السماء فرفعته عنا الحديث اخرجه ابو بكر بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة وفدك (كما في: ص87 من المجلد الرابع من شرح النهج) بسنده الى مولى ام هاني، واخرجه الجوهري في كتابه المذكور(كما في: ص82 من المجلد الرابع من شرح النهج) بالاسناد الى ابى سلمة ان فاطمة لما طلبت ارثها قال لها ابو بكر: سمعت رسول الله يقول: ان النبي لا يورث ولكني أعول من كان النبي يعوله وانفق على من كان النبي ينفق عليه، فقالت يا أبا بكر أيرثك بناتك؟ ولا يرث رسول الله بناته؟ فقال: هو ذاك، وأخرج الامام احمد بالاسناد إلى أبي سلمة نحوه فراجع: ص10 من الجزء الأول من مسنده حيث أورد حديث أبي بكر، واخرج الجوهري في كتاب السقيفة وفدك ايضا (كما في: ص81 من المجلد الرابع من شرح النهج) بالاسناد الى ام هاني بنت ابي طالب: ان فاطمة قالت لأبي بكر من يرثك اذا مت؟ قال: ولدي واهلي، قالت: فما لك ترث رسول الله دوننا؟ قال: يا بنت رسول الله ما ورث ابوك شيئا. قالت: بلى سهم الله الذي جعله لنا وصار فيأنا وهو الآن في يدك، فقال لها: سمعت رسول الله يقول انما هي طعمة اطعمناها الله فاذا مت كانت بين المسلمين، وعن ابي الطفيل فيماخرجه الجوهري مثله، والاخبار في هذا هذا متواترة ولا سيما من طريق العترة الطاهرة وحسبك خطبتها العصماء التي اشرنا اليها في الاصل ولهاخطبة اخرى تتعلق بالخلافة أخرجها الجوهري في كتاب السقيفة وفدك (كما في ص87 من المجلد الرابع من شرح النهج) بالاسناد الى عبدالله بن الحسن بن الحسن عن امه فاطمة بنت الحسين قالت: لما اشتد بفاطمة بنت رسول الله الوجع وثقلت في علتها اجتمع عندها نساء المهاجرين والانصار فقلن لها: كيف أصبحت يا بنت رسول الله؟ قالت أصبحت والله عائفة لدنياكن، قالية لرجلكن، الخطبة. وهي من ابلغ المأثور عن أهل البيت عليهم السلام وقد أخرجها أيضاً الامام أبوالفضل أحمد بن أبي طاهر في ص23 من كتابه بلاغات النساء بالاسناد الى الزهراء واصحابنا يروونها بالاسناد الى سويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي عن الزهراء، وقد أوردها المجلسي في البحار والطبرسي في الاحتجاج.


 

( 140 )
لا ترد ولا تكابر.
     فكان مما أدلت به يومئذ أن قالت: أعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول (وورث سليمان داود) وقال فيما اقتص من خبر

 

( 141 )

زكريا: «فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربى رضياً» وقال: (واولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) وقال: (يوصيكم الله في أولادكم الذكر مثل حظ الانثيين) وقال: (كتب عليكم ـ اذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً ـ الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين) .
     ثم قالت: أخصكم الله بآية أخرج بها أبي؟: أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟! أم يقولون: أهل ملتين لا يتوارثان؟ الخطبة...
     فانظر كيف اجتجت أولا على توريث الأنبياء بآيتي داود وزكريا الصريحتين بتوريثهما ولعمرى انها عليها السلام اعلم بمفاد القرآن ممن جاؤوا متأخرين عن تنزيله فصرفوا الارث هاهنا الى وراثة الحكمة والنبوة دون الأموال تقديماً للمجاز على الحقيقة بلا قرينة تصرف اللفظ عن معناه الحقيقي المتبادر منه بمجرد الاطلاق وهذا مما لايجوز؛ ولو صح هذا التكلف لعارضها به أبو بكر يومئذ أو غيره ممن كان في ذلك الحشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم (1) على ان هناك قرائن تعين وراثة الأموال كما أفاده سيدنا علم الهدى
____________
    
     (1) لكنهم لم يعارضوها يومئذ به ولا بشئ سوى المصادرة اذ اجابها ابو بكر بقوله: يا ابنة رسول الله وما خلق الله خلقاً احب الي من رسول الله ابيك صلى الله عليه واله وسلم ولوددت أن السماء وقعت على الارض يوم مات ابوك صلى الله عليه واله وسلم والله لان تفتقر عائشة احب الي من ان تفتقرى اتريننى اعطى الابيض والاحمر حقه واظلمك حقك؟ وانت بنت رسول الله وان هذا المال لم يكن للنبي وانما كان مالا من اموال المسلمين يحمل به النبي الرجال وينفقه في سبيل الله فلما توفي وليته كما كان يليه. قالت والله لا كلمتك ابداً، قال: والله لاهجرنك ابداً قالت: والله لأدعون الله عليك، قال: لأدعون الله لك. فلما حضرتها الوفاء اوصت ان لا يصلي عليها. الحديث أخرجه أبو بكر الجوهري بهذه الالفاظ في كتاب السقيفة وفدك (كما في ص80 من المجلد الرابع من شرح النهج) وتراه ما عارضها فيما فهمته من التوريث في آيتي داود وزكريا وإنما عارضها بدعواه ان هذا المال لم يكن للنبي فلم تقنع منه إذ هي علم بشؤون أبيها ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.


 

( 142 )
في كتابه الشافي (1).
     واحتجت ثانياً على استحقافها الارث من أبيها صلى الله عليه واله وسلم بعموم آيات المواريث وعموم آية الوصية منكرة عليهم تخصيص تلك العمومات بلا مخصص شرعي من كتاب أوسنة، وما اشد انكارها على وجود المخصص في الكتاب إذ قالت: اخصكم الله بآية أخرج بها أبي ثم قالت. ام أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟ فنفت بهذا الاستفهام التوبيخي وجود المخصص في السنة بل نفت وجوده مطلقاً، إذ لو كان ثمة مخصص لبينه لها النبي والوصي ويستحيل عليهما الجهل به لو كان في الواقع موجوداً ولا يجوز عليهما أن يهملا تبيينه لها لما في ذلك من التفريط في البلاغ والتسويف في الانذار والكتمان للحق والاغراء بالجهل والتعريض لطلب الباطل والتغرير بكرامتها والتهاون في صونها عن المجادلة والمجابهة والبغضاء والعداوة بغير حق وكل ذلك محال ممتنع على الانبياء واوصيائهم عليهم السلام.
     وبالجملة: كان كلف النبي صلى الله عليه واله وسلم ببضعته الزهراء واشفاقه عليها فوق كلف
____________
    
     (1) حيث اعتبر (اعلى الله مقامه) خوف زكريا من الموالي قرينة على انه انما اراد وراثة الاموال لان الموالي كانوا ورثته اذ لم يكن له ولد وكانوا من سفهاء الفسقة فلا يمكن ان يكونوا انبياء ولا حكماء ليخاف ان يرثوا مكانته من العلم والحكم والنبوة وإنما كان يخشى ان يرثوا امواله فيصرفوها في عيثهم وفسادهم فسأل ربه أن يهب له ولداً ليكون أحق بوراثه أمواله منهم ـ و اعتبر ايضا (قدس سره) شرط زكريا على ربه ان يجعل وارثه رضيا قرينة اخرى على ارادة ارث المال اذ لو اراد ارث النبوة لكان هذا الشرط لغواً وجهلا وكان جاريا فيه مجرى من يقول أللهم ابعث لنا نبيا واجعله صادقاً غير كاذب.


 

( 143 )
الآباء الرحيمة واشفاقهم على ابنائهم البررة يؤويها الى الوارف من ظلال رحمته ويفديها بنفسه (1) مسترسلا اليها بأنه، وكان يحرص بكل مالديه على تأديبها وتهذيبها وتعليمها وتكريمها حتى بلغ في ذلك كل غاية يزفها المعرفة بالله والعلم بشرائعه زقاً لا يألوا في ذلك جهداً ولا يدخر وسعاً حتى عرج بها إلى اوج كل فضل، ومستوى كل مكرمة فهل يمكن أن يكتم عليها أمراً يرجع إلى تكليفها الشرعي؟ حاشا لله وكيف يمكن أن يعرضها (بسبب الكتمان) لكل ما أصابها من بعده في سبيل الميراث بل يعرض الأمة للفتنة التي ترتبت على منع ارثها؟.
     وما بال خليل النبوة، والمخصوص بالاخوة، يجهل حديث: نحن لا نورث (مع ما آتاه الله من العلم؛ والحكم، والسبق، والصهر؛ والقرابة والكرامة، والمنزلة، والخصيصة؛ والولاية، والوصاية، والنجوى) وما بال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يكتم ذلك عنه، وهو حافظ سره، وكاشف ضره، وباب مدينة علمه؛ وباب دار حكمته، واقضى أمته، وباب حطتها، وسفينة نجاتها وامانها من الاختلاف؟.. وما بال أبي الفضل العباس وهو صنو أبيه، وبقية السلف من أهليه، لم يسمع بذلك الحديث؟ وما بال الهاشميين كافة وهم عيبته وبيضته التي تفقأت عنه لم يبلغهم الحديث حتى فوجئوا به بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم؟. وما بال أمهات المؤمنين يجهلنه فيرسلن عثمان يسأل لهن ميراثهن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ (2) وكيف يجوز على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن يبين هذا الحكم لغير الوارث
____________
    
     (1) ذكرها صلى الله عليه واله وسلم مرة فقال: فداؤها أبوها فداؤها أبوها فداؤها أبوها (ثلاث مرات) في حديث أخرجه الامام أحمد بن حنبل ونقله عنه وعن غيره ابن حجر في الامر الثاني من الامور التي ذكرها في خاتمة الآية الرابعة عشر من الآيات التي اوردها في الفصل الاول من الباب الحادي عشر من صواعقه: 109.
     (2) فيما أخرجه ابو بكر الجوهري في كتاب السقيفة وفدك كما في: ص83 من المجلد الرابع من شرح النهج الحميدي.


 

( 144 )
ويدع بيانه للوارث؟ ما هكذا كانت سيرته صلى الله عليه واله وسلم إذ يصدع بالأحكام فيبلغها عن الله عز وجل ولا هذا هو المعروف عنه في انذار عشيرته الاقربين، ولا مشبه لما كان يعاملهم به جميل الرعاية وجليل العناية.
     بقى للطاهرة البتول كلمة استفزت بها حمية القوم؛ واستثارت حفائظهم بلغت بها ابعد الغايات، ألا وهي قولها: أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثان تريد بهذا ان عمومات المواريث لا تتخصص بمثل ما زعمتم وإنما تتخصص بمثل قوله صلى الله عليه واله وسلم لا توارث بين أهل ملتين واذن فهل تقولون (إذ تمنعونني الارث من أبي): انى لست على ملته فتكونون (لو اثبتم خروجي من الملة) على حجة شرعية فيما تفعلون؟ فانا لله وانا اليه راجعون.
     وبالجملة: أخفقت الزهراء يومئذ في طلبها بسبب هذا الحديث وقد انفرد الخليفة به فلم يروه على عهده احد سواه، وربما قيل بأنه قد رواه معه مالك بن أوس بن الحدثان (1).
     نعم ذكروا أنه ترافع علي والعباس الى عمر أيام خلافته وكان عنده حينئذ عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد فقال لهم (2) هل تعلمون ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة، فاضطر الرهط إلى التصديق، ولم يسعهم في تلك الظروف سوى الاذعان للخليفتين.
     اما أبو هريرة فلم يكن تلك الايام في غيرها ولا نفيرها، ولا كان ممن يصغي اليهم أو يؤبه بهم وكان متهما في لهجته لا يجرأ مع وجود اولئك الاعلام على الحديث، ولا يرى في نفسه أهلية الانضواء الى من ينتصر الخليفة بروايته
____________
    
     (1) فيما نص عليه جماعة من الاثبات فراجع صفحة: 91 من المجلد الرابع من شرح النهج.
     (2) فيما اخرجه البخاري: 2/124 من صحيحه في باب فرض الخمس.


 

( 145 )
لذلك لم ينبس في هذا الموضوع يومئذ ببنت شفة حتى ذهب معظم الصحابة وفتحت الامصار كالشام ومصر وافريقيا والعراق وفارس والهند وغيرها، واسلم اهلوها جميعاً، فدخل المسلمون في دور جديد قد نوه بنو أمية فيه باسم أبي هريرة، واشادوا بذكره، فاطلقوا عنه ربقة الخمول؛ وكسوه نضره بعد الذبول؛ فتسنى له حينئذ أن يقول ما شاء أن يقول، فكان هذا الحديث مما تزلف به إلى ساسة الامة وسوقتها، لما فيه من تأييد الخليفة المحبوب، تأييده لدى الرأي العام وجمهور المسلمين.
 
21 ـ أبو طالب أبى الشهادتين
     قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعمه أبي طالب: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأفررت بها عينيك، فأنزل الله تعالى: (إنك لا تهدي من احببت ولكن يهدي من يشاء) أ هـ.
     وقال في مقام آخر: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعمه عند الموت: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة فأبى، قال: فانزل الله تعالى الحديث (1).
     ان أبا طالب رضوان الله وبركاته ورحمته عليه قضى في مكة سنة عشر للبعثة قبل الهجرة بثلاث سنين؛ وقيل بل قضى سنة تسع؛ وقيل سنة ثمان قبل قدوم أبى هريرة إلى الحجاز بعشر سنين في أقل ما يفرض فأين كان أبو هريرة عن النبي وعمه عليه السلام؟ وهما يتبادلان الكلام الذي ارسله عنهما كأنه رآهما بعينيه وسمع كلامهما بأذنيه؟ نعوذ بالله ممن لم يكن لدينه ولا لعقله على لسانه رقيب
____________
    
     (1) أخرجه والذي قبله مسلم في: 1/31 من صحيحه من طريقين عن يزيد بن كيسان عن ابي حازم عن ابي هريرة.


 

( 146 )

     ان هذا الحديث مما ارتجله المبطلون تزلفاً لأعداء آل أبى طالب، وعلمت الدولة الأموية في نشره أعمالها، وقد كفانا السلف الصالح من أعلامنا مؤنة الاهتمام بتزييفه وتلك مؤلفاتهم تثبت إيمانه بادلة لا تجحد، وحجج لا تكابر نحيل عليها من أراد الوقوف على الحقيقة (1) من شأن عم رسول اللة ومربيه وكافله وحاميه المنادي:
____________
    
     (1) حسبك منها كتاب الحجة على الذاهب الى تكفير أبي طالب لمؤلفه الامام شمس الدين ابي على فخار بن الشريف معد الموسوي وهذا الكتاب طبع في المطبعة العلوية في النجف الأشرف سنة 1351 وعليه تعليقة شريفة للشريف العلامة البحاثة السيد الصادق الحسني الطباطبائي النجفي تصدى في آخرها لذكر المؤلفات في هذا الموضوع ومؤلفيها، فكان مما ذكره كتاب ولدي الأكبر ابي عبدالرؤوف عافاه الله وشافاه، قال الطباطبائي: وشيخ الأبطح أو ابو طالب للعلامة السيد محمد على آل شرف الدين الموسوي العاملي دام علاه طبع في بغداد سنة 1349 قال وهذا الكتاب خير كتاب الف في هذا الموضوع حلل فيه نفسيه شيخ الأبطح وبين ماله من الفضل وكبير القدر في جميع أدوار حياته وبحق ظهر للوجود وحيداً في بابه تأريخاً فلسفياً علمياً جيد التبويب والترتيب مفرغا في قالب بديع متين، واسلوب جذاب، والفاظ قوية بليغة اثبت ايمان ابي طالب عليه السلام واسلامه بادلة قطعت الخصام براهين سطعت فأماطت عن وجه الحقيقة ستر الظلام ولذا لم يمض على طبعه اكثر من شهر واحد حتى انتشر في الاقطار الاسلامية جمعاء وبعد مضي خمسة اشهرمن تاريخ طبعه ترجمة في لكنهور (احدى حواضر الهند الكبرى) العالم الفاضل السيد ظفر مهدي الى اللغة الهندية (الاوردية) ونشر بتلك اللغة ايضاً (اولا) في الجزء: 8, 9, 10 من المجلد الخامس من مجلة سهيل يمن ثم طبعه ثانياً مستقلا. وتقديراً لجهود مؤلفه الجليل أتيت بكلمتي هذه كما قدر جهوده قبلي جمهور من الاماثل فقد اطلعت على الكتب التي جاءت للمؤلف من الاقطار في اطراء كتابه وهي كثيرة وفيها التفاريظ القيمة من العلماء الاعلام ومن ملوك الاسلام (فمنهم) من آتاه الله من فضله العلم والملك وجمع له بين السلطتين الدينية والزمنية عاهل اليمن الامام يحيى خلد الله ملكه. وأما تفاريظ الصحف في العراق وسوريا ومصر، فقد كانت حافلة بالشكر والثناء والمدح والاطراء كثر الله في رجال العلم والعمل امثال السيد المؤلف ولا حرم العالم الاسلامي من ثمرات جهوده وجزاه عن جده أبي طالب وعن الحقيقة خير جزاء المحسنين.


 

( 147 )
يا شاهد الله علي فاشهد * أني على دين النبي أحمد
     ذي الأيادي التي هي من المسلمين طوق الهوادي، شيخ الأباطح وبيضة البلد:ـ
لولاه ما شد أزر المسلمين ولا * عين الحنيفة سالت في مجاريها
آوي وحامي وساوي قيد طاقته * عن خير حاضرها طراً وباديها
ما كان ذاك الحفاظ المرأطة أر * حام وضرب عروق فارغاليها
بل للإله كما فاهت روائعه الـ * عصماء في كل شطر من قوافيها
ضاقت بما رحبت أم القرى برسو* ل الله من بعده واسود ضاحيها
فانصاع يدعو له بالخيرمبتهلا * بدعوة ليس بالمجبوه داعيها
لو لم تكن نفس عم المصطفى طهرت * ما فاه فوه بما فيه ينجيها
عاماً قضى عمه فيه وزوجته * قضاه بالحزن يبكيه ويبكيها
اعظم بايمان مبكي المصطفى سنة * أيامها البيض أدجى من لياليها
من صلبه انبثت الانوار قاطبة * فالمرتضى بدؤها والذخر تاليها (2)
 

22 ـ الانذار يوم الدار

     أخرج الشيخان عن أبي هريرة (3) قال: قام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حين
____________
    
     (1) ولأبي طالب اشعار كثيرة سائرة تثبت ايمانه.
     (2) هذه الابيات من القصيدة العلوية العصماء ذات البروج لناظم عقودها سلطان العلماء وامير الشعراء الشيخ عبد الحسين الصادقي العاملي قدس سره.
     (3) راجع من صحيح البخاري: 2/86 في باب هل يدخل النساء والولد في الاقارب من كتاب الوصايا حيث أخرجه ثمة من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وابي سلمة عن أبي هريرة، واخرجه مسلم من طريق عبد الملك بن عمير ومن طريق الزهري عن ابن المسيب وابي سلمة عن ابي هريرة، وله طرق اُخر عن ابي هريرة في مسند احمد وغيره.


 

( 148 )

أنزل الله عليه: (وانذر عشيرتك الأقربين) فقال: يا معشر قريش لا أغنى عنكم من الله شيئاً، يا بني عبدمناف لا أغنى من الله شيئاً، يا عباس لا أغنى عنك من الله شيئاً يا صفية لا أغنى عنك من الله شيئاً، يافاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئاً.
     (قلت): هذه الآية إنما نزلت في مبدأ البعثة قبل الاسلام بمكة حيث كان أبو هريرة في اليمن، وإنما كان قدومه إلى الحجاز، واسلامه بعد نزولها بعشرين سنة تقريباً، وقد بتر أبو هريرة هذا الحديث وحرفه عن مواضعه جرياً على مقتضيات السياسة السفيانية وموجبات دعايتها ضد الوصي وسائر آل النبي فانه صلى الله عليه واله وسلم جمع عشيرته الأقربين يوم نزول الآية وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس رضي الله عنهم، وأبو لهب تبت يداه. فدعاهم الى الله عز وجل وكان مما قاله يومئذ لهم: فأيكم يوازرني على أمري هذا على ان يكون أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي؟ فقال عليّ وهو إذ ذاك أصغرهم: أنا يانبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ رسول الله صلى الله عليه واله حينئذ برقبته فقال: ان هذا اخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي فيكم فاسمعوا له واطيعوا الحديث (1).
____________
    
     (1) هذا الحديث من صحاح السنن كما بيناه في اول المبحث الثاني من المراجعات حيث فصلنا من أخرجه من اصحاب السنن والمسانيد وارباب السير والتواريخ من المسلمين وغيرهم فلا مندوحة لكل بحاثة عن (المراجعات) فان ثمة ما تشتهي الا نفس وتلذ الأعين.


 

( 149 )
23 ـ لعب الحبشة في المسجد عند النبي صلى الله عليه وآله
     أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: بنا الحبشة يلعبون في المسجد عند النبي صلى الله عليه وآله بحرابهم دخل عمر فأهوى الى الحصى فحصبهم بها فقال النبي صلى الله عليه وآله دعهم يا عمر الحديث (1).
     «قلت»: ان رسول الله صلى الله عليه وآله أبعد عن اللعب، وأرفع عن العبث وأعرف بحرمات الله ورسوله من أن يوسع للجهال مجالا إلى اللهو في المسجد بمحضر منه، وأن أوقاته الشريفة المفعمة بالمهمات الأخروية والدنيوية لا تتسع للهو منها شيء، وحاشا لله أن يشغل مسجده الشريف بعبث أو لهو أو لغو «كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا».
 
24 ـ النسخ قبل حضور وقت العمل
     أخرج البخاري (2) عن أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله في بعث فقال صلى الله عليه واله وسلم: إن وجدتم فلاناً وفلاناً فاحرقوهما بالنار (قال): ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لنا حين أردنا الخروج أني امرتكم ان تحرقوا فلاناً وفلاناً وان النار لا يعذب بها إلا الله تعالى فان وجدتموهما فاقتلوهما أ هـ.
     (قلت): هذا الحديث باطل، لاشتماله على النسخ قبل حضور وقت العمل وذلك محال على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه واله وسلم كما هو مقرر في محله فان رسول الله حين قال: احرقوا فلاناً وفلاناً فانما قال ذلك عن الله عز وجل:
(وما
____________
    
     (1) في باب اللهو بالحراب: 2/120 من صحيحه في كتاب الجهاد والسير.
     (2) في باب لا يعذب بعذاب الله: 2/114 من صحيحه في كتاب الجهاد والسير.
الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة