الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 120

ثمّ إذا كان هو أول مَن فضح (دين) النصيرية وأظهرهُ ، كان معنى ذلك أنّ كلّ ما كُتب عن النصيرية زور وبهتان.

ثانياًَ :  في كتاب (المجموع) ـ الذي نشره الأذني في (الباكورة) ـ أكثر من دليل على أنّ هذا الكتاب مختلق ، وأنّه مكتوب بعد عام 1828م :

منها : (روى الخبر عن أبي (كذا بالأصل) ، شعيب محمد بن نصير العبدي البكري النميري ، أنّه قال : مَن أراد النجاة من حرّ النيران فليقول : اللهم العن فئة أسّست الظلم والطغيان : الذين هم التسعة رهط ، المفسدين الذين أفسدوا وما أصلحوا بالدين ، الذين هم إلى جهنّم سائرين وإليها ضالين ، أولهم : أبو بكر اللعين ، وعمر بن الخطّاب الضدّ الأثيم ، وعثمان بن عفّان الشيطان الرجيم ، وطلحة ، وسعد ، وسعيد ، وخالد بن الوليد صاحب العمود الحديد ، ومعاوية ، وابنه يزيد ، والحجاج بن يوسف الثقفي النكيد ، وعبد الملك بن مروان البليد ، وهارون الرشيد . خَلِّد عليهم اللعنة تخليداً ليوم الوعيد ، يوم يقال لجهنّم : هل امتلأت فتقول هل من مزيد .

ثمّ إنّك يا علي بن أبي طالب ، تفعل ما تشاء وتحكم بما تريد ، وأسألك أن تنزل سخطك وعذابك على إسحاق الأحمر المخذول ، وإسماعيل بن خلاّد الجهول ، والعن الشيخ أحمد البدوي ، والشيخ أحمد الرفاعي ، والشيخ إبراهيم الدسوقي ، والشيخ محمد المغربي ..) .

هذا الكلام يفضح نفسه بنفسه .

فمحمد بن نصير توفِّي سنة 259هـ = 873م ، والشيخ أحمد الرفاعي توفِّي سنة 1182م ، والشيخ أحمد البدوي توفِّي سنة 1276م ، والشيخ إبراهيم الدسوقي توفِّي سنة 1277م ، والشيخ محمد المغربي توفِّي في اللاذقية سنة 1828م .. فكيف يقول محمد بن نصير بلعن هؤلاء وقد جاءوا بعده بمئات السنين ؟!

ثمّ إنّ وجود اسم الشيخ محمد المغربي المتوفّى سنة 1828م ، يؤكّد لنا أنّ كتاب (المجموع) مكتوب بعد عام 1828م ، أي زمن حياة الشخص الوهمي ، سليمان الأذني .


الصفحة 121

وإلى جانب ذلك ، ففي (المجموع) ثمّة إشارات كثيرة تدل على أنّه موضوع مختلَق .

[و] منها :

1 ـ ما جاء في السورة الأُولى (الأول) ، وهو : (قال السيد أبو شعيب محمد بن نصير ليحيى بن معين السامري : يا يحيى ، إذا نَزلت بك نازلة ، ... وقد دلّنا إليه وأرشدنا إليه شيخنا وسيدنا وتاج رءوسنا وقدوة ديننا وقرّة أعيننا ، السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي ...) .

فكيف ينقل محمد بن نصير المتوفّى سنة 259هـ ، عن الحسين بن حمدان الخصيبي المتوفّى سنة 358هـ ؟!

2 ـ ومن ذلك أيضاً ، ما جاء في سورة (الإشارة) ، ونصّه : (ونشير إلى ما أشار إليه شيخنا وسيدنا الحسين بن حمدان الخصيبي ، ونشير إلى ما أشار إليه جدّه محمد بن نصير العبدي البكري النميري) .

فكيف جعلَ مختلق (المجموع) محمد بن نصير (جد) الخصيبي ؟! لست أدري . والأول عراقي ، والثاني مصري ، وبين الاثنين نحو مئتي سنة !!

3 ـ إذا أخذنا ما جاء في السورة الأولى (الأول) ، وهو : (شيخنا وسيدنا وتاج رءوسنا وقدوة ديننا وقرّة أعيننا ، السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي) ، وما جاء في السورة الحادية عشرة (الشهادة) ، وهو : (ولا رأي إلاّ رأي شيخنا الحسين بن حمدان الخصيبي ، الذي شرّع الأديان في سائر البلدان ...) ، وقارنّا هذين القولين بما جاء في سورة الشهادة أيضاً ، ونصّه : (أشهدُ بأنّني نصيري الدين ، جندبي الرأي ، جنبلاني الطريقة ، خصيبي المذهب ، جلي المقال ، ميموني الفقه) ؛ تبيّن لنا : أنّ الخصيبي ليس قدوة الدين ، كما جاء في السورة الأولى ، وهناك مَن ينازعه هذه المكانة . كما يتبيّن أنّ الرأي ليس رأيه ، كما


الصفحة 122

 جاء في السورة الحادية عشرة ، وإنّما رأي جندب . وليس من المعقول أن يقع شخص يغترف من بئره ، في مثل هذا التناقض .

4 ـ وفضلاً عن ذلك ، يُفهم ممّا جاء في نصوص السور الست عشرة ، التي تضمّنها كتاب (المجموع) : أنّ هناك (إلهاً) هو علي بن أبي طالب ، إذ تكرّر القول في أكثر من سورة أنّه (لا إله إلاّ علي) .

وهناك أيضاً (ربّين) اثنين : محمد المصطفى ، وسلمان الفارسي ، جاء في سورة (السلام) ما نصّه : (وأقرّ بربوبيّة محمد المصطفى) .

وجاء في سورة (الفتح) : (وأشهد بأنّ السيد محمد خلقَ السيد سلمان من نور نوره ، وجَعله بابه وحامل كتابه ، فهو سلسل وسلسبيل ، وهو جابر وجبرائيل ، وهو الهدى واليقين ، وهو بالحقيقة رب العالمين) .

كما يوجد أكثر من خالق ؛ بدليل ما جاء في سورة (الفتح) أيضاً ، ونصّه : (وأشهد بأنّ السيد محمد خلقَ السيد سلمان من نور نوره ، ... وأشهدُ بأنّ السيد سلمان خلقَ الخمسة الأيتام الكرام ، ... وهم خَلقوا هذا العالَم) .

ثالثاً : ثمّ إنّنا إذا قارنّا بين إيمان النصيرية كما صوّرها ابن العمري ، وبين إيمانهم كما صوّرها مختلق (الباكورة) و(المجموع) ، وهي : (أمّا اليمين الثابتة عند النصيرية كافة ، فهي : أن تضع يدك في يده وتقول : أُحلفك بأمانتك عقد علي أمير المؤمنين ، وبعقد ع م س . فلا يمكنه بعد هذه اليمين أن يكذب ، وأيضاً بِل إصبعك بريقه واجعلها في عُنقه وتقول : تبرّيت من خطاياي وأوضعتها في عنقك ، وأُحلّفك أيضاً بأساس دينك بسرّ عقد ع م س أن تخبرني عن صحة أمر كذا . فلا يمكنه الكذب بعد هذا) ؛ تأكّدَ لنا أنّ كلّ ما كُتب على لسان النصيرية موضوع مدسوس .

هذه السقطات كافية لنبذ كلّ ما في كتاب (الباكورة) وطرحهُ تحت


الصفحة 123

الأقدام . لكن ممّا يؤسف له ، أنّه بالرغم ممّا في الكتاب المذكور من دس مفضوح واختلاق ، فإنّ جميع مَن كتبوا عن النصيرية في العصر الحديث ، أخذوا ما جاء فيه على الانقياد والتسليم من دون تدقيق أو تمحيص ، وأول هؤلاء : نوفل نوفل (+ 1812/ ـ 1887) ، الذي لم يكتفِ بأنّه أخذَ بكلّ ما في (الباكورة) من أقوال باطلة ، وتخرّصات وأوهام ، بل أضافَ إليها من عنده ، ففضحَ نفسه ودلّ على حقيقة ذاته .

ومن جهة أخرى ، فهو عندما نقل عن (الباكورة) لم يتقيّد حرفياً بما نقله ، وإنّما لجأ إلى التحريف ، فجاء ما كتبه في (سوسنة سليمان في أصول العقائد والأديان) المطبوع سنة 1876م ، نسخة محرّفة ومشوّهة عن (الباكورة) .

من ذلك مثلاً ، يقول صاحب (الباكورة) في الفصل الرابع ، وعنوانه "في الهبطة" ، ما نصّه : (ثمّ ظهرَ لهم في القبب السبع : فالقبّة الأولى اسمها : الحن ، وكان اسم المعنى فيها فقط ، والاسم شيث ، والباب جداح ، والضد روباء . وظهرَ لهم بعدها في القبّة : البن ، وكان اسم المعنى فيها هرمس الهرامسة ، والاسم اسمه مشهور ، والباب أذرى ، والضد عشقاء . والقبّة الثالثة اسمها : الطم ، وكان المعنى اسمه فيها أردشير ـ أي أحشورش الوثني ـ ، والاسم ذو قناء ، والباب ذو فقه ، والضد عطرفان . والقبّة الرابعة اسمها : الرم ، كان اسم المعنى فيها أخنوخ ، والاسم هندمه ، والباب شرامه ، والضد عزرائيل . والقبّة الخامسة اسمها : الجان ، كان اسم المعنى فيها درّة الدرر ، والاسم ذات النور ، والباب أشادي ، والضد سوفصط . القبّة السادسة اسمها : الجن ، كان اسم المعنى فيها البر الرحيم ، والاسم يوسف بن ماكان ، والباب أبو جاد ، وكانت خالية من الضد . القبّة السابعة واسمها : اليونان ، فكان اسم المعنى فيها أرستطاليس الحكيم ، والاسم أفلاطون ، والباب سقراط ، واسم الضد درميل ...).

(آذرى) صارت عند نوفل نوفل (أدريا) ، وعشقاء (عشكا) ، وذو قناء (دوقتا) ، وأشادي (أشاذيا) ، ... وهذا يدل على أنّ نوفل نوفل ينقل عن لغة أجنبية وليست عربية .


الصفحة 124

ثمّ لم يكتفِ بهذا التحريف المتعمّد ، بل راحَ يشطح في الخيال ويختلق الأقوال ، فمن المغالطات التي ذكرها في (السوسنة) قوله : (ثمّ يأخذه المرشد إلى بيته ليعلّمه قواعد دينه ، وأول ما يُعلّمه التبرُّؤ ، وهي سورة الشتائم التي يبتدئون بها في صلوات أعيادهم ، وبعدها يُطلعه على ست عشرة سورة أخرى يتلونها في الصلوات أيضاً ، ويسمّون كلّ واحدة منها قداساً ، وكلّها تنطوي على عبادة علي بن أبي طالب ، والذي ألّف لهم صورة الشتائم المذكورة يزعمون أنّه أبو سعيد الميمون بن قاسم الطبراني ...) .

أولاً : لم يذكر صاحب (الباكورة) أنّ هناك صورة باسم التبرّؤ أو سورة الشتائم ، ولو أنّها موجودة لمَا فاتهُ ذكرها ، مع أنّه ذكرَ السور التالية :

السورة الأُولى :                                               واسمها : الأول

السورة الثانية :                                               واسمها : ابن الولي

السورة الثالثة :                                               واسمها : تقديسة أبي سعيد  

السورة الرابعة :                                              واسمها : النسبة

السورة الخامسة :                                            واسمها : الفتح

السورة السادسة :                                             واسمها : السجود

السورة السابعة :                                              واسمها : السلام

السورة الثامنة :                                                واسمها : الإشارة

السورة التاسعة :                                               واسمها : العين العلوية

السورة العاشرة :                                               واسمها : العقد

السورة الحادية عشرة :                                        واسمها : الشهادة

السورة الثانية عشرة :                                          واسمها : الإمامية

السورة الثالثة عشرة :                                           واسمها : المسافرة

السورة الرابعة عشرة :                                         واسمها : البيت المعمور

السورة الخامسة عشرة :                                         واسمها : الحجابية

السورة السادسة عشرة :                                          واسمها : النقيبية

وإلى جانب هذه السور ذكرَ الأذني أربع قداسات ، هي : قداس


الصفحة 125

الطيب ، قداس البخور ، قداس الأذان ، قداس الإشارة . الأمر الذي يدلّ على أنّ للسور أسماء ، وللقداسات أسماء ، خلافاً لِما ذكر نوفل نوفل : أنّ كل سورة يسمّونها قداساً .

ومن جهة أخرى ، ثمّة سور ليس فيها أي ذكر لعلي (عليه السلام) ، كسورة المسافرة ، وسورة النقيبية .

جاء في سورة النقيبية ما نصّه : (فنقّبوا في البلاد هل من محيص) ، نذكر أسامي السادة النقباء الذين اختارهم السيد محمد من السبعين رجلاً في ليلة العقبة في وادي مِنى ، أولهم : أبو الهيثم مالك بن التيهان الأشهلي ، والبراء بن معرور الأنصاري ، والنضر بن لودان بن كناس السامري ، ورافع بن مالك العجلاني ، والأسد بن حصين الأشهلي ، والعباس بن عبادة الأنصاري ، وعبادة بن الصامت النوفلي ، وعبد الله بن عمر بن حزام الأنصاري ، وسالم بن عمير الخزرجي ، وأُبي بن كعب ، ورافع بن ورقة ، وبلال بن رياح الثنوي ، سرّ نقيب النقباء ونجيب النجباء سيدنا محمد بن سنان الزاهري (علينا من ذكرهم الرضى والسلام) ) .

ثانياً : إنّ نوفل نوفل ، المؤرّخ المشارك في بعض العلوم كما وصفهُ صاحب معجم المؤلّفين ، يرمي بالكلام على عواهنه ، من دون روية أو تدقيق ، يقول : (والذي ألّف لهم صورة الشتائم المذكورة ، يزعمون أنّه أبو سعيد بن الميمون بن قاسم الطبراني) .

إنّ الطبراني توفِّي سنة 426هـ = 1035م ، وفي السورة التي سمّاها نوفل نوفل بسورة الشتائم ، وردت أسماء شخصيات دينية توفيت بعد الطبراني بسنوات طويلة : كالشيخ عبد القادر الكيلاني المتوفّى سنة 1165م ، والشيخ أحمد البدوي المتوفّى سنة 1276م ، والشيخ محمد المغربي المتوفّى سنة 1828م .

فكيف لم ينتبه نوفل نوفل إلى ذلك ، وهو معاصر للشيخ محمد


الصفحة 126

المغربي ؟!

ومن جهة أخرى ، في كتاب (المجموع) المختلق ، سورة باسم "تقديسة أبي سعيد" جاء فيها ما نصّه : (نذكر حضرة شيخنا وسيدنا الأجل الأكبر الشاب التقي ، أبي سعيد الميمون بن قاسم الطبراني ، العارف معرفة الله ، المُكف عمّا حرّم الله ، الذي أخذَ حقه بيده من قفا أبي دهيبة ، وعلى أبي دهيبة لعنة الله ، وعلى أبي سعيد السلام ورحمة الله ، سر أبي سعيد الشاب التقي الحر الميمون ابن قاسم الطبراني سرّه أسعد الله) .

وهذا ما ينفي الزعم القائل بأنّ الطبراني هو الذي وضعَ سورة الشتائم أو سور (المجموع) .

ثالثاً : عن اعتقاد النصيرية في الصلاة يقول نوفل نوفل :

(وأمّا اعتقادهم في الصلاة ويسمّونها الخمسة المصطفية ؛ لكون فروض أوقات الصلوات هي خمسة ، فهي الفرض الأول صلاة الظهر لمحمد ، والثاني صلاة العصر لفاطر (وهي فاطمة) ، والثالثة صلاة المغرب للحسن بن علي بن أبي طالب ، والرابع صلاة العشاء لأخيه الحسين ، والخامس صلاة الصبح لمحسن السرّ الخفي) .

وهذا القول يتعارض مع ما ذكرهُ صاحب السؤال الموجّه إلى ابن تيمية ، الذي ذكرَ بأنّ الصلوات الخمس عبارة عن خمسة أسماء وهي : علي ، وحسن ، وحسين ، ومحسن ، وفاطمة .

فيكون نوفل نوفل اعتبرَ محمداً من أشخاص الصلاة ، بينما اعتبرَ صاحب السؤال علياً من أشخاص الصلاة ، فأيّ القولين هو الصحيح يا ترى ؟!

***

[ب ـ رفيق التميمي ، ومحمد بهجت :]

ومن المعاصرين الذين تحدّثوا عن النصيرية أيضاً : رفيق التميمي ، ومحمد بهجت ، في كتابهما (ولاية بيروت) المطبوع سنة 1335هـ =


الصفحة 127

 1916م ، بهمّة الوالي عزمي بك أفندي .

ويعتَبر ما كتبهُ التميمي ورفيقه ، أوسع ما كُتب في هذا المجال ، والمواضيع التي شملتها دراستهما عن النصيرية ، هي : مقدّمة تاريخ النصيرية ـ الديار والنفوس ـ منشأ النصيرية ـ تاريخ النصيرية ـ دين النصيرية ـ أقسام النصيريين ـ تقاليد الدخول في النصيرية ـ أعياد النصيريين ـ الطعن في النصيرية .

وقد اعتمدا في هذه الدراسة ـ كما ادّعيا ـ على العديد من الكتب هي :

1 ـ تاريخ النصيرية ودينهم لرنيه دوسو .

2 ـ كتاب الباكورة السليمانية في كشف أسرار الديانة النصيرية لسليمان الأذني .

3 ـ كتاب المجموع .

4 ـ كتاب مجموع فيه الأعياد والدلالات .

5 ـ كتاب الأسوس .

كما اعتمدا أيضاً على كتابات كل من : دي غوبينو ورينان ولامنس وهوار ، لكنّ أكثر اعتمادهما كان على كتاب (الباكورة السليمانية) ، وليس في دراستهما ما يدلّ على أنّهما اطّلعا على كتاب (مجموع الأعياد) أو كتاب (الأسوس) ؛ لأنّ كلّ الاستشهادات التي ذكراها مأخوذة من (الباكورة) وحده .

وبدون أدنى جهد يستطيع المرء أن يتلمّس نقاط الزلل والتناقض في أقوالهما ، من ذلك : ما قالاه عن كتاب (المجموع) ، وهو : (اختُلفَ في مؤلّفه ، فمنهم مَن يسنده إلى عبد الله بن حمدان الخصيبي ... ) .

والذي نعلمه : أنّه لا يوجد شخص باسم عبد الله بن حمدان الخصيبي ، وإنّما الحسين بن حمدان الخصيبي ، المكنّى بأبي عبد الله . ولم يقل أحد ممّن ترجَموا للخصيبي أنّ له كتاباً باسم (المجموع) ،


الصفحة 128


والكتب التي عدّوها له ، هي : أسماء النبي ، أسماء الأئمة ، الأخوان ، المائدة (1) . وله أيضاً : الهداية الكبرى ، وديوان شِعر .

وعلى كلّ حال ، فلنا وقفة متأنية عند كتاب (المجموع) في مكان آخر من هذا الكتاب .

وعن نسبة النصيرية قالا : (برهنَ الفحص الفنّي على أنّ اسم هؤلاء القوم منسوب إلى محمد بن نصير ، الذي هو من أتباع حسن العسكري) .

ولم يذكرا ماهيّة هذا الفحص الفنّي ، ولا كيف أثبتَ أنّ اسم النصيرية نسبة إلى محمد بن نصير . وكنّا قد بيّنا عند حديثنا عن (أصل التسمية) أنّه من المشكوك فيه نسبة النصيرية إلى محمد بن نصير ؛ لأنّ محمد بن نصير توفِّي سنة 259هـ ، بينما اصطلاح النصيرية وردَ ذكره للمرّة الأولى على لسان حمزة بن علي في مطالع المئة الرابعة للهجرة .

يضاف إلى ذلك : أنّ كتّاب الفِرَق ، لم ينسبوا هذه الفرقة إلى محمد بن نصير ، بل لم ينسبوها إلى شخص معيّن بالذات .

ومن جهة أخرى ، فإنّ المؤلّفين ناقضا نفسيهما بنفسيهما ، فهما عند حديثهما عن تاريخ النصيرية قالا : (كان النصيريون في أيام الرومان أيضاً ، ويروي إسترابون ـ من مؤرّخي يونان ـ أنّ النصيريين حافظوا على كيانهم واستقلالهم تجاه الفينيقيين في العصر الأول للميلاد ، وشدّ ما أمعنت النصرانية في الانتشار والتعمّم بين الوثنيين في سورية ، ولكنّها لم تستطع ولوج تلك الجبال على النصيريين ، فكانوا في معزلٍ عن تبشيرها ، ... واسم النصيرية لم يدخل التاريخ إلاّ منذ القرن الحادي عشر) .

من المعروف أنّ سورية خضعت للحكم الروماني عام 64ق . م ،

ـــــــــــــــــــــــ

(1) العسقلاني : لسان الميزان ج2 ، ص79 .


الصفحة 129


عندما جعلها بومبيوس ولاية رومانية ، وفي سنة 395م أمست جزءاً من مملكة بيزنطية ، ثمّ انحسرَ ظل الرومان عنها نهائياً سنة 635م ، وكان آخر ملوكهم فيها هرقل . فكيف كان النصيريون موجودين في أيام الرومان إذا كان محمد بن نصير ـ الذين يُنسبون إليه ـ توفِّي سنة 873م أي بعد نهاية الحكم الروماني في سورية ، بأكثر من مئتي سنة ؟! ثمّ لماذا وكيف دخلوا التاريخ منذ القرن الحادي عشر ، إذا كانوا موجودين أيام الرومان وذكرهم المؤرّخ اليوناني إسترابون ؟!

إنّنا لنستغرب أشدّ الاستغراب كيف لم ينتبه المؤلّفان إلى هذا التناقض ؟! لكنّ استغرابنا يزول عندما نقرأ قولهما : (ولا جرمَ أنّ الحاكم بأمر الله الفاطمي ، استعانَ بهذه العقيدة النصيرية لمّا توسّع في معنى إلوهية علي ، وادّعى أنّه تمثال لها ، وأسّس الدرزية بمعونة وزيره (حمزة) ، وهكذا فعلَ (رشيد الدين سنان) واتبع عين الخطّة ...) .

معنى هذا الكلام : أنّ النصيرية هم أصل المذهب الدرزي والمذهب الإسماعيلي ، وهذا القول غير صحيح البتة ، ولم يقله أحد قبل التميمي وبهجت . ولو أنّه كان صحيحاً ، لمَا ألّف حمزة بن علي مؤسّس المذهب الدرزي (الرسالة الدامغة في الرد على الفاسق النصيري) ، الذي اتّهم النصيرية فيها بشتّى التُهم ، ومنها حلول المعنى في علي (عليه السلام) وعبادته .

أمّا رشيد الدين سنان ، فليس هذا اسمه ، واسمه الصحيح هو : سنان بن سليمان بن محمد المعروف بسنان راشد الدين ، وهو لم يؤسّس أيّ مذهب ، وإنّما كان من دعاة الإسماعيلية ، أرسلهُ الإمام الإسماعيلي في (ألموت) ممثّلاً له ؛ ليتدبّر شئون إسماعيلية سورية ، وجَعل مقرّه منطقة


الصفحة 130


(مصياف) ، ولم يذكر له صاحب (أعلام الإسماعيلية) (1) أي كتاب ، أو أيّة مقولة مذهبية أو عقائدية .

وإذا نظرنا فيما جاء في (ولاية بيروت) عن (دين النصيرية) ، رأينا الاضطراب الشديد والتناقض الصارخ . يذكر المؤلّفان : أنّ أوّل اعتقاد النصيرية هو "تثليث الآلهة" ، أي إيمانهم بثلاثة آلهة ، ويسمّون أول هؤلاء الآلهة (المعنى) ، والثاني (الاسم) ، والثالث (الباب) . ويقصدون الغيب المطلق من المعنى ، والاسم : الصورة الظاهرة للمعنى . وأمّا الباب : فهو الطريق الموصِل إلى الغيب المطلق ...) .

ثمّ بعدئذ وجدناهما يقولان : (إنّ النصيريين يعتقدون بحلول الإلوهية في علي ، ونرى في السورة الحادية عشرة من كتاب المجموع هذه العبارة : (أشهدُ بأنّ ليس إلهاً إلاّ علي بن أبي طالب الأصلع المعبود) ، وهي (تنطق بحقيقة تلك العقيدة وأُسسها) .

ويقولان أيضاً : (ويزعمون أنّ الأوقات الخمسة يُقصد بها الأشخاص الخمسة المقدّسة لديهم ، ويقيمون صلاة الظهر باسم (محمد) ، والعصر باسم (فاطمة) ـ أو بتعبيرهم (فاطر) ـ ، وصلاة المغرب باسم (الحسن) ، والعشاء باسم (الحسين) ، والصبح باسم (محسن) . ويعتقدون أيضاً بأنّ الإلوهية تمثّلت في هؤلاء الخمسة ، كما تمثّلت في علي) .

فبموجب هذا الكلام ، كم إلهاً صارَ لدينا ؟! ويبدو أنّه غابَ عن ذهن مؤلّفي (ولاية بيروت) أنّ الفرقة المسمّاة بالمخمّسة هي التي تقول إنّ الله جلّ وعزّ ظهرَ في خمسة أشباح وخمس

ــــــــــــــــــــــــ

(1) مصطفى غالب : أعلام الإسماعيلية ، ص295 .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة